لاحقة قسطموني
— 125 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ ثواباتِ قراءةِ حروفاتِ القرآن التي قرأتموها بِنِيَّتنا في رمضان
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
الدعوات المباركة التي دعا بها الحافظ "علي" في رسالته الأخيرة سَرَّتْني بل سَرَّتْنا جميعًا من أعماق أرواحنا ودفعتنا إلى الشكر.
وقد ذَكر في رسالته أن قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، و إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا هو بمعناه الإشاري مُمِدٌّ، ومنقِذٌ، وشفاءٌ، ومَبعثُ سرورٍ لكلِّ مَن نزلتْ بهم مصيبة، أو اعترتْهم الهموم والأحزان، وأنه مثلما يَنظر إلى كلِّ مُصاب، كذلك يَنظر إلينا باعتبار المرض الذي وقع.. نعم، لقد لاحظ الحافظ "علي" هذه النقطة بدقة، وأنا أقول مُصدِّقًا: لو تضاعَفَ ذلك المرض عشرين ضِعفًا، لكان رحمةً، ولكان قليلَ الكُلفةِ مقابلَ النتيجة التي أنالنا إياها؛ غير أن الحافظ "عليًّا" أسند إلى أستاذه مزيةً وعِصمةً تَفوق حدي كثيرًا، ولستُ أرى هذا مديحًا لي، بل أراه نوعًا من الدعاء بلسانه البريء.
ويذكر أيضًا في رسالته ما بَلَغتْه "إسبارطة" وقرًى وأماكنُ عديدةٌ مثل "صاوة"، حيث أصبحت كلُّ واحدةٍ منها بمثابةِ مدرسةٍ نورية، وحيث يتنوَّر طلابُ رسائل النور الصادقون ويَترقَّون يومًا بعد يومٍ على نحوٍ خارقٍ للعادة؛ وهذا الخبر المُحقَّق مبعثُ فرحٍ وسرورٍ ليس لنا فحسب، بل للأناضول، بل للعالَم الإسلامي أجمع.
ويَذكُر في آخرِ فقرةٍ أنَّ "ما أخبر عنه الصادق المصدوق (ص) من الفتوحاتِ المعنوية وتبديدِ الظلمات قد أزِفَ زمانُه ومكانُه"؛ وهذا ما نؤمِّله من الرحمة الإلٰهية ونرجوه ضارعين من أعماق قلوبنا وأرواحنا، غير أن وظيفتَنا نحن تلاميذَ رسائل النور إنما هي الخدمة، من غير أن نتدخل في الشؤون الإلٰهية أو نقفَ منها في بناء خدمتِنا عليها موقفَ المجرِّب، هذا مع العناية بالكيفية لا الكمية.
— 126 —
على أن رسائل النور قد صَدَّقتْ تمامًا إخبارَ الصادق المصدوق (ص) وأثبتتْه بالوقائع وما تزال، ذلك أنه برغمِ الأسباب الرهيبةِ المستمرةِ منذ زمنٍ بعيد، والداعيةِ إلى سقوط الأخلاق وترجيحِ الحياة الدنيوية على الحياة الأُخروية من كل جهة، فإن رسائل النور حَققتْ وما تزال تُحقِّق الفتوحات، وتَكسِر صَولاتِ الزندقة والضلالة، وتُنقذ إيمانَ مئاتِ آلافِ المساكين، وتُخرِّج مئاتٍ بل آلافًا من الطلبة المؤمنين الحقيقيين، ممن يَعدِل الواحدُ منهم مئةً بل ألفًا.
ولقد ترسَّختْ رسائل النور وتجذَّرتْ في قلب الأناضول، فليس بمقدور أيِّ قوةٍ أن تقتلعها، بل هي بمشيئة الله باقيةٌ إلى أن يأتي في آخر الزمان بإذن الله الأصحابُ الأصليون لدائرة الحياة الواسعة، فيوسِّعوا تلك الدائرة، وتتسنبل تلك البذور، فنشاهد ذلك ونحن في قبورنا، فنشكر الله تعالى.
تفضَّلَ الحافظ "عليٌّ" بالتعريف بأخينا الكريم "حسن عاطف الآيدِني" والثناء عليه، وإن أخانا هذا هو معنا في كلِّ صباحٍ بين الخواص.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هنيئًا لكم وبارك الله بكم من حفَّاظٍ مدققين حقيقةً، فإن وقوفكم على الأخطاء الدقيقة التي وقعت سهوًا في مصحف "خسرو" لَيَدُلُّ بوضوحٍ على قوةِ حفظكم، فنشكركم على هذا المعروف الذي أسدَيتموه لنا، ونسأل الله تعالى أن يجزيكم عنا خيرَ الجزاء، وأن يرضى عنكم أبدًا، آمين.
وبهذه المناسبة نذكر على سبيل المثال بعضَ روائعِ بطلِ النور "خسرو" في خدمته لرسائل النور.
فخلال تسع سنواتٍ أو عشر، نَسَخ هذا الأخ الفاضل أربعَمئةِ رسالةٍ من رسائل النور نَسخًا دقيقًا تُزيِّنه التوافقات، ونَسَخ المصحفَ الشريفَ بهيئةٍ تُظهِر نوعًا من إعجاز
— 127 —
القرآن وتُجلِّيه للعِيان، وقد نَسَخَ ثلاثَ نُسَخٍ: ثِنْتان كاملتان، وثالثةٌ في أجزاء متفرقة، هذا مع كونه غيرَ حافظ، وقد وصلتْنا النُّسَخُ من غير أن تُقابَل مقابلةً تامة، وأرسلناها إليكم من غير مقابلةٍ كذلك، وقد وَقفتم بكمالِ نباهتكم على أربعين أو خمسين سهوًا في الحركات والحروف، وهذا يُبيِّن الدرجةَ التي بَلَغها قلم "خسرو" البديع، فإن وجود أربعين أو خمسين سهوًا في حركاتِ وسَكَناتِ حروفِ المصحفِ البالغِ عددُها ثلاثَمئة ألفِ وستَّمئةٍ وعشرين حرفًا، إنما يُبيِّن أن هذا القلم أُعجوبةٌ في الدقة والإصابة.
ومن لطيفِ ما جرى أن الشخص الذي وقف على سهو "خسرو" وصحَّحه قد سها هو نفسُه في حرفَين أغفل فيهما النقطة، بينما سها "خسرو" سهوًا واحدًا في مئةِ ألفِ حرف، أي إن سهو هذا الحافظ المدقِّق يعفو عن سهو "خسرو".
ثم إنه يمكننا القول: إنَّ فِكر "خسرو" وقلبَه هما كقلمه، بديعان بنفس الدرجة، فإن ارتباطه برسائل النور وهمَّتَه ورغبتَه فيها وقناعتَه بها هي في ارتقاءٍ وازدهارٍ على الدوام، فلا تُزعزعه ولا تَثني عزيمتَه الحوادثُ مهما كانت.
ومن بديعِ ما جرى له أنه ظلَّ خمسَ سنين بعيدًا عن رسائل النور، فما إنِ انتسب إليها حتى نَسَخ في شهرٍ واحدٍ أربعَ عشْرةَ رسالةً منها.
وكان من أمره أني سَبَقَ أن أشرتُ في بضعِ مصاحفَ إشاراتٍ إلى نوعِ لمعةِ إعجازٍ قرآنِيٍّ تُرى بالعين لكلِّ ناظر، ثم وَزَّعتُ المصاحف على إخواني المتميزين في الخط العربي القرآني، وكان منهم "خسرو"، ولم يكن يَبلُغ مبلغَهم، فإذا به يتفوق عليهم جميعًا، بل يتفوق حتى على معلِّمِ الخطِّ نفسِه، حتى لقد فاق أفضلَ إخواننا خطًّا بعشر درجات، فسلَّموا له قائلين: نعم، لقد فاقَنا فلا نستطيع مجاراتَه.
إذًا، إن قلم "خسرو" كرامةٌ للقرآن المعجِز البيان، وكرامةٌ لرسائل النور.. نعم، هو لهما كرامةٌ وخارقةٌ أشبهُ بالمعجزة.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭