— 121 —
المسألة الثانية: ذُكِر في مبحثِ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، عند بيانِ إشارةِ الآيةِ الحادية والثلاثين، أن إحدى خواصِّ هذا العصر هي أنه يجعل المرءَ يُرجِّح الحياةَ الدنيويةَ على الحياةِ الباقيةِ بِعلم، أي: لقد أصبحتْ قاعدةً مُتَّبعةً أن يُرجِّح المرءُ زجاجًا منكسرًا على ألماسٍ باقٍ وهو يعلم.
— 122 —
ولقد كنت أَحارُ في هذا كثيرًا، حتى وَرَدَ على قلبي في هذه الأيام خاطرٌ يقول: كما أن الإنسان إذا اشتكى منه عضوٌ أو جُرِحَ، تداعتْ له سائرُ الأعضاء، فتركَتْ بعضَ وظائفها وسارعتْ لنجدته، فكذلك الأمر بالنسبة للجهاز الإنساني المُدرَجِ في الفطرة الإنسانية، والقائمِ بمُهِمَّة الحرصِ على الحياة وحفظِها والاستمتاعِ بها وعِشْقِها، فإنه قد جُرِح بالكثير من الأسباب، فشَغَل سائرَ اللطائف بنفسه، وجعل ينحطُّ بها ويسعى ليُنْسِيَها وظائفَها الحقيقية.
وكما أنه إذا وُجِد حفلُ لهوٍ ومُجونٍ باهرُ الأضواء جاذبُ الأجواء، فكما يَنْشَدُّ إليه الأراذل والأصاغر، كذلك يَنْشَدُّ إليه أيضًا الأكابر والحرائر، فيشتركون فيه مُعطِّلين وظائفَهم الحقيقية؛ فالأمرُ كذلك بالنسبة للحياة الإنسانية في هذا العصر، خصوصًا الحياةَ الاجتماعية، فإنها قد آلتْ إلى حالٍ مفزعةٍ لكنها جذابة، ومؤلمةٍ لكنها مثيرة، بحيث دَفعتْ لطائفَ الإنسان العُلْويةَ، لا سيما القلبَ والعقلَ، لاتِّباعِ النفس الأمَّارة، فجعلتْها تَهوي كالفَراش في نيران تلك الفتنة.
نعم، إنْ بَلَغَ الحفاظُ على الحياة الدنيوية درجةَ الضرورة فثمة رخصةٌ شرعية لترجيحه مؤقتًا على بعض الأمور الأُخروية، لكنْ لا رخصةَ ولا ترجيحَ لمجرد وجودِ حاجةٍ أو ضررٍ غيرِ مفضٍ إلى الهلاك؛ والحال أن هذا العصر قد حَقَنَ بخاصيته هذه عروقَ الإنسان حتى صار يترك أمورًا دينيةً هي كالألماس لأجلِ حاجةٍ صغيرةٍ أو ضررٍ دنيويٍّ بسيط.
أجل، لقد جُرِح عِرقُ الحياةِ الإنسانيةِ في هذا العصر جُرحًا بليغًا، وأُصيب جهازُ حفظِ الحياة إصابةً بالغةً من جرَّاء الإسرافِ ورفعِ البركة الناجمِ عن الحرص وعدمِ القناعة وعدمِ الاقتصاد، ومن جرَّاء ازدياد الفقرِ والضرورةِ وحاجاتِ المعيشة، كما أن أهلَ الضلالة دأبوا على توجيه الاهتمام إلى هذه الحياة الفانية، حتى صار ذلك العِرقُ يوجِّه الأنظار إلى نفسه، ويدفع المرءَ لترجيح أدنى حاجةٍ حياتيةٍ على قضيةٍ دينيةٍ جليلة.
ولا يَقدر على مواجهة هذا المرضِ العجيبِ والداءِ الرهيبِ لهذا العصر العجيب إلا رسائلُ النور التي تنشر أدويةَ القرآن المعجِز البيان ترياقًا، ولا يَقدِر على مقاومة
— 123 —
هذا الداء والمرض إلا تلاميذُها الأقوياء الثابتون الصامدون الخالصون الصادقون المضحُّون.
وما دام الأمر كذلك، فاللازم أولًا الدخولُ في دائرتها، والتمسكُ بها بصدقٍ ووفاء، ومتانةٍ تامة، وإخلاصٍ جاد، واعتمادٍ تام، حتى ينجوَ المرء من تأثيرات هذا المرض العجيب.
نُسلِّم على عموم إخواننا وندعو لهم فردًا فردًا.
٭ ٭ ٭