إشارات الإعجاز
— 112 —

فصل في مواقع التمثيل وتأثيره

اعلم أنَّ مما اتفق العقلاءُ عليه، أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو بَرَزتْ هي باختصار في معرضه، ونُقِلَتْ عن صُوَرها الأصلية إلى صورته،كساها أُبَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوبَ إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صَبابة وكلَفًا، وقَسَر الطِباع على أن تُعطيها محبة وشغفًا.
فإن كان مدحًا كان أبهى وأفخمَ، وأنبلَ في النفوس وأعظمَ، وأهزَّ للعِطْف، وأسرعَ للإلف، وأجلبَ للفرح، وأغلبَ على الممتدح، وأوجَبَ شفاعة للمادح، وأقضى له بغُرِّ المواهب والمنائح، وأسْيَرَ على الألسن وأذكرَ، وأولى بأن تعْلَقَه القلوبُ وأجدرَ.
وإن كان ذمًا كان مَسُّه أوجعَ، ومِيسمُه ألذَع، ووقعُه أشدَّ، وحدُّه أحدَّ.
وإن كان حِجاجًا كان برهانُه أنورَ، وسلطانُه أقهرَ، وبيانه أبهَر.
وإن كان افتخارًا كان شأوه أبعدَ، وشرفه أجدَّ، ولسانه ألدَّ.
وإن كان اعتذارًا كان إلى القلوب أقربَ، وللقلوب أخلبَ، وللسخائم أسلّ، ولغرب الغَضَبْ أفلَّ، وفي عُقَد العقود أنفثَ، وعلى حُسن الرجوع أبعثَ.
وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغَ في التنبيه والزجر، وأجدرَ بأن يَجْلي الغياية، [٭]: الغياية: كل شيءٍ أظَلَّ الإنسانَ فوق رَأسِهِ مثلُ السّحابة والغَبَرة والظِّلِّ ونحوِه؛ ومنه حديث هِلالِ رمضان: فإن حالَتْ دونه غَيايَةٌ أي سَحابَةٌ أو قَتَرة. (لسان العرب). ويبصر الغاية، ويُبرئ العليل، ويشفي الغليل...
وهكذا الحُكم إذا استقريتَ فُنونَ القول وضروبَهُ، وتتبعت أبوابَه وشُعوبه. انتهى..
ثم إنَّ في الآيات الآتية دلائل إعجاز وأسرار بلاغة فذكرناها هنا لمناسبتها لمسائل المقدمة الآتية.
— 113 —
فمثال التمثيل في مقام المدح:
ما ذكره القرآن في وصف الصحابة مِن
﴿ وَمَثَلهُمْ فِي الاْنْجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْئَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاستَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ﴾
(الفتح:٢٩). وقس نظائره..
وفي مقام الذم:
﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ان تَحْمِل عَلَيه يَلْهَثْ أو تَتْركْه يَلْهَثْ ﴾
(الأعراف:١٧٦)، و
﴿ مَثَل الذين حُمّلوا التورية ثم لم يحملوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسفارًا ﴾
(الجمعة:٥)، و
﴿ اِنَّا جَعَلْنَا في اَعْنَاقِهِمْ اَغْلاَلًا فَهِيَ اِلَى الاْذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ﴾
(يس:٨)، وقس.
وفي مقام الاحتجاج والاستدلال:
﴿ مَثَلهم كمثل الذي استَوقَدَ نارًا ﴾
(البقرة:١٧) و
﴿ او كَصَيِّبٍ مِن السماءِ فيه ظُلُماتٌ... ﴾
إلى آخره (البقرة:١٩)، و
﴿ ومَثَلُ الذين كفروا كَمَثلِ الذي يَنْعِق بما لا يسمع الّا دعاءً ونداءً ﴾
(البقرة:١٧١)، و
﴿ مثل الذين اتخذوا مِن دون اللّٰه اولياءَ كمثلِ العنكبوتِ اتخذتْ بيتًا ﴾
(العنكبوت:٤١)، و
﴿ أنزل من السماء ماءً فسالتْ أوديةٌ بقَدَرها فاحتملَ السيلُ زبدًا رابيًا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاءَ حليةٍ أو متاع زَبَدٌ مِثْلُه ﴾
(الرعد:١٧)، و
﴿ ضَرَبَ اللّٰه مثلًا رجلًا فيه شركاءُ مُتَشاكِسون ورجُلًا سَلَما لِرَجُلٍ هل يستويان مثلا ﴾
(الزمر:٢٩). وقس عليه.
ونظير مثال الافتخار وإن لم يُسمَّ افتخارًا بيانُ عظمته تعالى وكمالاته الإلهية قولُه تعالى:
﴿ وما قَدَرُوا اللّٰه حَقَّ قَدْرِه والأرضُ جَميعًا قَبْضَتُه يومَ القيامةِ والسمواتُ مطويّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾
(الزمر:٦٧) وقس عليه.
ومثال التمثيل في مقام الاعتذار لا يوجد إلَّا حكايات أهل الأعذار الباطلة للاحتجاج عليهم كقوله:
﴿ وقالوا قُلُوبُنا غُلْف ﴾
(البقرة:٨٨).
﴿ وقالوا قُلُوبُنا في اكنّة مما تدعونا إليه وفي اذانِنا وَقْرٌ ومِنْ بَيننا وبينك حِجَابٌ ﴾
(فصلت:٥)، وقس...
— 114 —
ومن الشعر:
لا تَحْسَبُوا أَنَّ رَقْصِي بيْنَكُمْ طَرَبٌ فَالطّيْرُ يَرْقُصُ مَذبُوحًا مِنَ الألمِ
ومثاله من الوعظ في وصف نعيم الدنيا:
ما ذكره القرآن مِن:
﴿ كمثل غَيْثٍ أعْجَبَ الكفار نَبَاتُه ثم يَهيجُ فتريییه مُصْفرًّا ثم يكون حُطامًا ﴾
(الحديد:٢٠)، و
﴿ أَلَم تَرَ ان اللّٰه انزَل مِن السماءِ ماءً فَسَلكه ينابيعَ في الأرضِ ثم يُخرِجُ بهِ زَرْعا مُختلفًا ألوانُه ﴾
(الزمر:٢١)، و
﴿ اِنّا عَرَضْنا الأمانةَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ فأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشفقنَ مِنها وحَمَلَها الإِنسانُ إِنه كانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾
(الأحزاب:٧٢)، و
﴿ لو أنزلْنا هذا القرآنَ على جَبَلٍ لرأيتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللّٰه وتِلكَ الامثالُ نَضْرِبُها للناسِ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ ﴾
(الحشر:٢١)، و
﴿ فَمَالَهُمْ عَن التَذْكِرِةِ مُعْرِضِينَ ٭ كَأنهُم حَمُرٌ مُستَنْفِرةٌ ٭ فَرَّتْ مِن قَسْوَرة ﴾
(المدثر:٤٩-٥١)، و
﴿ مثل الذين يُنفِقونَ أَموالَهُمْ في سبيل اللّٰه كَمَثلِ حَبةٍ اَنْبَتَتْ سَبْعَ سنابلَ في كلِّ سُنْبلة مائةُ حَبَّة ﴾
(البقرة:٢٦١) و
﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ.. ﴾
(البقرة:٢٦٥).
وفي إحباط العمل الصالح بالإيذاء والرياء:
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُم أن تكون له جنةٌ مِن نَخيلٍ وأَعْنابٍ تجري من تحتها الأنهارُ له فيها مِن كلِّ الثَّمَراتِ وأَصابَه الكِبَرُ وله ذُريةٌ ضُعَفاء فأصابَها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرَقَتْ ﴾
(البقرة:٢٦٦)
﴿ مثلُ الذينَ كَفَروا بِرَبِّهِمْ اعمالُهم كَرَمادٍ اشتدتْ به الريحُ في يومٍ عاصفٍ لايَقدِرونَ مِما كَسَبوا عَلى شيءٍ ذلك هو الضلالُ البعيدُ ﴾
(إبراهيم:١٨).
ومثاله من طبقات الكلام في مقام الوصف:
﴿ ثمَّ استوى الى السماءِ وهي دخانٌ فقالَ لها وللأرض ائتيا طَوْعًا أو كرهًا قَالتا أَتَيْنا طائِعين ﴾
(فصلت:١١)، و
﴿ قيلَ يا أرضُ ابلَعي ماءَك ويا سماءُ اقلعي وغيضَ الماء وقُضِيَ الأمر واستوتْ على الجُوديّ وقيلَ بُعدًا للقومِ الظالِمين ﴾
(هود:٤٤)، و
﴿ اَلَمْ تَرَ كيفَ ضَرَبَ اللّٰه مَثَلًا كلمةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ اصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء ٭ تُؤتي أُكُلَها كلَّ حِينٍ بإِذنِ رَبِّها ﴾
(إبراهيم:٢٤-٢٥)، و
﴿ ومثلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتُثَّتْ مِن فوقِ الأرضِ مَالَها مِن قَرارٍ ﴾
(إبراهيم:٢٦)...
— 115 —
ومن الشعر:
والليلُ تَجري الدَّراري في مَجَرَّتِه كالروضِ تطفو على نهرِ أزاهيره
[٭]: قائله ابن النبيه المصري (ت ٦١٩ هی)، في مدح الأيوبيين.
اعلم أن في كل آية من هذه الآيات التمثيلية طبقاتٍ ومراتبَ وصورًا وأساليبَ متنوعة. كلٌّ منها -في كلٍّ منها- كفيلٌ وضامن لطائفة من الحقائق. وكما أنك إذا أخذتَ قواريرَ من فضةٍ وزيَّنتها بذَوب الذهب، ثم نقشتَها بجواهرَ، ثم صيّرتَها ذوات نور [٭]: ذوات أنوار. (ش). بإدراج "الألكتريق" [٭]: الكهرباء. ترى فيها طبقاتِ حُسنٍ وأنواعَ زينةٍ؛ كذلك في كلٍّ من تلك الآيات من المقصد الأصليّ إلى الأسلوب التمثيليّ قد شُرِعَت إشاراتٌ ومُدّت رموزٌ إلى مقامات كأن أصلَ المقصد تدحرجَ على المراتب وأخذ من كلٍّ لونًا وحصةً حتى صارت تلك الكلماتُ من جوامع الكلماتِ بل من جَمعِ الجوامع.
فصل ومقدمة
اعلم أن المتكلم كما يفيد المعنى ثم يُقْنِیع العقلَ بواسطة الدليل؛ كذلك يلقي إلى الوجدان حسِّياتٍ بواسطة صوَر التمثيل، فيحرّك في القلب المَيلَ أو النَّفرةَ ويهيئُه للقبول. فالكلام البليغ، ما استفاد منه العقلُ والوجدانُ معًا، فكما يتداخل إلى العقل يتقطّر إلى الوجدان أيضًا. والمتكفِّل لهذين الوجهَين التمثيلُ؛ إذ هو يتضمن قياسًا وينعكس به في مرآة الممثَّلِ القانونُ المندمج في الممثّل به. فكأنه دعوى مدلَّل. كما تقول في رئيس يكابد البلايا لراحة رعيته: "الجبل العالي يتحمّل مشاقّ الثلج والبَرَد، وتخضرّ من تحته الأوديةُ".
ثم إن أساس التمثيل هو التشبيه. ومن شأن التشبيه تحريكُ حسّ النَّفرة أو الرَّغبة أو الميلان أو الكراهية أو الحيرة أو الهيبة؛ فقد يكون للتعظيم أو التحقير أو الترغيب أو التنفير أو التشويه أو التزيين أو التلطيف إلى آخره... فبصورةِ الأسلوب يُوقَظ الوجدانُ وينبَّه الحسُّ بميلٍ أو نَفرة.
— 116 —
ثم إن مما يُحوِج إلى التمثيل عمقَ المعنى ودقّتَه ليتظاهر بالتمثيل، أو تفرُّقَ المقصد وانتشارَه ليرتبط به. ومن الأوّل متشابهات القرآن؛ إذ هي عند أهل التحقيق نوعٌ من التمثيلات العالية وأساليبُ لحقائق محضة ومعقولاتٍ صرفة؛ ولأن العوام لا يتلقَّون الحقائقَ في الأغلب إلّا بصورة متخيّلة، ولا يفهمون المعقولات الصرفة إلّا بأساليب تمثيلية، لم يكن بدٌّ من المتشابهات كی اِسْتوى عَلَى الْعَرْشِ (الأعراف:٥٤) لتأنيس أذهانهم ومراعاة أفهامهم.
ثم إني استخرجتُ -فيما مضى من الزمان- من أُسِّ أساس البلاغة مقدِّمةً لبيان إعجاز القرآن ثنتَي عشرة مسألة. كلٌّ منها خيطٌ لحقائق [٭]: المقصود المقالة الثانية "عنصر البلاغة" من كتاب "محاكمات عقلية" (صيقل الإسلام). ولما ذُكرت هذه الآيات التمثيلية هنا -دفعةً- ناسبَ تلخيص تلك المسائل فنقول وباللّٰه التوفيق: