— 123 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ الثابتين..
إن فعاليتكم وجهودَكم الدؤوبة هي بمثابةِ النابضِ المحرِّكِ لدائرة رسائل النور، فأنتم تُحفِّزوننا وتُحفِّزون أماكن كثيرةً على الحركة والعمل، جزاكم الله خيرًا، ورضي عنكم أبدًا.. ألْفَ آمينَ آمين.
كَتبْنا جزءًا ليُلحَق بی"الوِرد الأعظم لرسائل النور" المرسَلِ إليكم قبلَ "الحزب القرآني"؛ وثمة جزءٌ آخَرُ أُخطِر إليَّ لكونِ تفكُّراتي الخصوصيةِ من نوعه، فكتبتُه، وقد بيَّنا موضعَه في "اللمعة التاسعة والعشرين".
ثانيًا: بمناسبة المسألة الثانية التي بيَّنتُها في رسالتي إليكم قبل أيام، والتي تتحدث عن غَلَبةِ الحياةِ الدنيوية على الحياة الدينية، فقد ظهر للقلب معنًى دقيقٌ للغاية لا تستوعبه السطور، لكني سأشير إليه بغاية الاختصار.
وهو أن لذائذ أهلِ الضلالة عبيدِ الحياة في هذا العصر العجيب ما هي إلا لذائذُ صُوريةٌ يُحصِّلونها من الفانيات، تَخدعهم وتُسكِرهم، لكنها في الحقيقة أليمةٌ مريرةٌ غايةَ المرارة والألم؛ وأنه توجَد لأهل الإيمان والهداية في الموضع نفسِه وفي الفانيات نفسِها لذائذُ عُلْويةٌ باقية.. هذا أمرٌ شاهدتُه وأحسستُ به لكني لا أستطيع التعبير عنه.
— 124 —
وكما أَثبتتْ رسائلُ النور في مَواضعَ متعددةٍ أن كلَّ شيءٍ یی سوى الزمان الحاضر یی هو بالنسبة لأهل الضلالة معدومٌ مليءٌ بآلام الفِراق، وأن الماضي والمستقبل وما فيهما هما بالنسبة لأهل الإيمان موجودان منوَّران؛ فكذلك شاهدتُ أن الفانيات، أي الأوضاع المؤقتة العابرة، هي بالنسبة لأهل الدنيا معدومةٌ في ظلمات الفناء المطلق، وأنها بالنسبة لأهل الإيمان موجودة.
ذلك أني تذكَّرت مرةً الأوضاعَ المؤقتة التي عشتُها فيما مضى، وكان فيها لذائذُ ومباهج، أو كانت قَيِّمةً شريفة.. تذكرتُها بحسرة، فاشتقتُ إليها وتمنَّيتُها، وتساءلتُ: لماذا تظل هذه الأوضاع المباركة في طيِّ الماضي فتَفنى؟! فإذا بنور الإيمان بالله يُذكِّر قائلًا: لئن كانت هذه الأوضاع فانيةً صورةً، فإنها موجودةٌ بعدةِ جهات، لأنها جَلواتٌ لأسماء الله الباقية، فهي باقيةٌ في دائرة العلم، وفي الألواح المحفوظة، وفي الألواح المثالية، وهي كذلك موجودةٌ في وضعيةٍ فوقَ الزمان بالنظر إلى معنى البقاء النابعِ من نور الإيمان؛ وبإمكانك أن تشاهد تلك الأوضاع بجهاتٍ كثيرةٍ وفي شاشاتٍ معنويةٍ كثيرة، بل يمكنك الدخول فيها.
هكذا فَهمتُ، وقلتُ: إن الكلمة القائلة: "ما دام الله موجودًا فكلُّ شيءٍ إذًا موجود" تُعبِّر عن هذه الحقيقة الجليلة، وهي تَدل على أن مَن كان الله له، أي مَن كان يعرف الله، فكلُّ شيءٍ عنده موجود، ومَن لم يكن يعرف الله، فكلُّ شيءٍ عنده معدوم.
إذًا، فالذين يُرجِّحون بسفاهتهم درهمَ لَذَّةٍ تُوْرث آلامًا وظلماتٍ وحسرات، على لَذَّةٍ دائمةٍ خالصةٍ أعظمَ منها بمئاتِ الدرجات، سيُقابَلون بعكسِ مقصودهم، فيذوقون الألم في نفس اللذة.
٭ ٭ ٭