— 79 —
مقدمة أخرى
اعلم أن الطبيعيين يقولون: إنَّ للأسباب تأثيرًا حقيقيًا.. والمجوس يقولون: إنَّ للشرّ خالقًا آخرَ.. والمعتزلة يدّعون: أن الحيوان خالقٌ لأفعاله الاختيارية. وأساسُ هذه الثلاثة مبنيٌ على وهمٍ باطلٍ، وخطأٍ محضٍ، وتجاوزٍ عن الحدِّ وقياسٍ مع الفارق، خدعَهم وشبطهم؛ إذ ذهبوا ظنًا منهم إلى التنیزيه فوقعوا في شَرَك الشِرك. وإن شئت التفصيلَ فاستمع لمسائل تطرُد ذلك الوهمَ:
منها: أنه كما أن استماع الإنسان وتكلّمَه وملاحظتَه وتفكره جزئيةٌ تتعلق بشيءٍ فشيءٍ على سبيل التعاقُب؛ كذلك همتُه جزئيةٌ لا تشتغل بالأشياء إلَّا على سبيل التناوب.
ومنها: أن قيمةَ الإنسان بنسبة ماهيته.. وماهيتُه بدرجة همّته.. وهمتُه بمقدار أهمية المقصد الذي يشتغل به.
ومنها: أن الإنسان إلى أي شيء توجَّه يفنى فيه وينحبسُ عليه. ومن هذه النقطة ترى الناس -في عُرفهم- لا يُسندون شيئًا خسيسًا وأمرًا جزئيًا إلى شخص عظيم وذاتٍ عال؛ بل إلى
— 80 —
الوسائل ظنًا منهم أن الاشتغالَ بالأمر الخسيس لا يناسب وقارَه، وهو لا يتنیزَّلُ له ولا يسعُ الأمرُ الحقير همّتَه العظيمة، [٭]: أي لا يليق بهمته العظيمة الانشغال بالأمر الحقير. (ت) ولا يوازَن الأمرُ الخفيفُ مع همّته العظيمة.
ومنها: أن من شأن الإنسان -إذا تفكّر في شيء لمحاكمةِ أحواله- أن يتحرّى مقاييسَه وروابطه وأساساتِه، أولًا في نفسه، ثم في أبناءِ جنسه.. وإن لم يجد ففي جوانبه من الممكنات. حتى إن واجبَ الوجود الذي لا يشبه الممكنات بوجهٍ من الوجوه إذا تفكّر فيه الإنسانُ تُلجِئُه القوةُ الواهمة لأن يجعل هذا الوهمَ السيء المذكورَ دستورًا، والقياسَ الخادعَ منظارًا له. مع أنّ الصانعَ جلّ جلالُه لا يُنظر إليه من هذه النقطة؛ إذ لا انحصار لقدرتِه.
ومنها: أن قدرتَه وعلمَه وإرادتَه جلّ جلالُه كضياء الشمس - وللّٰه الْمَثَلُ الاعْلى - شاملةٌ لكل شيء، وعامةٌ لكلِّ أمر. فلا تقعُ في الانحصار ولا تجيءُ في الموازنة. فكما تتعلقُ بأعظم الأشياء كالعرش؛ تتعلق بأصغرِها كالجَوهر الفرد.. وكما خلَقَ الشمس والقمر؛ كذلك خلَق عينَي البرغوث والبعوضة.. وكما أودع نظامًا عاليًا في الكائنات؛ كذلك أوقعَ نظامًا دقيقًا في أمعاء الحيوانات الخُرْدَبِينِيَّة.. [٭]: أي المجهرية التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. وكما ربطَ الأجرامَ العلويةَ والنجومَ المعلَّقةَ بقانونِه المسمّى بالجاذب العمومي؛ كذلك نظّم الجواهرَ الفَردةَ بنظير ذلك القانون كأنه مثالٌ مصغّر لها. إذ بتداخل العَجز تتفاوتُ مراتبُ القُدرة. فمَن امتنعَ عليه العجزُ تتساوى في قدرته الأشياءُ، إذ العجزُ ضدُّ القدرةِ الذاتية. فتأمل!
ومنها: أن أول ما تتعلق به القدرةُ ملكوتيةُ الأشياء وهي شفّافةٌ حسنةٌ في الكلِّ كما مرَّ. فكما أنه جلّ جلالُه جعل وجهَ الشمس مجلًى ووجهَ القمر مستضيئًا؛ كذلك صيَّر ملكوتيةَ الليل والغيمِ حسنةً منيرةً.
ومنها: أن مقياسَ عظمته تعالى وميزانَ كمالاته وواسطةَ محاكمة أوصافه لا يسعُها ذهنُ البشر، ولا يمكن له إلّا بوجهٍ، [٭]: أي لا يمكن للإنسان أن يستوعب أوصافه الجليلة إلّا بما يتحصل له من مشاهدة مصنوعاته سبحانه وتعالى. بل إنما هو بما يتحصّل من جميع مصنوعاته.. وبما يتجلّى من مجموع آثاره.. وبما يتلخّص من كل أفعاله. نَعم، الذرةُ تكون مرآةً ولا تكون مقياسًا.
وإذا تفطنتَ لهذه المسائل فاعلم أن الواجب تعالى لا يُقاس على الممكنات، إذ الفرقُ من
— 81 —
الثرى إلى الثريا. ألا ترى أهلَ الطبيعة والاعتزال والمجوس -بناءً على تسلّط القوة الواهمة بهذا القياس على عقولهم- كيف التجَأوا إلى إسنادِ التأثير الحقيقي إلى الأسباب، وخلقِ الأفعال للحيوان، وخلقِ الشر لغيره تعالى؟ يظنون ويتوهمون أن اللّٰه تعالى بعظمته وكبريائه وتنیزُّهه كيف يتنیزَّلُ لهذه الأمور الخسيسةِ والأشياءِ القبيحة؟ فسحقًا لهم! كيف صيَّروا العقلَ أسيرًا لهذا الوهم الواهي هذا؟.. يا هذا! هذا الوهمُ قد يتسلط على المؤمن أيضا من جهة الوَسوسة فتجنَّب!
﴿ خَتَمَ اللّٰه عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى اَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾
أما تحليل كلمات هذه الآية ونظمها:
فاعلم أن ربطَ ختم بی لايؤمنون وتعقيبَه به نظيرُ ترتّب العقابِ على العمل. كأنه يقول لمّا أفسدوا الجزءَ الاختياري ولم يؤمنوا، عوقبوا بخَتم القلبِ وسَدِّه. ثم لفظ "الختم" يشير إلى استعارة مركبةٍ تومئُ إلى أسلوب تمثيلي يرمز إلى ضربِ مَثَلٍ يصوِّر ضلالَتهم؛ إذ المعنى فيه منعُ نفوذِ الحق إلى القلب. فالتعبيرُ بالختم يُصوِّر القلبَ بيتًا بناه اللّٰه تعالى ليكون خزينةَ الجواهر، ثم بسوء الاختيار فَسدَ وتعفَّن وصار ما فيه سُمومًا فأُغلق وأُمهِرَ ليُجتَنب.
وأما اللّٰه فاعلم أن فيه التفاتًا من التكلم إلى الغَيبة. ومع نكتة الالتفاتِ ففي مناسبة لفظِ اللّٰه مع متعلِّق لايؤمنون في النية، أعني لفظَ "باللّٰه"، إشارةٌ إلى لطافةٍ، هي أنه لمّا جاء نورُ معرفةِ اللّٰه إليهم فلم يفتحوا بابَ قلبِهم له، تولّى عنه مُغضبًا وأغلق البابَ عليهم.
وأما على فاعلم أن فيه -بناءً على كون الختم متعدّيًا بنفسه- إشارةً إلى تضمين ختم "وَسَم"، كأنه يقول: جعل اللّٰه الختمَ وَسْمًا وعلامةً على القلب يتوسّمُه الملائكةُ.. وفي على أيضًا إيماءٌ إلى أن المسدودَ البابُ العلويُّ من القلب لا البابُ السفلي الناظرُ إلى الدنيا.
— 82 —
وأما قلوبهم قدَّمَه على السمع والبصر لأنه هو محلُّ الإيمان.. ولأن أولَ دلائل الصانع يتجلى من مشاورة القلبِ مع نفسه، ومراجعةِ الوجدان إلى فطرته، لأنه إذا راجع نفسَه يُحِسُّ بعَجزٍ شديد يُلجئه إلى نقطةِ استنادٍ، ويرى احتياجًا شديدًا لتنمية آمالِه فيضطرّ إلى نقطةِ استمداد، ولا استنادَ ولا استمدادَ إلَّا بالإيمان..
ثم إن المرادَ بالقلب اللطيفةُ الربانيةُ التي مظهرُ حسيّاتِها الوجدانُ، ومَعكَس أفكارها الدماغُ، لا الجسمُ الصنوبريُّ. فإذًا في التعبير بالقلب رمزٌ إلى أن اللطيفةَ الربانيةَ لمعنويات الإنسان كالجسم الصنوبري لجسدِه. فكما أن ذلك الجسمَ ماكينةٌ حياتية تنشُر ماءَ الحياة لأقطار البدن، وإذا انسدّ وسكَنَ جمَد الجسدُ؛ كذلك تلك اللطيفةُ تنشُر نورَ الحياة الحقيقية لأقطار الهيئة المجسَّمة من معنوياته وأحواله وآماله. وإذا زال نورُ الإيمان -العياذ باللّٰه- صارت ماهيتُه التي يصارع بها الكائنات كشَبَحٍ لا حراكَ به وأظلمَ عليه.
وأما وعلى سمعهم كرّر على للإشارة إلى استقلال كلٍّ بنوعٍ من الدلائل. فالقلبُ بالدلائل العقلية والوجدانية. والسمعُ بالدلائل النقليةِ والخارجية، وللرمز إلى أن ختمَ السمعِ ليس من جنس ختمِ القلب.. ثم إن في إفراد السمع مع جمعِ جانبَيه إيجازًا ورموزًا إلى أن السمعَ مصدرٌ، لعدم الجَفن له.. وإلى أن المُسمِعَ فرد.. وأن المسموعَ للكلِّ فردٌ.. وأنه يُسمِعُ فردًا فردًا.. ولاشتراك الكلِّ كأن أسماعَهم بالاتصال صارت فردًا.. ولاتحاد الجماعة وتشخّصها يُتَخيّل لها سمعُ فردٍ.. وإلى إغناء سمعِ الفرد عن استماع الكلِّ فحقُّ السمع في البلاغة الإفرادُ.. لكن القلوبَ والأبصارَ مختلفةٌ متعلقاتُهما، ومتباينةٌ طرقُهُما، ومتفاوتةٌ دلائلهُما، ومعلِّمُهما على أنواع، وملقّنُهما على أقسام. فلهذا توسّط المُفرَدُ بين الجَمعَين.
وعُقّب القلبُ بالسمع لأن السمعَ أبٌ لملَكاته، وأقربُ إليه، ونظيرُه في تساوي الجهات الست عنده.
وأما وَعلى ابصارهم غشاوة فاعلم أن في تغيير الأسلوب باختيار الجملة الاسمية إشارةً إلى أن جِنانَ البصَر التي يُجتَنى منها دلائلُه ثابتةٌ دائمةٌ بخلاف حدائقِ السمع والقلب؛ فإنها متجدّدةٌ..
وفي إسناد الختم إلى اللّٰه تعالى دون الغشاوةِ إشارة إلى أن الختمَ جزاءُ كسبِهم، والغشاوة مكسوبةٌ لهم، ورمزٌ إلى أن في مبدأ السمع والقلب اختيارًا، وفي مبدأ البصر اضطرارًا، ومحل الاختيار غشاوةُ التعامي. وفي عنوان الغشاوة إشارةٌ إلى أن للعين جهةً واحدةً. وتنكيرُها
— 83 —
للتنكير، أي التعامي حجابٌ غيرُ معروف حتى يُتَحفَّظ منه.. قدّم وَعلى ابصارهم ليوجّه العيونَ إلى عيونهم، إذ العين مرآةُ سرائر القلب.
وأما ولهم عذاب عظيم فاعلم أنه كما أشار بالكلمات السابقة إلى حنظلات تلك الشجرة الملعونة الكفرية في الدنيا؛ كذلك أشار بهذه إلى حنظلة جانبها الممتد إلى الآخرة وهي زقّومُ جهنّم..
ثم إن سجية الأسلوب تقتضي "وعليهم عقاب شديد". ففي إبدال على باللام و"العقاب" بالعذاب و"الشديد" بالعظيم، مع أن كلا منها يليق بالنعمة
رمزٌ إلى نوعِ تهكّم توبيخيّ تعريضيّ؛ كأنه ينعي بهم: ما منفعتُهم، ولا لذتُهم، ولا نعمتُهم العظيمة إلَّا العقابُ؛ نظير "تَحِيَّةُ بَيْنِهمْ ضَرْبٌ وَجِيع". [٭]: وخيلٍ قد دَلَفتُ لها بِخَيلٍ تحيّةُ بَينِهم ضربٌ وَجيع. (البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي شاعر مخضرم ٧٥ ق -٢١هی /٥٤٧-٦٤٢م). و فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ اَلِيمٍ (آل عمران:٢١).
إذ اللام لعاقبة العمل وفائدتِه. فكأنه يتلو عليهم: "خذوا أُجرة عملكم".
وفي لفظ الی"عذاب" رمزٌ خفي إلى أن يذكّرَهم استعذابَهم واستلذاذَهم بالمعاصي في الدنيا فكأنه يقرأ عليهم "ذوقوا مرارةَ حلاوتكم".
وفي لفظ الی"عظيم" إشارةٌ خفية إلى تذكيرهم حالَ صاحبِ النعمة العظيمة في الجنة فكأنه يلقّنهم: انظروا إلى ما ضيَّعتم على أنفسكم من النعمة العظيمة، وكيف وقعتُم في الألم الأليم.
ثم إن عظيم تأكيد لتنوين عذابٌ
- إن قلت: إنَّ معصية الكفر كانت في زمانٍ قليل والجزاءُ أبديٌّ غيرُ متناهٍ، فكيف ينطبق هذا الجزاءُ على العدالة الإلهية؟ وإنْ سُلِّم، فكيف يوافق الحكمةَ الأزلية؟ وإن سُلِّم، فكيف تساعده المرحمةُ الربانية؟
قيل لك: مع تسليم عدم تناهي الجزاءِ، إن الكفر في زمان متناهٍ جنايةٌ غيرُ متناهية بستِّ جهات:
منها: أن من مات على الكفر لو بقي أبدًا لكان كافرًا أبدًا لِفَساد جوهر روحِه، فهذا القلبُ الفاسد استعدَّ لجناية غير متناهية.
— 84 —
ومنها: أن الكفر وإن كان في زمانٍ متناهٍ لكنه جنايةٌ على غير المتناهي، وتكذيبٌ لغير المتناهي أعني عمومَ الكائنات التي تشهد على الوحدانية.
ومنها: أن الكفر كفرانٌ لنِعَمٍ غير متناهية.
ومنها: أن الكفر جناية في مقابلة الغير المتناهي وهو الذاتُ والصفاتُ الإلهية.
ومنها: أن وجدان البشر -بسرّ حديثِ: "لَا يَسَعُني أرْضِي وَلا سَمائي"- [٭]: الحديث "ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن". قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية: وذكرُ جماعةٍ له من الصوفية لا يريدون حقيقة ظاهره من الاتحاد والحلول لأن كلًا منهما كفر، وصالحو الصوفية أعرف الناس باللّٰه وما يجب له وما يستحيل عليه، وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان باللّٰه ومحبته ومعرفته. اهی.
وانظر: أحمد بن حنبل، الزهد ص٨١؛ الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/١٥؛ الديلمي، المسند ٣/١٧٤؛ الزركشي، التذكرة في الأحاديث المشتهرة ص ١٣٥؛ السخاوي، المقاصد الحسنة ص ٩٩٠؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٢٥٥. وإن كان في الظاهر والمُلك محصورًا ومتناهيًا لكن ملكوتيتَه بالحقيقة نشرت ومدّت عروقها إلى الأبد. فهو من هذه الجهة كغير المتناهي وبالكفر تلوّث واضمحلّ.
ومنها: أن الضدَّ وإن كان معانِدًا لضدِّه لكنه مماثلٌ له في أكثر الأحكام. فكما أن الإيمان يُثمر اللذائذَ الأبدية، كذلك من شأن الكفر أن يتولد منه الآلامُ الأبدية.
فمَن مزَج هذه الجهات الست يستنتج أنّ الجزاء الغير المتناهي إنما هو في مقابلة الجناية الغير المتناهية وما هو إلّا عينُ العدالة.
- إن قلت: طابقَ العدالة، [٭]: أي إن الجزاء الأبدي للكافر طابق العدالة. لكن أين الحكمةُ الغنيةُ عن وجود الشرور المنتجة للعذاب؟
قيل لك: -كما قد سمعتَ مرة أخرى- إنه لا يُترك الخيرُ الكثيرُ لتخلّل الشرِّ القليل، لأنه شرٌّ كثيرٌ. إذ لمّا اقتضت الحكمةُ الإلهية تظاهُرَ ثبوتِ الحقائق النسبية -التي هي أزيدُ بدرجاتٍ من الحقائق الحقيقية- ولا يمكن هذا التظاهرُ إلا بوجود الشر؛ ولا يمكن توقيفُ الشرِّ على حدِّه ومنعُ طغيانه إلّا بالترهيب؛ ولا يمكن تأثيرُ الترهيب حقيقةً في الوجدان إلّا بتصديق الترهيب وتحقيقِه بوجود عذاب خارجي؛ إذ الوجدانُ لا يتأثر حق التأثر -كالعقل والوَهم- بالترهيب إلّا بعد أن يتحدّس بالحقيقة الخارجية الأبدية بتفاريق الأمارات.. فمِن عينِ الحكمة بعد التخويف من النار في الدنيا وجودُ النار في الآخرة.
— 85 —
- إن قلت: قد وافق الحكمةَ فما جهةُ المرحمة فيه؟
قلت: لا يُتصور في حقّهم إلّا العدمُ أو الوجودُ في العذاب، والوجودُ -ولو في جهنم- مرحمةٌ وخيرٌ بالنسبة إلى العدم إنْ تأملتَ في وجدانك؛ إذ العدمُ شرٌّ محض، حتى إن العدمَ مرجعُ كلِّ المصائب والمعاصي إنْ تفكرتَ في تحليلها. وأما الوجودُ فخيرٌ محض فليكن في جهنم..
وكذا إن من شأن فطرةِ الروح -إذا عَلِم أن العذابَ جزاءٌ مزيلٌ لجنايته وعصيانه- أن يرضى به لتخفيف حمل خجالة الجناية، ويقولَ: "هو حقٌّ، وأنا مستحق". بل حبًا للعدالة قد يلتذُّ معنًى! وكم من صاحب ناموس في الدنيا يشتاق إلى إجراء الحدّ على نفسه ليزولَ عنه حجابُ خجالة الجناية. وكذا إن الدخول وإن كان إلى خلود دائم وجهنمُ بيتُهم أبدًا، لكن بعد مرور جزاء العمل دون الاستحقاق يحصل لهم نوع ألفةٍ وتطبّع مع تخفيفات كثيرة مكافأةً لأعمالهم الخيرية. أشارت إليها الأحاديث. فهذا مرحمةٌ لهم مع عدم لياقتهم.
— 86 —
﴿ وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ امَنَّا بِاللّٰه وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤمِنِينَ ٨ ﴾
وجه النظم: أنه كما يُعطَف المفردُ على المفردِ للاشتراك في الحُكم، والجملةُ على الجملةِ للاتحاد في المقصِد؛ كذلك قد تُعطَف القصةُ على القصة للتناسب في الغَرَض. ومن الأخير عطفُ قصةِ المنافقين على الكافرين. أي عطفُ ملخّص اثنتي عشرة آية على مآل آيتين؛ إذ لما افتتح التنیزيلُ بثناء ذلك الكتاب فاستتبع ثمراتِ ثنائه من مدح المؤمنين، فاستردف ذمَّ أضدادهم بسرّ "إنما تُعرف الأشياءُ بأضدادها"، ولِتَتم حكمةُ الإرشاد... ناسَبَ تعقيبُ المنافقين تكميلًا للأقسام.
- إن قلت: لِمَ أوجزَ في حق الكافرين كفرًا محضًا بآيتين وأطنب في النفاق باثنتي عشرة آية؟
قيل لك: لنكاتٍ؛
منها: أنَّ العدُوّ إذا لم يُعْرَف كان أضرَّ. وإذا كان مُخَنّسًا [٭]: الخُنُوس: الانقباضُ والاستخفاء. (لسان العرب) كان أخبثَ. وإذا كان كذابًا كان أشدَّ فسادًا. وإذا كان داخليًا كان أعظمَ ضررًا؛ إذ الداخليُّ يفتّت الصلابةَ ويشتِّت القوةَ بخلاف الخارجي فإنه يتسبب لتشدّد الصلابة العصبية. فأسفًا! إن جنايةَ النفاق على الإسلام عظيمةٌ جدًّا. وما هذه المُشَوَّشِيَّة [٭]: شوّش الأمر: خلطه، صيّره مضطربًا إلّا منه. ولهذا أكثَر القرآنُ من التشنيع عليهم.
ومنها: أن المنافق لاختلاطه بالمؤمنين يَستأنس شيئًا فشيئًا، ويألَف بالإيمان قليلًا قليلًا، ويستعدّ لأن يتنفّر عن حال نفسِه بسبب تقبيح أعماله وتشنيع حركاته؛ فتتقطرُ كلمةُ التوحيد من لسانه إلى قلبه.
ومنها: أن المنافق يزيد على الكفر جناياتٍ أُخَر كالاستهزاءِ والخداع والتدليس والحيلة والكذب والرياء.
ومنها: أن المنافق في الأغلب يكون من أهل الكتابِ ومن أهل الجَرْبَزَة الوهمية فيكون حَيّالًا دسّاسًا ذا ذكاء شيطانيّ، فالإطنابُ في حقّه أعرقُ في البلاغة.
— 87 —
أما تحليل كلمات هذه الآية، فاعلم أن مِن الناس خبرٌ مقدَّم لی مَن على وجهٍ.
- إن قلت: كون المنافق إنسانًا بديهيٌّ...؟
قيل لك: إذا كان الحُكم بديهيًا يكون الغرضُ واحدًا من لوازمه، وهنا هو التّعجيب. كأنه يقول: كونُ المنافق الرذيل إنسانًا عجيبٌ؛ إذ الإنسان مكرّم، ليس من شأنه أن يتنیزّل إلى هذه الدَرَكة من الخِسّة.
- إن قلت: فَلِمَ قدَّم؟
قيل لك: من شأن إنشاء التعجّبِ الصدارةُ، وليتمركز النظرُ على صفة المبتدأ التي هي مناطُ الغرض وإلّا لانتظرَ ومرَّ إلى الخبر.
ثم إن عنوان الناس يترشح منه لطائف:
منها: أنه لم يفضَحهم بالتعيين، بل ستَرَهم تحت عنوان الناس إيماءً إلى أن سَترَهم وعدمَ كشف الحجاب عن وجوههم القبيحة أنسبُ بسياسة النبيّ عليه السلام؛ إذ لو فضَحَهم بالتشخيص لتوَسوَس المؤمنون؛ إذ لا يُؤْمَن من دسائس النفس. والوسوسةُ تنجرُّ إلى الخوف، والخوفُ إلى الرياء، والرياء إلى النفاق.. ولأنه لو شنّعَهم بالتعيين لقيل: إن النبي عليه السلام متردّدٌ لا يثقُ بأتباعِه.. ولأن بعضًا من الفساد لو بقيَ تحت الحجاب لانطفأ شيئًا فشيئًا واجتَهد صاحبُه في إخفائه ولو رُفع الحجاب -فبناءً على ما قيل "إِذا لمْ تسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ"- [٭]: هذا المثل أصله حديث نبوي رواه البخاري عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "إن مما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت". لَيقولُ: فليكن ما كان، ويأخذ في النشر ولا يبالي.
ومنها: أن التعبير بی الناس يشير إلى أنه مع قطع النظر عن سائر الصفات المنافية للنفاق فأعَمُّ الصفات، -أعني "الإنسانية"- أيضًا منافيةٌ له؛ إذ الإنسانُ مكرَّم ليس من شأنه هذه الرَذالة.
ومنها: أنه رمزٌ إلى أن النفاق لا يختصُّ بطائفةٍ ولا طبقة، بل يوجد في نوع الإنسان أيةَ طائفةٍ كانت.
ومنها: أنه يُلَوِّح بأن النفاق يُخِلّ بحيثية كلِّ مَن كان إنسانًا فلابد أن يتحرك غضبُ
— 88 —
الكل عليه، ويتوجّه الكلُّ إلى تحديده، لئلا ينتشر ذلك السُّمُّ؛ كما يُخِلُّ بناموس طائفةٍ ويهيِّج غضبَهم شناعةُ فرد منهم.
وأما مَن يقول آمنا
- فإن قلت: لِمَ أفردَ يقول وجمع آمنا مع أن المرجِع واحد؟
قيل لك: فيه إشارة إلى لطافةٍ ظريفة هي: إظهارُ أن المتكلمَ مع الغير متكلمٌ وحدَه فی يقول: للتلفظ وحدَه و آمنا لأنه مع الغير في الحُكم.. ثم إن هذا حكايةٌ عن دعواهم ففي صورة الحكاية إشارةٌ إلى ردّ المَحكيّ بوجهين، كما أن في المَحكيّ إشارةً إلى قوته بجهتين؛ إذ يقول يرمز بمادَّته إلى أن قولَهم ليس عن اعتقادٍ وفعلٍ، بل يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.. وبصيغته يومئ إلى أن سببَ استمرار مُدافعَتهم وادعائهم مُراءاة الناس لا مُحرّك وجداني.. وفي الدعوى إيماءٌ منهم بصيغة الماضي إلى: "إنّا معاشرَ أهل الكتاب قد آمنا قبلُ فكيف لا نؤمن الآن".. وفي لفظ نَا رمزٌ منهم إلى: "إنّا جماعة متحزّبون لسنا كفردٍ يَكذِب أو يُكذَّب".
وأما باللّٰه وباليوم الآخر فاعلم أن للتنیزيل أنْ يأخذ المَحكيَّ بعينه، أو يتصرفَ فيه بأخذ مآله، أو تلخيص عبارته:
فعلى الأولِ: ذكروا الأولَ والآخرَ من أركان الإيمان إظهارًا للقوي، ولِما هو أقربُ لأن يُقبَل منهم، وأشاروا إلى سلسلة الأركان بتكرار الباء مع القُرب.
وعلى الثاني: بأن يكون كلامَه تعالى؛ ففي ذكر القُطبين فقط إشارةٌ إلى أن أقوى ما يدَّعونه أيضًا ليس بإيمان؛ إذ ليس إيمانُهم بهما على وجههما. وكرّر الباء للتفاوت؛ إذ الإيمان باللّٰه إيمانٌ بوجوده ووَحدته، وباليوم الآخر بحقيّته ومجيئه كما مرّ.
وأما وما هم بمؤمنين
- فإن قلت: لِمَ لم يقل "وما آمنوا" الأشبهِ بی آمنا؟
قيل لك: لئلا يُتوهمَ التناقضُ صورةً، [٭]: أي بين "آمنا" التي جاءت في الآية، وبين "وما آمنوا" المذكورة في السؤال. ولئلّا يَرجِع التكذيبُ إلى نفس
— 89 —
آمنا، الظاهر إنشائيتُه المانعةُ من التكذيب. بل ليرجِع النفيُ والتكذيبُ إلى الجملة الضمنية المستفادَة من آمنا، وهي "فنحن مؤمنون".. وأيضًا ليدلّ باسميّة الجملة على دوام نفي الإيمانِ عنهم.
- إن قلت: لِمَ لا يدل على نفي الدوام مع أن "ما" مقدَّم؟.
قيل لك: إنَّ النفي معنى الحرف الكثيف، والدوامَ معنى الهيئة الخفيفة، فالنفيُ أغمسُ وأقربُ إلى الحُكم.
- إن قلت: ما نكتةُ (٭): نكتة في غاية الدقة. (المؤلف) الباء على خبر "ما"؟
قيل لك: ليَدلّ على أنهم ليسوا ذواتًا أهلًا للإيمان وإن آمنوا صورةً، إذ فرقٌ بين "ما زيدٌ سخيًا" و"ما زيدٌ بسخي"؛ إذ الأول -لهوائية الذات- معناه: زيدٌ لا يسخو بالفعل وإن كان أهلًا ومن نوع الكرماء. وأما الثاني: فمعناه زيدٌ ليس بذاتٍ قابل للسماحة وليس من نوع الأسخياء وإن أحسنَ بالفعل.
— 90 —
﴿ يُخادِعُونَ اللّٰه وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ اِلَّا اَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٩ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّٰه مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ بِمَا كانُوا يَكْذِبُونَ ١٠ ﴾
اعلم أن وجهَ النظم: إشاراتُ جُمَلها: إلى التوبيخ على النفاق.. ثم تشنيعُه.. ثم تقبيحُهم.. ثم التهديدُ عليه.. ثم ترهيبُهم.. ثم التعجُّب منهم.. ثم بيانُ مقصدهم من قولهم المذكور.. ثم بيانُ علّة قولهم.. ثم بيانُ أولِ الجنايات الأربع الناشئةِ من النفاق وهي الخداعُ، والإفساد، وتسفيهُ المؤمنين، والاستهزاءُ بهم.. ثم تمثيلُ جناياتِهم وحيَلهم بأسلوبِ استعارةٍ تمثيلية هكذا: بأن صوّر معاملتَهم مع أحكامِ اللّٰه تعالى ومع النبي عليه السلام والمؤمنين -بإظهارهِم الإيمانَ لأغراضٍ دنيوية مع تبطّن الكفر- ومعاملةَ اللّٰه والنبي والمؤمنين معهم -بإجراء أحكام المؤمنين عليهم استدراجًا، مع أنهم أخبثُ الكفَرة عند اللّٰه- بصورة خداعِ شخصين، أو الصياد مع الصيد الذي يُحِسّ الصياد بالخروج عن القاصعاء ثم يفرّ من النافقاء. [٭]: كلاهما من جحرة اليربوع، يُظهر الأولى ويخفي الثانية. (ش)
أما نظمُ جُمل الجناية الأولى من يُخادِعُونَ إلى بِمَا كانُوا يَكْذِبُونَ فانظر إلى ما تضمنت من النتائج المتسلسلة المترتبة في الجُمل السبع، وهي: تحميقُهم بطلب المُحال.. ثم تسفيهُهم بإضرار أنفسهم بنيّة المنفعة.. ثم تجهيلُهم بعدم التمييز بين الضرّ والنفع.. ثم ترذيلُهم بخبث الطينة ومرضِ معدن الصحة وموتِ منبع الحياة.. ثم تذليلُهم بتزييد المرض في طلب الشفاء.. ثم تهديدُهم بألمٍ محض يولّد ألمًا صرفًا.. ثم تشهيرُهم بين الناس بأقبح العلامات، أعني الكذب.
وأما اتّساقُ وانتظام تلك الجمل السبع وانصباب الحُكم فيما بينها فهو أنك كما إذا أردتَ زجْرَ واحد عن شيءٍ ونُصحَه، تقول له أولًا: يا هذا! إنْ كان لك عقلٌ فهذا محال.. ثم إن كنت تحب نفسَك فهذا يضرّها.. ثم إن كان لك حسٌّ فلِمَ لا تميّز بين الضر والنفع؟. ثم إن لم يكن لك اختيارٌ فلا أقل من أن تعرف فسادَ سجيتك، وفيها مرضٌ يحرِّف الحقيقة، ويريك الحُلوَ مُرًا.. ثم إن تطلب الشفاء فهذا يزيد مرضَك ولا يشفي، مثلُك كمثل مَن ابتُلى بداء السهَر فاجتهد في النوم فانتج له قلقا طيّر نعاسَه أيضًا، أو كمن أُصيب قلبُه بداء "المَرَق" [٭]: المرق: كلمة أعجمية تعنى الاهتمام واللهفة والأمل وحب التطلع.
— 91 —
فاغتمّ لوجود المصيبة حتى صيَّر المصيبة مصيبتين.. ثم إن تتحرَّ اللذةَ فهذا فيه ألمٌ شديد ينتج ألمًا أشدَّ، ليس كأمثاله التي فيها لذةٌ مزخرفة.. ثم إنْ لم تنتبه ولم تنیزجر لا يبقى إلّا أن يُوسمَ على خرطومِك بوَسمٍ قبيح، وتُعلَن بين الناس لِمنع سرايةِ فسادِك إلى الناس.
كذلك إن اللّٰه تعالى قال لزجر المنافقين: يُخادِعُونَ اللّٰه بدل "يخادعون النبيّ" لتحميقهم، أي كيف يخادعون النبيّ عليه السلام والنبيُّ مبلِّغٌ عن اللّٰه تعالى، فحيلتُهم راجعة إلى اللّٰه، والاحتيال مع اللّٰه تعالى محالٌ، وطلبُ المحال حُمقٌ. ومِثل هذا الحُمق مما يُتعجَّب منه.
ثم أتبعه وما يخدعون الا أنفسهم لتسفيههم، أي ليس في فعلكم نفعٌ بل فيه ضرر، وضررُه يعود على أنفسكم، فكأنكم تخادعون أنفسكم.. ثم عقّبه وما يشعرون لتجهيلهم أي أيّها الجهلاء! قد صرتم أضلَّ من الحيوان، كالأحجار الجامدة لا تحسّون بالفرق بين الضر والنفع.
ثم أردفه في قلوبهم مرض لترذيلهم بانفساد الجوهر، أي إنْ لم يكن لكم اختيارٌ فلا أقلَّ من أن تعرفوا المرض مرضًا، وأن سجيتكم فسدَت. وأن النفاق والحسد مرضٌ في الروح، من شأنه تحريفُ الحقيقة وتغييرُها حتى تظنون الحلو مرًا والمرَّ حلوًا والسوداء [٭]: كما في نسخة (ب). بيضاء والأبيض أسودَ فلا تتبعوه.
ثم زاد فزادهم اللّٰه مرضًا لتذليلهم، أي إن كنتم تطلبون بهذا الدواءَ والتشفّيَ من غيظكم وحسَدكم فهذا داءٌ لا يزيدُكم إلَّا مرضًا على مرض. فأنتم كمَن كَسرَ أحدٌ يدَه فأراد الانتقام فضرَبَه بتلك اليد المكسورة فازداد كسرًا على كسرٍ.
ثم قال: ولهم عذاب اليم لتهديدهم، أي إن تتحرَّوا اللذةَ فما نفاقُكم هذا إلَّا فيه ألمٌ شديد عاجل يُنتج ألمًا أشدَّ آجلًا، ليس كسائر المعاصي التي فيها نوعٌ من اللذة السفلية العاجلة.
ثم أتمَّه بقول: بما كانوا يكذبون لِتَوسيمهم بأشنع الوَسْم، أي إن لم تنتبهوا ولم تنتهوا لم يبقَ إلّا أن تُشَهَّروا بين الناس بالكذب المانع للاعتماد لئلّا يتعدى مرضُكم.
أما وجهُ النظم بين أجزاء كلِّ جملة:
— 92 —
ففي الأولى: أعني جملة يُخادِعُونَ اللّٰه وَالَّذِينَ آمَنُوا هو أنَّ في التعبير عن عملهم بالخداع مع المُضارِعيّة، لاسيما من باب المشاركة، خصوصًا مع إقامة لفظة اللّٰه مقام النبيّ وإقامة الَّذِينَ آمَنُوا مقام "المؤمنين" تنصيصًا وتصريحًا بمُحاليّة غرضهم من حيلتِهم، وجعل المُحالية نصبَ العين بصورة تتنفّر عنها النفوسُ وترتعدُ، إذ فيما في الخداع من الاستعارة التمثيلية ما يوقظ النفرةَ.. وفيما في المضارعية من التصوير مع الاستمرار ما يَشْمَئِزُّ منه القلب.. وفيما في المشاركة من المشاكلة نظِير: وجَزَاؤا سيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (الشورى:٤٠) ما ينتج عدم إنتاج حيلتهم؛ إذ في باب المشاركة فعلُ الفاعل سببٌ لفعل المفعول، وهنا فعلُ المفعول صار سببًا لعُقم خداع الفاعل وعدمِ تأثيره، بل جُعل الخداعُ صورةً واهية كانعكاس المقصد؛ فيما إذا استَهزيتَ بأحدٍ لجهلِه، مع أنه مستبطنٌ علمًا ومستَخفٍ استهزاءً بك.. وفيما في التصريح بلفظة اللّٰه من التنصيص على مُحالية الغرض -إذ خداع النبي عليه السلام ينجر إليه تعالى- ما يشبط العقلَ عن الحيلةِ.. وما في الَّذِينَ آمَنُوا من جعل الصلة مدارًا، إشارة إلى أن المنافقين يتحببون إليهم بصفة الإيمان ويهيِّجون عِرق إيمانهم للتحبب والتداخل فيهم.. وفيه إيماء أيضًا إلى أن جماعة المؤمنين المنوَّرين عقولُهم بنور الإيمان لا تتستر عنهم الحيلةُ فينتج أيضًا عُقمَ حيلتهم..
وفي الثانية: أعني جملة وما يخدعون الا أنفسهم هو أنَّ في هذا الحصر إشارةً إلى كمال سفاهتهم بعكس العمل في معاملتهم كمَن رمى حجرًا إلى جدار فانثنى لكسرِ رأسه؛ إذ رشوا النبالَ لضرر المؤمنين فأُصيبَت أنفسُهم، فكأنهم يخادعون بالذات ذواتِهم..
وفي تبديل "يضرون" بی يخدعون إشارة إلى نهاية سفاهتهم، إذ يوجد في أهل العقل مَن يضرّ نفسه قصدًا ولا يوجد من يخادع نفسه عمدًا إلَّا أن يكون حمارًا في صورة إنسان.
وفي عنوان أنفسهم رمزٌ خفي إلى أن نفاقَهم وحيلتهم لمّا كان لحظٍّ نفسانيّ وغرض نفسيّ أنتج نقيض مطلوبهم لنفسهم.
- إن قلت: هذا الحصر يومئ إلى أن خداعهم ما ضرّ الإسلام والمسلمين، مع أن الإسلام ما رأى من شيءٍ ضررًا مثل ما رأى من أنواع النفاق وشُعُباته المنتشرة كالسُّم في عناصر العالم الإسلاميّ؟
— 93 —
قيل لك: وما تراه من الضرر المتعدي والسمّ الساري إنما هو من طبيعتهم المتفسدة وفطرتِهم المتفسخة ووجدانِهم المتعفن نظيرَ سرايةِ المرض؛ وليس نتيجةَ حيلتهم وخداعهم باختيارهم إذ يريدون خداع اللّٰه والنبيّ وجماعة المؤمنين، واللّٰه عالمٌ بكل شيء والنبي عليه السلام يوحى إليه، وجماعة المؤمنين لا تستطيع الحيلةُ أن تتستر عنهم مدة مديدة فهم لا ينخدعون. فثبت أنهم لا يخدعون إلّا أنفسهم فقط.
وفي الثالثة: أعني جملة وما يشعرون أي لا يحسون، هو أن في هذه الفذلكة تجهيلا أيَّ تجهيل لهم، لأنها تُشعر بأنهم إن كانوا عقلاء فهذا ليس من شأن العقل، وإن كانوا حيوانات يتحركون بمَيل نفسانيّ فشأنهم أن يحسوا ويشعروا بمثل هذا الضرر المحسوس. فثبت أنهم صاروا مثل جمادات لا اختيار لها.
وفي الرابعة: أعني جملة في قلوبهم مرض هو أنَّ سَوقها يفيد أنهم لمّا لَم يعملوا بمقتضى المحاكمة العقلية والشعورِ الحسيّ ظهر أن في روحهم مرضًا فلا أقلَّ من أن يعرفوا أنه مرضٌ ليجتنبوا عن القضايا ولا يحكموا عليها؛ إذ من شأن المرض تغييرُ الحقيقةِ وتشويهُ المزيّن وتحليةُ المُرِّ كما مر..
وفي لفظ في رمز إلى أن حسدَهم وحقدهم مرض في ملكوت القلب وهي اللطيفةُ التي مرّ ذكرها..
وفي عنوان "القلب" إشارة إلى أنه كما أن جسمَ القلب إذا مرض اختلَّ جميعُ أفعال البدن؛ كذلك إذا مرض معنى القلب بالخداع والنفاق انحرف كلُّ أفعالِ الروح عن منهج الاستقامة إذ هو منبع الحياة ومَاكِنَتُها..
وفي تقديم في قلوبهم على مَرَضٌ إيماءٌ إلى الحصر بجهتين، ومن الإيماء إشارةٌ بطريق التعريض إلى أن الإيمان نور، شأنه أن يعطي لجميع أفعال الإنسان وآثاره صحةً واستقامةً.. وأيضًا في إيماء الحصر رمز إلى أن الفساد في الأساس فلا يجدي تعميرُ الفروعات.
وفي لفظ "المرض" رمز إلى قطع عذرهم وإلقامهم الحجر بأنّ الفطرةَ مهيأةٌ للحقيقة. وما الفساد والخراب إلّا مرض عارض..
— 94 —
وفي تنوين التنكير إشارة إلى أنه في مكمن عميق لا يُرى حتى يُداوى.
وفي الخامسة: أعني جملة فزادهم اللّٰه مرضًا هو أنهم حينما لم يعرفوا أنه مرض حتى يتجنبوا منه بل طلبوه مستحسنين له زادَهم اللّٰه تعالى؛ إذ "مَن طلب وَجَدَ"..
وفي "الفاء" التي هي للتعقيب السببي -مع أن وجود المرض ليس سببا لزيادته- رمزٌ إلى أنهم لمّا لم يشخّصوا المرض فلم يتحرَّوا وسائلَ الشفاء بل توسلوا بأسباب الزيادة كمن يضارب خصمًا غالبًا بيده العليلة، صاروا كأنهم طلبوا الزيادة فزادهم اللّٰه مرضًا بقلبِ أمَلِهم يأسًا مزعجًا، بسبب ظفر المؤمنين، وقلبِ خصومَتهم حقدًا مُحرقًا للقلب بسبب غلبةِ المؤمنين، فتولّد من مرضَي اليأس والحقد داءُ الخوف وعلّة الضعف ومرضُ الذلة، فاستولت على القلب.
ثم إن اللّٰه تعالى لم يقل: "فزاد اللّٰه مرضهم" بل جعل المفعولَ تمييزًا للإشارة إلى أن المرض الباطنيّ القلبيّ سرى إلى الظاهر أيضًا وتعدى إلى جميع الأفعال، فكأن هذا الداءَ الخبيث استولى على وجودهم فكأن وجودَهم نفسُ الداء، فزيادةُ جراحاتِ المرض ونفطاتِه [٭]: نفطاته: بثراته. زيادةٌ لنفس ذواتهم؛ إذ "اشْتَعَلَ الْبَيْتُ نارًا" يفيد أن النار سرت إلى تمام البيت حتى كأن تمام البَيت نارٌ تلتهب، بخلاف "اشتعلتْ نَارُ الْبَيْتِ" فإنه يصدق بتلهُّب النار من أيّ جانب كان.
وفي السادسة: أعني جملة ولهم عذاب اليم هو أن "اللام" التي هي للنفع إشارة إلى أنه لو كان لهم منفعةٌ لكانت البتةَ ألمًا معذِّبًا دنيويًا، أو عذابًا أُخرويًا مؤلمًا، وكونُه منفعةً من المحال، فمحالٌ لهم المنفعة.. وفي وصف العذاب بالأليم أي المتألِم، مع أن الأليم هو الشخص رمزٌ إلى أن العذاب استولى على وجودهم وأحاط بذواتهم ونفذ في بواطنهم بحيث تحولوا بنفس العذاب، وصار العذابُ عينَ ذواتهم، كانقلاب الفحم جمرةَ نار بنفوذ النار. [٭]: بنفوذ النار فيها. (ش). فإذا نظر الخيال إلى صورة العذاب واستمع من جوانبه أنينًا وتألمًا وعويلًا تتولد من الحياة المتجددة تحت العذاب، يتخيل أن العذاب هو الذي يئنّ ويتألّم. فما أشدَّ التهديد لمَن تأمل!
وفي السابعة: أعني جملة بما كانوا يكذبون هو أن في تعليق العذاب من بين جناياتهم المذكورة بالكذب فقط، إشارةً إلى شدة شناعة الكذب وقبحِه وسماجتِه. وهذه
— 95 —
الإشارة شاهدُ صدق على شدة تأثير سمّ الكذب؛ إذ الكذبُ أساس الكفر، بل الكفرُ كذبٌ ورأس الكذب، وهو الأُولى من علامات النفاق. وما الكذب إلا افتراء على القدرة الإلهية، وضدٌّ للحكمة الربانية.. وهو الذي خرّب الأخلاق العالية.. وهو الذي صيّر التشبثات العظيمة كالشبحات المُنتنة.. وبه انتشر السمُّ في الإسلام.. وبه اختلت أحوالُ نوع البشر.. وهو الذي قيّد العالم الإنساني عن كمالاته، وأوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال "مسيلمة الكذاب" في أسفل سافلي الخسةِ.. وهو الحمل الثقيل على ظهر الإنسان فيعوِّقُه عن مقصوده.. وهو الأب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اختص بالتلعين والتهديد والنعي النازل من فوق العرش..
فيا أيّها الناس! لاسيما أيّها المسلمون! إن هذه الآية تدعوكم إلى الدّقّة!
- فإن قلتم: إن الكذب للمصلحة عفوٌ؟
قيل لكم: إذا كانت المصلحةُ ضروريةً قطعية، مع أنه عذر باطل؛ إذ تقرر في أصول الشريعة: "إن الأمر الغير المضبوط (أي الذي لا يتحصّل) -بسبب كونه قابلًا لسوء الاستعمال- لا يصير علةً ومدارًا للحكم"، كما أن المشقة لعدم انضباطها ما صارت علةً للقَصر، بل العلةُ السفرُ. ولئن سلّمنا فغلبةُ الضرر على منفعة شيء تفتي بنَسخه وتكون المصلحةُ في عدمه. وما ترى من الهَرْج والمَرْج في حال العالَم شاهدٌ على غلبة ضرر عذر المصلحة. إلّا أن التعريض والكناية ليسا من الكذب.
فالسبيل مَثْنَى: إما السكوت؛ إذ "لا يلزم من لزومِ صدقِ كلِّ قولٍ قولُ كلِّ صدق".
وإما الصدق؛ إذ الصدق هو أساس الإسلامية، وهو خاصة الإيمان، بل الإيمان صدقٌ ورأسه.. وهو الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العِرق الرابط للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلّي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الإنسان.. وهو نظام العالم الإسلامي.. وهو الذي يُسرِع بنوع البشر في طريق الترقي -كالبرق- إلى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصيّر أخمدَ الناس وأفقرَه أعزّ من السلاطين.. وبه تَفوَّق أصحابُ النبيّ عليه الصلاة والسلام على جميع الناس.. وبه ارتفع "سَيّدُنا محمد الهاشميّ" عليه الصلاة والسلام إلى أعلى عليي مراتبِ البشر.
— 96 —
وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الارْض قالُوا انّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ أَلا اِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلییكِنْ لا يَشْعُرُون ١٢
اعلم أن وجه نظم هذه الآية بما قبلها هو أنَّ اللّٰه تعالى لمّا ذكر الأُولى من الجنايات الناشئة عن نفاقهم وهي ظلمُهم أنفسَهم وتجاوزُهم على حقوق اللّٰه تعالى بنتائجها المتسلسلة المذكورة، عقّبها بثانيةِ الجنايات؛ وهي تجاوزُهم على حقوق العباد وإيقاعُهم الفساد بينهم مع تفرعاتها..
ثم إن اذا قيل كما أنه مربوط باعتبار القصة بی يقول في ومن الناس من يقول وباعتبار المآل بی يُخادِعُونَ؛ كذلك يرتبط باعتبار نفسه بی يكذبون. وتغير الأسلوب من الحَمْلية إلى الشرطية أمارة ورمزٌ خفي إلى مُقدَّر بينهما، كأنه يقول: لهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون؛ إذ إذا كذبوا فتنوا، وإذا فتنوا أفسدوا، وإذا نوصحوا لم يقبلوا، وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا... الخ.
وأما وجه النظم بين الجمل الصريحة والضمنية في هذه الآية فهو عينُ النظم والربط في ما أمثّل لك وهو أنك إذا رأيت أحدًا يسلك في طريق تنجرّ إلى هلاكه، فأولًا تنصحه قائلا له: "مذهبُك هذا ينهار بك في البوار فتجنَّب". وإن لم ينتهِ بنُهاه، تعُود عليه بالزّجر والنهي والنعي وتؤيّد نهيَك وتديمُه في ذهنه إما بتخويفه بنفرةِ العموم، وإما بترقيق قلبه بالشفقة الجنسية كما سيأتيك بيانُهما. فإن كان ذلك الشخص متعنتًا لَجوجًا مُصرًّا ألدَّ راكبًا متنَ الجهل المركّب فهو لا يسكت، بل يدافع عن نفسه، كما هو شأنُ كل مفسد يرى فسادَه صلاحًا؛ إذ الإنسانيةُ لا تُخلّى أن يرتكب الفسادَ من حيث هو فساد. ثم يستدِل ويدّعي بی"أن طريقي هذا حق، ومعلوم أنه كذلك؛ فلا حقّ لك في النصيحة فلا احتياج إلى نصيحتك، بل أنت محتاج إلى التعلّم، فما السبيل السويّ إلّا سبيلُنا، فلا تعرّض بوجود طريقٍ أصوبَ". وإن كان ذلك الشخص اللجوج ذا الوجهين يكون كلامُه ذا اللسانين؛ يداري الناصحَ لإلزامه بوجهٍ، ويتحفظ على مسلكه بآخر، فيقول: أنا مصلحٌ أي ظاهرًا كما تطلُب، وباطنًا كما أعتقد.. ثم من شأنه تأييد وتأكيد دعواه بأن الصلاح من صفتي المستمرة، لا أني كنتُ صالحًا الآن بعد فسادي
— 97 —
قبلُ.. ثم إذا كان ذلك الشخصُ متمردا ومُتَنَمِّرًا [٭]: أي غضِبًا، غير أن ظاهر السياق والمذاق متنمردًا، أي كائنًا كالنمرود (ش). ومصرًّا في نشر مذهبه، وترويجِ مسلكه، وتزييفِ ناصحه وتعريضِ أهل الحق بهذه الدرجة، ظهر أنه لا يجدي له دواءٌ، ولم يبقَ إلا آخرُ الدواء، أعني المعالجةَ لعدم السراية. وما هذه المعالجة إلّا تنبيهُ الناس وإعلامُهم بأنه مفسدٌ لا صلاحَ فيه؛ إذ لا يستعمِل عقلَه ولا يستخدم شعورَه حتى يحس بهذا الشيء الظاهر المحسوس.
فإذا تفهّمتَ الحلقات المُسرَّدة في هذا المثال تفطنتَ ما بين الجمل المنصوصة والمرموزة إليها بالقيود، في واذا قيل لهم إلى آخره. فإن فيما بينها نظمًا فطريًا بإيجاز يحمرّ [٭]: يشعّ ويضيئ. من تحته الإعجاز.
وأما نظم هيئات كل جملةٍ جملةٍ:
فاعلم أن جملة واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض...
القطعيةُ في اذا إشارةٌ إلى لزوم النهي عن المنكر ووجوبه..
وبناء المفعول في قيل رمز إلى أن النهي فرضُ كفاية على العموم..
وفي لام لهم إيماء إلى أن النهي لابد أن يكون على وجه النصيحة دون التحكم، والنصيحة على وجه اللطف دون التقريع..
و لا تفسدوا فذلكةٌ وخلاصة لصورة قياس استثنائي [٭]: القياس الاستثنائي: ما يكون عين النتيجة أو نقيضها مذكورًا فيه بالفعل (التعريفات). أي لا تفعلوا هكذا، وإلّا نشأ منه الهَرْج والمَرْج، فينقطع خيطُ الإطاعة، فيتشوش نظام العدالة، فتنحلّ رابطة الاتفاق، فيتولد منه الفسادُ، فلا تفعلوا لئلا تفسدوا..
ولفظ في الأرض تأييدٌ وتأكيد للنهي وإدامةٌ للزجر، إذ نهيُ الناصح مؤقتٌ لابد من إدامته في ذهن المنصوح بتوكيل وجدانه ليزجرَه دائما من تحته. وهو إما بتحريك عِرق الشفقة الجنسية، وإما بتهييج عرق التنفُّر من نفرة العموم.. و في الأرض هو الذي يوقظ العِرقَين وينعشهما؛ إذ لفظ في الأرض يناجيهم بأن فسادكم هذا يسري إلى نوع البشر فأيُّ حقدٍ وغيظ لكم على جميع الناس الذين فيهم المعصومون والفقراء والذين لا تعرفونهم، أفلا
— 98 —
تتوجعون لهم ولِمَ لا تترحّمون بهم؟ هب أن ليست لكم تلك الشفقة الجنسية، فلا أقلَّ من أن تلاحظوا أن حركتكم هذه تجلب عليكم معنى نَفرة العموم.
- فإن قلت: أيّ غرض لهم بالعموم وكيف ينجرّ فسادُهم إلى الكل؟
قيل لك: كما أن من نظر بمرآة البصرِ السوداءِ رأى كلَّ شيء أسودَ قبيحًا. كذلك من احتجبت بصيرتُه بالنفاق وفسَد قلبُه بالكفر رأى كل شيء قبيحًا مبغوضًا، (و) يحصل في قلبه عنادٌ وحقد مع كل البشر بل كل الكائنات.. ثم كما أن انكسار سنٍّ من جَرْخٍ [٭]: جَرْخ: يقرب من معنى دولاب. من دولابٍ من ساعة يتأثر به الكلُّ كليًا أو جزئيًا؛ كذلك بنفاق الشخص يتأثر نظامُ هيئة البشر التي انتظمت بالعدالة والإسلامية والإطاعة. فأسفًا قد تظاهرت سمومُهم المتسلسلة حتى أنتجت هذه السفالة.
وأما جملة: قالوا انما نحن مصلحون ففي قالوا بدلَ "لا يقبلون النصيحة" الظاهرِ من السياق إشارة إلى أنهم يدّعون ويَدْعون إلى مسلكهم.
وفي إنما خاصيتان:
الأولى: أن مدخوله لابد أن يكون معلومًا حقيقةً أو ادّعاءً. ففيها رمز إلى تزييف الناصح وإظهار ثباتهم على جهلهم المركب.
والثانية: الحصر، ففيها إشارة إلى أن صلاحهم لا يشوبُه فسادٌ فليسوا كغيرهم؛ ففي الإشارة رمز إلى التعريض بالمؤمنين.
وفي اسميّة مصلحون بدلَ "نصلح" إشارة إلى أن الصلاحَ صفتُنا الثابتة المستمرة. فحالنا هذه عين الإصلاح بالاستصحاب.. ثم إنهم ينافقون في هذا الكلام أيضًا، إذ يَتَبَطَّنون خلاف ما يُظهرون، فباطنًا يدعون فسادهم صلاحًا وظاهرًا يُرَاؤُونَ أن عملَهم لصلاح المؤمنين ومنفعتهم.
وأما جملة
﴿ ألا انهم هم المفسدون ولكن لايشعرون ﴾
فاعلم أنهم لمّا أدرجوا في معاطف الجملة السابقة معاني: من ترويج مسلكهم ودعوى ثبوت الصلاح لهم، وأن الصلاح
— 99 —
صفتُهم المستمرة.. وأنهم منحصرون عليه.. وأن الفساد لا يشوب صلاحَهم.. وأن هذا الحكم ظاهر معلوم.. ومن تعريضهم بالمؤمنين ومن تجهيلهم للناصح؛ أجابَهم القرآنُ بهذه الجملة المتضمنة لأحكامٍ من إثبات الفساد لهم، وأنهم متحدون مع حقيقة المفسدين.. وأن الفساد منحصر عليهم.. وأن هذا الحكم حقيقة ثابتة.. ومن تنبيه الناس على شناعتهم.. ومن تجهيلهم بنفي الحس عنهم كأنهم جمادات.
وإن شئت فانظر إلى ألآ التي للتنبيه كيف تزيِّف بتنبيهها ترويجَهم الناشئ من دعواهم المترشحَ من قالوا.. وإلى إنَّ التي للتحقيق كيف تردّ دعواهم المعلومية بی إنّماَ، كأن إنَّ تقول: حالُهم في الحقيقة والباطن فسادٌ، فلا يجديهم الصلاحُ ظاهرًا.. وإلى الحصر في هُم كيف يقابل تعريضَهم الضمنيّ في إنَّما و نحن.. وإلى تعريف المفسدون -الذي معناه حقيقة المفسدين تُرى في ذاتهم فهُم هي- كيف يدافع حصرَهم المستفاد من إنّماَ أيضًا.. وإلى ولكن لايشعرون كيف يدافع تزييفهم الناصح وأنهم ليسوا مستحقين للنصيحة بدعوى المعلومية. فتأمل!
— 100 —
﴿ وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا اِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لايَعْلَمُونَ ١٣ ﴾
اعلم أن وجه نظم هذا النوع بالنوع الأول: من حيث إنهما نصيحةٌ وإرشاد؛ عطف الأمر بالمعروف والتحلية والترغيب على النهي عن المنكر والتخلية والترهيب..
ومن حيث إنهما من الجناية؛ عطف تسفيههم للمؤمنين وغرورهم على إفسادهم، كما ربط إفسادهم بفسادهم اللاتي كلٌّ منها غصن من شجرة زقّوم النفاق.
وأما وجه النظم بين جمل هذه الآية فاعلم أنه لمّا قيل:
﴿ وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ ﴾
وأُشير بهيئاتها إلى وجوب النصيحة على سبيل الكفاية بإيمان خالص اتّباعًا للجمهور الذين هم الناسُ الكُمّل ليأمرهم الوجدانُ دائمًا بهذا الأمر، حكى وقال: قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء إشارةً إلى تمردهم وغرورهم ودعواهم أنهم على الحق كما هو شأنُ كلِّ مُبطل يرى باطلَه حقًا ويعلم جهلَه علمًا؛ إذ بالنفاق تفسَّد قلبُهم، وبالفساد نشأ غرورٌ وميلُ إفساد، وبحكم التفسّد تمرّدوا، وبحكم الإفساد يقول بعضهم لبعض متناجيًا بالإضلال، وبحكم الغرور يرَون شدة الديانة وكمالَ الإيمان المقتضيين للاستغناء والقناعة سفالةً وسفاهة وفقرًا. ثم بحكم النفاق ينافقون في كلامهم هذا أيضًا؛ إذ ظاهرُه: كيف نكون كالسفهاء ولسنا مجانين ونحن أخيار كما تطلبون؟ وباطنُه: كيف نكون كالمؤمنين الذين أكثرهم فقراء، وهم في نظرنا سفهاء تحزّبوا من أوْباش [٭]: أوباش: سِفلَة الناس وأخلاطِهم. الأقوام؟ وإليك التطبيق بين دقائق الجزئين من الشرطية.
ثم ألقَمهم الحجرَ بقوله: ألا انهم هم السفهاء؛ إذ مَن كان متمردًا بهذه الدرجة وجاهلًا بجهله فحقُّهم الإعلان بين الخلق وتشهيرهم بانحصار السفاهة وأنه من الحقائق الثابتة، وأن تسفيهَهم لسفاهة نفسهم..
ثم قال: ولكن لايعلمون إشارة إلى أنهم جاهلون بجَهلهم فيكون جهلًا مركبًا فلا يُجديهم النصيحةُ، فلابد أن يُعرَض عنهم صفحًا؛ إذ لا يَفهم النصيحةَ إلَّا مَنْ يعلم جهلَه.
— 101 —
وأما وجه النظم في هيئات كل جملة جملة:
ففي جملة: وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ لفظ اِذَا بجزميته رمز إلى لزوم الإرشاد بالأمر بالمعروف.. وبناء المفعول في قِيلَ إيماء إلى أن وجوبَ النصيحة على سبيل الكفاية كما مرَّ.
ولفظ آمِنُوا بدل "أخلِصوا في إيمانكم" إشارة إلى أن الإيمان بلا إخلاص ليس بإيمان.
ولفظ كَما آمَنَ تلويح بالأسوة الحسنة وحُسن المثال ليخلصوا على منواله.
وفي لفظ النّاسُ نكتتان: وهما السبب في جعل الوجدان آمرًا بالمعروف دائمًا؛ إذ كما آمن السفهاء يترشح بی"فاتّبِعوا جمهور الناس" إذ مخالفةُ الجمهور خطأ من شأن القلب أن لا يُقدِم عليه، وأيضًا يلوّح بأنهم هم الناس فقط، كأن مَن عداهم ليسوا بإنسان إلّا صورةً، إما بترقي هؤلاء في الكمالات وانحصار حقيقةِ الإنسانية عليهم، وإما بتدني أُولئك عن مرتبة الإنسانية.
أما جملة : قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء التي مآلُها: "لا نقبل النصيحة، كيف نكون كهؤلاء الأذلّاء؛ إذ هم في نظرنا سفهاء ولا نُقاسُ نحن معاشر أهل الجاه عليهم".. ففي لفظ قالوا رمز إلى تبرئة النفس وترويج المسلك والاستغناء عن النصيحة والغرور والدعوى.. وفي لفظ أنؤمن بالاستفهام الإنكاريّ إشارة إلى شدة تمرّدهم في جهلهم المركب، كأنهم بصورة الاستفهام يقولون: "أيها الناصح راجعْ وجدانَك هل ترى إنصافَك يقبل ردّنا؟"
ثم إن في متعلق قالوا وجوهًا ثلاثة مترتبة؛ أي قالوا لأنفسهم، ثم لأبناء جنسهم، ثم لمرشدهم، كما هو شأن كل متنصّحٍ إذا نصحه الناصح، فأول الأمر يشاور مع نفسه، ثم يحاور مع أبناء جنسه، ثم يراجعك بنتيجة محاكمَتهم. فعلى هذا لمّا قيل لهم ما قيل راجَعوا قلوبَهم المتفسدة ووجدانَهم المتفسخ فأشارت عليهم بالإنكار، فقالوا مترجمين عما في ضميرهم، ثم راجَعوا بنظر الإفساد إلى إخوانهم، فأشاروا عليهم أيضًا بالإنكار فأخذوا بنجواهم ومحاورتهم، ثم رجعوا بطريق الاعتذار والسفسطة إلى الناصح فشاغَبوا وقالوا: "بيننا فرق لا نُقاس عليهم إذ هم فقراء مضطرون مجبورون فشدَّتُهم في الديانة وتصوّفُهم بالاضطرار. أما نحن فأهلُ عزة
— 102 —
وجاه". فبحكم الغرور يحيلون الناصح على إنصافه. وبحكم الخداع والحيلة يتكلمون بكلام ذي لسانين، أي أيها المرشد! لا تظننا سفهاء، ولا نكون كالسفهاء في نظركم، بل نفعل كما يفعل المؤمنون الخلّص. مع أن مرادَهم باطنًا: لا نكون كهؤلاء المؤمنين الفقراء؛ إذ لا اعتداد بهم في نظرنا. ففي هذا اللفظ رمز خفيّ إلى فسادهم وإفسادهم وغرورهم ونفاقهم..
﴿ كما آمن السفهاء ﴾
أي الذين تظنونَهم الناسَ الكاملين هم في نظرنا أذلاءُ فقراء مجبورون مع كثرتهم، كلٌّ منهم سفيهُ قومٍ. ففي دعواهم الفرقَ في القياس إشارة إلى أن الإسلامية كهفُ المساكين وملجأ الفقراء وحاميةُ الحق وحافظة الحقيقة ومانعة الغرور وقامعةُ التكبّر، وما مقياس الكمال والمجد إلّا هي.. وأيضًا في الفرق إشارةٌ إلى أن سبب النفاق في الأغلب هو الغرضُ والغرور والتكبر كما يفسره:
وما نَريییكَ اتَّبَعَكَ اِلَّا الَّذيِنَ هُمْ اَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ
(هود:٢٧). وأيضًا في الفرق إشارةٌ خفية إلى أن الإسلامية لا تصير وسيلةَ التحكم والتغلب في أيدي أهل الدنيا والجاه؛ بل إنما هي واسطة لإِحقاق الحق في أيادي أهل الفقر والضرورة خلافَ سائر الأديان. ويشهد على هذه الحقيقة التاريخُ.
أما جملة ألا انهم هم السفهاء فاعلم أن القرآن إنما أكثرَ من التشديد والتشنيع على النفاق لأجل أن أكثر بليات العالم الإسلامي من أنواع النفاق.. ثم إن لفظ ألا للتنبيه وتشهير سفاهتهم على رؤوس الأشهاد، ولاستشهاد فكر العموم على سفاهتهم. وأصلُ معنى ألا ألا تعلمون أنهم سفهاء؟ أي فاعلموا.. ثم إن "إنَّ" مرآةُ الحقيقة ووسيلةٌ إليها، كأنه يقول: راجعوا الحقيقة لتعلموا أن سفسطتهم الظاهرية لا أصل لها. ثم لفظ "هُم" للحصر لردّ تبرئة أنفسهم، ودفع تسفيههم للمؤمنين الذي أشاروا إليه بی كما آمن السفهاء. أي إن السفيه مَن ترك الآخرة بالغرور والغرض واللذة الفانية دون مَن اشترى الباقي بترك الهوسات [٭]: الهوس: طرف من الجنون وخفة العقل. والمقصود هنا الأغراض النفسية وأمانيها. الفانية. ثم إن الألف واللام في السفهاء لتعريف الحُكم أي معلومٌ أنهم سفهاء. وللكمال أي كمال السفاهة فيهم.
أمّا: ولكن لايعلمون ففيه إشارات ثلاث:
إحداها: أنَّ تمييز الحق عن الباطل وتفريقَ مسلك المؤمنين عن مسلكهم محتاجٌ إلى
— 103 —
نظر وعلم، بخلاف إفسادهم وفتنتهم، فإنه ظاهر يُحِسُّ به مَن له أدنى شعور. ولهذا ذيّل الآية الأولى بی ولكن لا يشعرون
والثانية: أنّ لا يعلمون وأمثالَها من فواصل الآيات، مِن لايعقلون و ( لَا يَتَفَكَّرُونَ) و ( لَا يَتَذَكَّرُونَ) وغيرها تشير إلى أن الإسلامية مؤسسةٌ على العقل والحكمة والعلم. فمن شأنها أن يقبلَها كلُّ عقل سليم لا كسائر الأديان المبنية على التقليد والتعصب. ففي هذه الإشارة بشارة كما ذُكرت في موضع آخر.
والثالثة: الإعراض عنهم وعدم الاهتمام بهم، إذ النصيحة لا تجديهم، إذ لا يعلمون جهلَهم حتى يتحرّوا زوالَه.
— 104 —
﴿ واِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا امَنَّا وَاِذَا خَلَوْا اِلَى شَياطِينِهِمْ قَالُوا اِنَّا مَعكُمْ اِنَّمَا نحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ١٤ اَللّٰه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُون ١٥ ﴾
اعلم أن وجه نظم مآل هذه الآية بمآل سابقتها: عطفُ الجناية الرابعة، أعني الاستهزاء والاستخفاف على الجنايات السابقة من التسفيه والإفساد والفساد.
وأن وجه النظم بين جملها هو أنه: كما أن للإيمان الذي هو نقطةُ استنادٍ عن الآلام ونقطةُ استمداد للآمال ثلاثَ خواص حقيقية:
إحداها: عزةُ النفس الناشئة من "نقطة الاستناد"، ومن شأن عزة النفس عدمُ التنزّل للتذلّل.
والثانية: الشفقةُ التي من شأنها عدم التذليل والتحقير.
والثالثة: احترامُ الحقائق ومعرفةُ قيمتها، لأن صاحبَ غالي القيمة ذو حقيقةٍ، وعنده الجوهر الفريد. وعدمُ الاستخفاف بالحقيقة لأنه أيضًا رزين... كذلك لضد الإيمان، أعني النفاقَ أضدادُ خواصِّه الثلاث، فخواصّ النفاق الناشئة منه: ذلةُ النفس، وميل الإِفساد، والغرور بتحقير الغير.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن النفاق يولِّد ذلةَ النفس وهي تنتج التذللَ، وهو الرياءَ، وهو المداهنةَ، وهي الكذبَ. فأشار إليه بقوله:
﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا... ﴾
ثم لما كان النفاقُ مفسدًا للقلب وفسادُه ينتج يُتْمَ الروحِ، أي عدمَ الصاحب والحامي والمالك، فيتولد الخوفُ، وهو يُلجِئه إلى التستر. أشار إليه بلفظ واذا خلوا...
ثم لما كان النفاق قاطعا للرحم وقطعُه يزيل الشفقةَ، وزوالُها ينتج الإفسادَ، وهو الفتنةَ وهي الخيانةَ، وهي الضعفَ، وهو يضطره إلى الالتجاء إلى ظهيرٍ ومستنَد، أشار إليه بلفظ إلى شياطينهم..
— 105 —
ثم لمّا كان النفاق جهلًا تردّديًا أنتج تذبذبَ الطبيعةِ، وهو عدمَ الثبات وهو عدم المسلك وهو عدم الأَمنية بهم، وهو يُجبرهم على تجديد عهدهم، أشار إلى هذه السلسلة بلفظ قالوا انا معكم
ثم لمّا احتاجوا إلى الاعتذار استخفّوا بالحقيقة لخفّتهم، ورخّصوا غاليَ القيمةَ لعدم قيمتِهم، وأهانوا بالعالي لهَون نفسِهم وضعفِها الذي ينشأ منه الغرورُ، فقال:
﴿ قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤن ﴾
ثم بينما كان السامع منتظرًا من انصباب الكلام مقابلةَ المؤمنين لهم، رأى أن اللّٰه قابلَهم بدلًا عن المؤمنين إشارةً إلى تشريفهم، ورمزًا إلى أن استهزاءهم في مقابلة جزاءِ اللّٰه تعالى كالعدم، وإيماءً إلى حُمقهم وزجرهم وردّهم؛ إذ كيف يُستَهْزأُ بمَن كان اللّٰه حاميَه؟ فقال تعالى: اللّٰه يستهزئ بهم أي يعاقبُهم على استهزائهم أشدَّ جزاءٍ بصورةِ استخفافٍ وتهكُّمٍ بهم في الدنيا والآخرة مع الاستمرار التجدديّ.. وجملة ويمدهم في طغيانهم يعمهون كشفٌ وتفصيل وتصويرٌ لجزاء استهزائهم بطرز الاستهزاء.
أما وجه نظم هيئات كل جملة جملة:
فاعلم أن جملة وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا التي سيقت في مُداهنتهم؛
قطعيةُ إذا فيها إيماء إلى الجزم والتعمّد والقصد، أي عزموا بعَمدٍ وقصد ملاقاتَهم..
ولفظ لقوا إيماء إلى أنهم تعمّدوا مصادفتَهم في الطرق بين ظهراني الناس..
ولفظُ الذين آمنوا بدل "المؤمنين" إشارة إلى مباشرتهم معهم وتماسّهم بهم، وإلى أن ارتباطهم معهم بصفة الإيمان، وإلى أن مدارَ النظر بين أوصاف المؤمنين صفةُ الإيمان فقط.
ولفظ قالوا تلويح إلى أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وأن قولهم للتصنّع والرياء والمداهنة ودفعِ التهمة والحرص على جلب منافع المؤمنين والاطلاع على أسرارهم.
— 106 —
ولفظ آمنا بلا تأكيد مع اقتضاء المقام إياه، وبإيراده جملة فعلية، إشارةٌ إلى أنْ ليس في قلوبهم مشوّق وعشق محركٌ ليتشددوا ويتجلدوا في كلامهم.. وأيضًا إن في ترك التأكيد إيماءً إلى تشددهم في دفع التهمة عنهم، كأنهم يقولون: "إنكارُكم ليس في موقعه بل في منیزلة العدم، إذ لسنا أهلًا للتهمة.." وأيضًا فيه رمز إلى أن التأكيد لا يروّج عنهم.. وأيضًا فيه لمحٌ إلى أن هذا الحجاب الرقيق الضعيف على الكذب إذا شُدّد تمزّق.. وأيضًا في فعليته إشارة إلى أنه لا يمكن لهم أن يدعوا الثبات والدوام، وإنما غرضُهم من هذا التصنع الاشتراكُ في منافع المؤمنين والاطلاعُ على أسرارهم بادّعاء حدوث الإيمان.
وأما جملة
﴿ واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم ﴾
فی"الواو" الجامعة في وإذا إيماءٌ إلى أن هذا الكلام سيق لبيان أن لا مسلَك لهم، ولبيان تذبذبهم المفصّل بهاتين الشرطيتين.
والجزمية في إذا رمز إلى أنهم بحكم الفساد والإفساد يرون الالتجاء وظيفةً ضرورية.
ولفظ خلوا إشارة إلى أنهم بحُكم الخيانة يتخوفون، وبحكم الخوف يتسترون..
ولفظ إلى بدلَ "مع" المناسب لِی خلوا إشارة إلى أنهم بحكم العَجز والضعف يلتجئون، وبحكم الفتنة والإفساد يوصلون أسرار المؤمنين إلى الكافرين.. ولفظ "الشياطين" إشارة إلى أن رؤساءهم كالشياطين متسترون موَسوسون، وإلى أنهم كالشياطين يضرّون، وإلى أنهم على مذهب الشياطين لا يتصورون إلّا الشر.
وأما جملة قالوا انا معكم المَسوقة لتبرئة ذمّتهم وتجديد عهدهم وثباتهم في مسلكهم، فاعلم أنه أكّد مع غير المنكِر هنا، وترك التأكيد مع المنكِر هناك [٭]: أي في الآية: (قالوا آمنا) بلا تأكيد. إشارةً ودلالةً على عدم الشوق المحرك في قلب المتكلم هناك ووجودِه هنا. أما اسميةُ هذا وفعلية ذاك، فلأن المقصود إثباتُ الثبوتِ والدوامِ في ذا، والحدوثِ في ذلك.
أما انما نحن مستهزؤن فاعلم أنه لم يَعطف، إذ الوصلُ إنما هو بالتوسط بين كمال
— 107 —
الاتصال وكمال الانقطاع. مع أن هذه الجملة بدلٌ بجهةٍ وتأكيدٌ بجهة، وهما من كمال الاتصال، وجوابُ سؤالٍ مقدَّر بجهة أخرى، وهو من كمال الانقطاع لخبَرية الجواب وإنشائية السؤال في الأغلب.. أمّا وجهُ التأكيد -ويقربُ منه البدل- فهو أن مآلها إهانةُ الحق وأهله فيكون تعظيمًا للباطل وأهلِه، وهو مآل انا معكم.. وأما وجهُ الجوابية للسؤال المقدّر فكأن شياطينَهم يقولون لهم: "إن كنتم معنا وفي مسلكنا فما بالكم توافقون المؤمنين؟ فإما أنتم في مذهبهم أو لا مذهبَ لكم" فاعتذَروا مجيبين بی انما نحن مستهزؤن فصرّحوا بأنهم ليسوا من الإسلام في شيء، وأشاروا بحصر انما إلى أنهم ليسوا مذبذبين بلا مذهب معلوم، وباسمية مستهزؤن إلى أن الاستهزاء شأنُهم وصفتُهم. ففعلُهم هذا ليس بالجِدّ.
وأما جملة اللّٰه يستهزئ بهم فاعلم أنها لم توصَل بسوابقها بل فُصِلت فصلًا؛ لأنها لو عُطفت فإما على انما نحن مستهزؤن وهو يقتضي أن تكون هذه أيضًا تأكيدًا لی انا معكم.. وإما على قالوا وهو يقتضي أن تكون هذه أيضًا مقولًا لهم.. وإما على قالوا وهو يقتضي أن تكون هذه أيضًا مقيدةً بوقت الخلوة، مع أن استهزاءَ اللّٰه بالدوام.. وإما على واذا خلوا وهو يقتضي أن تكون هذه من تتمة صفة تذبذبهم.. وإما على إِذَا لَقُوا وهو يستلزم أن يكون الغرضُ منهما واحدًا. مع أن الأول لبيان العمل، والثاني للجزاء، واللوازم باطلة، فالوصل لا يصحّ. فلَم يبقَ إلّا أن تكون مستأنفةً جوابًا لسؤال مقدَّر. ثم إن في هذا الاستيناف إيماءً ورمزًا إلى أن شناعتَهم وخباثتهم بلغت درجةً تُجبر روحَ كلِّ سامعٍ و راءٍ أن يسأل بی"كيف جزاءُ مَن هذا عملُه؟".
ثم إن الافتتاح بلفظة اللّٰه مع أن ذهن السامع كان منتظرًا لتلقي مقابلة المؤمنين معهم، إشارةٌ إلى تشريف المؤمنين وترحّمه عليهم، إذ قد قابل بدلًا عنهم.. وأيضًا رمزٌ إلى زَجرهم؛ إذ لا يُستهزأ بمَن استناده بعلّام الغيوب.. وأيضًا إيماء بالاقتطاع وعدم النظر إلى تقرر استهزائهم، إلى أن استهزاءهم كالعدم بالنظر إلى جزائه.. ثم إن التعبير عن نكايات اللّٰه تعالى معهم بالاستهزاء -الذي لا يليق بشأنه تعالى- للمشاكلة في الصحبة، وللرمز إلى أن النكاية جزاءٌ للاستهزاء ونتيجة ولازمةٌ له، مع أن المراد لازمُ الاستهزاء، أعني التحقيرَ.. وأيضًا إيماء إلى أن استهزاءهم الذي لا يفيد، بل يضر عينُ استهزاء اللّٰه تعالى معهم؛ كمن يظن
— 108 —
أنه يستهزئ مع أنك تراه كالمجنون، تريد أن يتكلم ولو بشتمك، لتضحك منه، فاستهزاؤه بعضُ استهزائك.
ثم في يستهزئ مضارعًا مع أن السابق مستهزؤن اسم فاعل، إشارة إلى أن نكايات اللّٰه تعالى وتحقيراته تتجدد عليهم ليحسّوا بالألم ويتأثروا به؛ إذ ما استمر على نسق يقلّ تأثيرُه بل قد يعدم. ولذا قيل: شرط الإحساس الاختلاف.
أما ويمدهم في طغيانهم يعمهون أي توسّلوا بأسباب الضلالة وطلبوها فأعطاهم اللّٰه تعالى.. ففي لفظ "يَمُدُّ" رمز إلى ردّ الاعتزال، وفي تضمّن "يَمُدُّ" للاستمداد إيماءٌ إلى ردّ الجبر، أي اختاروا بسوء اختيارهم واستمدوا، فأمدّهم اللّٰه تعالى وأرخى عنانَهم.. وفي إضافة الطغيان إلى "هُمْ" (أي إن لهم فيه اختيارًا) رمزٌ إلى ردّ عذرهم بالمجبورية.. وفي الطغيان إشارة إلى أن ضرَرهم متعدٍّ استغرق المحاسنَ كالسيل وهَدَم أساس الكمالات، فلم يبقَ إلّا غُثاءً أحوى.
و يعمهون أي يتحيرون ويترددون. وفيه إشارة إلى أنه لا مسلك لهم وليس لهم مقصود معين.
— 109 —
﴿ اُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ١٦ ﴾
اعلم أن وجه نظمها بسابقتها هو أن هذه الآية فذلكةٌ وإجمال للتفاصيل السابقة، وتصويرٌ لها بصورة عالية مؤثرة. وتخصيصُ أسلوب التجارة للتمثيل، لأجل أن المخاطَبين في الصف الأول قد ذاقوا حلوَ التجارة ومرَّها برحلتَي الصيف والشتاء.
ووجهُ المناسبة، هو أن نوع البشر أُرسل إلى الدنيا لا للتوطّن فيها، بل ليتَّجروا في رأس مالِهم من الاستعدادات والقابليات ليَزرعوا ثم يتصرفوا في غَلّاتها.
ثم إن وجه النظم بين جمل هذه الآية هو أنها ترتبت ترتبا فطريًّا سلِسًا على نسق أسلوب التمثيل وهو هذا:
إن تاجرًا مغبونا مخذولًا أُعطي له رأسُ مالٍ غالٍ، فاشترى به السّموم وما يضرّه، فتصرّف فيه، فلم يربح ولم يفِد؛ بل ألقاه في خسارة على خسارة، فأضاع رأسَ ماله، ثم أضلّ الطريق؛ بحيث لا يستطيع أن يرجع.
أما نظم هيئات جملة جملة:
فلفظُ اُولئِك موضوعٌ لإحضار المحسوس البعيد: أما الإحضار فإشارةٌ إلى أن من شأن كلِّ سامع إذا سمعَ تلك الجنايات المذكورة أن يحصُل شيئًا فشيئًا في قلبه نفرةٌ وغيظ يتشدد تدريجًا بحيث يريد أن يراهم ليتشفّى الغيظ منهم، ويقابلهم بالنفرة والتحقير.. وأما المحسوسية فرمزٌ إلى أن الاتّصاف بهذه الأوصاف العجيبة يجسّمُهم في الذهن حتى صاروا محسوسين نصبَ الخيال. ومن المحسوسية رمز إلى علّة الحُكم بسرّ انجرار المعصية إلى المعصية.. وأما البُعدية فإشارةٌ إلى شدّة بُعدهم عن الطريق الحق، ذهبوا إلى حيث لا يرجعون، فالذهابُ في أيديهم دون الإياب.
— 110 —
ولفظ الذين إشارة إلى أن هذا نوعٌ من التجارة عجيبٌ خبيث تحدَّثَ وطَفِقَ أن يصير أساسًا ومسلكا يمرّ عليه ناس؛ إذ قد مرّ أن الموصول إشارةٌ إلى الحقائق الجديدة التي أخذت في الانعقاد.
ولفظ اشتروا إشارة إلى ردّ اعتذارهم بی"أن فطرتنا هكذا". فكأن القرآن يقول لهم: لا! ولقد أعطاكم اللّٰه أنفاسَ العمر رأسَ مالٍ، وأودع في روحكم استعدادَ الكمال، وغرسَ في وجدانكم نواةَ الحقيقة وهي الهدايةُ الفطرية لتشتروا السعادةَ فاشتريتم بدلَها -بل بتركها- اللذائذَ العاجلة والمنافع الدنيوية فاخترتُم بسوء اختياركم مسلكَ الضلالة على منهج الهداية، فأفسدتُم الهداية الفطرية، وضيّعتم رأسَ مالكم.
ولفظُ الضلالة بالهدى فيه إشارة إلى أنهم خسِروا خسارةً على خسارة. إذ كما خسروا بالضلالة؛ كذلك خسروا بترك النعمة العظيمة التي هي الهداية.
أما جملة فما ربحت تجارتهم فاعلم أن في تخصيصِ نفي الربح -مع أنهم كما قد خسروا فقد أضاعوا رأسَ المال أيضًا- إشارة إلى أن من شأن العاقل أن لا يُقْدِم على تجارة لا ربح فيها، فضلًا عما فيها خسارةٌ وإضاعةُ رأس المال.. ثم في إسناد الفعل إلى التجارة، مع أن الأصل "فما ربحوا في تجارتهم" إشارةٌ إلى أن تجارتَهم هذه بجميع أجزائها وكلِّ أحوالها وقاطبةِ وسائطها لا فائدةَ فيها، لا جزئيًا ولا كليا؛ لا كبعض التجارات التي لا يكون في محصّلها وفذلكتها ربحٌ، ولكن في أجزائها فوائدُ، ولوسائط خدمتها استفاداتٌ.. أما هذه فشرٌّ محض وضررٌ بحت. ونظير هذا الإسناد "نامَ لَيْلُهُ" بدل "نام في الليل"؛ إذ الأول يفيد أن ليلَه أيضا ساكن وساكت كالنائم لا يحرِّك ليلتَه شيءٌ ولا يموِّجه طارقٌ.
وأما جملة وما كانوا مهتدين -أي كما خسروا وأضاعوا المال؛ كذلك قد أضلوا الطريق- فترشيحٌ وتزيين كسابقتها لأسلوب اشتروا.. وأيضًا فيها رمز خفيٌّ إلى هدى للمتقين في رأس السورة. كأنه يقول: أعطى القرآنُ الهداية فما قَبِل هؤلاء.
— 111 —
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا اَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّٰه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لايُبْصِروُن ١٧ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ١٨ اَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ اَصَابِعَهُمْ فِي اذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوتِ وَاللّٰه مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ١٩ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ اَبْصَارَهُمْ كُلَّما اَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَاِذَا اَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللّٰه لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَاَبْصَارِهِمْ اِنَّ اللّٰه عَلى كُلِّ شيْءٍ قَديرٌ ٢٠
اعلم أن أساس إعجاز القرآن الكريم في بلاغة نظمه. وبلاغة النظم على قسمين:
قسم كالحِلية وقسم كالحُلّة:
فالأول: كاللآلئ المنثورة والزينةِ المنشورة والنقش المرصّع. ومَعدِنُه الذي يتحصّل منه هو: توخّي المعاني النحوية الحرفية فيما بين الكَلِم، كإذابة الذهب بين أحجار فضة. وثمراتُ هذا النوع هي اللطائفُ التي تعهّد بيانَها فنُّ المعاني..
والقسم الثاني: هو كلباسٍ عالٍ وحُلَّة فاخرة قُدّت من أسلوبٍ على مقدار قامات المعاني، وخيطَت من قِطَعات خيطًا منتظمًا فيُلبَس على قامة المعنى أو القصة أو الغرض دفعةً. وصَنّاع هذا القسم والمتكفِّل به فنُّ البيان.. ومن أهم مسائل هذا القسم التمثيلُ. ولقد أكثرَ القرآن من التمثيلات إلى أن بلغت الألفَ؛ لأن في التمثيل سرًّا لطيفًا وحكمةً عالية؛ إذ به يصير الوهمُ مغلوبًا للعقل، والخيالُ مجبورًا للانقياد للفكر، وبه يتحول الغائبُ حاضرًا، والمعقولُ محسوسًا، والمعنى مجسّمًا، وبه يُجعَل المتفرق مجموعًا، والمختلطُ ممتزجًا، والمختلف متّحدًا، والمنقطع متصلًا، والأعزل مسلّحًا. وإن شئت التفصيل فاستمع معي لما يترنّم به صاحبُ "دلائل الإعجاز" في أسرار بلاغته؛ [٭]: "أسرار البلاغة" لعبد القاهر الجرجاني (المتوفي ٤٧١هی). طبع عدة طبعات منها في مطبعة الاستقامة سنة ١٩٤٨ بمصر وكتب حواشيه الأستاذ أحمد مصطفى المراغي، والفصل المذكور هو في ص١٢٨ من الطبعة المذكورة. حيث قال: