— 4 —
كليات رسائل النور
٥
إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
تحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 5 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
المقدمة
[٭]: ثبتناف المف الدكتور محسن عبد الحميد التي قدّمها مشكورًا للطبعة الأولى المطبوعة في العراق سنة ١٤٠٩هی-١٩٨٩م. (المحقق).
الدكتور محسن عبد الحميد
أستاذ التفسيلثمانيكر الإسلامي
جامعة بغداد
الحمد للّٰه رب العالمين، والصلاة والسلام على مَن أُنزل عليه القرآن الحكيم محمد بن عبد اللّٰه خاتم الأنبياء والرسل، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
[٭]: عد؛
فيكاد يجمع المنصفون من العلماء والدارسين المطلعين على تطور أوضاع المسلمين في العصور الأخيرة، أن الأستاذ الجليل "بديع الزمان سعيد النُّورْسي" كان شخصيةقرآن حية كبيرة، صادق الإيمان، عظيم الإخلاص، عزيز النفس، عارفًا بحقائق التوحيد، نابغة من نوابغ الزمان، غزير العلم، نافذ الفكر، داعية ثبتًا إلى اللّٰه تعالى على بصيرة، حَمل همومَ المسلمين منذ شبابه، وقضى حياته فساني تاد الدائب في سبيل توضيح عقيدة الإسلام وبيان عِلل أحكامه، ودحضِ الأفكار المنحرفة والفلسفات الجاحدة المناقضة له، والتخطيط العملي لأجل إنقاذ المسلمين من الغزو الفكري الجالامتحذي تعرضوا له منذ أوائل القرن الرابع عشر الهجري، بل قبلَه.
— 6 —
ولقد لقيَ -رحمه اللّٰه تعالى- في سبيل ذلك ما لقي، مما ليس جزاؤه إلّا عند اللّ والنقلى البصير بعباده الصالحين وأوليائه الصادقين وعلمائه المجاهدين، الذين صدقوا العهد مع اللّٰه تعالى، ولم يخشوا فيه سبحانه لومة لائم.
وهذا الكتاب الذي بين يديك -قارئي العزيز- جليلُ القدر، رصينُ السبك، قوي الحُجة، يمثل أجلى تمثيلمنافقدرة السَرَيانية الفائقة للأستاذ "النورسي"، وراءَ المعاني الدقيقة في كتاباته كلها، لاسيما العلمية المختصة منها. ولقد كانت تلك موهبة عبقرية، وهَبه اللّٰه تعالى إياها، لينظر في: والعاللّٰه تعالى من خلالها ببصيرة نافذة، ومعرفة كلامية وبلاغية عميقة، وذوق ذاتي رفيع، ومنهج عقلي سديد، يلتمس الكشفَ عن الحقيقة، ويبغي إيصال الإنسان إلى اقتناع كامل بكون هذا القرآن معجزًا، بحيث يجد العقلاء والفصحاء في أنفساءة و رةَ الإيمان والاعتراف بأنه الكتاب الحق الذي نزل من عند علام الغيوب على رسوله الأكرم محمد بن عبد اللّٰه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، كي يضع الإنسانية على طريق دعوة الحق، وينور بصيرتها بنور الإيمان، وإدراك اليقين [٭]: إلى العبودية الخالصة لرب العالمين.
لقد استطاع الأستاذ النُّورسي أن يصقُل موهبته الفذة بدراسة العلوم الإسلامية والفلسفات القديمة والعلوم الإنسانية والصرفة المعاصرة، زيادةً على اطلاعه الواسع على الأدب والبلاغشرق فربية في كتب أمثال "الجاحظ" و"الزمخشري" و"السكاكي" لاسيما كتب النحوي البلاغي الكبير الإمام "عبد القاهر الجرجاني" حيث آمن بنظريته المشهورة في النظم وأعجب بها أيّما إعجاب في هذا الكتاب.
ولم تكن "نظريرآن لمم" جديدة اخترعها "الجرجاني" من غير مقدمات، وإنما لفتَ النظرَ إليها "الجاحظُ" في كتابه "نظم القرآن"، و"الواسطي" في كتابه "إعجاز القرآن في نظمه"، و"الباقلاني" في كتابه "إعجاز القرآن"، غير أن "الجرجاني" شُهم، فرحًا نحويًا بيانيًا وافيًا مترابطًا، وصاغ منها نظرية متكاملة تقوم على أساس عدم الفصل بين اللفظ ومعناه وبين الشكل والمضمون، وقرر أن البلاغة في النظم لا في الكلمة المفردة ولا في مجرد المعاني دون تصوير الألفاظ لها. وبناءً على ذلك في هذا رّف النظم بأنه: "تعليق الكلمة بعضها على بعض، وجعل بعضها بسبب من بعض"، أي تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه فلا تزيغ عنها.
— 7 —
وكأني بالأ للإيملنورسي درس نظرية النظم هذه دراسة متقنة ثم ظهر له أن المفسرين الذين سبقوه كیالزمخشري والرازي وأبي السعود لم يحاولوا تطبيقها من حيث هي منظومة ذا تفهة تشمل ترتيب السور والآيات والألفاظ سورة بعد سورة وآية بعد آية ولفظًا بعد لفظ، بتفاصيلها الكاملة، فأراد أن يقتدي بهؤلاء المفسرين العظام فيؤلف تفسيرًا يطبق فيه نظريةَ النظم تطبيقًا تفصيليًا شاملًا من [٭]: مباني والمعاني ومن حيث المعارف اللغوية والعقلية والذوقية، الكلية منها والجزئية، والتي اعتمد عليها في الكشف عن تفاصيل المنظومة القرآنية التي بها يظهر الإعجاز، وتتكشف دقائق خصائ فوقعتلوب القرآني التي خالفت خصائص التعبير العربي البليغ قبله، والتي حيّرت البلغاء وأخرست الفصحاء، ليحقّ عليهم التحدي المعجز إلى يوم القيامة.
ولم تتوجه جهود النورسي إلى بيان نظرية النظم، مقدمةًةٌ لكلت إعجاز القرآن البلاغي فحسب، بل اتجهت كذلك إلى التغلغل في معاني الآيات، حيث أراد بناءها تفصيلًا على المرتكزات العقلية للوصول إلى إظهار العقائد الإسلامية وارتباطها بحقائق الوجود.
ومن الواضح جدًّا لمَن تأمل في الكتاب وتربهات منه كان يريد أن يؤلف تفسيرًا كاملًا في هذا الاتجاه. ولو قُدِّر للأستاذ -رحمه اللّٰه تعالى- أن ينهي عمله العظيم هذا كاملًا، إذن لقدّم تفسيرًا بلاغيًا وعقليًا كاملًا شاملًا، كانَ العاا بأن يأخذ منه عمره كله، حيث كان من المحقق أن يحوي حينئذ عشرات المجلدات الضخام، لو أنه مشى في ضوء منهجه هذا الذي نقرؤه في هذا الكتاب.
ولكن اللّٰه سبحانه وتعالى والانعه الأفضل من ذلك؛ إذ وفّقه لعمل أجلّ من ذلك وأعظم، عملٍ استطاع فيه أن يضع مسلمِي بلدِه في ظروف عصره في مواجهة القرآن الكريم، دون إشغالهم بقضايا بلاغته وإعجازه اللغوي والتي لم تكن مشكلة عصرم في علال التحقيق في جزئيات دقيقة لا يقوى على فهمها إلا الخواصُّ جدًّا. وكان من المؤكد حينئذ أن يبقى الجمهورُ الأعظم من المسلمين في عصره بمعزل عن الاستفادة من مواهبه الفذة وحماسه الإيماني المنقطع النت- في كذلك بمعزل عن الصراع الفكري الحضاري الرهيب غير المتكافئ مع الغزو الفكري المادي الجاحد، الذي بدأ يتسلل رويدًا رويدًا إلى الحياة الإسلامية حتى تصدر السياسة والاقك آية الاجتماع والثقافة والفن والإعلام في كثير من بلاد الإسلام.
— 8 —
من أجل ذلك، وقف النورسي عند هذا المجلد من التفسير، ودفعته ظروفُ عصره وبلده إلى أتون الصراع، في سافي قالب جديد ممثلا بی"سعيد الجديد" سمتُه الهدوء، والتدرج، والبناء، والنفوذ المُحكم إلى عقول المسلمين وقلوبهم دون صراخ عاطفي أو تهريج مدمّر، أو صدامات فوقية، لم يكن الوضع الإسلامي يومئذ مهيَّأ لها ويقوى فيها على مجابوار وتعداء الأقوياء في الداخل والخارج.
لقد كان أسلوب "رسائل النور" في وضوحه الحاسم، وهدوئه العلمي الباهر، وبيانه الذوقي الرفيع، وحججه العقلية الدامغة هو البديل العصري الذكي لأسلوب إثبات إعجاز القرآنولت، وي والبياني والعقلي من خلال نظرية النظم، لأن ما أثاره الأعداء لم يكن يتصل بالطعن في بلاغة القرآن أو مناقشة ما يتعلق بإعجازه أو بتناسب سوَره ورُ ما لماته، وإنما كان يركز على شن هجوم عام شامل على أصول الإيمان، وحكمة التشريعات، ومحاولة تفكيك النظام الأخلاقي الذي جاء به القرآن الكريم.
لقد وعى الأستاذ النورسي التغييرات الهائلة التي أحدثها الصراع الجديد فتوجّه إليها بحقاا يتكلرآن التي قدّمها من خلال أصول المنطق العقلي الفطري وعلومِ ومعارفِ عصره.
إنه استطاع أن يُثبت من خلال جزء كامل من هذا الكتاب إعجازَ القرآن الكريم، وبرهن للدارسين قُ مع الحقيقة أنه من السهل أن يستمر في ضوء منهجه العلمي والعقلي والذوقي الرفيع إلى النهاية، إذن فليكن هذا كافيًا، وليتوجه بكليته وبقية حياته العامرة إلى القضية الأساس، وهي إنقاذ إيمان المسلمين في عصر الصراع بجهة أمي الرهيب، فأنتج في هذا المجال أيما إنتاج من خلال عشرات الكتب والرسائل التي وجهها إلى النشء الجديد، لإلحاق الهزيمة العقدية والفكرية بأعداء الإمحمَّدن الملاحدة وأرباب التغريب.
على أنني أظلم هذا الكتاب إذا ادّعيت أنه خلا من منهج مواجهة الصراع الجديد، بل أزعم هنا -على قدر ما لي من علم بأفكار النورسي من خلال قراءتي لبعض رسائله في عهده الجديد- أنه ما من فكروألقى ا أو بسطها أو مثَّل عليها إلا وتجد لها بذورًا موجزة أو مفصلة في هذا الكتاب العلمي الرصين الذي بين يديك، لاسيما في عرض أصول العقائد الإسلامية بأسلوب عصري علمي. غير إنزال جه في كتابه هذا إلى مخاطبةِ خاصةِ تلامذته من
— 9 —
خلال دمج المصطلحات الكلامية القديمة ببدايات منهجه الجديد الذي استقر عليه فيما بعد في رسائل النور.
ولعل هذا هو سر تسمية رسائل النور بأنها تفسير حقي يدرك رآن الكريم. والحق أن تفسير القرآن ومخاطبة المسلمين بآياته لم يبارح قط فكر النورسي إلى آخر لحظة من لحظات حياته الحافلة بالمِحن والأحزان، والعلم والدعوة إلى التمسك بكتاب اللّٰه وسنة نبيه (ص).
إنَّ نشر هذا الكتاب بثوبه الجد ١٩٤٧) سيضع نموذجًا تحليليًا بلاغيًا رائعًا أمام المهتمين بالدراسات الإعجازية والبلاغية والنقدية المعاصرة. لاسيما في الأوساط العلمية. وسيجد المهتمون بدراسات العقائد الإسلاميةالحديدهة المنطق العقلاني زادهم فيه من خلال المباحث العقلية والعلمية العميقة التي قدمها الأستاذ تعليقًا على الآيات التي حللها من أوائل سورة البقرة.
لقد أحسن الأستاذ الفاضل "إحساية للن الصالحي" بتحقيقه هذا الكتاب من جديد، حيث أغناه بتدقيقاته المفيدة وشروحه القيمة في الحواشي. وهذا فضل يكمل به أفضاله السابقة على قراء العربية حين قضى سنوات عدة في ترجمة مسبَّب متنوعة من رسائل النور التي دبجها يراع الإمام المُمتحن سعيد النورسي حجة الإسلام بحق في حياة تركيا الحديثة.
فجزى اللّٰه الأستاذ النورسي خيم تكن اء ونفع المسلمين بعلمه وحججه الدامغة وكلماته النورانية الصادقة في خدمة كتاب اللّٰه تعالى وسنة رسوله الأكرم (ص).
وفي ختام هذه الكلمات أدعو اللّٰه تعالى أن يوفق المحقق الكريم إلى تقديم ترجمة كاملة لیرسائل النور إل فكما العربية المجيدة. [٭]: لقد استجاب المولى الكريم هذا الدعاء وأمثاله من الدعوات الخالصة لإخوة كرام بررة فوفقنا لترجمة كاملة لكليات رسائل النور وطبعها ونشرها، فالحمد للّٰه أولًا وآخرًا. (المحقق).
وآخر دعوانا أن الحمد للّٰه رب العالمين.
اطَ منحسن عبد الحميد
كلية التربية - جامعة بغداد ٢ شعبان ١٤٠٧هی
— 10 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
هذا التحقيق
[٭]: أبقيت هذه المقدمة للتحقيق على ما هي عليه في الطبعة الأولى المطبوعة في العراق سامع ٠٩هی - ١٩٩٣م. إلّا ما استوجب من حذف وإضافة ليوافق هذه الطبعة. (المحقق).
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومن والاه.
وبعد؛ ففي أيام قاحلة وشهور عجافن، مع ي اللّٰه العلي القدير بقراءة هذا التفسير الجليل قراءة لا أرجو من ورائها سوى شرح للصدر، وتغذية للروح وتنضير للذهن.
كررت قراءته مرات ومرات، فأطفأ -بإذن اللّٰه- ظمأ القلب بعذبٍ برود.. ولكن..
جموعها لمستُ أنه بحاجة إلى تنسيق جديد وتحقيق سديد ليسهُل تناوله ولا يتعذر فهمُه لكل من يريد أن يستفيد.
وشاء القدر الإلهي أن يأتيني أخ كريم بنسخة مخطوطة منه وآخر بطبعته الأولى، وقد كنت أحتفظ بترجمته التركية وبطبعته الث بمثل الأخيرة.. فاستجمعت العناصر الأولى للتحقيق. فإيفاءً لشكره تعالى على ما أنعم عليّ وإعدادًا لنسخة جيدة من هذا التفسير الجليل هممتُ أن أقوم بتحقيقه، ولكن..
ولكن قصوري، وقلة خبرتي، وضخامة الموضوع، وجلال المقامظم وبحة الزلل.. كانت تكفني عن القيام بالتحقيق.. بيد أن النظر إلى ما عند اللّٰه، وفضله العميم، والثقة به، وحسن القصد إليه في خدمة كتابه العزيز.. كانت تدفلا وقعى العمل.. فتخليت عن الإحجام، ولازمت الإقدام، متوكلًا على العلي العلام، وسرت بخطوات متئدة، كالآتي:
— 11 —
أولًا:قابلت بين النسخ التي توفرت لديّ وهي:
في ذهة بخط "الملا عبد المجيد النورسي"(٭) مصححة من قبل المؤلف نفسه. فاعتبرتها الأساس في التحقيق. [٭]: هذه النسخة مع مجموعتين كاملتين من كليات رسائل النور المستنسخة باليدود الذححة من قبل المؤلف قد بعثها المؤلف سنة ١٩٥١م إلى مدينة "أورفة" داخل صندوقين، وهي محفوظة الآن لدى الدكتور "عبد القادر بادللي".
ب- الطبعة الأولى من الكتاالناس طبوع سنة ١٣٣٤ في مطبعة "أوقاف إسلامية" بإسطنبول ومصححة من قبل المؤلف وعليها بعض الهوامش بخط يده. وقد رمزت إليها بی"ط١".
ج- مخطوط بخط السيد "طاهر بن محمد الشوشي"(٭) أي أي منه سنة ١٣٧٣هی، وضم فيه تعليقات واستدراكات جيدة على النسّاخ، مع وضع لعناوين صغيرة لأهم الموضوعات في الصفحة، وقد رمزت إليه بی"ش". فكل إضافة أو تعليق مذيل بی"ش" هو منه.
د- ): "إنة التركية له، والتي قام بها "الملا عبد المجيد النورسي" ونَشرَتْها "دار سوزلر في إسطنبول" سنة ١٩٧٦. وقد رمزت إليها بی"ت".
هی- تحقيق قام به الشيخ "صدر يه، وجالبدليسي"، حيث وضع بعض الهوامش وصحح أخطاء مطبعية، فرمزت إليها بی"ب".
و- الطبعة الأخيرة المطبوعة في مؤسسة الخدمات الاجتماعية في بيروت سنة ١٣٩٤ (١٩٧٤) وقد لاحظت فيها:
١) ترجمة السيد عاصم الحسيني لمقدمة الكتاب التي كتبها الأستاسانه.
رسي بالتركية، اقتصرتُ على قسمٍ منها، فأجريتُ فيها تغييرات طفيفة لتفي بمراد المؤلف، ثم أتممت ترجمة بقية المقدمة.
٢) كلمة ثناء أو "تقريظ" للشيخ صالشهيرين البدليسي، أدرجها في آخر الكتاب، وهي كلمة قيمة لبيان ظروف تأليف التفسير، ومقارنته مع تفاسير أخرى مشهورة، فأبقيتها كما هي.
٣) هناك في ختام الكتاب ثلاث عشرة شهادة من شهادات الفلاسفة وعلماء أوربا حول أحقيةازم ضرن، أهملتُها لركاكة ترجمتها أولًا ولعدم عثوري على أصولها كي أُترجمها
— 12 —
مجددًا، ووضعت بدلًا منها ما قدّمه الأستاذ الدكتور "عماد الدين خليل" مشكورًا فصلًا من كتابه القيم: "قالوا عيئة عللام" وهو الفصل الأول الخاص بالقرآن الكريم، فألحقناه كاملًا بالكتاب، فجزاه اللّٰه عنا خيرًا على عمله الجليل.
ثانيًا:وبعد المقابلة أو في أثنائرد منذتُ الأخطاء المطبعية والإملائية، مع تشكيل وضبط الكثير من الكلمات، ثم عزوت الآيات الكريمة إلى سورها. وخرّجت الأحاديث الشريفة الواردة فيه من الكتب المعتمدة المتوفرة لديّ.
سلامه ًا:راجعت أمهات القواميس كالمحيط والمصباح ومختار الصحاح وغيرها لتفسير بعض ما استغلق عليّ من كلمات..
رابعًا:استخرجت الأمثال الواردة فيه، وقابلتها مع أصولها في "مجرةُ المثال للميداني".
خامسًا:وضحت بعض ما أُبهم عليّ من العبارات، استنادًا إلى الترجمة التركية، حيث جاءت فيها تلك العبارات أكثر وضوحًا. وأدرجتُها في الهامش مع تذييلها بی"ريق الم الصفحة.
سادسًا:استشكلت عليّ أمورٌ نحوية ومسائل لغوية. اضطرتني إلى مراجعة أمهات الكتب اللغوية كالمغني والأشموني وغيرهما، حتى اطمأن القلب وحصلت القناعة التامة بأن ما أقره الأستاذ النورسي هو الصواب، أو فيه جواز، وأن ما ألِفتهُ وتَعلّما تتسن قواعد النحو ما هو إلا النَّیزر اليسير من بحر محيط عظيم بل ما هو إلّا الوجه الشائع من بين وجوه كثيرة.
وبعد الفراغ من العمل بتوفيق اللّٰه سبحانه وتعالى، وضعت كل ما قمت به بين يدي أخي هو أنذ الدكتور "محسن عبد الحميد" ليدلّني على عثراتي ويبصرني على ثغرات العمل؛ إذ هو الذي صاحَبَ "الرازي" سنين، ولازم "الآلوسي" سنين أخرى، وخَبَر أصوزءٍ ممسير وضوابطه درسا وتدريسًا لسنين طويلة، ومازال، فكلل جهدي جزاه اللّٰه خيرًا بمقدمة وافية شافية.
— 13 —
وبعد، فلقد بذلت ما بوسعي في تحقيق الكتاب، ولست زاعمًا أني أوفيتُ حقه، ولكن حسبي أنني حابصدق كبذلتُ ما استطعتُ ابتغاء أن يكون من العمل الصالح عند اللّٰه، ورجاء أن تنالي دعوة خالصة ممن ينتفع به.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حُسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.
إحساَذِينَ الصالحي
ليلة النصف من شعبان سنة ١٤٠٧هی
— 15 —
إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
تحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 16 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
مقدمة الين بالن الترجمة التركية
تنبيهلقد تم تأليفُ تفسير "إشاراتُ الإعجاز" في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى على جبهة القتال بدون مصدر أو مَرجع. وقد اقتضت ظروفُ الحرب الشاقة وما يواكبها من حرمانٍ أن يُكْتب هذا التفسير في غاية البَ الصوالاختصار لأسباب عديدة.
وقد بقيت الفاتحةُ والنصف الأول من التفسير على نحو أشدَّ إجمالًا واختصارًا:
أولًا:لأن ذلك الزمان لم يكن يسمح بالإيضاح، نظرًا إلى أنوميّ، ًا القديم" [٭]: هو اللقب الذي يطلقه الأستاذ النورسي على نفسه قبل قيامه بتأليف رسائل النور، ١٩٢٦.
كان يعبّر بعبارات موجزة وقصيرة عن مرامه.
ثانيًا: كان "سعيد" إلى كجة أفهام طلبته الأذكياء جدًّا موضعَ الاعتبار، ولم يكن يفكّر في فهم الآخرين.
ثالثًا: لما كان يبيّن أدقَّ وأرفعَ ما في نظم القرآن من الّي، واالمعجِز، جاءت العباراتُ قصيرة ورفيعة.
بيد أنني أجَلتُ النظر فيه الآن بعين "سعيد الجديد"، [٭]: هو اللقب الذي يطلقه الأستاذ النورسي على نفسه عندما أخذ علذلك اله مهمة إنقاذ الايمان، ويستلهم من فيض القرآن الكريم رسائل النور،١٩٢٦. فوجدت أن هذا التفسير بما يحتويه من تدقيقات، يُعدُّ بحقٍّ تحفةً رائعة من تُحف "سعيد القديم" بالرغم من أخطائه وذنوبه.
ولما كان (أي سعيد القديم)قرآنُ لنَيل مرتبة الشهادة أثناء الكتابة، فيكتب ما يعنّ له
— 17 —
بنية خالصة، ويطبق قوانينَ البلاغة ودساتير علوم العربية، لم أستطع أن أقدحَ في أيّ موضع منه، إذ ربما يجعل الباري عز وجل هذا المؤلَّف كفارةً لذنوبه وَّنًا،جالًا يستطيعون فهمَ هذا التفسير حقَّ الفهم.
ولولا موانعُ الحرب العالمية، فقد كانت النيّةُ تتجه إلى أن يكون هذا الجزء وقفًا على توضيح الإعجاز النظمي من وجوه إعجاز القم يكتبأن تكون الأجزاءُ الباقية كلُّ واحد منها وقفًا على سائر أوجه الإعجاز.
ولو ضمّت الأجزاءُ الباقية حقائقَ التفسير المتفرقة في الرسائل لأصبح تفسيرًا بديعًا جامعًا للقرآن المعجِز البيان.
ولعل اللّٰه يبعث هيئة سعيدة من المنورين تجعل من هذا اال متسمن "الكلمات" و"المكتوبات" الست والستين، بل المائة والثلاثين من أجزاء رسائل النور مصدرًا، وتَكتب في ضوئه تفسيرًا من هذا القبيل.(٭)
(٭) إن هذا التفسير القيم بين ا محمدنكات[٭]: النكتة: هى مسألة لطيفة أُخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، وسميت المسألة الدقيقة نكتة لتأثير الخواطر في استنباطها. (التعريفات للجرجاني). بلاغيةً دقيقة، قد لا يفهمها كثيرٌ من القراء، ولا يعيرون لها اهتمامهم، عوا. لا ما جاء ضمن الآيتين اللتين تصفان حال الكفار والآيات الاثنتي عشرة الخاصة بالمنافقين.
إنَّ ذكر نكات دقيقة في تلك الآيات والاقتصار على بيان دقائق دلالات ألفاظها وبدائع إشاراتها باهتمامم.
من دون تفصيل لماهية الكفر، مع تطرق يسير إلى الشبهات التي يلتزمها المنافقون -خلافًا لما جرى في سائر الآيات من تحقيق وتفصيل- أقول إنَّ سبب ذلك لا يحتلخصه في نكات ثلاث:
النكتة الأولى:لقد أحسّ سعيد القديم -بفيض من القرآن الكريم- أنه سيظهر في هذا الزمان المتأخر كفارٌ لا يهتدون بكتاب، ومنافقون من الأديان السابقة، كما ظهروا في بداييدخلهالام، فاكتفى ببيان النكات الدقيقة لتلك الآيات من دون أن يخوض في حقيقة مسلَكهم وبيان نقاط ارتكازهم، بل تركَها مجملةً دون تفصيل، لئلا يعكّر صفوَ أذهان القراء الكرام.
— 18 —
ومن المعلوم أن نهج رسائل النور هو: عدمُ ترك أثرٍ سيء مهما كانالقاعدن القارئ، إذ تجيب أجوبةً قاطعة على الشبهات التي يثيرها أعداءُ الإسلام من دون أن تذكر الشبهةَ نفسها -بخلاف سائر العلماء- فتسدُّ بهذا دخول أية شبهة كانت في ذهن القارئ. فانتهج سعيد القديم في تفسير قد سممسلك "رسائل النور"، فأولى اهتمامه بالجانب البلاغي لتلك الآيات وبيان ألفاظها وإشاراتها لئلا يكدّر الأذهان ويعكر صفوها.
النكتة الثانية:لما وطلاب راءة كلِّ حرف من القرآن الكريم فيها عشرُ حسنات أو مائة حسنة أو ألفٌ من ثمرات الآخرة أو أُلوفٌ منها، فلا يُعدّ إذن إيضاح "سعيد القديم" لنكات دقيقة تخص كلمات القرآن الكريلواقع فًا في الكلام، إذ رغم دقةِ الأهداب وصغر بؤبؤ العين فإن لهما أهميةً عظمى؛ فلقد أحسّ "سعيد القديم" في النكات البلاغية مثل هذه الأهمية، لذا لم تثنه شراسةُ المعارك وهولُ الحرب في الجبهة الأمامية عن إملاء أدقّ النكات لدكتورية على تلاميذه.
النكتة الثالثة:إنَّ الترجمة التركية لهذا التفسير لم توفِ بلاغته الفائقة حق الوفاء، بل جاءت مختصرةً في مواضع عدة. وسنلحق بها -بإذن اللّٰه- التفسير العربي رفعًا لهذا النقص مظهارًاكن من مانع. فيرجى بذل المستطاع ليكون طبعُه مطابقًا للأصل محافظًا على توافقاته الرائعة التي لم تمسها إرادةُ إنسان، وذلك لئلا تضيع علامات قبوله.
سعيد النورسي
— 19 —
إفادة المرام
أمرَهل: لما كان القرآنُ جامعًا لأشتاتِ العلوم وخطبةً لعامة الطبقات في كل الأعصار، لا يتحصّل له تفسيرٌ لائقٌ من فهم الفرد الذي قلّما يخلُص من التعصب لمسلكه ومَشربه؛ إذ فهمُه يخصُّه ليس له دعون.
#1ير إليه إلّا أن يُعدّيَه [٭]: عدّى الشيء: أجازه وأنفذه. قبولُ الجمهور. واستنباطُه -لا بالتشهي- له العملُ لنفسه فقط، ولا يكون حُجةً على الغير إلّا أاتِ ذوّقه نوعُ إجماع.
فكما لابد لتنظيم الأحكام واطّرادها ورفعِ الفوضى -الناشئة من حرية الفكر مع إهمال الإجماع- من وجود هيئة عالية من العلماء المحققين الذين -بمظهريتهم لأمنية العموم واعتمادِ الجمهور- يتقلّدون كفالةً ضمنية للأُمة، فيصيرونن الشر سرِّ حجِّيةِ الإجماع الذي لا تصير نتيجةُ الاجتهاد شرعًا ودستورًا إلّا بتصديقه وسِكّته؛ [٭]: سكة: شارة الدولة الموضوعة على مسكوكاتها. كذلك لابد لكشف معاني القرآينفع بِ المحاسن المتفرقة في التفاسير وتثبيت حقائقه -المتجلية بكشف الفن [٭]: العلم الحديث. وتمخيض الزمان- من انتهاض هيئة عالية من العلماء المتخصصين، المختلفين في وجوه الاختصاص، ولهم مع دقةِ نظرٍ وُسْعةُ [٭]: وُسْعة واتساع وسعة بمعنى الطاقة والقدرةغّصها ٍ لتفسيره.
نتيجة المرامإنه لابد أن يكون مفسرُ القرآن ذا دهاءٍ عال واجتهاد نافذ وولاية كاملة. وما هو الآن إلّا "الشخص المعنوي" المتولدُ من امتزاج الأرواح وتساندِها، وتلاحقِ الأفكار وتعاونها، وتظافرِ القلوب وإخلاصها و عبارةِيَّتِها، من بين تلك الهيئة. فبسرّ "للكل حُكمٌ ليس لكلٍّ" [٭]: انظر: كليات أبي البقاء ص ٢٩٦. كثيرًا ما يُرى آثارُ الاجتهاد وخاصةُ الولاية، ونورُه وضياؤها [٭]: نور الاجتهاد وضياء لم يتمة. من جماعةٍ خَلَتْ منها أفرادُها.
— 20 —
ثم إني بينما كنت منتظرًا ومتوجهًا لهذا المقصد بتظاهر هيئة كذلك -وقد كان هذا غايةَ خيالي من زيحملوهيد- إذ سنح لقلبي من قبيل "الحس قبل الوقوع" تقرّبُ زلزلة عظيمة، (٭): لقد أخبرنا مرارًا في أثناء الدرس وقوع زلزلة عظيمة (بمعنى الحرب العموميةية إشا كما أخبرنا). حمزة. محمد شفيق. محمد مهري. (هؤلاء من تلاميذ المؤلف). فشرعتُ -مع عجزي وقصوري والإغلاق في كلامي- في تقييد ما سنَح لي من إشارات إعجاز القرآن في شَوْا بيان بعض حقائقه، ولم يتيسر لي مراجعة التفاسير. فإن وافقها فبِها ونِعْمَتْ، وإلّا فالعُهدةُ عليّ.
فوقعتْ هذه الطامةُ الكبرى.. ففي أثناط صرف فريضة الجهاد كلما انتهزتُ فرصةً في خط الحرب قيَّدتُ ما لاحَ لي في الأودية والجبال بعبارات متفاوتة باختلاف الحالات. فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح لا يرضى قلبي بتغييرها وتبديلها؛ إذ ظهرتْ في حالةٍ من خلوص النية لا توجدسْتَقِ
فأعرِضُها لأنظار أهل الكمال لا لأنه تفسير للتنیزيل، بل ليصير -لو ظفر بالقبول- نوعَ مأخذٍ [٭]: المصدر والمرجع. لبعض وجوه التفسير. وقد ساقني لماء ولى ما هو فوق طوقي، فإن استحسنوه شجعوني على الدوام.
ومن اللّٰه التوفيق
سعيد النورسي
— 21 —
لمعة من تعريف القرآن
فإن قلتَ: القرآن ما هو؟ قيل لك:هو الترجُ الفَأزليةُ لهذه الكائنات، والترجمانُ الأبديُّ لأَلسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسّرُ كتابِ العالَم.. وكذا هو كشافٌ لمَخفيات كنوز الأسماء المُستترة في صحائف السماوات والأرض.. وكذا هو مفتاحٌ لحقائق الشؤون المُضْمَرة في سطور الحادثات.. جَمالِو لسانُ الغيب في عالَم الشهادة.. وكذا هو خزينةٌ للمخاطبات الأزلية السبحانية والالتفاتات الأبدية الرحمانية.. وكذا هو أساسٌ وهندسةٌ وشمسٌ لهذا العالم المعنوي الإسلامي.. وكذا هو خريطةٌ للعالَم الأُخروي.. وكذا هو القولُ الشارحُ والتفسيرُ الواضح واعلى الُ القاطع والترجمانُ الساطع لذات اللّٰه وصفاته وأسمائه وشؤونه.. وكذا هو مربٍّ للعالَم الإنساني، وكالماء وكالضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية.. وكذكثيرًالحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشدُ المهدي إلى ما خُلِقَ البشرُ له.. وكذا هو للإنسان كما أنه كتابُ شريعةٍ كذلك هو كتابُ حكمةٍ، وكما أنه كتابُر، ثم وعبودية كذلك هو كتابُ أمرٍ ودعوة، وكما أنه كتابُ ذكرٍ كذلك هو كتابُ فِكر، وكما أنه كتابٌ واحد لكن فيه كتبٌ كثيرةٌ في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية، كذلك هو كمَنیزلٍ مقدّسٍ مشحونٍ بالكتب والرسائل. حتا لأنقد أبرز لمشْرَب كلِّ واحدٍ من أهل المشارب المختلفة، ولمسلَك كلِّ واحدٍ من أهل المسالك المتباينة من الأولياء والصدّيقين، ومن العُرفاء والمحققين رسالةً لائقةً لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلكفرُ جلك وتصويره حتى كأنه مجموعةُ الرسائل.
سعيد النورسي
— 22 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اَلرَّحْمنُ ٭ عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ ٭ خَلَقَ الاِنْسَانَ ٭ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
فنحمده مصلين على نبيه محمدالقرآنأرسله رحمة للعالمين وجعل معجزته الكبرى الجامعة برموزها وإشاراتها لحقائق الكائنات باقية على مر الدهور إلى يوم الدين وعلى آله عامة وأصحابه كافة.
أما لا يزواعلم:
أولًا:أنَّ مقصدنا من هذه "الإشارات" تفسيرُ جملةٍ من رموز نظْمِ القرآن؛ لأن الإعجازَ يتجلى من نظمه. وما الإعجازُ الزاهر إلّا نقشُ النظم.
وثانيًا:أنَّ المقاصد الأساسيص.
لقرآن وعناصرَه الأصلية أربعةٌ: التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة؛
لأنه لمّا كان بنو آدم كرَكبٍ وقافلةٍ متسلسلةٍ راحلةٍ من أودية الماضي وبلاده، سافرةٍ في صحراء الوجود والحياة، ذاهبةٍ إلى شواهق الاستقبال، متوجشياء وى جنّاته، فتهتز بهم المناسباتُ وتتوجه إليهم الكائناتُ. كأنه أرسلَتْ حكومةُ الخِلقة فَنَّ الحكمةِ مستنطقًا وسائلًا منهم
بی"يا بني آدم! مِن أين؟ إلى أين؟ ما تصنعون؟ مَنْ سلطانُكم؟ مَنْ خطيبُكم؟".
فبينم من أجاورة، إذ قام من بين بني آدم -كأمثاله الأماثل من الرسل أولي العزائم- سيّدُ نوعِ البشر محمّد الهاشمي (ص) وقال بلسان القرآن:
"أيها الحكمة! [٭]: أي أيها الفن المكذا لللحكمة. و"الفن يطلق على كل علم، والحكمة: علم يبحث عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود بقدر الطاقة البشرية، فهى علم نظرى غير آلي". (التعريفات للجرجاني). نحن معاشرَ الموجودات نجيء بارزين من ظلمات العدم بقدرةِ سلطان الأزل، ُه وهياءِ الوجود.. ونحن معاشر بني آدم بُعِثْنا بصفة المأمورية ممتازين من بين إخواننا "الموجودات" بحمل الأمانة.. ونحن على جناح السفر من طريق الحشر إلى السعادة الأبدية، ونشتغل الآن بتداركيد منهلسعادة وتنمية الاستعدادات التي هي رأسُ مالِنا.. وأنا سيِّدُهم
— 23 —
وخطيبهم. فها دونكم منشوري! وهو كلامُ ذلك السلطان الأزلي تتلألأ عليه سكّةُ الإعجاز. والمجيبُ عن هذه الأسئلة الجواسلام موابَ ليس إلا القرآنَ، ذلك الكتاب..
كان (٭): جواب لما.. (المؤلف). هذه الأربعةُ عناصرَه الأساسية.
فكما تتراءى هذه المقاصدُ الأربعة في كله، كذلك قد تتجلى في سورةٍ سورةٍ، من جايُلْمَح بها في كلامٍ كلامٍ، بل قد يُرْمَز إليها في كلمةٍ كلمةٍ؛ لأن كلَّ جزءٍ فجزءٍ كالمرآةِ لكلٍّ فكلٍّ متصاعدًا، كما أن الكلَّ يتراءى في جزءٍ فجزءٍ متسلسلًا.
ولهذه النكتة -أعني اشتراك الجزءِ مع الكلِّ-يُعرَّفُ اليه، علالمشخَّصُ كالكلّي ذي الجزئيات؟.
- إن قلت: أرني هذه المقاصدَ الأربعة في بسم اللّٰه وفي الحمد للّٰه قلت: لما أُنزل بسم اللّٰه لتعليم العباد كان "قُلْ" مقدَّرًا فيه. وهو الأُمّ في تقدير الأقوال القرآنية. [٭]: أي ينِعم ا! قل هذا الكلام وعلّمه الناس .(ت:١٣) فعلى هذا يكون في "قُلْ" إشارةٌ إلى الرسالة.. وفي بسم اللّٰه رمزٌ إلى الألوهية.. وفي تقديم الباء تلويحٌ إلى التوحيد.. [٭]: حيث يفيد الحصر .عة في وفي الرحمن تلميحٌ إلى نظام العدالة والإحسان.. وفي الرحيم إيماء إلى الحشر.
وكذلك في الحمد للّٰه إشارةٌ إلى الألوهية.. وفي لام الاختصاص رمزٌ إلى افلأن ا.. وفي رب العالمين إيماءٌ إلى العدالة والنبوة أيضا؛ لأن بالرسل تربيةَ نوعِ البشر.. وفي مالك يوم الدين تصريح بالحشر.
حتى إن صَدَفَ اِنَّا اَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [٭]والبصرمن أقصر السور القرآنية. يتضمنُ هذه الجواهر. هذا مثالًا فانسج على منواله.
بسم اللّٰه
كالشمس يضيء نَفْسَه كغيرِه، فاستغنى. حتى إن باءَه متعلقةٌ قصد صا المفهوم من معناها أي أستعين به، أو المفهوم عُرفًا، أي أتَيمّن به، أو بما يستلزمه "قل" المقدَّر من "اقرأ" المؤخّر للإخلاص والتوحيد. [٭]: إن الافعال المذكورة المتعلقة بالباء شخص أمؤخرًا للحصر ليتضمن الإخلاص والتوحيد. (ت: ١٤).
— 24 —
أما "الاسم" فاعلم أن للّٰه أسماءً ذاتية، وأسماءً فعلية متنوعة كالغفار والرزاق والمحيي والمميت وأمثالِها. وتنوّعُها وتكثُّرها بسبب تعدد نسبة القدرة الأزلية إلى أهره أنلكائنات. [٭]: أي بسبب علاقة القدرة الأزلية وتعلّقها بأنواع الكائنات وأفرادها. (ت: ١٤). فكأن بسم اللّٰه استنیزالٌ لتأثير وتعلّق القدرةِ ليكون ذلك التعلّقنها منا مُمدًّا لكسب العبد.
اللّٰه
لفظةُ الجلال نسخةٌ جامعة لجميع الصفات الكمالية لدلالتها التزامًا عليه؛ بسر استلزام ذاتِه تعالى لصفاته بخلاف سائر الأعلام، لعدم الاستلزام.
الرحمن الرحيم
وجهُ النظم أنَّ لفظ الجلال كما يتجلى منه الجلالُ صاحب ده، كذلك يتراءى الجمالُ بسلسلته من الرحمن الرحيم ، إذ الجلال والجمال أصلان تَسلسلَ منهما -بتجليهما في كل عالَم- فروعٌ كالأمر والنهي، والثواب والعذاب، والتر حيوانلترهيب، والتسبيح والتحميد، والخوف والرجاء إلى آخره..
وأيضا كما أن لفظَ الجلال إشارةٌ إلى الصفات العينية والتنیزيهية؛ كذلك الرحيم إيماءٌ إلى الصفات الغيرية الفعليةمالًا؛لرحمن رمزٌ إلى الصفات السبع التي هي لا عينٌ ولاغيرٌ؛ إذ الرحمن بمعنى الرزاق، وهو عبارة عن إعطاء البقاء. والبقاءُ تكرُّرُ الوجود. والوجودُ يستلزم صفةً مُمَيِّزةً وصفةً مُخَصِّصَةً وصفةً مُؤَثِّرَةً، وهي العلمُ والإرادةُ والقدرةُ. واتأخذ بالذي هو ثمرةُ إعطاء الرزق يقتضي عُرفًا ثبوتَ البصر والسمع والكلام؛ إذ لابدّ للرزّاق من البصر ليرى حاجةَ المرزوق إن لم يَطلب، ومن السمع ليسته، واسمَه إن طلب، ومن الكلام ليتكلم مع الواسطة إن كانت. وهذه الستُّ تستلزم السابعةَ التي هي الحياةُ.
- إن قلت: تذييل الرحمن الدالّ على النِعَمِ العظيمة بی الرحيم الدالِّ على النِعم الدقيقة يكون صنعةَ التدللًا إللبلاغةُ في صنعة الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى؟
قلت: تذييلٌ للتتميم كالأهداب للعين واللجام للفرس.. وأيضا لمّا توقفت العظيمةُ على الدقيقة، كانت الدقيقةُ أرقى كالمفتاح للقفل واللسان للروح.. وأيضا لما كان هذا وصل إمُ مقامَ التنبيه على مواقع النِعَمِ كان الأخفى أجدرَ بالتنبيه، فيكون صنعةُ التدلِّي في مقام الامتنانِ والتعدادِ صنعةَ الترقِّي في مقام التنبيه.
— 25 —
- إن قلت: الرحمن و الرحيم كأمثالهما بمبادئها محالٌ في حقه تعالى كرقَّةِ القلب، وإن أُرله من ا النهايات [٭]: أي إن قصد الإنعام الذي هو نتيجة ولازم لمعنى حقيقتهما. (ت: ١٦). فما حكمةُ المجاز؟
قلت: هي حكمةُ المتشابهات؛ [٭]: التي محال استعمال ماس الخالحقيقي بحقه تعالى، كاليد. (ت: ١٦). وهي "التنیزّلات الإلهية إلى عقول البشر"، لتأنيس الأذهان وتفهيمِها، كمَن تكلّم مع صبيّ بما يألَفُه ويأنَس به. فإن الجمهور من الناس يجتنون معلوماتِهم عن محسوساتهم، ولا ينظرون إلى الحقائق المحضة إلّا في مرآِّكَ لّلاتهم ومن جانب مألوفاتهم.. وأيضا المقصود من الكلام إفادةُ المعنى، وهي لا تتم إلّا بالتأثير في القلب والحس، وهو لا يحصل إلّا بإلباس الحقيقةِ أسلوبَ مألوفِ المخاطَب، وبه يستعدّ القلبُ للقبول.
وفي
وجهُ النظم مع ما قبله، أن الرحمن و الرحيم لمّا دلّتا على النِعَم استوجَبتا تعقيبَ الحمد. ثم إن الحمد للّٰه قد كُرِّرَت في أربع سُوَرٍ من القرآن، [٭]: وهي: الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر. كلُّ واحدة منها ناظرةٌ إلى نعمةٍ من الالعزيزلأساسية التي هي: النشأةُ الأولى، والبقاءُ فيها، والنشأةُ الأخرى، والبقاءُ بعدَها. [٭]: قال أبو إسحق الإسفراينى رحمه اللّٰه: في سورة "الأنعام" كل قواعد التوحيولًا لا كانت نعمه تعالى مما تفوت الحصر إلّا أنها ترجع إجمالًا إلى إيجاد وإبقاء في النشأة الأولى، وإيجاد وإبقاء في النشأة الآخرة، وقد أشير في "الفاتحّت" كي الجميع.. ابتدأت بالتحميد لأنها ديباجة نعمه المذكورة في كتابه المجيد. ثم أشير في الأنعام إلى الإيجاد الأول وفي "الكهف" إلى الإبقاء الأول، وفي "سبأ" إلى الإيجاد الثاني، وفي "فاطر" إلى الإبقاء الثانى، فلهذا ابتدأت هذه السور الخمس بالتحميد (حاشيةهو المب على سورة الأنعام)، (٤/٢)(ب).
ثم وجهُ نظمِه في هذا المقام (أي جعلُه فاتحةَ فاتحةِ القرآن) هو أنه كتصوّر العلّةِ الغائية [٭]: أي يكون المعلوم لأجلها. المقَدَّم في الذهن؛ لأن الحمدَ صورةٌ إجمالية للعبادة، التي هي نتيجةٌ لمادح،ة، والمعرفةِ التي هي حكمةٌ وغايةٌ للكائنات. فكأن ذكرَه تصوّرٌ للعلة الغائية.. وقد قال عز وجل
وماخلقتُ الجنَّ والإِنس الّا ليعبدون
(الذاريات:٥٦).
ثم إنَّ المشهور مفي الأي الحمد إظهارُ الصفات الكمالية.
وتحقيقُه أنَّ اللّٰه سبحانه خلق الإنسان وجعلَه نسخةً جامعةً للكائنات، وفِهْرِسْتة [٭]: فهرس وفهرست كلمة معربة.
— 26 —
لكتاب العالَم المشتمل على ثمانيةَ عشَر ألفَ عالَم، وأودع في جوية المموذجًا من كلِّ عالَم تجلّى فيه اسمٌ من أسمائه تعالى. فإذا صرفَ الإنسانُ كلَّ ما أُنعِمَ عليه إلى ما خُلِقَ لأجله إيفاءً للشكر العُرفي -الداخل تحت "الحمد"- إلى سلًا للشريعة التي هي جِلاءٌ لصدأ الطبيعة، يصيرُ كلُّ أُنموذج مشكاةً لعالَمِهِ ومرآةً له وللصفة المتجلية فيه والاسم المتظاهر منه. فيكون الإنسان بروحه وجسمِه خلاصةَ عالَمَي الغيب والشهادة، ويتجلى فيه ما تجوالحاصما.
فبالحمد يصيرُ الإنسان مَظهرًا للصفات الكمالية الإلهية. يدلّ على هذا قول "محي الدين العربي"(٭) في بيان حديث "كُنْتُ كَنْزًَا مَخْفِيًّا فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِيَعْرِفُوني" [٭]: لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، إك بأنه عليا القاري قال: ولكن معناه صحيح، مستفاد من قوله تعالى (وما خلقت الجن والانس إلّا ليعبدون) (الذاريات:٥٦) أي ليعرفوني، كما فسره ابن عباس رضي اللّٰه عنهما باختصار عن كشف الخفاء (٢/١٣٢). أي فخلقتُ الخَلق ليكون مرآةً أُشاهِدُ فيها جمالي.
كن لا
أي الحمد مُختص ومُستحَق للذات [٭]: جعل كلمة "الذات" اسمًا للحقيقة فزال التأنيث. الأقدس المشخَّص الذي يُلاحَظ بمفهوم "الواجب الوجوي استو]: الذى يكون وجوده من ذاته ولا يحتاج إلى شيء أصلًا. إذ قد يلاحَظ المشخّص بأمرٍ عام. وهذه اللام متعلقةٌ بمعنَى نفسِها، كأنها تشرّبَت معنى متعلَّقها. [٭]: بعد حذف متعلقها (ت:١٧). وفي اللام إشارةٌ إلىذ من هاص والتوحيد.
رب
أي الذي يربّي العالَم بجميع أجزائه، التي كلٌّ منها كالعالَم عالَمٌ؛ وذرَّاتُه كنجومه متفرِّقةٌ متحرِّكة بالانتظام.
واعلم أن اللّٰه عزّ وجلّ عيّن لكلِّ شيء نقطةَ كمالٍ وأودع فيه مَي وأيضيها، كأنه أمَرَه أمرًا معنويًا أن يتحرك به إليها، وفي سفره يحتاج إلى ما يُمدُّه ودفعِ ما يَعوِّقهُ، وذلك بتربيته عزّ وجلّ. لو تأملتَ في الكائنات لرأيتَها كبني آدمَ طوائفَ وقبائلَ يشتغلام، ص منفردًا ومجتمعًا بوظيفته التي عيَّنَها له صانِعُه ساعيًا مُجدًّا مطيعا لقانون خالقه. فما أعجبَ الإنسانَ كيف يشذّ!
العالمين
الياء والنون إما علامةٌ للإعرانها إنكی"عشرين وثلاثين".. أو للجمعية؛ لأن أجزاء العالَم عَوالمُ.. أو العالَمُ ليس منحصرًا في المنظومة الشمسية. قال الشاعر:
— 27 —
اَلْحَمْدُ للّٰهِ كَمْ للّٰهِ مِنْ فَلَكٍ تَجرِي النُّيتَه عبِهِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
[٭]: ولأبي العلاء المعَرِّي: يا أيها الناس كم للّٰه من فلك تجري النجوم به والشمس والقمر.
وآثرَ جمعَ العقلاء مثل:
رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ
(يوسف:٤) إشارةً إلى أنّ نظرَ البلاغة يصوّر كلَّ جزء ولاحظزاء العالم بصورةِ حيّ عاقلٍ متكلِّمٍ بلسان الحال. إذ العالَم اسمُ ما يُعلَمُ به الصانعُ [٭]: اسم "الصانع" لم يشتهر أنه من أسماء اللّٰه الحسنى، إلا أن البيهقي روى أنه منها. وجاء مصرحًا به في الحديث؛ عن حذيفة قال: قال رسول اللّٰه (صشعر وم اللّٰه صانع كل صانع وصنعته". رواه الحاكم في المستدرك. يشهدُ عليه ويشير إليه. فالتربيةُ والإعلامُ يُومِيان -كالسجود- إلى أنها كالعقلاء.
الرحمن الرحيم
وجهُ النظم أنهما إشارتیان إلى أساسَي التربیية؛ إذ الرحمن لیكونه شيئًا الرزاق يلائم جلبَ المنافع؛ و الرحيم لكونه بمعنى الغفار يناسب دفعَ المضار وهما الأساسان للتربية. مالك يوم الدين أي يوم الحشر والجزاء.
وجه النظم أنه كالنتيجة لسابقه؛ إذ الرحمةُ من أدلة القيامة ولاسيمدة الأبدية؛ لأن الرحمةَ إنما تكون رحمةً، والنعمةَ نعمةً إذا جاءت القيامةُ وحصلت السعادةُ الأبدية. وإلّا فالعقلُ الذي هو من أعظم النِعَم يكون مصيبةً على الإنسان، والمحبةُ والشفقة امن أموهما من ألطفِ أنواع الرحمة تتحولان ألَمًا شديدًا بملاحظة الفراق الأبدي.
- إن قلت: إنَّ اللّٰه تعالى مالكٌ لكل شيء دائمًا فما وجهُ الاختصاص؟ [٭]: في مالك يوم الدين. (ت:١٩).
قلت: للإشارة إلى أن الأسباب الظاهرية التي وضَعَها امغناطيتعالى في عالم الكون والفساد لإظهار عظمته (أي لئلا يُرى في ظاهر نظر العقل مباشرةُ يد القدرة بالأمور الخسيسة في جهة مُلْك الأشياء) ترتفع في ذلك اليوم وتتجلّى ملكوتيةُ كلِّ شيء صافيةً شفّافةً، بحيث يَرى ويَعرف كستشكل ء سيِّدَه وصانِعَه بلا واسطة. وفي التعبير بلفظ "اليوم" إشارة إلى أمارة حدسية من أمارات الحشر بناءً على التناسب البيّن بين اليوم والسنة، وعُمر البشر ودوران الدنيا. كالكائاستهزاأميال الساعة العادّة للثواني والدقائق والساعات والأيام. فكما أن مَن يرى
— 28 —
مِيلًا أتمَّ دَوْرَه يَحدُس في نفسه أن من شأن الآخر أيضًا أن يتمّ دورَه وإن كان بمُهلةجملةٍ إن من يرى القيامةَ النوعية المكررة في أمثال اليوم والسنة يتحدّس بتولّد ربيع السعادة الأبدية في صُبح يوم الحشر للإنسان الذي شخصُه كنوعٍ.
والمراد من الدين"سواء الجزاءُ، أي يوم جزاءِ الأعمال الخيرية والشرّيّة، أو الحقائقُ الدينية، أي يوم طلوعها وظهورها وغلبةِ دائرة الاعتقاد على دائرة الأسباب؛ لأن اللّٰه عزّ وجلّ أودع بمشيئته في الكاوصية هظامًا يربط الأسبابَ بالمسبّبات وألجأ الإنسانَ بطبيعته ووَهمِه وخيالِه إلى أن يراعي ذلك النظام ويرتبط به. وكذا وجَّه كلَّ شيء إليه وتَنَزّل؛ إذ تأثير الأسباب في مُلكه. وكلّف الإنسانَ اعتقادًا وإيمانًا بأن يراعي تلك الدائرة بوجدانه وروحه ويرتبط بها. ففي الدنيا دائرةُ الأسباب غالبةٌ على دائرة الاعتقاد؛ وفي الأُخرى تتجلى حقائقُ العقائد غالبةً على دائرة الأسباب.
واعلم أن لكلٍّ من هانزلت ادائرتين مقامًا معينًا وأحكامًا مخصوصة، فلابد أن يُعطَى كلٌّ حقَّه. فمَن نظر في مقام دائرة الأسباب، بطبيعته ووهمِه وخياله ومقاييس الأسباب، إلى دائرة الاعتقاد اضطر غريبٍلاعتزال. ومن نظر في مقام الاعتقاد ومقاييسه بروحه ووجدانه إلى دائرة الأسباب أنتج له توكلًا تَنْبَلِيًا [٭]: التنبل والتنبال: البليد الكسلان، ج تنابلة. والمقصود هنا مذهب الجبرية. وتمرّدًا في مقابلة المشيئة أي من امة.
اِيَّاكَ نَعْبُدُ
في "الكاف" نكتتان:
إحداهما:تضمُّن الخطابِ بسر الالتفات [٭]: الالتفات: هو العدول عن الغيبة إلى الخطاب أو التكلم، أو على العكس. (التعريفات). للأوصاف امانُ تة المذكورة، إذ ذكرُها شيئًا شيئًا يحرّك الذهن ويُعدِّه ويملؤهُ شوقًا ويهزّه للتوجه إلى الموصوف. فی اِيَّاكَ أي يا مَن هو موصوف بهذه الصفات.
والأخرى:أنَّ الخطاب يشير إلى وجوب ملاحظة المعاني في مذهب البلاغة ليكون المقروء كالتقدّر ل، فينجرّ طبعًا وذوقًا إلى الخطاب. فی اِيَّاكَ يتضمن الامتثال بی"اُعْبُدْ رَبَّكَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ". [٭]: أصل الحديث رواه البخارى ومسلم، وفيه: "ما الإحسان؟ قال: أن تعبد اللّٰه كأنك ترا اللّٰلم تكن تراه فإنه يراك" (متفق عليه) ورواية الطبراني: "اُعبد اللّٰه كأنك تراه". وهو حديث صحيح (صحيح الجامع الصغير ١٠٤٩).
— 29 —
والتكلمُ مع الغير في نَعْبُدُ لوجوه ثلاثة: [٭]: تفصيل هذه الوى الإن النكتة السادسة من القسم الأول من المكتوب التاسع والعشرين.
أي نعبدُ نحن معاشر أعضاءِ وذرّاتِ هذا العالم الصغير -وهو أنا- بالشكر العُرفي الذي هو إطاعةُ كلٍّ لما أُمر به.. ونحن معاشر الموحّدين نعبدك بإطاعة شريعلبرهاننحن معاشر الكائنات نعبد شريعتك الكبرى الفطرية [٭]: أي ننقاد ونخضع ونطيع. ونسجد بالحيرة والمحبة تحت عرش عظمتك وقدرتك.
وجهُ النظم أنّ نَعْبُدُ بيانٌ وتفسير لی الحمد ونتيجة وء موحشی مالك يوم الدين
واعلم أن تقديم اِيَّاكَ للإخلاص الذي هو روحُ العبادة. وأن في خطاب الكاف رمزًا إلى علّة العبادة؛ لأن من اتصف بتلك الأوصاف الداعية إلى الخطاب استحق الع، يأملوَاِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
هذه كی اِيَّاكَ نَعْبُدُ باعتبار الجماعات الثلاث:
أي نحن معاشرَ الأعضاء ومعاشر الموحِّدين ومعاشر الكائنات نطل أَسْفالتوفيقَ والإعانةَ على كل الحاجات والمقاصد التي أهمُّها عبادتُك.
كرَّرَ اِيَّاكَ لتزييد لذةِ الخطاب والحضور.. ولأن مقام العيان أعلى وأجلُّ من مقام البرهان.. ولأن الحضورَدًا في إلى الصدق وبأن لا يكذب.. ولاستقلال كلٍّ من المقصدين.
واعلم أن نظم نَسْتَعِينُ مع نَعْبُدُ كنظم الأجرة مع الخدمة؛ لأن العبادةَ حقُّ اللّٰه على اتعميم والإعانةَ إحسانُه تعالى لعبده. وفي حصر اِيَّاكَ إشارةٌ إلى أن بهذه النسبة الشريفة التي هي العبادةُ والخدمة له تعالى يترفَّعُ العبدُ عن التذلل للأسلألكترلوسائط، بل تصيرُ الوسائطُ خادمةً له وهو لا يعرف إلّا واحدًا، فيتجلى حُكْمُ دائرةِ الاعتقاد والوجدانِ كما مرَّ. ومَن لم يكن خادمًا له تعالى بحقٍّ يصير خادمًا للأسباب ومتذللًا للوسائط. لفقالت:م على العبد وهو في دائرة الأسباب أنْ لا يهمل الأسبابَ بالمرة، لئلا يكون متمردًا في مقابلة النظام المودَع بحكمته ومشيئته تعالى، لأن التوبتحقيرتلك الدائرة عطالةٌ كما مرَّ.
وكنظم المقدِّمة مع المقصود لأن الإعانةَ والتوفيق مقدمةُ العبادة.
— 30 —
اِهْدِنَا
وجه النظم أنه جوابُ العبد عن سؤاله تعالج إلى ه يسأل: أيُّ مقاصدِكَ أعلَقُ بقلبك؟ فيقول العبد: اِهْدِنَا
واعلم أن اِهْدِنَا بسبب تعدُّد مراتبِ معانيه -بناءً على تنوّع مفعولِه إلى الهادين والمُستهدين والمستزيدين وغيرهم- كأنه میشتیقٌّ من المصادر الأى من
#فِعل الهداية. فی اِهْدِنَا باعتبار معشرٍ: "ثبّتنا"، وبالنظر إلى جماعةٍ: "زدنا"، وبالقياس إلى طائفةٍ: "وفّقنا"، وإلى فرقة: "أعْطنا".. وأيضا إن اللّٰه تعالى بحُكئنات نطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
(طه:٥٠) هدانا بإعطاء الحواس الظاهرة والباطنة، ثم هدانا بنَصب الدلائل الآفاقية والأنفسية، ثم هدانا بإرسال الرسل وإنزال الكتب،
ثم هدانا أعظمَ الهداية بكشف الحجاب ع نقاط ِّ فظهرَ الحقُّ حقًا والباطل باطلًا.
اللّٰهمَّ أرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ وَأرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَم لما لم أن الصراط المستقيم هو العدلُ الذي هو ملخّص الحكمة والعفّة والشجاعة اللاتي هي أوساطٌ للمراتب الثلاث للقوى الثلاث.
توضيحه:أنَّ اللّٰه عزّ وجلّ لما أسكن الروحَ .
دن المتحوِّل، المحتاج، المعروض للمهالك، أودعَ لإدامتها فيه قوًى ثلاثًا.
إحداها:القوةُ الشهوية البهيمية الجاذبة للمنافع.
وثانيتها:القوةُ ال ملتقىالسَبُعية الدافعة للمضرّات والمخرِّبات.
وثالثتها:القوةُ العقلية المَلَكية المميِّزة بين النفع والضر.
لكنه تعالى -بحكمته المُقتضية لتَكمُّل البشر بسرِّ المسابقةتبع الُحدِّد بالفطرة تلك القوى كما حدّد قوى سائرِ الحيوانات، وإنْ حدَّدَها بالشريعة؛ لأنها تنهى عن الإفراط والتفريط وتأمر بالوَسط، يصدع عن هذا فَاسْتَقِمْ صانعهُمِرْتَ (هود:١١٢). وبعدمِ التحديدِ
— 31 —
الفطري يحصل مراتبُ ثلاثٌ: مرتبةُ النقصان وهي التفريط، والزيادةِ وهي الإفراط، والوسطِ وهي العدل.
فتفريطُ القوةِ العقلية الغباوةُ والبلادة، وإفراطُها الجربزةُ [٭]: والجُرْبُزُ، بالضم: الخَبُّ الاء يقت مُعَرَّبُ كُرْبُزَ، والمَصْدَرُ: الجَرْبَزَةُ. (القاموس المحيط) الخادعة والتدقيقُ في سفاسف الأمور، ووسطُها الحكمة،
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا
(البقرة:٢٦؛ [٭] اعلم أنه كما تنوعَ أصلُ هذه القوة إلى تلك المراتب، كذلك كلُّ فرع من فروعها يتنوعُ إلى هذه الثلاث؛ مثلًا: في مسألة خَلق الأفعال: مذهبُ أهل السنة وسطُ الجبر والاعتزال، [زُهم وجبرية: إفراط حيث يحرم الإنسان من العمل. والمعتزلة تفريط حيث يمنح التأثير للإنسان. أما أهل السنة فهو الوسط، حيث يمنح بداية تلك الأفعال إلى الإرادة الجزئية، ونهاياتها إلى الإرادة اى عاتق(ت: ٢٤) وفي الاعتقاد: مذهبُ التوحيد وسطُ التعطيل والتشبيه.. وعلى هذه القياسُ.
وتفريطُ القوة الشهَوية الخمودةُ وعدمُ الاشتياق إلى شيء، وإفراطُها الفجورُ بأن يشتهي ما صادف، حَلَّ أو حَرُمَ، ووسطُها العفةُ ن والمغب في الحلال ويهرب عن الحرام. وقس على الأصل كلَّ فرع من فروعاته من الأكل والشرب واللبس وأمثالِها.
وتفريط القوة الغضبية الجبانةُ أي الخوفُ مما لا يُخاف منه والتوهمُ، وإفراطُها التهوّرُ الذي هو وَهم بالاستبداد والتحكّم والظلم، ووسطُها الشجاعةُ أي بذلُ الروح بعشقٍ وشوقٍ لحماية ناموس [٭]: الناموس: ما يحميه الرجل من اسمه وصيته وشرفه. وفي "التة تحير": هو الشرع الذى شرعه اللّٰه. الإسلامية وإعلاءِ كلمةِ التوحيد. وقس عليها فروعها..
فالأطراف الستة ظلمٌ والأوساط الثلاثة هي العدلُ الذي هو الصراط المستقيم، أي العملُ بی
فَااستولتمْ كَما أُمِرْتَ
(هود:١١٢). ومَن مرَّ على هذا الصراط يمرّ على الصراط الممتدِّ على النار.
صِرَاطَ الَّذِينَ اَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
اعلم أن نظم دُرَاهُمْرآن ليس بخيط واحد بل النظمُ -في كثيرٍ- نقوشٌ تحصل من نسج خطوطِ نِسَبٍ متفاوتةٍ قُربًا وبُعدًا، ظهورًا وخفاء. لأن أساس الإعجاز بعد الإيجاز هذا النقشُ.
— 32 —
مثلًا:صِرَاطَ الَّذِينَ اَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ عندناالحمد للّٰه لأن النعمة قرينة الحمد.. و رب العالمين لأن كمال التربية بترادف النِعَم.. و الرحمن الرحيم لأن المُنعَم عليهم -أعني الأنبياء والشهداء والصالحين- رحمةٌ للعالمين ومثال ظاهر لالدراس. و مالك يوم الدين لأن الدين هو النعمة الكاملة.. و نَعْبُدُ لأنهم الأئمة.. [٭]: لأنهم الأئمة في العبادة. (ت: ٢٥). و نَسْتَعِينُ لأنهم الموفّقون.. و اِهْدِنَشارة إهم الأسوة بسر فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (الأنعام:٩٠). و الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ لظهور انحصار الطريق المستقيم في مسلكهم. هذا مثالٌ لك فقس عليه..
وفي لفظ الصِّرَاطَ إشارة إلى أن طريقَهم مسلوهناك بدودةُ الأطراف، مَن سلكها لا يخرج عنها.
وفي لفظ الَّذِينَ -بناءً على أنه موصولٌ، ومن شأن الموصول أن يكون معهودًا نُصْبَ العين للسامع- إشارةٌ إلى علوِّ شأنهم وتلألئهم في ظلمات البشر، كأنهم معهودون نصبَ العين لكلِّربي" موإنْ لم يتحرَّ ولم يطلب.. وفي جمعيته رمزٌ إلى إمكان الاقتداء بهم وحقانية مسلكِهم بسرِّ التواتر إذ "يَدُ اللّٰه مَعَ الْجَمَاعَةِ".. [٭]: رواه الطبراني حق". وذي وحسّنه بلفظ: "يد اللّٰه على الجماعة" (كشف الخفاء ٢/٣٩١) وصححه محقِق الجامع الصغير (٧٩٢١) وعزاه للحاكم والبيهقى في الأسماء عن ابن عمر رضي اللّٰه عنهما وابن عاصم عن أسامة بن شريك.
وفي صيغة اَنْعَمْتَ إشارةٌ إلى وسيلةِ طلبِ النعا يكونفي نسبتها شافعٌ له كأنه يقول: يا إلهي! مِن شأنك الإنعامُ وقد أنعمْتَ بفضلك، فأنْعِمْ عليّ وإن لم أستحق..
وفي عَلَيْهِمْ إشارةٌ إلى شدة أعباء الرسالة وحَملِ التكليف، وإيماءٌ إلى أنهم كالجى السععالية تتلقى شدائدَ المطر لإفاضة الصحارى. وما أُجمِلَ في الَّذِينَ اَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يفسرُه
فَاُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ اَنْعَمَ اللّٰه عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِييِّنَ والصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء والصَّالِحِينَ
(النساء:٦٩) إذ القرآن يف أكرمنُه بعضًا.
- إن قلت: مسالك الأنبياء متفاوتةٌ وعباداتُهم مختلفة؟
قيل لك: إنَّ التبعية في أصول العقائد والأحكام؛ لأنها مستمرة ثابتة دون الفروعات
— 33 —
التي من شأنها التغير بتبدل الزمان. فكثاني:الفصولَ الأربعة ومراتبَ عمر الإنسان تؤثر في تفاوت الأدوية والتلبّس، فكم من دواءٍ في وقت يكون داءً في آخر؛ كذلك مراتبُ عمر نوع البشر تؤثر في اختلاف فروعات الأحكام التي هي دواءُ الأرواح وغذاءُ القلوب.
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلوب يُمْ
وجه النظم:اعلم أن هذا المقامَ لكونه مقامَ الخوف والتخلية يناسب المقامات السابقة؛ فيُنظَر بنَظر الحيرة والدهشة إلى مقام توصيف الربوبية بالجلال والجمال، وبنَظر الالتجاء إلى مقام إن مودية في نَعْبُدُ ، وبنظر العَجز إلى مقام التوكل في نَسْتَعِينُ ، وبنظر التسلّي إلى رفيقه الدائمي أعني مقام الرجاء والتحلية، إذ أوّل ما يتولد في قلب مَن يرى أمرًا هائلًا حِسُّ الأ- نسخ ثم ميلُ الفرار، ثم التوكّلُ عند العجز، ثم التسلّي بعد ذلك الأمر.
- إن قلت: إنَّ اللّٰه عزّ وجلّ حكيمٌ غنيٌ، فما الحكمة في خلق الشرّ والقبح والضلالة في العالم؟
وأيض لك: اعلم أن الكمال والخير والحُسن في الكائنات هي المقصودةُ بالذات وهي الكليات؛ وأن الشر والقبح والنقصان جزئياتٌ بالنسبة إليها قليلةٌ تبَعيةٌ مغمورة في الخلقة، خلَقَها خالقُها منتشر المفع الحسن والكمال، لا لذاتها، بل لتكونَ مقدمةً، وواحدًا قياسيًا، لظهور -بل لوجودِ- الحقائق النسبية للخير والكمال.
- إن قلت: فما قيمةُ الحقائق النسبية حتى استُحسِن لأجلها الشرُّ الجزئي؟
قيل لك: إن الحقام؛ إذ سبية هي الروابطُ بين الكائنات.. وهي الخطوط المنسوجُ منها نظامُها.. وهي الأشعة المنعكس منها وجودٌ واحدٌ لأنواعها. وإن الحقائق النسبية أزْيَدُ بألوفٍة حربٌحقائق الحقيقية؛ إذ الصفات الحقيقية لذاتٍ لو كانت سبعةً كانت الحقائقُ النسبية سبعمائة. فالشرُّ القليل يُغْتَفَر بل يُسْتَحْسَن لأجل الخير الكثير؛ لأن في ترك الخير الكثيرِ -لأن فيه شرًا قليلًا- شرًاهم السا. وفي نظر الحكمة: "إذا قابل الشرُّ القليلُ شرًا كثيرًا صار الشرُّ القليل حسنًا بالغير"، كما تقرر في الأصول في الزكاة والجهاد.
وما اشتهر من "أنَّ الأشياء إنما تُعْرَف بأضدادها" معناه: أن وجود الضدِّ سببٌ لظهور
— 34 —
ووجود الحقائق النسبية للشيقيته إًا: لو لم يوجد القبحُ ولم يتخلل بين الحُسن لَما تَظَاهَر وجودُ الحُسن بمراتبه الغيرِ [٭]: يقول البغدادي: "لا تدخل الألف واللام على "غير"؛ لأن المقصود من إدخال "أل" على النكرة تخصيصها بشيء معين. فإذا قيل "الغير" اشتمل في الاللفظة على ما لا يُحصى، ولم تتعرف بی"أل"، كما أنها لم تتعرف بالإضافة، فلم يكن لإدخال "أل" عليها من فائدة".
وجاء في المصباح المنير، في مادة "غير" ما نصه: "يكون وصفًا للنكرة، تقول: جاءني رجل غيرك، رين علتعالى: (غير المغضوب عليهم) إنما وصف بها المعرفة، لأنها أشبهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة، فعوملت معاملتها. ومن هنا اجترأ بعضهم فأدخل عليها الألف واللام؛ لأنها لمّا شابهت المعرفة، بإضافتها إلى المعرفة، جاز أن وهُمْ ما يعاقب الإضافة، وهو الألف واللام...
وارتضى مؤتمر المجمع اللغوي، المنعقد بالقاهرة في دورته الخامسة والثلاثين، في شهر شباط (فبراير) ١٩٦٩ الرأي االقرآن "بأن كلمة "غير" الواقعة بين متضادين تكتسب التعريف من المضاف إليه المعرفة: ويصح في هذه الصورة، التي تقع فيها بين متضادين، وليست مضافة، أن تقترن بی"أل"، فتستفيد التعريف". (با بناءًعن معجم الأخطاء الشائعة لمحمد العدناني). المتناهيةِ.
إن قلت: ما وجهُ تفاوتِ هذه الكلمات الثلاث: فعلًا، واسم مفعولٍ، واسمَ فاعلٍ، في اَنْعَمْتَ و الْمَغْضُوب أي ذاالضَّالين ؟ وأيضًا ما وجهُ التفاوت في ذكر صفةِ الفرقة الثالثة، وعاقبةِ الصفة في الفرقة الثانية، وعنوانِ صفة الفرقة الأولى باعتبار المآل؟
قيل لك: اختار عنوانَ النعمة؛ لأن النعمة لذةٌ تميل النفسُ إليها.. وفعلًا ماضيًا للإشارة إلى أن اَ آنفً المطلق شأنُه أن لا يَسترِدَّ ما يُعطي.. وأيضًا رمزٌ إلى وسيلة المطلوب بإظهار عادةِ المُنعم، كأنه يقول: لأن من شأنك الإنعامُ وقد أنعَم
٤نْعِم عليّ.
أما غَيْرِ الْمَغْضُوبِ فالمراد منه الذين تجاوزوا بتجاوز القوةِ الغضبية فظلموا، وفَسقوا بترك الأحكام كتمرّد اليهود. ولما كان في نفس الفسق وا مَرالذةٌ منحوسة وعزةٌ خبيثة لا تتنفّر منه النفسُ، ذَكَرَ القرآنُ عاقبتَه التي تُنَفِّر كلَّ نفْسٍ وهي نُزُولُ غضبِه تعالى.. واختار الاسم الذي من شأنه الاستمرار، إشارةً إلىعارَفَعصيان والشر إنما يكون سمةً إذا لم ينقطع بالتوبة والعفو.
أمّا ولا الضَّالين فالمراد منه الذين ضلّوا عن الطريق بسبب غلبة الوَهم والهوى على العقل والوجدان، ووقعوا في النفاق بالاعتقاد الباطل كسَفسطة النصارى. اختار اامع عن نفسَ صفتهم، لأن نفسَ الضلالة ألَمٌ يُنَفّر النفسَ، ويجتنب منه الروحُ وإن لم يرَ النتيجةَ.. واسمًا لأن الضلالة إنما تكون ضلالة إذا لم تنقطع. [٭]: إذ انقطاعها إشارة إلى دخولها ضمن العفو. (ت:٢٩).
— 35 —
واعلم أن كلَّ اة، تتوي الضلالة، وكلَّ اللذة في الإيمان.
فإن شئت تأمل في حال شخصٍ: بينما أخرجَتْه يدُ القدرة من ظلمات العدم وألقَتْهُ في الدنيا -تلك الصحر بتناظهائلة- إذ يفتح عَينَيه مستعطفًا، فيرى البليّاتِ والعلل كالأعداء تتهاجمُ عليه، فينظر مسترحِمًا إلى العناصر والطبائع فيراها غليظةَ القلب بلا رحمة قد كَشَرت عليه الأسنانَ؛ فيرفع رأسَه -مستمدًا- إلى الأجرام العلوية فيراها مهيبةً ومدهشة تهدّده كأنه (فلا مِي [٭]: قنابل وقذائف. نارية من أفواه هائلة تمرّ حواليه؛ فيتحيّر ويخفضُ رأسَه متسترًا ويطالع نفسَه؛ فيسمع أُلوفَ صيحاتِ حاجاته وأنين البحار، فيتوحّش، فينظر إلى وجدانه ملتجئا؛ فيرى فيه أُلوفًا من آمال متهيجةٍ ممتدةٍ لا تُشبعها الدنيا.
فباللّٰه عليك، كيف حالُ هذا الشخص إنْ لم يعتقد بالمبدأ والمعاد والصانع والحشر؟ أتظنّ جهن شيء مَّ عليه من حاله وأحرقَ لروحه؟ فإنّ له حالةً تركّبت من الخوف والهيبة والعَجز والرعشة والقلق والوحشة واليتم واليأس؛ لأنه إذا راجع قدرتَه يراها عاجزةً ضعيفة؛ وإذا توجّه إلى تسكين حاجاته يراها لا تسكت؛ واذا صاح واستغاث لا يُسْمَع ولا يُغاث. فيَ00
َ شيء عدوًا، ويتخيل كلَّ شيء غريبًا فلا يستأنس بشيء، ولا ينظر إلى دوران الأجرام إلّا بنظر الخوف والدهشة والتوحش المزعجة للوجدان.
ثم تأمل في حال ذلك الشخص إذا كان على الصراط المستقيم واستضاء وجدانُهُ وروحُه بنور استينان؛ كيف ترى أنه إذا وَضع قدمَه في الدنيا وفتح عينَيه فرأى تَهاجُم العاديات الخارجية يرى إذن "نقطة استناد" يستند إليها في مقابلة تلك العاديات، وهي معرفةُ الصانع فيستريح. ثم إذا فتّش عن استعداداته وآمالِه في الاة إلى الأبد، يرى "نقطة استمداد" يستمد منها آمالُه وتتشرب منها ماءَ الحياة وهي معرفةُ السعادة الأبدية. وإذ يرفع رأسه وينظر في الكائنات يستأنس بكلِّ شيء، وتجتني عيناه من كلِّ زهرة أُنسيةً وتحبّبًا، ويرى في حركات الأجرام حكمةَ خالقِها، ويتنالتهديسيرها، وينظر نظَرَ العبرة والتفكر، كأنّ الشمس تناديه: "أيها الأخ! لا تتوحش مني، فمرحبًا بقدومك! نحن كلانا خادمان لذاتٍ واحد، مطيعان لأمره". والإنس.. النجومَ والبحرَ وأخواتها يناجيه كلٌّ منها بلسانه الخاص وترمز إليه: بی"أهلًا وسهلًا،
— 36 —
أمَا تعرفنا؟ كلّنا مشغولون بخدمة مالكك، فلا تَضجر ولا تتوحش ولا تخف من تهديد البلايا بنَعَراتها، فإن لجام كلٍّ بيد خالقك"مد (ص)ذلك الشخص في الحالة الأولى يحسّ في أعماق وجدانه ألَمًا شديدًا فيضطر للتخلص منه وتهوينه وإبطال حسِّهِ بالتسلّي، بالتغافل، بالاشتغال بسفاسف الأمور، ليُخادِع وجدانَه وينامَ روحُه؛ وإلَّا أحسّ بألَمٍ عميق يُحرق أعماق وجدانه. فبنسبة البُعْدعاني الطريق الحق يتظاهر تأثيرُ ذلك الألم.
وأما في الحالة الثانية، فهو يحس في قعر روحِه لذةً عاليةً وسعادة عاجلة كلما أيقظ قلبَه وحرَّك وجدانَه وأحسّ روحَه استزاد سعادةً وا عرضهبفتح أبواب جناتٍ روحانيةٍ له.
اللّٰهمَّ بِحُرْمَةِ هذِهِ السُّورَةِ اجْعَلْنَا مِنْ أهْلِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
* * *
— 37 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
السورة الأولى من الزَّهْرَاوَيْنِ
النفين أبي أمامة الباهلي رضي اللّٰه عنه، قال: سمعت رسول اللّٰه (ص) يقول: "اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران".. الحديث. رواه مسلم ٨٠٤.سماء.
- إن قلت: إنّ في القرآن الموجز المعجِز أشياءَ مكررة تكرارًا كثيرًا في الظاهر كالبسملة و فبأي آلاء... الخ.. و ويل يومئذ... الخ.. وقصة موسى وأمثالِها، مع أن التكرار يُمِلُّ وينافي البلاغة.
قيل لك: "مَا كُلّذا؛ فايَتَلَأْلَأُ يُحْرِقُ" فإن التكرار قد يُمِلُّ، لا مطلقًا. بل قد يُستحسَن وقد يُسْئِم. فكما أن في غذاء الإنسان ما هو قُوتٌ كلما تكرّر حلا وكان آنَسَ، وما هو تفكّهٌ إن تكرر مَلَّ وإن تجدد اُ: إن اّ؛ كذلك في الكلام ما هو حقيقةٌ وقوتٌ وقوَّةٌ للأفكار وغذاءٌ للأرواح كلما استُعيد استُحسِن واستؤنس بمألوفه كضياء الشمس. وفيه ما هو من قبيل الزينة والتفكّه، لبيّ وإفي تجدّد صورتِه وتلوّن لباسه. [٭]: المسألة العاشرة من الشعاع الحادي عشر يفصل حكمة التكرار.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنه: كما أن القرآن بمجموعه قوتٌ وقوّة للقلوب لا يُمَلُّ على التكرار، بل يُستحلى على الإكثار منه، كذلك في القرآن ما هليس بإ لذلك القُوت كلما تكرّر تلألأ [٭]: كالمسك ما كررته يتضوّع. (ت:٣١). وفارت أشعةُ الحق والحقيقة من أطرافه،
وفي ذلك البعضِ ما هو أُسّ الأساس والعُقدة الحياتية والنور المتجسّد بجسدٍ سرمدي كی بسم اللّٰه الرحمن الرحيم.مع أنههذا، شاوِرْ مذاقَك إنْ كنت ذا مذاق!
هذا بناءً على تسليم التكرار، وإلّا فيجوز أن تكون قصةُ موسى -مثلًا- مذكورةً في كلِّ
— 38 —
مقامٍ لوجهٍ مناسب من الوجوه المشتملة هي عليها. فإن قصة موسى أجدىبرهان اريق العصا [٭]: "إنك خير من تفاريق العصا"، مثل يُضرب فيمن نفعُه أعمَّ من نفع غيره (مجمع الأمثال للميدانى). أخذَها القرآنُ بيده البيضم استلً فصاغها ذهبًا، فخرّت سَحَرةُ البيان ساجدين لبلاغته.
وكذا في "البسملة" جهاتٌ: من الاستعانة، والتبرّك، والموضوعية، بل الغايَتِيَّة والفهرستن في اقط الأساسية في القرآن.
وأيضا فيها مقاماتٌ: كمقام التوحيد، ومقام التنیزيه، ومقام الثناء، ومقام الجلال والجمال، ومقام الإحسان وغيرها.
وأيضا فيها أحكام ضمنية: كالإشارة إلى التوحيد والنبوة والحشر وال يتباهعني المقاصد الأربعة المشهورة، مع أن في أكثر السور يكون المقصودُ بالذات واحدًا منها، والباقي استطراديًا.
فلِمَ لا يجوز أن يكون لجهةٍ أو حُكمٍ أو مقام منها مناسبةٌ مخصوصةٌ لروح السورة وتكون موضوعًاينة "وم بل فهرستة إجمالية باعتبار تلك الجهات والمقامات؟
* * *
— 39 —
الم ١
اعلم أن ههنا مباحث أربعة:
المبحث الأول
إن الإعجاز قد تنفّس من أُفق الم لأن الإعجاز نورٌ يتجلى من امتزاج لمعات لطائف البلاغة. وفي هذا المبحث لطائفُ، كلٌّ منه جهة ج دقَّ لكنّ الكلَّ فجرٌ صادق.
منها: أنَّ الم مع سائر أخواتها في أوائل السور تُنصّف كلَّ الحروف الهجائية التي هي عناصر كلِّ الكلمات. فتأمل!
ومنها: أنَّ النصف المأخوذ أستثارتتعمالًا من المتروك.
ومنها: أنَّ القرآن كرّر من المأخوذ ما هو أيْسَرُ على الألسنة كالألف واللام.
ومنها: أنه ذكر المقطّعات في رأس تسعٍ وعشرين سورة عدّة الحروف الهجائية. [٭]: عدة حروف الهجاء تسع وعشرون مع الألف الساكنة. (ت:٣٢).
اءَه و: أن النصف المأخوذ ينصّف كلَّ أزواج أجناسِ طبائع الحروف، من المهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة والمستعلية والمنخفضة والمنفتحة وغيرها،
وأما الأوتارُ فمن الثقيل القللمعروفقلقلة؛ ومن الخفيف الكثير كالذلّاقة. [٭]: فذكر من "المهموسة" وهي ما يضعف الاعتماد على مخرجه، ويجمعها "ستشحثك خصفه" نصفها وهي الحاء والهاء والصاد والسين والكاف. ومن البواقي "المجهورة" نصفها يجمعه "لن يقطع أمر" ومن (الشديدة) اس احتية المجموعة في "أجدت طبقك" أربعة يجمعها "أقطك". ومن البواقي "الرخوة" عشرة يجمعها "خمس حمس على نصره" ومن المطبقة التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفهااشْتَعالبواقي "المنفتحة" نصفها. ومن "القلقلة" وهي حروف تضطرب عند خروجها ويجمعها "قد طبج" نصفها الأقل لقلتها. ومن "اللينتين" الياء لأنها أقل ثقلًا، ومن "المستعلية" وهي التي يتصعد الصوت بها في الحنك الأعلى وهي سبعة: السلّط سلصاد والطاء والخاء والغين والضاد والظاء نصفها الأقل، ومن البواقي "المنخفضة" نصفها...". (عن تفسير البيضاوي ١/١٣). "..
ومنها: أن النصفَ المأخوذ من طبائعها هةٍ إلسجيةً.
ومنها: أن القرآن اختار طريقًا في المقطّعات من بين أربعة وخمسمائة احتمال، لا يمكن تنصيفُ طبائع الحروف إلا بتلك الطريق، لأن التقسيمات الكثيرة متداخلةٌربكم كة ومتفاوتة. ففي تنصيف كلٍّ غرابةٌ عجيبة.
— 40 —
فمَن لم يجتَن نورَ الإعجاز من مزج تلك اللمعات فلا يلومنّ إلّا ذوقَه.
المبحث الثاني
اعلم أن الم كقَرع العصا؛ يوقِظ السامعَ ويهزُّ عِطفَه بأنه -بغرابته- طليعةُعملُ ل وعجيبٍ.
وفي هذا المبحث أيضًا لطائفُ:
منها: أن التهجّي وتقطيع الحروف في الاسم إشارةٌ إلى جنس ما يتولّد منه المسمّى.
ومنها: أن التقطيع إشارةٌ إلى أن المسمّى واحد اعتباريّ لا مركب مَزجي.
ومنها: أن التهجي بالتقطيوأن أهحٌ إلى إراءة مادة الصنعة؛ كإلقاء القلم والقرطاس لمَن يعارضك في الكتابة. كأنّ القرآن يقول: "أيها المعاندون المدّعون أنكم أُمراءُ الكلام! هذه المادة التي بين أيديكم هي التي أصنع منها ما للاست.
ومنها: أن التقطيع المُرمِز إلى الإهمال عن المعنى يشير إلى قطع حُجتهم بی"أنّا لا نعرف الحقائق والقصص والأحكام حتى نقابلك". فكأنّ القرآن يقول: "لا أطلب منكم إلّا نظمَ البلاغة، ف.
به ولو مفتَريات".
ومنها: أن التعبير عن الحروف بأسمائها من رسوم أهل القراءة والكتابة، [٭]: كالتعبير عن الحروف (أ، ل) بألف لام، فهذا التعبير بأسماء الحروف هو من أصول أهل القراءة والكتابة (ت: ٣٤) ومَن يسمعون منه الكلامَ أالعرب مع محيطه، فنظرًا إلى السجية -مع أن أول ما يتلقاهم خلافُ المنتظر- يرمز إلى: "أن هذا الكلام لا يتولد منه بل يُلقى إليه".
ومنها: أن التهجّي أساسُ القراءة ومبدؤها، [٭]: أي إن التهجي يخبب في تدئين بالقراءة. (ت: ٣٤). فيومئ إلى أن القرآن مؤسسٌ لطريق خاص ومعلّم لأمّيين.
ومَن لم يرَ نقشًا عاليًا من انتساج هذه الخيوط -وإن دقّ البعضُ- فهو دخيلٌ في صنعة البلاغة فليقلِّد فتاوى أهلِها.
— 41 —
المبحث الثالث
إنَّ الم إشارة إل المبنة الإيجاز، الذي هو ثاني أساسَي الإعجاز.
وفيه لطائف:منها: أن الم يرمز ويشير ويومئ ويُلَوِّح ويلَمِّح بالقياس التمثيلي المتسلسل إلى: "أن هذا كلام اللّٰه الأزلي، نزلَ به جبريلُ على محمد ع آيات الصلاة والسلام". لأنه كما أن الأحكامَ المفصّلة في مجموع القرآن قد ترتسم في سورةٍ طويلة إجمالًا؛ وقد تتمثل سورةٌ طويلة في قصيرة إشارةً؛ وقد تندرج سورةٌ قصيرة في آيةٍ رمزًا؛ وقد تندمج آيةٌ في كلام واحدٍ ز في ما؛ وقد يتداخل كلامٌ في كلمة تلميحًا، وقد تتراءى تلك الكلمةُ الجامعةُ في حروف مقطّعة، كی"سين، لام، ميم".. كالقرآنِ في البقرة، والبقرةِ في الفاتحة، والفاتحةِ في بسم اللّٰه الرحمن الرحيم و بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في البسملة المنحوتةن الخي: المقصود: النحت اللغوي. أي أخذ الكلمة من كلمتين أو أكثر. كذلك يجوز ذلك في الم أيضًا.
فبالاستناد إلى هذا القياس التمثيلي المتسلسل، وبإشَر القلك الكتاب يتجلى من الم "هذا كلامُ اللّٰه الأزلي نزل به جبريلُ على محمد عليهما الصلاة والسلام".
ومنها: أنَّ الحروف المقطّعة كالشفرة الإلهية أبرَقَها إلى رسوله الذي عنده مفتاحُها. ولم يتطاول يدُ فكر الب البشره بعدُ.
ومنها: أنَّ الم إشارة إلى شدة ذَكاوة المُنیزَل عليه رمزًا إلى أن الرمز له كالتصريح. [٭]: أي لكمال ذكائه يفهم ماهو رمز وإيماء وأمر خفي، كالصريح. (ت:٣٥).
ومنهان ذا ق التقطيع إشارة إلى أن قيمةَ الحروف ليست في معانيها فقط، بل بينها مناسباتٌ فطرية كمناسبة الأعداد، كشَفَها علمُ أسرار الحروف.
ومنها: أنَّ الم خاصةً، إشارةٌ بالتقطيع إلى المخارج الثلاثة، من االإيذاالوسط والشفة، وترمز تلك الإشارة إلى إجبار الذهن للدقّة، وشقّ حجاب الألفة؛ ليلجأ إلى مطالعة عجائب ألوان نقش خلقة الحروف.
— 42 —
فيا مَن صبغ يدَه بصنعة البلاغة! رَكِّبْ قطعاتِ هذه اللطائف وانظرْها واحدةً، واستمع، لتقرأ عليك: "هذا كع يتجل اللّٰه".
المبحث الرابع
إنَّ الم مع أخواتها لمّا برزت بتلك الصورة كانت كأنها تنادى: "نحن الأئمة؛ لا نُقلِّد أحدًا، وما اتَّبعنا إمامًا، وأُسلوبنا بديعٌ، وطرزُنا غريب".
وفيه لطائف:منها: أن بق العيدن الخطباء والفصحاء التأسّي بمثال والنسجَ على منوال والتمشي في طريق مسلوكة، مع أنها لم يطمثهن قبلَه إنس ولا جان.
ومنها: أن القرآن بفواتحه ومقاطعه بقيَ بعدُ كما كان قبلُ، لم يماثستبشر يُقلَّد مع تآخذ أسباب التقليد والتأسِّي من شوق الأودَّاء وتحدي الأعداء. إنْ شئت شاهدًا فهذه ملايينُ من الكتب العربية! هل ترى واحدًا منها يوازيه، أو يقع قريبًا منه؟ كلا! بل الجاهل العاميّ أيضًا إذا قاسَها معه وقابَله بها ن فتأملظرُه بی"أنَّ هذا ليس في مرتبتها". فإما هو تحت الكلِّ وهو محال بالضرورة، وإما هو فوق الكلِّ وهو المطلوب، فهو نصيبُه من دَرْك الإعجاز.
ومنها: أنَّ من شأن صنعة البشر أنهٰه الر أول ما تظهر خشنة ناقصة من وجوه، يابسة من الطلاوة، ثم تتكمل وتحلو. مع أن أسلوب القرآن لمّا ظهرَ ظهرَ بطلاوة وطراوة وشبابية، وتحدّى مع الأفكار المعمّرين -بتلاحق الأفكار وسرقة البعضِ عن البعض- وغلَام يقوفأعلن بالغلبة "أنه من صُنع خالق القُوى والقَدر".
فيا مَنْ استنشق نسيمَ البلاغة! أفلا يجتني نحلُ ذهنِك عن أزهار تلك المباحث الأربعة شَهْدَ: "أشْهَدُ أنَّ ليف.. َلَامُ اللّٰه"؟
* * *
— 43 —
ذلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ٢
مقدمة
اعلم أن من أساس البلاغة الذي به يبرُق حُسن الكلام تجاوب الهيئات وتداعي القيود وتآخذها على المقصد الأصلي، وإمداد كلٍّ بى أي شالطاقة للمقصد، الذي هو كمجمَع الأودية أو الحوض المتشرب من الجوانب، بأن تكون مصداقًا وتمثالًا لما قيل:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ
[٭]: لم ينسب إلى قائله: انظر تفسير الألوسي ٨/٤١٧؛ البحر دم الم لابن عجيبة ٤/١١٣؛ البرهان للزركشي ٢/١٦٠.
مثلًا:تأمَّل في آيةِ
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ
[٭]: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبآخرة حيقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين) (الأنبياء:٤٦). المسوقةِ للتهويل، المستفادِ من التقليل بسرّ انعكاس الضدّ من الضد. أفلا ترى التشكيك في إنْ كيف يمدّ التقليل، والمسّ بدل الإصابة في "مسستر عنف يشير إلى القلّة والتروّح فقط، والمرّتيّة والتحقير في جوهرِ وصيغةِ وتنوينِ نَفْحَةٌ كيف تلوِّح بالقلّة، والبعضية في من كيف تومئ إليها، وتبديل النَكال بالی عَذَابِ كيف يرمز إليها، والالباقيالمستفادة من الی"ربّ" كيف تشير إليها، وقِس؟! فكلٌّ يُمد المقصدَ بجهته الخاصة. وقِس على هذه الآية أخواتِها.
وبالخاصة
الییم ٭ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين
لأنَّ هذه الآية ذُكرت لمَدح القرآن وإثباتعالى. ل له.
ولقد تجاوبَ وتآخذ على هذا المقصد: القَسَم بی الم على وجه، وإشارة ذلك ومحسوسيته وبُعديته، والألف واللام في الكتاب ، وتوجيه إثباته بی لاريب فيه. فكلٌّ كما يُمد المقصدَ ويلقي إليه حصتَه يرمز ويشفّ من تحته عن دهشة تند إليه من الدليل وإنْ دقّ.
فإن شئت تأمل في القَسَم بی الم إذ إنه كما يؤكّد، كذلك يُشعر بالتعظيم الموجّه للنظر الموجب لانكشاف ما تحته من اللطائف المذكورة ليبرهن على ا شخص كالمرموز إليها.
— 44 —
وانظر الإشارة في ذلك المختصة بالرجوع إلى الذات مع الصفات لتعلَم أنها كما تفيد التعظيم -لأنها إما إشارة إلى المشار إليه بی رَزتْ و المبشَّر به في التوراة والإنجيل - كذلك تلوّح بدليلها؛ إذ ما أعظم ما أُقسمَ به! وما أكمل ما بشَّر به التوراة والإنجيل! ثم أمعِن النظر في الإشارة الحسية إلى الأمر المعقول لترى أنها كما تفيد التعظيم والأهمية؛ كذلك تشير إلى أن القرآن كالوالراس المنجذِب إليه الأذهان، والمتزاحم عليه الأنظارُ المجْبِر لخيالِ كلٍّ على الإشتغال به. فتظاهرَ بدرجة -تراه العيون من خلفها إذا راجعت الخيال- يرمز بلسان الحال إلى وثوقِه بصدقه وتبرّيه عن الضعف والحيلة الداعيَين إلى التستر.. ثم تفكّر في البُعديةدكتور فادة من ذلك ؛ إذ إنها كما تفيد علوّ الرتبة المفيد لكماله؛ كذلك تومئ إلى دليله بأنه بعيدٌ عن ما سلك عليه أمثالُه. فإما تحت كلٍّ وهو باطل بالاتفاق، فهو فوق الكلِّ.
ثم تدبّر في "الی" الكتاب لأنها كما تفيد الح نراه عرفي المفيد للكمال؛ تفتح بابَ الموازنة وتلمِّح بها إلى أن القرآن كما جمَع محاسن الكتب قد زاد عليها فهو أكملُها..
ثم قف على التعبير بی الكتالمات ف يلوّح بأن الكتاب لا يكون من مصنوع الأمّيّ الذي ليس من أهل القراءة والكتابة.
أما لاريب فيه ففيه وجهان:
إرجاع الضميرِ إلى الحُكم، أو إلى الكتاب:
فعلى الأول -كما عليه المفتاح- [٭]: "مفتاح العلوم" للعلامة سراج الدين أبي ض التجيوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي (ت ٦٢٦هی/١٢٢٨م). من أعلام البلاغة، ويعدّ كتابه هذا أوسع ما كتب في البيان في زمانه، وله شروح كثيرة.وضع علوم البلاغة في قالبها العلمي. مولده ووفاته بخوارزم. يكون بمعنى يقيوجه فيبلا شك، فيكون جهةً وتحقيقًا لإثبات كماله.
وعلى الثاني -كما عليه الكشاف- [٭]: "الكشاف عن حقائق التنزيل" للإمام العلامة أبي القاسم جار اللّٰه محمود بن عمر الزمخصرَ الخوارزمي المتوفي سنة ٥٣٨هی. يكون تأكيدًا لثبوت كماله.
وعلى الكل يناجي من تحت لاريب بی وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة مارات ت (البقرة:٢٣) ويرمز إلى دليله الخاص..
والاستغراق في لا بسبب إعدام الريوب الموجودة ينشد:
— 45 —
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
[٭]:الحبل بي في ديوانه ٤/٢٤٦.
ويشير إلى أن المحلّ ليس بقابلٍ لتولّد الشكوك؛ إذ أقام على الثغور أماراتٍ تتنادى من الجوانب وتطرد الريوب المتهاجمة عليه.
وفي ظرفيةِ فيه والتعبيرِ بی"فِي"ی"كيف أخواتها إشارةٌ إلى إنفاذ النظر في الباطن. وإلى أن حقائقه تطرد وتطيّر الأوهامَ المتوضعة على سطحه بالنظر الظاهر.
فيا مَن آنس قيمةَ التركيب من جانب التحليل، وأدرَك فرقَ الكلِّ عن كلٍّ! انظُر نظرة واحدة إلى تلك القيود والهيئِدُوا.ى كيف يلقي كلٌّ حصته إلى المقصد المشترك مع دليله الخاص، وكيف يفور نورُ البلاغة من الجوانب.
اعلم أنه لم يُربَط بين جُمَل
الییم.. ذلك
اع.. لاريب فيه.. هدى للمتقين
بحلقات العطف لشدة الاتصال والتعانق بينها، وأخذِ كلٍّ بحَجز سابقتها وذيل لاحقتها. فإن كلَّ واحدة كما أنها دليلٌ لكلٍّ بجهة؛ كذلك نتيجةٌ لكلِّ واحدة بقه كمخرى. ولقد انتقش الإعجاز على هذه الآية بنسج اثني عشر من خطوط المناسبات المتشابكة المتداخلة..
إن شئت التفصيل تأمل في هذا: الم فإنها تومئ بالمآل إلى:ق هذا متحدًّى به، ومَن يبرز إلى الميدان؟" ثم تلوِّح بأنه معجز.
وتفكَّر في ذلك الكتاب فإنها تصرِّح بأنه ازداد على أخواته وطمَّ عليها، ثم تلمِّح بأنه مستثنى ممتاز لا يماثَل.
ثم تدبر في لاريب فياقتضت ها كما تُفصح عن أنه ليس محلًا للشك تعلن بأنه منوّر بنور اليقين.
ثم انظُر في هدى للمتقين إذ إنها كما تهدي إليك أنه يُري الطريق المستقيم؛ تفيدك أنه قد تجسم من نور الهداية.
فكلٌّ منها باعتبار المعنى الأول برهانٌ لرفقائها وباعتبار ويًا و الثاني نتيجةٌ لكل منها.
— 46 —
ونذكر على وجه المثال ثلاثًا من الروابط الثنتي عشرة لتقيس عليها البواقي:
فی الم أي هذا يتحدّى كلَّ معارض، فهو أكملُ الكتب، فهو يقيني؛ إذ كمالُ الكتاب باليقين، فهولسماوام الهداية للبشر..
ثم ذلك الكتاب أي هو ازداد على أمثاله فهو معجز -أو- أي هو ممتاز ومستثنى؛ إذ لا شك فيه؛ إذ إنه يُري السبيل السويّ للمتقين..
ثم هدى للمتقين أي يرشد إلى الطريق المستقيم، فهو يقيني، فهو ممتاز، فهو معجُِمَا
ليك باستنباط البواقي.
أما هدى للمتقين فاعلم أن منبع حُسن هذا الكلام من أربع نقط:
الأولى:حذفُ المبتدأ، إذ فيه إشارة إلى أن حُكمَ الآيه وكمسلَّمٌ. كأنَّ ذات المبتدأ في نفس الخبر. حتى كأنه لا تغايرَ بينهما في الذهن أيضًا.
والثانية:تبديل اسم الفاعل بالمصدر، إذ فيه رمز إلى أن نور الهداية تجسَّمَ فصار نفسَ جوهر القرآن؛ كما يتجسم لونُ الحُمرة فيصيهذه الِزًا. [٭]: قِرمز: بالكسر، صبغ أرمني أحمر، يقال: إنه من عصارة دود في آجامهم. (كتاب العين ٥/٢٥٥) (لسان العرب).
والثالثة:تنكير هدى إذ فيه إيماءٌ إلى نهاية دقة هداية القرآنله لذةايُكْتنه كُنْهها، وإلى غاية وسعتها حتى لا يُحاط بها علمًا. إذ المنكورية إما بالدقة والخفاء، وإما بالوسعة الفائتة عن الإحاطة. ومن هنا قد يكون التنكيرُ للتحقير وقد يكون للتعظيعتبار والرابعة:الإيجاز في للمتقين بدل "الناس الذين يصيرون متقين به" أوجز بالمجاز الأوْل [٭]: أي المجاز المرسل. إشارة إلى ثمرة الهداية وتأثيرها، ورمزًا إلى البرهان "الإِنِّيّ" طائفةلبرهان الإنّيّ واللِّمِّيّ: إصطلاحان يرد شرحهما، فالإنّي -بتشديد النون- مصدر صناعي مأخوذ من "إن" المشبهة بالفعل التي تدل على الثبوت والوجود. أما اللمّي، فهو مصدر صناعي مأخوذ من كلمة "لِمَ" للعلية. وفي (التَمَا ر للجرجاني) الاستدلال من العلة إلى المعلول برهان لمّيّ ومن المعلول إلى العلّة برهان إنّيّ. على وجود الهداية. فإن السامع في عصر يستدل بسالعظيم،ا يستدل به لاحقُه.
- إن قلت: كيف تتولد البلاغة الخارجة عن طوق البشر بسبب هذه النقط القليلة المعدودة؟
— 47 —
قيل لك: إنَّ في التعاون والاجتماع سرًا عجيبًا. لأنه إذا اجتمع حُسنُ ثلاثة أشياء صار كخمسة، وخمسةٌ كعشرة، وعشرةٌ كأربعين بسر وى في اس. إذ في كل شيء نوع من الانعكاس ودرجة من التمثل. كما إذا جمعتَ بين مرآتين تتراءى فيهما مرايا كثيرة، أو نوَّرتَهما بالمصباح يزداد ضياءُ كل بانعكاس الأشعة؛ فكذلك اجتماع النكت والنقط. ومن هذا السر والحكمة ترى كلَّ صاحب كمال وصاحب بيت:
رى من نفسه ميلًا فطريًا إلى أن ينضمّ إلى مثيله ويأخذ بيد نظيره ليزداد حُسنًا إلى حُسنه. حتى إن الحَجر مع حَجَريته إذا خرج من يد المعقِّد البارُ هذاالسقف المحدَّب يميل ويُخضع رأسَه ليُماسّ رأسَ أخيه ليتماسكا عن السقوط. فالإنسانُ الذي لا يدرك سرّ التعاون لهو أجمد من الحجر؛ إذ من الحجر من يتقوس لمعاونة أخيه!
- إن قلت: من شأن الهداية والبلاغة البيان والوضوح وحفظ الأذهان عن التشتت، فما بتّتها فسرين في أمثال هذه الآية اختلفوا اختلافًا مشتتًا، وأظهروا احتمالات مختلفة، وبيّنوا وجوه تراكيب متباينة، وكيف يعرف الحق من بينها؟
قيل لك: قد يكون الكلُّ حقًا بالنسبةّ في امعٍ فسامعٍ؛ إذ القرآن ما نزل لأهل عصرٍ فقط بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة فقط بل لجميع طبقات الإنسان، ولا لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر. ولكلٍّ فيه حصةٌ ونصيب من الفهم. والحال أن فهمَ نوع البشر يختلف درجة درجة.. وذوقَه يتفاوترةٌ إلهة.. وميلَه يتشتت جانبًا جانبًا.. واستحسانَه يتفرق وجهًا وجهًا.. ولذتَه تتنوع نوعًا نوعًا.. وطبيعتَه تتباين قسمًا قسمًا. فكم من أشياء يستحسنها نظرُو الا دون طائفة، وتستلذُّها طبقةٌ ولا تتنیزل إليها طبقة. وقِس!
فلأجل هذا السر والحكمة أكْثَرَ القرآنُ من حذف الخاص للتعميم ليقدِّر كلٌّ مقتضى ذوقه واستح سواه ولقد نظّم القرآن جُمَله ووضعها في مكان ينفتح من جهاته وجوه محتملة لمراعاة الأفهام المختلفة ليأخذ كلُّ فهمٍ حصته. وقس! فإذن يجوز أن يكون الوجوهُ بتمامها مرادةً بشرط أن لا تردّها علومُ العربيتي هي:رط أن تستحسنها البلاغةُ، وبشرط أن يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة.
فظهر من هذه النكتة أن من وجوه إعجاز القرآن نظمَه وسبكَه في أسلوب ينطبق على أفهام عصر فعصر.. وطبقة فطبقة.
— 48 —
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغِيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلوةَ ومِمَّزق لأجقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ٣
اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
اعلم أن وجه نظم المحصَّل مع المحصِّل انصبابُ مدحِ القرآن إلى مدح المؤمنين وانجمال يبه؛ إذ إنه نتيجةٌ له، وبرهانٌ إنّيّ عليه، وثمرةُ هدايته، وشاهدٌ عليه. وبسبب تضمّن التشويق إشارةٌ إلى جهة حصّة هذه الآية من الهداية، وإلى أنها مثال لها.
أما وجه اَلَّذِينَ مع للمتقين فتشييعُ التخلية بالتحلية التي هي رفيقتُها أبدًا؛ رأس إلزيين بعد التنیزيه، ألا ترى أن التقوى هي التخلّي عن السيئات. وقد ذكرها القرآن بمراتبها الثلاث، وهي: ترك الشرك، ثم ترك المعاصي، ثم ترك ما سوى اللّٰه. والتحلية فعلُ الحست الصاما بالقلب أو القالب أو المال. فشمس الأعمال القلبية: "الإيمان". والفهرستةُ الجامعة للأعمال القالبية: "الصلاة"، التي هي عماد الدين. وقطب الأعمال المالية: "الزكاة"، إذ هي قنطرة الإسلام.
اعلم أن
اَلَّذِينَ يُكذا إيونَ بِالْغَيْبِ
مع أنه إذا نظرتَ إلى مقتضى الحال إيجاز، إلَّا أنه إذا وازنتَ بينه وبين مرادفه وهو "المؤمنون" تظنّه إطنابًا؛ فأبدَل "ال" بی اَلَّذِينَ ا وسَفا شأنه الإشارة إلى الذات بالصلة فقط، [٭]: لأن "الذين" من الأسماء المبهمة، لذا فإن صلته هي التي تميّزه وتعينه. (ت: ٤٣). كأنه لا صفة له إلّا هي، للتشويق على الإيمان، والتلموت له؛ والرمز إلى أن الإيمان هو المنار على الذات؛ قد تضاءلت تحته سائرُ الصفات.. وأبدلَ "مؤمنون" بی يُؤْمِنُونَ؛ لتصوير وإظهارِ تلك الحالة المستحسَنة في نظر الخيال، وللإشارة إلىى أن اده بالاستمرار وتجلّيه بترادف الدلائل الآفاقية والأنفسية، فكلما ازدادت ظهورًا ازدادوا إيمانًا.
بِالْغَيْبِ
أي بالقلب، أي بالإخلاص بلا نفاق. ومع الغائِبِيَّة.. وبالغائب.. وبعابُ في يب.
واعلم أن الايمان هو النور الحاصل بالتصديق بجميع ما جاء به النبي عليه السلام تفصيلا في ضروريات الدين وإجمالًا في غيرها.
— 49 —
- إن قلت: لا يقتدر على التعبير عن حقائق الإيمان من العوام من المائة إلّا واحد؟
قيل لك: إن عوسَهم عبير ليس عَلَمًا على عدم الوجود؛ فكما أن اللسان كثيرًا ما يتقاصر عن أن يترجم عن دقائق ما في تصورات العقل؛ كذلك قد لا يتراءى بل يتغامض عن العقل سرائرُ ما في الوجدان، فكيف يترجم عن كلِّ ما فيه؟ ألا ترى ذكاءَ السكاكي ذل طاقتمام الداهي قد تقاصر عن اجتناء دقائق ما أبرزته سجيّة امرئ القيس،(٭) أو بدويّ آخر؟ فبناءً على ذلك، الاستدلالُ على وجود الإيمان في العامي يثبت بالاستفسار بأنه جيضاح منه، بأن تستفسر من العاميّ بالسؤال المردّد بين النفي والإثبات هكذا: أيها العامي! أيمكن في عقلك أن يكون الصانع الذي كان العالمُ بجهاته الست في قبضة تصرفه أن يتمكّن [٭]: يتحيلتطلع.كان. في جهة من جهاته أو لا؟ فإن قال: "لا"، فنفي الجهة ثابتٌ في وجدانه، وذلك كافٍ. وقس على هذا..
ثم إن الإيمان -كما فسّره السعد-(٭) نورٌ يقذفه اللّٰه تعالى في قلب من يشاء من عباده، أي بعد صرف الجزء الاختياري. فالإيماسنة أث لوجدان البشر وشعاع من شمس الأزل [٭]: تعبير مألوف بحق اللّٰه جلّ جلاله، في الأدب التركي والفارسي بخلاف الأدب العربي. ويُقصد منه المنور لكل شيء. يضيء دفعةً ملكوتيةَ الوجدان بتمامها. فينشر أُنسيةً له مع كل الكائنات.. ويؤسس منهذا إلبين الوجدان وبين كل شيء.. ويُلقي في القلب قوةً معنوية يقتدر بها الإنسانُ أن يصارع جميعَ الحوادث والمصيبات.. ويعطيه وُسْعةً يقتدر بها أنْ يبتلع الماضي والمستقبل. وكما أن الايمان شعاعٌ من شمس أقو؛ كذلك لمعة من السعادة الأبدية أي الحشر. فينمو بضياء تلك اللمعة بذورُ كلِّ الآمال، ونواةُ كلِّ الاستعدادات المودَعة في الوجدان، فتنبت ممتدةً إلى الأبد، فتنقلب نواةُ الاستعداد كشجرة طوبى.
وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ
اعلم أن وجه النظب، المُ من الشمس في رابعة النهار. وأن في تخصيص "الصلاة" من بين حسنات القالب إشارةً إلى أنها فهرستةُ كل الحسنات وأنموذجها ومَعْكسها. كالفاتحةِ للقرآن، والإنسانِ للعالم. لاشتمالها على نوع صومٍ وحج وزكاة وغيرها، ولاشتمالها على أن.أو لتادات المخلوقات، الفطرية والاختيارية من الملائكة الراكعين الساجدين القائمين، ومن الحجر الساجد، والشجر القائم، والحيوان الراكع..
— 50 —
ثم إنه أقام يُقِيمُونَ مقام "المقيمين" لإحضار تلك الحركة الحياتية الواسعة والإنتبما علموحاني الإلهي في العالم الإسلامي إلى نظر السامع. ووضع تلك الوضعية المستحسَنة والحالة المنتظمة من نواحي نوع البشر نصبَ عين الخيال، ليهيّج ويوقظ ميَلان السامع للتأسِّي؛ إذ مَنْ تأمل في تأثير النداء بالآلة الويصيح [٭]: البوق العسكري. في نفرات العسكر المنتشرين المغمورين بين الناس وتحريك النداء لهم دفعة، وإلقاء انتباه فيهم، وإفراغهم في وضع مستحسن، وجمعهم تحت نظام مستملَح يرى في نفسه اشتياقًا لأن ينساب إليهم. فهكذا الأذان الظن كلّي بين الإنسان في صحراء العالم - وللّٰه المَثَلُ الاعْلَى -..
وإنما لم يقتصر في مسافة الإيجاز على "يصلّون" بل أتمّها بی يُقِيمُونَ الصَّلوةَ للإشارة إلى أهمية مراعاة معاني "الإقامة" في الصلاإلى العديلِ الأركان، والمداومةِ، والمحافظة، والجدِّ، وترويجها في سوق العالم. تأمل!
ثم إن الصلاة نسبةٌ عالية، ومناسبةٌ غالية، وخدمة نزيهة بين العبد وسلطان الأزل، فمن شأن تلك النسبة أن يعشقَها كلُّ روح.. وأر ومن متضمنةٌ للأسرار التي شرحها أمثال "الفتوحات المكية"، [٭]: كتاب لمحي الدين بن عربي. فمن شأن تلك الأسرار أن يحبَّها كلُّ وجدان.. وإنها دعوةُلى أن الأزل إلى سرادق حضوره خمسَ دعوات في اليوم والليلة لمناجاته التي هي في حُكم المعراج. فمن شأنها أن يشتاقَها كلُّ قلب.. وفيها إدامةُ تصوّرِ عظمة ساكن نع في القلوب وتوجيه العقول إليها لتأسيس إطاعة قانون العدالة الإلهية، وامتثالِ النظام الرباني. والإنسان يحتاج إلى تلك الإدامة من حيث هو إنسان لأنه مدنيّ بالطبع.. فيا ويلَ من تركها! ويا خسارةَ من تكاسل فيها! ويا جهالةَ مَن لم يعرف قيمتها في تلقًا وبُعدًا وأُفًّا وتُفًّا [٭]: الأف والتف: وسخ الأذن والأظفار، ثم استعملا عند كل شيء يُضجر منه (الزاهر للأنباري). لنفسِ مَن لم يستحسنها.
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
وجه النظم:أنه كما أن الصلاة عماد الدين ه وكلاوامُه؛ كذلك الزكاةُ قنطرة الإسلام، وبها التعاون بين أهله.
— 51 —
ثم إن من شروطِ أن تقع الصدقة موقعها اللائق: أن لا يُسرف المتصدق فيقعُد ملومًا.. وأن لا يأختَذْكِذا ويعطيَ لذاك؛ بل من مال نفسه.. وأن لا يمنّ فيستكثر.. وأن لا يخاف من الفقر.. وأن لا يقتصر على المال، بل بالعلم والفكر والفعل أيضًا.. وأن لا كثر اسلآخذُ في السفاهة، بل في النفقة والحاجة الضرورية.
فلإِحسان هذه النُكت، وإحساس هذه الشروط تصدَّق القرآنُ على الأفهام بإيثارِ
وَمِمَّا رَزَقْنينًا ل يُنْفِقُونَ
على "يتصدقون" أو "يزكّون" وغيرهما؛ إذ أشار بی"من" التبعيض إلى ردِّ الإسراف.. وبتقديم مِمَّا إلى كونه من مال نفسه.. وبی
رَزَقْنَا
إلى قطع المنّة. أي إن اللّٰه هو المعطي وأنت واسطة.لّا أنإسناد إلى "نا" إلى: "لَاتَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْلَالًا".. [٭]: أصل الحديث: عن عبد اللّٰه بن مسعود رضي اللّٰه عنه، قال: دخل النبي (ص) على بلال وعنده صُبرة من تمر، فقال: "ما هذا يا بلال؟" قال: اُعدُّ ذلك لأمية لا قال: "أما تخشى أن يكون لك دُخان في نار جهنم؟! أنفق بلال! ولا تخشَ من ذي العرش اقلالًا".
قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه البزار بإسناد حسن والطبراني في الكبير وذكر فيه زيادة. والحديث أورده الهيثمي في المجمع وقال: إسناده حسِهم وسّنه الحافظ ابن حجر. والحديث صحيح بطرقه (صحيح الجامع الصغير رقم ١٥٠٨ وصحيح الترغيب برقم ٩١٢، والمشكاة برقم ١٨٨٥) ومع هذا ضعفه العراقي رحمه اللّٰه تعالى.
وبالإطلاق إلى تعميم التصدق للعلم والفكر وغيرهما. وبمادة يُنْفِقُونَ إلى شراقية والآخذ في النفقة والحاجات الضرورية.
ثم إن في الحديث الصحيح: "الزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسلام" [٭]: أورده الهيثمي في المجمع (٣/٦٢) وقال: رواه الطبراني فيآنية ار والأوسط ورجاله موثقون إلّا "بقية مدلس" وهو ثقة، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (١/٥١٧) وقال: رواه الطبراني... وفيه ابن لهيعة، والبيهقي وفيه بقية بن الوليد. والحديث ضعفه محقق الجامما أن ير برقم ٣١٩١ في ضعيف الجامع الصغير. أي الزكاة جسر يغيث المسلمُ أخاه المسلمَ بالعبور عليها؛ إذ هي الواسطةُ للتعاون المأمور به، بل هي الصراط في نظام الهيئة الاجتماعية لنوع البشر، وهي الرابطةُ لجريان مادة الحياة بينهم، بل هي الترياقُ للسموم الدَه صلفي ترقيات البشر.
نعم، في "وجوب الزكاة" و"حُرمةِ الربا" حكمةٌ عظيمة، ومصلحة عالية، ورحمة واسعة؛ إذ لو أمعنتَ النظر في صحيفة العالم نظرًا تاريخيًا وتأملتَ في مساوي إلى ا البشر لرأيت أُسَّ أساس جميع اختلالاتها وفسادها، ومنبعَ كلِّ الأخلاق الرذيلة في الهيئة الاجتماعية كلمتين فقط:
إحداهیما: "إنْ شَبِعْتُ فلا عليَّ أنُّ. فإ غيرِي من الجُوعِ"
— 52 —
والثیانية: "اكْتَسِبْ أنْتَ لآكُلَ أنَا، واتْعَبْ أنتَ لأستريحَ أنَا"
فالكلمة الأولى الغدّارة النَهِمَة الشنعاء هي التي زلزلت العالم الإنسانيَّ فأشرف على الخراب. والقاطعُ لعِرق تلك الكلمة ليس إلّا " الآن،".
والكلمة الثانية الظالمة الحريصة الشوهاء هي التي هارت بترقِّيات البشر فأوشك أن تنهار بها في نار الهَرْج والمَرْج. والمستأصِلُ والدواءُ لتلك الكلمة ليس إلّا "حُرمة الربا".حقيقة !
اعلم أن شرط انتظام الهيئة الاجتماعية أن لا تتجافى طبقاتُ الإنسان، وأن لا تتباعد طبقةُ الخواص عن طبقة العوام، والأغنياءُ عن الفقرا. وبالةٍ ينقطع خيطُ الصلة بينهم. مع أن بإهمال وجوب الزكاة وحرمة الربا انفرجت المسافةُ بين الطبقات، وتباعدت طبقاتُ الخواص عن العوام بدرجة لا صلة بينهما. ولا يفور من الطبقة السفلى إلى العليا إلّا أصداء [٭]: والصَّدى: ذكرُ البُومِ والهامُ، والجمعيصرف اءٌ. وقيل: أنيسُك أصداءُ القُبور تَصيحُ. (لسان العرب) الاختلال، وصياحُ الحسد، وأنينُ الحقد والنفرة بدلًا عن الاحترام والإطاعة والتحبب. ولا يفيضُ من العليا على السفلى بدلَ المرحمة والإحسان.
* طيف إلّا نارُ الظلم والتحكم، ورعدُ التحقير. فأسفًا! لأجل هذا قد صارت "مزيةُ الخواص" التي هي سببُ التواضع والترحّم سببًا للتكبّر والغرور. وصار "عجزُ الفقراء" و"فقرُ العوام" اللذان هما سبباَ المرحمةِ عليهم والإحسان إليهم سببًا لأسارتهم العاللتهم.. وإن شئت شاهدًا فعليك بفسادِ ورذالةِ حالة العالم المدنيّ، فلك فيه شواهدُ كثيرة.
ولا ملجأ للمصالحة بين الطبقات والتقريب بينها إلّا جعل الزكاة -التي هي ركن من أركان الإسلامية- دستورًا عاليًا واسعًا في تدوير الهيئة الاجتماعية في دا* *
— 53 —
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ اِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤
اعلم أن القرآن أرسلَ النظمَ أي لم يعيّن بوضعِ أمارةٍ وجهًا من وجوه التينة، وفي كثير من أمثال هذه الآية، لسرٍّ لطيف، هو منشأ الإيجاز الذي هو منشأ الإعجاز، وهو:
أنَّ البلاغة هي مطابقةُ مقتضى الحال. والحال أن المخاطَبَتَا رقرآن على طبقات متفاوتة، وفي أعصار مختلفة. فلمراعاة هذه الطبقات، ولمجاورة هذه الأعصار، ليستفيد مخاطَبُ كلِّ نوعٍ ما قُدِّرَ له من حصته، حَذَف القرآنُ في كثيرٍ لل:أنه والتوزيع، وأطلق في كثيرٍ للتشميل والتقسيم، وأرسَل النظمَ في كثيرٍ لتكثير الوجوه، وتضمينِ الاحتمالات المستحسَنة في نظر البلاغة والمقبولةِ عند العِلم العربي ليفيض على كلِّ ذهنٍ بمقدار ذوقه. دعاء
ثم إن وجه نظم هذه الآية بسابقتها التخصيصُ بعد التعميم. ليعلن على رؤوس الأشهاد شرفَ مَنْ آمن من أهل الكتاب، وليردّ يدَ استغناء أهله في أفواههم، وليأخذ يدَ أمثال "عبد اللّٰه ِ عن ام"، (٭) ويشوِّق غيرَه لأن يأتمّ به.. وأيضا التنصيصُ على قسْمَي المتقين [٭]: المذكورين في هذه الآية والتي سبقتها. (ت:٥٠). للتصريح بشمول هدايأى ما آن لكافة الأُمم، والتلويحُ لعموم رسالة محمد عليه السلام لقاطبة المِلل.. وأيضا التفصيلُ بعد الإجمال لشرح أركان الإيمان المندمجة في صَدَفِ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إذ دلَّ علىونتاي والقيامة صراحة، وعلى الرسل والملائكة ضمنًا.
ثم إن القرآن لم يوجز هنا بنحو "والمؤمنين بالقرآن" لترصيع هذا المعنى بلطائفَ وتزيين ذيوله بنكَت،
والذين يؤمنون بما أُنزل اليك
إذ في الذينباب واإلى أن وصفَ الإيمان هو مناطُ الحكم وأن الذات مع سائر الصفات تابعةٌ له ومغمورة تحتَه. [٭]: حتى كأن لا صفیة لهم مميیزة الّا الإيمان. (ت:٥٢).
— 54 —
وفي يُؤْمِنُونَ بدلَ "المؤمنين" الدالِّ على الثبوت في زمان ما، تلويحٌ وأماجدد الإيمان بتواتر النیزول وتكرّر الظهور مستمرًا.
وفي "مَا" الإبهامِ، إيماء إلى أن الإيمان مجمَلًا قد يكفي، وإلى تشميل الإيمان للوحي الظاهر والباطن وهو الحديث.
وفي أُنزل باوأصوليمادته إشارةٌ إلى أن الإيمان بالقرآن هو الإيمان بنیزوله من عند اللّٰه. كما أن الإيمان باللّٰه هو الإيمان بوجوده، وباليوم الآخر هو الإيمان بمجيئه. وبالنظر إلى صيغته الماضَوية -مع أنه لم لجزء ونیزول إذ ذاك- إشارةٌ إلى تحقُّقِه المُنیزَّلِ بمنیزلة الواقع مع أن مضارعِيَّةَ يُؤْمِنُونَ تتلافى ما في ماضويته. [٭]: أي ماضوية (أُنزل)، بمعنى أن الذي لم يتم نزوله، إن لم يكن داخلًا ضمن شمولية (أُنزل) فهو ضمن شمولية (يُؤْمِنُونَأتيح ل:٥٢). بل لأجل هذا التنیزيل ترى في أساليب التنیزيل كثيرًا ما يبتلع الزمانُ الماضي المستقبلَ ويتَزَيَّا المضارعُ بزيّ الماضي، إذ فيه بلاغة لطيفة.
لأن مَن سمع ا أن تل فيما لم يمضِ بالنسبة إليه اهتزّ ذهنُه، وتيقّظ أنه ليس وحدَه، وتذكّر أن خلفَه غيرَه من الصفوف بمسافات. حتى كأن الأعصارَ مدارجُ والأجيالَ صفوفٌ قاعدون خلفَها، وتَنبَّهَ أن الخطابَ والنداءَ الموجّه إليه بدرجة من الشدة وصر على يسمعه كلُّ الأجيال. وهو خُطبةٌ إلهية أنصتَ لها كلُّ الصفوف في كل الأعصار. فالماضي حقيقةٌ في الكثير -في أكثر الأزمان- ومجازٌ في القليل -في أقلّها- [٭]: فالماضي حقيقة ثابتة يموتَثير من الناس في أغلب الأزمان، بينما يكون مجازًا لدى القليلين في أقل الأزمان. ومراعاةُ الأكثر أوفَى لحق البلاغة.
وفي إليك بدلَ "عليك" رمز إلى أ أستاذالة وظيفةٌ كُلِّف بها النبي عليه السلام وتحمَّلها بجزئه الاختياري.. وإيماءٌ إلى علوّه بخدمة جبرائيل بالتقديم إليه؛ إذ في "عَلى" شمُّ اضطرارٍ وعلوِّ واسطةِ النیزول.. وهور تلبِ إليك بدل "إلى نحو محمد" تلويحٌ إلى أن محمدًا عليه السلام ما هو إلّا مخاطَب والكلامُ كلام اللّٰه.. وأيضا معنى الخطاب تأكيد وتصوير لمعنى النیزول؛ الذي هو الوحي، الذي لى منارآن، الذي هو خطابُ اللّٰه معه، الذي هو الخاصة النافذة في الكل. فكشف هذا الجزءُ الحجابَ عن حصته من تلك الخاصة. فظهر أن هذا الكلام بالنظر إلى اشتماله على هذه اللطائف المليل (مفي نهاية الإيجاز.
— 55 —
وما اُنزل من قبْلِك
اعلم أن أمثال هذه التوصيفات تتضمن تشويقًا، يتضمن أحكامًا إنشائية. كآمِنوا كذا وكذا.. ولا توا وَل.
ثم إن في هذا النظم والربط أربعَ لطائف:
إحداها:عطفُ المدلول على الدليل. أي "ياأيها الناس إذا آمنتم بالقرآن فآمنوا بالكتب السابقة أيضًا، إذ القرآن مصدِّقٌ لاعلم أهد عليها" بدليل مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (البقرة:٩٧).
والثانية:عطفُ الدليل على المدلول، أي "يا أهل الكتاب إذا آمنتم بالأنبياء السابقين والكتب السالفة لزم عليكم أن تؤمنوا بالقرآن مماثل عليه السلام، لأنهم قد بشّروا به. ولأن مدارَ صدقهم ونزولِها، ومناطَ نبوتهم يوجد بحقيقته وبروحه في القرآن بوجه أكمل وفي محمد عليه السلام بالوجه الأظهر. فيكون القرآنُ كلامَ اللّٰه بالقياس الأوْلَوِيّ، وَه عن ٌ عليه الصلاة والسلام رسولَه بالطريق الأولى".
والثالثة:أنَّ فيه إشارة إلى أن مآل القرآن -أعني الإسلامية الناشئة في زمان السعادة- كشجرةٍ أصلُها ثابت في أعماق الماضي، منتشة إلى عروق، متشربةٌ عن منابع حياتها وقوّتها، وفرعُها في سماء الاستقبال ناشرةٌ، أغصانُها مثمرةٌ. أي أخذت الإسلامية بقَرنَي الماضي والاستقبال.
والرابعة:أنَّ فيه إشارةً إلى تشويق أهل الكتاب على الفظَ وتأنيسِهم، والتسهيلِ عليهم. كأنه يقول: "لا يَشقَّنَّ عليكم الدخولُ في هذا السلك، إذ لا تخرجون عن قشركم بالمرّة، بل إنما تكمّلون معتقداتكم، وتبنون على ما هو مؤسَّس لديكم"إذ القرآن معدِّلٌ ومكمِّلٌ في ال من الوالعقائد، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة وأُصولِ الشرائع السالفة. إلّا أنه مؤسِّس في التفرعات التي تتحول بتأثير تغيّر الزمان والمكان؛ فكما تتحول الأدويةُ والألبسةُ في الفصول الأربعة، وطرزُ التربية والتعلعلق بكطبقات عمر الشخص؛ كذلك تقتضي الحكمةُ والمصلحة تبدل الأحكام الفرعية في مراتبِ عمرِ نوعِ البشر. فكم من حُكمٍ فرعيٍّ كان مصلحةً في زمان،
— 56 —
ودواءً في وقتِ طفوليةِ النوع، لا يبقى مصلحةً في آخَرَ، ودواءً عند شبابية النوع. ولهذا السرّ نَولا أُقرآنُ بعض الفروع. أي بيّن انقضاءَ أوقات تلك الفروع ودخولَ وقت آخر.
وفي من قبْلِك لطائف:
اعلم أنه ما من كلمة في التنیزيل يأبى عنها مكانُها، أو لم يرضَ بها،جارتهمن غيرُها أولى به. بل ما من كلمة من التنیزيل إلا وهي كدُرٍّ مُرصَّعٍ مرصوص متماسك بروابط المناسبات؛ فإن شئتَ مثالًا تأمل في من قبْلِك كيف ترى اللطائف المتطايرة من جوانب هذه الآية تَوَضَّعتْ على هذه الكلمة الفذةُحِسُّإن من قبْلِك تشرّبتْ وتلوّنت -فتُرشِّح وتُرمز بخمس لطائف- المناسباتِ المنعكسة من المقاصد الخمسة المندمجة في مسألة النبوة المسوقةِ لها هذه الآيةَ.
أما المقاصد المندمجة فهي أن محمدًا عليه السلام ن أن الوأنه أكمل الأنبياء، وأنه خاتم الأنبياء، وأنه مُرسل لكافة الأقوام، وأن شريعتَه ناسخةٌ لجميع الشرائع، وجامعةٌ لمحاسنها.
أما وجه انعكاس المقصد الأولالروايك الكلمة، فهو أن من قبْلِك إنما يقال إذا اتّحد المسلك وكان الطريق واحدًا. فكأن هذه الكلمة تترشح بأن الحججَ على نبوة مَن قبله وصِدقِ كُتبهم، حُجةٌ بمر، ثم بتنقيح المناط [٭]: تنقيح المناط: اصطلاح أصولي في مباحث العلة: فتنقيح المناط: تهذيب العلة مما علق بها من الأوصاف التي لا مدخل لها في العلية. أما تحقيق المنا. ومن الاجتهاد في تحقيق العلة الثابتة بالنص أو بالإجماع أو بأي مسلك آخر، في واقعة غير التي ورد فيها النص. وتحقيق المناط بالقياس الأوْلَوِي على نبوة محمد عليه السلام ونزولِ كتابه. "سعيدميعَ معجزاتهم معجزةٌ فذّة على صدق محمد عليه السلام.
وأما وجه انعكاس المقصد الثاني، وهو الأكملية فيها، فهو أن من قبْلِك بناءً على ملاحظة عادةِ "أن السلطان يخرج في أُخريات الناس".. وعلى قاعدة التكمّل في نوع البشر تُها هية لأكملية المربِّي الثاني عن المربِّي الأول.. وعلى أغلبية مهارةِ وزيادةِ الخَلَف على السَّلَف، تلوّح بأن محمدًا عليه السلام سلطانُ الأنبياء، أكملُ من كلّهم. كما أن القرآنَ أجمعُ وأجملُ [٭]: وأشمل. (ش.) من كُتبهم.
— 57 —
وأما وجه تشرّبهاعلى رسمقصد الثالث وهو "الخاتمية" فهو أنَّ من قبْلِك بسر قاعدة: "إن الواحد إذا تكثَّر تسلْسَلَ لا يسكن، وإن الكثير إذا اتّحد استقرّ لا ينقطع"، وبإشمام المفهوم المخالف تُلمّح بأنه عليه السلام خاتم الأنبي.
و وأما وجه انصباغها من المقصد الرابع وهو "عموم الدعوة" فهو أن من قبْلِك المفيدةَ "أنك خَلَفُهم وكلٌّ منهم سلَفُك" بسر قاعدة: "إنَّ الخلف يأخذ تمامَ وظيفة السلف ويقوم مقامَه" تشير بأنه إذا كان كلٌّ منهم سلفَك فأيسمع تبُ الكل، ورسولُ جميع الأُمم.
نعم، لا يكون إلّا كذلك! إذ الفطرةُ حاكمة له، والحكمةُ قاضية به؛ لأنه كانت أُمم العالَم الإنساني قبل زمان السعادة في غاية التباعد والاختلاف مادةً ومعنًى، واستعبة إلىوتربيةً؛ ما كفَت لهم التربيةُ الواحدة وما شملت الدعوةُ المفردة. ثم لمّا انتبه العالمُ الإنساني بزمان السعادة بعده، وتمايلَ إلى الاتحاد بمداولة الأفكار، ومبادلةِ الطبائع،ملة جماطِ الأقوام، وتحرّى البعضُ عن حال البعض حتى تمخّض الزمانُ بكثرة طرق المخابرة والمناقلة؛ فصارت الكرةُ كمملكة، وهي كولاية، وهي كبلدة، واتصل الرحم بين أهل الدنيا؛ كَفَت الدعوة من هذحدة والنبوةُ الفريدة للكافة.
وأما وجه إشمامها بالمقصد الخامس فهو أنَّ
من قبْلِك
المومية من "مِن" إلى "إلى"، ومن "إلى" إلى الإغناء، [٭]: أي ن جاء ن" يفيد معنى الابتداء، والابتداء لابد له من انتهاء -أي "إلى"- والانتهاء يدل على عدم الحاجة أو الإغناء. (ت: ٥٦). أي "انتهت الرسالة بقدومك إذ أغْنَتْ شريعتُك"، ترمز بأن شريعتَه عليه السلام ناسخةٌ بالانتهاء وجامعةٌ بالة العظ
واعلم أن الأمارة لنظر البلاغة على تشرّب هذه الكلمة لهؤلاء اللطائف هي أن هذه المقاصد الخمسة كالأنهار الجارية تحت هذه الآيات، حتى يفووالصرف بكماله في آية.. وينبع ذاك بتمامه في أُخرى.. ويتجلى ذلك بشَرَاشيره [٭]: بشراشيره: بأجمعه. في آخرة. فأدنى ترشُّح على السطح يومي بتماسّ عروق ال، استوها. وأيضا تتسنبل هذه المعاني في آيات مسوقةٍ لها.
— 58 —
وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
اعلم أن مآل هذه الآية هو المقصدُ الرابع من المقاصد .
فة المشهورة وهو "مسألة الحشر".
ثم إنّا قد استفدنا من نظم القرآن عشرةَ براهين عليها، ذكرناها في كتاب آخر [٭]: هذه البراهين مذكورة في رسالة "لاسيما" ورسالة "نقطة من معرفة الراهةُ من المثنوى العربى النورى، ومفصّلة في الكلمة التاسعة والعشرين، وموضحة بنور تجليات الأسماء الحسنى في الكلمة العاشرة (الحشر). فناسبَ تلخيصُها هنا. وهي:
أنَّ الحشر حقٌّ؛ لأن في الكائنات نظامكنت مملَ قصديًّا..
وأنّ في الخلقة حكمةً تامة..
وأنْ لا عبثية في العالم..
وأنْ لا إسراف في الفطرة.. والمزكّي لهؤلاء الشواهد الاستقراء التام بجميع الفنون التي كيق، فيها شاهدُ صدق على نظامِ نوعِ موضوعِه..
وأيضا إن في كثير من الأنواع مثل اليوم والسنة وغيرهما قيامةً مكررةً نوعية..
وأيضا جوهرُ استعداد البشر يرمز إلى الحشر..
وأيضا عدمُ تناهي آمال البشر وميولِه يشير إليه..
حه:أنا رحمةُ الصانع الحكيم تلوّح به..
وأيضا لسانُ الرسول الصادق عليه السلام يصرّح به..
وأيضا بيانُ القرآن المعجِز في أمثال:
وَقَدْ خَلَقَكُمْ اَطْوَارًا
(نوح:١٤)
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِتين ال:٤٦) يشهد له. تلك عشرةٌ كاملةٌ، مفاتيحُ للسعادة الأبدية وأبوابٌ لتلك الجنة.
أما بيان البرهان الأول:فهو أنه لو لم تنجرَّ الكائناتُ إلى السعادة الأبديفة، فإ ذلك النظام الذي أتقن فيه صانعُه إتقانًا حَيَّرَ فيه العقولَ صورةً ضعيفةً خادعة، وجميعُ المعنويات
— 59 —
والروابط والنسب في النظام هباءً منثورًا. فليس نظامُ ذلك النظام إلّا اتصالَه بالسعادة، أي إن النكت والمعنويات في ذلك النظام إنمود أنفبل في عالم الآخرة. وإلّا لانطَفأ جميعُ المعنويات، وتقطّع مجموعُ الروابط، وتمزّقَ كل النسب، وتفتَتَ هذا النظام؛ مع أن القوة المندمجة في النظام تنادي بأعلى صوتها: أن ليس من شأنها الانقضاضُ والانحلالطرَد ووأما البرهان الثاني:فهو أن تمثالَ العناية الأزلية الذي هو الحكمةُ التامة، التي هي رعايةُ المصالح والحِكَم في كل نوع، بل في كل جزئي -ت هذه كلِّ الفنون- يبشّر بقدوم السعادة الأبدية. وإلّا لَزِم إنكار هذه الحِكم والفوائد التي أجبرتنا البداهةُ على الإقرار بها؛ إذ حينئذ تكون الفائدةُ لا فائدة.. والحكمةُ غير حكمةٍ.. والمصلحةُ ع وكذا حة. وإن هذا إلّا سفسطة.
وأما البرهان الثالث المفسّر للثاني:فهو أن الفن يشهد أيضًا أن الصانع اختار في كل شيء الطريقَ الأقصر، والجهةَ الأقرب، والصورةَ الأخف والأحسن. فيدلّ على أن لا عبثية. فيدلّ على أنه جدّيّ حقيقي. وما هو إلاللوصول السعادة الأبدية. وإلّا لتنیزل هذا الوجود منیزلةَ العدم الصرف. وتحول كلُّ شيء عبثًا محضًا.. سبحانك ماخلَقْتَ هذا عَبَثًا.
أما البرهان الرابع الموضِّح للثالث:فهو أن لا إسراف في الفطرة بشهادة الفنون. فإن تقاصر ذِهْنُك عن إدراك حِكَم العشرة
الأكبر وهو "العالم" فأمعِن النظر في العالم الأصغر وهو "الإنسان". فإن فن منافع الأعضاء قد شرح وأثبت أن في جسد الإنسان -تقريبًا- ستمائة عظم كلٌّ لمنفعة.. وستةَ آلاف عصب هي مجارٍ للدم كلٌّ لفائدة.. ومائةَ وأربعة وعشرين أ من قبامةٍ وكوّة للحجيرات التي تعمل في كلٍّ منها خمسُ قوى من الجاذبة والدافعة والممسكة والمصوّرة والمولّدة كلٌّ منها لمصلحة. وإذا كان العالَمُ الأصغر كذا فكيف يكون الإنسان الأكبر أنقصَ مل عن اذا كان الجسد الذي لا أهمية له بالنسبة إلى لبِّه بتلك الدرجة من عدم الإسراف، فكيف يُتصوَّر إهمالُ جوهر الروح؟ وإسرافُ كلِّ آثاره من المعنويات والآمال والأفكار؟ إذ لولا السعادةُ الأبدية لتثريا للُّ المعنويات وصارت إسرافًا. فباللّٰه عليك، أيُمكن في العقل أن يكون لك جوهرةٌ قيمتُها الدنيا، فتهتم بصدَفها وغلافها حتى لا تخلي
— 60 —
أن يصل الغبار إليه، ثم تأخذ الجنات بصفتكسّرها شذرًا مذرًا [٭]: شذرًا مذرًا: أي ذهبوا في كل وجه، فالمراد المبالغة في الكسر والتجزئة. (ش). والذي في المعاجم شذرَ مذرَ. وتمحو آثارَ رجال ا ثم كلا! ما تهتم بالغلاف إلّا لأجل ما فيه.. وأيضًا إذا أفهمتْك قوةُ البِنية في شخص وصحةُ أعضائه واستعداده استمرارَ بقائه وتَكمُّله؛ أفلا تُفهّمك الحقيقةُ الثابتة الجارية في روح الكائنات، والقوةُ الكاملة المومية بالاستمرارلقيود:انتظام، والكمالُ المنجرّ إلى التكمل في النظام مجيءَ السعادة الأبدية من باب الحشر الجسماني؟ إذ هي المخلّصةُ للانتظام عن الاختلال، والواسطةُ للتكمل وانكشاف تلك القوة المؤبّفي أعل
وأما البرهان الخامس والحدسُ المُرمِز إلى المقصد:فهو أن وجودَ نوعِ قياماتٍ مكرّرةٍ نوعيةٍ في كثير من الأنواع يشير إلى القيامة العظمى. وإن شئتَ تمثُّلَ الرمزِ في مثالٍ، فانظر في ساعتك الأُسبوعية، فكما أن فيها دوا: أي لختلفةً دوّارة متحركة محركة للإبر والأمْيالِ العادّةِ واحدةٌ منها للثواني، وهي مقدمة ومخبِرة لحركة إبرة الدقائق، وهي مُعدّة ومُعلِنة لحر إلى تل الساعات، وهي محصّلة ومُؤْذنة لحركة الإبرة التي تَعُدّ أيام الأُسبوع. فإتمام دورة السابقة يشير بأن أُختَها اللاحقة تتم دورَها؛ كذلك إن للّٰه تعالى ساعةً كبرى دواليبُها الأفلابَد. ثّ أميالُها الأيامَ والسنين وعمرَ البشر وبقاءَ الدنيا، نظير الثواني والدقائق والساعات والأيام في ساعتك. فمجيءُ الصبح بعد كل ليلة، والربيعِ بعد كل شتاء -بناء على حركة تلك الساعة- يشير إشارةً خفية ويرمز ستمدوادقيقًا بتولّد صبحِ ربيع الحشر من تلك الساعة الكبرى.
- إن قلت: القيامةُ النوعية لا تُحشَر الأشخاصُ بأعيانهم فكيف ترمز بالقيامة الكبرى لِعَوْد الأشخاص مآلَ أعيانهم؟
قيل لك: إنَّ شخصَ الإنسان كنوعِ غيره، إذ نورُ الفكر أعطَى لآمال البشر وروحه وُسْعةً وإنبساطًا بدرجة وسِعَت الأزمنةَ الثلاثة، لو ابتلع الماضيَ والمستقبل مع الحال لم تمتلئ آمالُه؛ لأن نور الفكر صيّر ماهواعلم ُلْوية، وقيمتَه عمومية، ونظرَه كليًا، وكمالَه غير محصور، ولذتَه دائمية، وألمَه مستمرًا. أما فردُ النوع الآخر فماهيتُه جزئية، وقيمتُه شخصية، ونظرُه محدود، وكمالُه محصور، ولذتُه آنيّة، وألمُه دفعيّ، فوجوكانت.
ِ قيامة في الأنواع، كيف لا يشير بالقيامة الشخصية العمومية للإنسان؟
— 61 —
وأما البرهان السادس الملوّح:فهو عدمُ تناهي استعدادات البشر؛ نعم، إن تصوراتِ البشر وأفكارَه التي لا تتناهى، المتولدةَ من آماله الغير المتناهية، احِجَارِ من ميوله الغيرِ المضبوطةِ، الناشئةِ من قابلياته الغير المحدودة، المستترةِ في استعداداته الغير المحصورة، المزروعةِ في جوهر روحه الذي كرّمه اللّٰه تعالى؛ كلٌّ منها يشير في ما وراءَ الحشر الجسماني بإصبع الشهادةِ إلما جمعادة الأبدية وتمد نظرَها إليه. فتأمل!
وأما البرهان السابع المبشر:فهو أن رحمةَ الرحمن الرحيم تبشّر بقدوم أعظم الرحمة، أعني السعادة الأبدية؛ إذ بها تصيرُ الرحمةُ رحمةً، والنعمةُ نعمةً. وبها تخلص الكائناتُ من النياحات المرتفعة من المأتلكريمَوميّ المتولد من الفراق الأبديّ المصيّر للنِعم نِقمًا. إذ لو لم يجئ روحُ النِعَم أعني السعادة الأبدية، لتحوّل جميعُ النعم نِقمًا؛ ولَلزم المكابرةُ في إنكار الرحمة الثابتة بشهادة عمومل: إن نات بالبداهة وبالضرورة..
فيا أيها الحبيب الشفيق(٭) العاشق! انظُر إلى ألطفِ آثار رحمة اللّٰه، أعني المحبةَ والشفقة والعشق؛ ثم راجعْ وجدانَك، لكن بعد فرض تعقّب الفراقِ الأبدي والهجران اللايزالي عليها، كيف ترى الوجدانَ يستغيث.. مظهرَلَ يصرخ.. والروحَ يضجر من انقلاب تلك المحبة والشفقة -اللتين هما أحسنُ وألطفُ أنواع الرحمة والنعمة- أعظمَ مصيبةٍ عليك وأشدَّ بلاءٍ فيك؟ أفيمكن في العقل أن تساعد تلك الرحمةُ لى هذاية لهجوم الفراق الأبدي والهجرانِ اللايزاليّ على المحبة والشفقة؟ لا! بل من شأن تلك الرحمة أن تسلِّط الفراقَ الأبدي على الهجران اللايزاليّ، والهجرانَ اللايزاليّ على الفراق الأبدي، والعد الشهاهما.
وأما البرهان الثامن المصرّح:فهو لسانُ محمد عليه السلام الصادق المصدوق، ولقد فتح كلامُه أبوابَ السعادة الأبدية، على أن إجماع الأنبياء من آدمهم إلى خاتمهم عليهم السلام على هذه الحقيقة حُجولون يقيةٌ قطعية على هذا المدّعَى. ولِأمرٍ مّا اتفقوا.
وأما البرهان التاسع:فهو إخبار القرآن المعجِز؛ إذ التنیزيلُ المصدَّق إعجازُه بسبعة أوجه [٭]: تفصيل هذه الأ؛ كذلك الكلمة الخامسة والعشرين (المعجزات القرآنية). في ثلاثةَ عشرَ عصرًا دعواه عينُ برهانها. [٭]: أي برهان الدعوى. (ب) فإخباره كشَّافٌ للحشر الجسماني ومفتاحٌ له.
— 62 —
وأما الالثالثالعاشر،المشتمل على ألوفٍ من البراهين التي تضمّنَها كثيرٌ من الآيات مثل
وَقَدْ خَلَقَكُمْ اَطْوَارًا
المشيرِ إلى "قياس تمثيلي"، و
ورحها شَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
المشيرِ إلى "دليل عَدْليّ"، وغيرهما، فلقد فتح القرآن في أكثر الآيات كُوّاتٍ [٭]: الكوة: الخرق في الحائط. ج: كواء وكوى وكوات. ناظرة إلى الحشر.
أما القياس التمثيلي المشار إليه بالآية الأُولى: فانظر في وجود امتكامل فإنه ينتقل من طَور إلى طور؛ من النطفة إلى العلَقة.. ومنها إلى المضغة.. ومنها إلى العظم واللحم.. ومنه إلى الخلق الجديد. ولكلٍّ من تلك الأطوار قوانينُ مخصوصة، ونظاماتٌ معيّنة، وحركاتٌ مطّردة يشفّ كلٌّ منها عن قصدٍ وإرادةٍ واختيارٍ.. ثم تأمل في
فإن هذا الوجود يجدّد لباسَه في كل سنة، ومن شأنه التحللُ والتركّب، أي انقضاضُ الحجيرات وتعميرُها ببدل ما يتحلل من المادة اللطيفة الموزّ>àNعلى نسبة مناسبة الأعضاء التي يُحضِرها صانعُها بقانون مخصوص. ثم تأمل في أطوار تلك المادةِ اللطيفة الَّما لأرزاق الأجزاء. كيف تنتشر في أقطار البدَن انتشارًا تحيّر فيه العقولُ. وكيف تنقسم بقانون التقسيم المعيّن على مقدار حاجات الأعضاء؛ بعد أن تلخّصت تلك المادةُ بنظام ثابت[٭]: ور معين، وحركة عجيبة من أربع مصفاتات، وانطبخت في أربعة مطابخ بعد أربعةِ انقلابات عجيبة؛ المأخوذةِ تلك المادة من القُوتِ المحصَّل من المواليد المنتشرة في عالم العناصر بدستورٍ منتظم؛ ونظام مخصوص، وقانون معيتكلم فٌّ من القوانين والنظامات في تلك الأطوار يشفّ عن سائقٍ وقصدٍ وحكمةٍ. كيف لا، ولو تأملتَ من قافلة تلك المادة اللطيفة في ذرةٍ مثلًا، مُستَّرةً في عنصر الهواء تصير بالآخرة جزءًا ملزمن. عين "الحبيب"، لعَلِمتَ أن تلك الذرةَ وهي في الهواء معيّنةٌ كأنها موظفةٌ مأمورة بالذهاب إلى مكانها الذي عُيّن لها؛ إذ لو نظرت إليها بنظرِ فنّيّ تيقنتَ أن ليست حركتالسماوتفاقية عمياء" "بتصادف أعمى"، بل تلك الذرةُ ما دخلت في مرتبةٍ إلَّا تبعَت نظاماتِها المخصوصة، وما تدرّجَتْ إلى طورٍ إلَّا عَمِلت بقوانينه المعيكيف أنما سافرت إلى طبقة إلَّا وهي تُساق بحركة عجيبة منتظمة، فتمرّ على تلك الأطوار حتى تصل إلى موضعها. مع أنها لا تنحرف قطعًا مقدار ذرة عن هدف مقصدها.
والحاصل:أن من تأمل في النشأة الأولى لم يبقَ له تردّدٌطيب ذكنشأة الأخرى، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "عَجبًا لمن يَرى النشأةَ الأُولَى كيفَ ينكر النشأة الأخرى". [٭]: القضاعي، مسند الشهاب ١/٣٤٧، رقم ٥٩٥؛ ابن الجوزي، صفوة الصفوة ٢/٩٥.
— 63 —
نعم، كما أن جمعَ نفراتِ عسكرِ فرقةٍ أُذِنَ لهم ب بسبب احة والانتشار إذا دُعوا بالآلة المعروفة -يتسللون عن كل طرَف ومكمَن، فيجتمعون متّحدين تحت لوائهم- يكون أسهلَ وأسهلَ من جلبهم أول الأمر إلى الانتصوريّ ت السلاح؛ كذلك إن جمعَ الذرات التي حصَلت بينها المؤانسةُ والمناسبة بالامتزاج في وجودٍ واحدٍ إذا نوديتْ بصُور إسرافيل فينساب الكلُّ من كل فجٍّ عميق مُلبِّيةً لأمر خالقها، يكون أسهلَ وأمكن في العقل من إنشائها وتركيبها أول المرة.
رُهما بالنسبة إلى القدرة فأعظمُ الأشياء كأصغرِها.
ثم الظاهر أن المُعاد يُعاد بأجزائه الأصلية والفضولية معًا. كما يشير إليه كبرُ أجسام أهل الحشر بسلسلتعن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "ضرس الكافر -أو ناب الكافر- مثل أُحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث". رواه مسلم (٤/٢١٨٩). وك أن قطقصّ الأظفار والأشعار ونحوها للجُنُب، وسُنِّیيَّةُ دفنِها. [٭]: "ادفنوا ماءكم وأشعاركم وأظفاركم، لا تلعب بها السحرة" مسند الفردوس ١/١٠٢. وانظر الفتح الكبير ٢/٣٧٥ وكنز العمال ١٧٢٤٥ وجمع الجوامع رقم ٨٨٥. والتحقيق أن عَجب الذَّنَب يكفي أن الولايذرًا ومادةً لتشكّله. [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "كل ابن آدم يأكله التراب إلّا عجب الذنب، منه خُلق ومنه يركّب". رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه. والعجب: أصل الذنب.
وأما الدليلناسبتهلوّح به:
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
: فاعلم أنّا كثيرًا ما نرى الظالمَ الفاجر الغدّار في غاية التنعّم، ويمرّ عمُره في غاية الطيب والراحة، ثم نرى المظلومَ الفقيتاج حيديّن الحَسَنَ الخُلقِ ينقضي عمرُه في غاية الزحمة [٭]: التعب والمشقة والضيق. والذلّةِ والمظلومية، ثم يجيء الموتُ فيساوي بينهما. وهذه المساعدل. ألا نهايةٍ تُرى ظُلمًا. والعدالةُ والحكمة الإلهيتان اللتان شهِدت عليهما الكائناتُ منیزّهتان عن الظلم؛ فلابد من مجمَعٍ آخر ليرى الأولُ جزإلى تضالثاني ثوابَه فيتجلى العدالةُ الإلهية.
وقِس على هاتين الآيتين نظائرهما. هذا..
أما وجهُ النظم في أجزاء
وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
فاعلم أن مناط النكت: "الواو"، ثم تقديمُ بِالآخِرَةِ ثم الألف واللام فيها، ثم التعبير بهذه أي اوان، ثم ذِكر هُمْ ، ثم ذِكر يُوقِنُونَ بدلَ "يؤمنون".
— 64 —
أما "الواو" ففيها التخصيص بعد التعميم، للتنصيص على هذا الركن من الإيمان، إذ هعل البالقطبين اللذين تدور عليهما الكتبُ السماوية.
وأما تقديمُ بِالآخِرَةِ ففيه حصرٌ، وفي الحصر تعريضٌ بأن أهلَ الكتاب بناءً على قولهم:
في البَّنا النارُ اِلّا أيّامًا مَعْدُودة
(البقرة:٨٠) ونفيِهم اللذائذ الجسمانية، آخرتُهم آخرةٌ مجازية اسمية، ما هي بحقيقة الآخرة.
وأما الأينها صلام فللعَهد، أي إشارةٌ إلى المعهود بالدوران على ألسنة كلِّ الكتب السماوية.. وفي العهد لمحٌ إلى أنها حقٌّ وإشارة إلى الحقيقة المعهودة الحاضرة بين أهداب العقول بسبب الدلائل الفطر يعجزوذكورة.. وفي العهد حينئذ رمزٌ إلى أنها حقيقة.. وأما التعبير بعنوان "الآخِرَةِ" الناعتة للنشأة فلتوجيه الذهن إلى النشأة الأولى، لينتقل إلى إمكان النشأاه الررى.
وأما هُمْ ففيه حصرٌ، وفي الحصر تعريض بأن إيمان من لم يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب ليس بيقين، بل إنما يظنونه يقينًا.
وأما ذكر يُوقِنُونَ بدل "يؤمنون" مع أن الإيمان هو التصديستُلِذاليقين، فليضع الإصبع على مناط الغرض قصدًا لإطارة الشكوكِ؛ إذ القيامةُ محشرُ الريوب.. وأيضا بالتنصيص ينسدّ طُرق التعلل بی"إنا مؤمنون فليؤمن مَن لم يؤمن".
* * *
— 65 —
اُولئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَّا قالْ وَاُولئِكَ هُم المُفْلِحُونَ ٥
اُولئِك عَلَى هُدًى مِنْ رَبٍّهِمْ
اعلم أن المظان التي تتلمّع فيها النُّكَتُ: هي نظمُها مع سابقها، ثم المحسوسيةُ في اُولئِك ، ثم البُعْدية فيها، ثم العلوّ في عتلك الثم التنكير في هُدًى ، ثم لفظ مِنْ ، ثم التربية في رَبٍّهِمْ
أما النظم، فاعلم أن هذه [٭]: أنَّ هذه الآية (ش.) مرتبطةٌ بسابقها بخطوطِ مناسبات. منها الاستأناف، أي [٭]: أي إنها جواب.لأبدية لثلاثة أسئلة مقدَّرة:
منها: السؤالُ عن المثال، كأن السامعَ بعدما سمِع أن القرآن من شأنه الهدايةُ لأشخاص من شأنهم -بسبب الهداية- الاتّصاف بأوصافٍ، أحبَّ أن يراهم وهم بالفعل تلبّسوا بتلك ا
السرو متكئين على أرائك الهداية. فأجاب مُريئًا للسامع بقوله:
اُولئِك عَلَى هُدًى مِنْ رَبٍّهِمْ
ومنها: السؤال عن العلّة، كأن السائل يقول: ما بالُ هؤلاء استح غموضًهداية واختصّوا بها؟ فأجاب: بأن هؤلاء الذين امتزجت واجتمعت فيهم تلك الأوصافُ -إن تأملتَ- لجديرون بنور الهداية.
-فإن قلت: التفصيلُ السابق أجلى للعلّةظير، وإجمال في اُولئِك؟
قيل لك: قد يكون الإجمال أوضحَ من التفصيل لاسيما إذا كان المطلوبُ متولدًا من المجموع؛ إذ بسبب جزئيةِ ذهن السامع، والتدرّجِ إن جزااء التفصيل، وتداخلِ النسيان بينها، وتجلِّي العلّةِ من مزج الأجزاء قد لا يُتفَطّن لتولد العلّةِ. فالإجمال في اُولئِك لأجل الامتزاج أجلى للعلّية.
— 66 —
ومنها: الأً فاحعن نتيجة الهداية وثمرتِها، والنعمةِ واللذة فيها؛ كأن السامع يقول: ما اللذةُ والنعمة؟ فأجاب بأن فيها سعادةَ الدارين. أي إنَّ نتيجة الهدايةِ نفسُا:أنّمرتَها عينُها، إذ هي بذاتها نعمةٌ عظمى ولذةٌ وجدانية، بل جنةُ الروح؛ كما أن الضلالةَ جهنمُها. ثم بعد ذلك تثمر الفلاحَ في الآخرة.
وأما المحسوسية في اُولئِك فإشارةٌ إلى أن ذكر الأوصاف الكثيرة سببٌ للتجسّم في الذهن، والحضوودف فيلعقل، والمحسوسيةِ للخيال. فمن العهد [٭]: حيث ذكرت أوصافهم فأصبحت معهودة. (ت: ٦٥). الذِكْريّ ينفتح بابٌ إلى العهد الخارجيّ، ومن العهد الخارجي ينتقل إلى امتيازهم، وينظر إلى تلأحاملةِي نوع البشر كأنه مَن رفعَ رأسَه وفتح عينيه لا يتراءى له إلَّا هؤلاء.
وأما البُعدية في اُولئِك مع قُربيتهم في الجملة، فللإشارة إلى تعالِي رتبتِهم؛ إذ الناظر إلى البُعَداء لا يرى إيدّعونطولَهم قامةً، مع أن حقيقة البُعد الزماني والمكاني أقضى لحقّ البلاغة؛ إذ هذه الآية كما أن عصرَ السعادة لسانٌ ذاكر لها وهي تَنیزل، كذلك كلٌّ من الأعصار الاستقبالية كأنه لسانٌ ذالمؤمنها، وهي شابةٌ طريةٌ كأنها إذ ذاك نزلَت لا أنها نزلت ثم حُكِيت. فأوائلُ الصفوف المشار إليهم بی اُولئِك يتراءَون من بُعْدٍ. ولأجل الرؤعن أقل بُعدهم يُعلَم عظمتُهم وعلوُّ رتبتهم.
وأما لفظ على فاعلم أن سرّ المناسبة بين الأشياء صيَّر أكثرَ الأمور كالمرايا التي تتراءى في أنفسها؛ هذه في تلك، وتلك في هذه. فكماقدّر لعةَ زجاجةٍ تريك صحراءَ واسعة؛ كذلك كثيرًا ما تذكِّرك كلمةٌ فذة خيالًا طويلًا، وتمثِّل نُصبَ عينيك هيئةُ كلمةٍ حكايةً عجيبةً. ويجول بذهنك كلامٌ فلألم ف المثال المثالي. كما أن لفظ "بارَزَ" يفتح لك معركة الحرب، ولفظ "ثمرة" في الآية يفتح لك باب الجنة، وقِس! فعلى هذا لفظُ على للذهن كالكُوَّة إلى ن ذلك ٍ تمثيلي، هو أنَّ هدايةَ القرآن بُراقٌ إلهيّ أهداه للمؤمنين ليَسلكوا-وهم عليه- في الطريق المستقيم سائرين إلى عرش الكمالات.
وأما التنكير في هُدًى فيشير إلى أنه غير هُدًى للمتقين إذ المنكَّر المكرّر غيبار ال
الأول في الأغلب؛ [٭]: حيث إن النكرة إذا كررت بصورة معرفة، فتلك المعرفة هي عين تلك النكرة، أما إذا ذكرت النكرة نكرة فلا تكون عين النكرة في الأغلب. (ت: ٦٧). فذاك مصدرٌ وهذا حاصلٌ بالمصدر.. وهو صفة محسوسة قارَّةمن وجو قارة: ثابتة. كثمرة الأول.
وأما لفظ مِنْ فيشير إلى أن الخلق والتوفيق في اهتدائهم -المكسوبِ لهم- من اللّٰه. [٭]: إذ الاهتداء، أي سلوك طريق الصواب، هو ضمن اختيارهم وداخل كسبهم، مع أن الهداية التي هي صفة ثابتة، فهي من اللّٰه تقه.. و(ت: ٦٧).
وأما لفظ الی"رب" فيشير إلى أن الهداية من شأن الربوبية؛ فكما يربّيهم بالرزق يغذّيهم بالهداية.
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
اعلم أن مظانّ تحري النُكت هي: عطفُ "الواو"، ثم تكرار اُولئِك ، ثم "ضمير الفصل"، ثمما لم واللام، ثم إطلاق "مفلحون" وعدمُ تعيين وجه الفلاح.
أما العطف فمبنيٌّ على المناسبة؛ إذ كما أن اُولئِك الأولَ إشارة إلى ثمرة الهداية من السعادة العاجلة؛ فهذا إشارةٌ إلى ثمرته
٤لسعادة الآجلة. ثم إنه مع أن كلًّا منهما ثمرةٌ لكلِّ ما مرَّ، إلّا أن الأولى أنّ اُولئِك الأول يرتبط عِرْقُه بی الذين الأولِ، الظاهر أنهم المؤمنون من الأميين، ويأخذ قوتَه من أركان الإسلامية، وينظر إلى ما قبل وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوق منه. و اُولئِك الثاني ينظر برمز خفي إلى الذين الثاني، الظاهر أنهم مؤمنو أهل الكتاب. ويكون مأخذُه أركان الإيمان واليقين بالآخرة. فتأمل!
وأما تكرار اُولئِك فإشارةٌ إلى استقلال كلٍّ من هاتين الثمرتين في يتين.
الغائية للهداية والسببية لتميّزهم ومدحِهم، إلّا أن الأولى أن يكون اُولئِك الثاني إشارةً إلى الأول مع حكمه كما تقول: ذلك عالمٌ وذلك مكرَّم.
َهُمْ ميرُ الفصل فمع أنه تأكيدُ الحصر الذي فيه تعريضٌ بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبيّ عليه السلام، فيه نكتةٌ لطيفة وهي: أن توسُّط هُم بين المبتدأ والخبر من شأنه أن
— 68 —
يحوّل المبتدأ للخبر اللّٰه موضوعًا لأحكام كثيرةٍ يُذكَر البعضُ ويُحال الباقيةُ على الخيال؛ لأن هُم ينَبِّه الخيال على عدم التحديد ويشوّقه على تحرّي الأحكام المناسبة. فكما أنك تضع "زيدًامن جانعيني السامع فتأخذ تغزل منه الأحكام قائلا: هو عالمٌ، هو عامل، هو كذا وكذا. ثم تقول قس! كذلك لما قال اُولئِك ثم جاء هُم هيّج الخيالَ لأن يجتني ويثني بواسطة الضمير أحكامًا مناسبة لصفاتتأثيرً: أولئك هم على هدى.. هم مفلحون.. هم فائزون من النار.. هم فائزون بالجنة.. هم ظافرون برؤية جمال اللّٰه تعالى...إلى آخره.
وأما الألف واللام فلتصوير الحقيقة. كأنه يقول: إن أحببتَ أن ترى حقيقةَ المفلحين، فانظر في مرآة اُولئِك لتمثّل لك.قمرَ ومييز ذواتهم، كأنه يقول: الذين سمعتَ أنهم من أهل الفلاح إن أردتَ أن تعرفهم فعليك بی اُولئِك فهم هم.. أو لظهور الحُكم وبداهته نظير "والدُه العبدُ" إذ كون والدِه عبدًا معلومٌ ظاهر..
وأما إطلاق "مفلحون" فللتعميم؛ إذ مخاطَب القرآن على طبعريفاتمطالِبُهم مختلفةٌ. فبعضُهم يطلب الفوزَ من النار.. وبعضٌ إنما يقصد الفوزَ بالجنة.. وبعضٌ إنما يتحرّى الرضاء الإلهي.. وبعضٌ ما يحبّ إلّا رؤيةَ جمالِه.. وهلمَّ جرًّا.. فأطلق هنا لتعمّ مائدةُ إحسانه فيجتني كلٌّ مشتهاه.
* * *
— 69 —
اِنًّ الّملكوتي كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَاَنْذَرْتَهُمْ اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لايُؤْمِنُونَ ٦
وجه النظم:%
اعلم أن للذات الأحديِّ في عالَم صفاته الأزلية تجلِّيَيْن جلاليٌّ وجماليّ. فبتجليهما في عاي قابلت الأفعال يتظاهر اللطفُ والقهرُ والحُسن والهيبة. ثم بالانعطاف في عالَم الأفعال يتولد التحليةُ والتخلية والتزيينُ والتنیزيه. ثم بالانطباع في العالم الأُ إلى تن عالم الآثار يتجلى اللطفُ جَنَّةً ونورًا، والقهرُ جهنمَ ونارًا. ثم بالانعكاس في عالم الذِكر ينقسم الذكرُ إلى الحمد والتسبيح. ثم بتمثّلهيقَ العالَم الكلام يتنوع الكلام إلى الأمر والنهي. ثم بالارتسام في عالم الإرشاد يقسمانه إلى الترغيب والترهيب والتبشير والإنذار. ثم بتجليهما على الوجدان يتولد الرجاءُ والخوف.. وهكذا. ثم إن من شأن الإرشاد إدامةَ الموازنة بين الرجانفذٌ إوف، ليدعوَ الرجاءُ إلى أن يسعى بصرف القوى، والخوفُ إلى أن لا يتجاوز بالاسترسال فلا ييأسَ من الرحمة فيقعد ملومًا، ولا يأمَنَ العذابَ فيتعسفَ ولا يباليَ. فلهذه الحكمة المتسلسلةِ ما رغّب القرآنُ إلّا وقد رهَّاغة نظا مدحَ الأبرارَ إلّا وقرَنَه بذمّ الفجار.
- إن قلت: فلِمَ لم يعطف هنا كما عطف في
اِنَّ الابْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٭ وَاِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
(الانفطار:١٣-١٤) ؟
قيل لك: إنَّ حُسن رين تسينظر إلى حُسن المناسبة، وحُسن المناسبة يختلف باختلاف الغرض المَسوق له الكلامُ. ولما اختلف الغرضُ هنا وهنالك، لم يُستحسن العطفُ هنا؛ إذ مدحُ المؤمالحركةجرّ ومقدمةٌ لمدح القرآن، ونتيجةٌ له، وسِيق له. وأما ذمُّ الكافرين فللترهيب لا يتصل بمدحِ القرآن.
ثم انظر إلى اللطائف المندمجة في نظم أجزاء هذه الآية:
فأولًا:استأنِس بی اِنًّ و الذين فإنهما أجْوَلُ وأسْيَميسور يصادفك في منازل التنیزيل. ولأمرٍ مّا أكثر القرآنُ من ذكرهما؛ إذ معهما من جوهر البلاغة نكتتان عامّتان غيرُ ما تختصّ كلَّ موقع.
— 70 —
أما اِنًّ فإن من شأنها أن تثقب السطح نافذةً إلى الحقيقة، وتوصل الحُكم إليها؛ كأنها عِرق الدعوى اتصلتظمُ ال. مثلًا: إنَّ هذا كذا.. أي الحُكمُ وهذه الدعوى ليست خيالية ولا مبتدعة ولا اعتبارية ولا مستحدَثة؛ بل هي من الحقائق الجارية الثابتة. وما يُقال من أن اِنًّ للتحقيق فعنوانٌ لهذه الحقيقة والخاصيّة. والنكتةُ الخصوصية هنا من ان اِنًّ الذي شأنُه ردُّ الشّك والإنكار مع عدمِهما في المخاطَب للإشارة إلى شدّة حرص النبي عليه السلام على إيمانهم.
وأما الذين فاعلم أن "الذي" من شأنه الإشارةُ إلى الحقيقة الجديدة التي أحسّ بها العقلُ قبل العين، وأخذت فْتَ فأعقاد ولم تشتدَّ، بل تتولد من امتزاج أشياءٍ وتَآخُذِ أسبابٍ مع نوع غَرابة. ولهذا ترى من بين وسائط الإشارة والتصوير في الانقلاب المجدِّد للحقائق لفظَ "الذي" أسْيَرَ على الألسنة وأكثرَ دورانًا. فلما أن تجلّى مؤسِّسُ الحقائق وهو القرآن، اضمحلم المتٌ ونُقِضت فصولُها وتشكلت أنواعٌ أُخر وتولدت حقائق أُخرى. أمَا ترى زمانَ الجاهلية كيف تشكلت الأنواعُ على الروابط الملّية وتولدت الحقائقُ الاجتماعيةى استللعصبيات القومية فلما أنْ جاء القرآنُ قطع تلك الروابط وخرَّب تلك الحقائق فأسس بدلًا عنها أنواعًا، فصولُها الروابط الدينية؟ فتأمل! فلما أشرق القرآنُ على نوع البشر تزاهر٩٤١)، ئه وأثمَر بنوره قلوبٌ، فتحصلت حقيقةٌ نورانية هي فصلُ نوع المؤمنين. ثم لخُبث بعض النفوس تعفّنت في مقابلة الضياء تلك النفوسُ فتولّدت حقيقةٌ سمّيّة هي خاصةُ نوعِ مَن كفر.. [٭]: فلأجل الإشارة إلى هذه الحقيقة الكفرية، ذكر "الذين". (ت: ٧ود الح وأيضًا بين الذين و الذين تناسب. [٭]: لأن كلًا منهما يدلان على حقيقة مضادة للأخرى. (ت: ٧٢).
اعلم أن الموصول كالألف واللام يُستعمل في خمسة معانٍ [٭]: وهي العهد الذهني، والعهد الخارجي، والجنس، والحقيقَر لهمتغراق الأفراد، واستغراق الصفات، أو الاستغراق الحقيقي، والاستغراق العرفي.(ب) أشهرُها العهدُ؛ فی الذين هنا إشارة إلى صناديد الكفر أمث ثم جهل وأبي لهب وأُمية بن خلف وقد ماتوا على الكفر. فعلى هذا في الآية إخبارٌ عن الغيب. وأمثال هذا لمعاتٌ يتولد منها نوعٌ من الإعجاز من الأنواع الأربعة للإعجاز المعنوي.
— 71 —
وأما لفظ كفروا فاعلمةٍ. مثكفر ظلمةٌ تحصل من إنكار شيءٍ مما عُلِمَ ضرورةً مجيء الرسول عليه السلام به.
- إن قلت: إنَّ القرآن من الضروريات وقد اختُلف في معانيه؟
قيل لك: إنَّ في كل كلام من القرآن ثلاث قضايا:
إحداها:"هذا كلامُ اللّٰه".
والثانية:"معناه المراد دائم إنكار كلٍّ من هاتين كفرٌ.
والثالثة:"معناه المراد هذا"؛ فإنْ كان مُحْكَمًا أو مفسّرًا فالإيمان به واجب بعد الاطلاع، والإنكار كفر. وإن كان ظاهرًا، أو نصًا يحتمل معنى آخر، فالإنكار بناءً على التأويل-دون التشهّي- ليس بكفر. [٭]: واختلاب كيفسرين ليس إلّا في هذا القسم. (ت: ٧٣).
ومثل الآية الحديثُ المتواتر؛ إلَّا أن في إنكار القضية الأولى من الحديث تأملًا. [٭]: أي ثبوت صحته وتواتره. (ت: ٧٣).
- إن قلت: ال. ولا هلٌ وفي التنیزيل:
يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ اَبْنَاءهُمْ
(البقرة:١٤٦) فما التوفيق؟
قيل لك: إنَّ الكفر قسمان:
جهليّ، يُنكِر لأنه لا يعلم. والثاني: جحوديٌّ تمرّديّ، يَعرِفُ لكنْ لا يَقبل، يتيقّن لك ومن هعتقد، يصدِّق لكن لا يذعن وجدانُه. فتأمل!
- إن قلت: هل في قلب الشيطان معرفة؟
قيل لك: لا، إذ بحكم صنعته الفطرية يشتغل قلبُه دائمًا بالإضلالِ، ويتصور عقلُه دالدين الكفرَ للتلقين فلا ينقطع هذا الشغلُ، ولا يزول ذلك التصوّر عن عقله حتى تتمكن فيه المعرفةُ.
- إن قلت: الكفر صفةُ القلب فكيف كان شدّ الزُنّار -وقد قيس عليه "الشَّوْقَة"- [٭]: القبعة. وقد بيّن الأستاذ رأيه في الشعاعبراطورس حول لبس القبعة حينما فرض على الناس. كفرًا؟
— 72 —
قيل لك: إنَّ الشريعة تعتبر بالأمارات على الأمور الخفية حتى أقامت الأسباب الظاهرية [٭]: التي هي ليست لحاصلة (ت: ٧٤). مقام العِلل. ففي شدِّ الزُنَّار المانع بعضُ نوعِه عن إتمام الركوع، وإلباس "الشَوْقَة" المانعة عن تمام السجود علامة الاستغناء عن العبودية، والتشبّه بالكَفرة المومِئ باستحسانِ مسلكِهم وملّيتهم. فما دامب منك قطَع بانتفاء الأمر الخفي يُحكَم بالأمر الظاهر.
- إن قلت: إذا لم يُجْدِ الإنذارُ فلِمَ التكليفُ؟
قيل لك: لإلزام الحُجةِ عليهم. [٭]: إذ يمكنهم أن يقولوا لم نبلّغ بالتكليف ولا علم لنا به، ويكون هذا مدار نجاتهم من الجزاء. (ن يُصد
- إن قلت: الإخبار عن تمرّدهم يستلزم امتناع إيمانهم فيكون التكليفُ بالمحال؟
قيل لك: إن الإخبارَ وكذا العلمُ والإرادةُ لا تتعلق بكُفرهم مستقلًا مقطوعًا عن السبب، بل إنما تتي لنفرهم باختيارهم. كما يأتيك تفصيلُه. ومن هنا يُقال: "الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار".
- إن قلت: إيمانُهم بعدم إيمانهم [٭]: كما في "لا يؤمنون" وأمثالها من الآيات. (ت:٧٤).
محالٌ عقليّ يشبه "الجذرَ الأصم.. لقدلاميّ"؟ [٭]: مغلطة الجذر الأصم هي هذه: قيل إنَّ اجتماع النقيضين واقع، لأنه لو قال قائل كل كلامي في هذه الساعة كاذب والحال أنه لم يقل في تلك الساعة غير هذا الكلام، فلا يخلو من أن يكون هذا الكلام، صادقًا أو كاذبًا. وعلى التقديرين يلزم ا تفعلوالنقيضين. أما إذا كان صادقًا فيلزم كذب كلامه في تلك الساعة، وهذا الكلام مما تكلم به في تلك الساعة ولم يتكلم بغيره؛ فيلزم كذب كلامه. والتقدير أنه صادق فيلزم اجتماع النقيضين وان كان كاذبًا يلزم أيضًا اجتماعك على ضين لأنه يلزم أن يكون بعض أفراد كلامه صادقًا في تلك الساعة لكن ما وجد عنه في تلك الساعة سوى هذا الكلام فيلزم صدقه، والمفروض كذبه فيلزم اجتماع النقيضين. وهذه المغلطة مشهورثيةٍ و جميع العلماء في حلّها. (ب.)
قيل لك: إنهم ليسوا مكلّفين بالتفصيل حتى يلزم المحالُ.
ثم في إيراد كفروا فعلًا ماضيًا، إشارةٌ إلى أنهم اختاروا بَ، ومبعد تبيُّن الحقِّ فلذا لا يُفيدُ الإنذار.
وأما سواءٌ فمجازٌ عن: "إنذارُك كعدم الإنذار في عدم الفائدة أو في صحة الوقوع" أي لا موجبَ للإنذار ولا لعدمِه.
وأما عليهم ففيه إيماءٌ إلى أنهم أخلدوا إلى الأرض فلا يرفعون رؤوسَهمفيها م73
يصغون إلى كلام آمرهم.. وفيه أيضا رمزٌ إلى أنه ليس سواءً عليك، لأنَّ لك الخيرَ في التبليغ؛ إذ مَا عَلَى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ (المائدة:٩٩).
وأما
ءَاَنْذَرْتَهُمْ اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ
فالهمزةُ و"أمْ" هنا في حُكم لهدى.حرفي"، تأكيد لی سواءٌ الأولِ. أو تأسيسٌ نظرًا إلى اقتسامهما المعنيين المذكورين للمساواة. [٭]: إذ المساواة تنشا إما من عدم الفائدة أو عدم وجود الموجب (ت: ص ٧٩).
الاستر قلت: فلِمَ عبّر عن المساواة بصورة الاستفهام؟
قيل لك: إذا أردت أن تنبّه المخاطَب على عدم الفائدة في فعل نفسه بوجهٍ لطيف مُقنع، لابد أن تستفهم ليتوجّه ذهنُه إلى فعله فينتنظروا إلى النتيجة فيطمئن.. ثم العلاقة بين الاستفهام والمساواة تضمنه لها؛ إذ السائل يتساوى في علمه الوجودُ والعدم.. وأيضًا كثيرًا ما يكون الجوابُ هذه المساواةَ ال%
أ
- إن قلت: لِمَ عبّر عن الإنذار في ءَاَنْذَرْتَهُمْ بصورة الماضي؟
قيل لك: لينادي "يا محمد قد جرَّبْتَ" فقِس!
- إن قلت: لِمَ ذكر اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ مع أن عدم فائدة عدم الإنذار ظاهر؟
قيل لك: لك بنس ينتج الإنذارُ إصرارًا، كذلك قد يُجدي السكوتُ إنصافَ المخاطب.
- إن قلت: لِمَ أنذر بالترهيب فقط مع أنه بشير نذير؟
قيل لك: إذ الترهيبُ هو المناسبُ للكفر، ولأن دفعَ المضارّ أولى من جَلب الملأسماءأشدُّ تأثيرًا، ولأن الترهيبَ هنا يهزّ عِطْفَ الخيالَ ويوقظُه لأن يتلقى ويجتني بعد قوله لايؤمنون "أبشّرتَهم أم لم تبشرهم".
ثم اعلم كما أن لكل حُكمٍ معنى حرفيًا ومقصدًا خفيًا؛ كذلك لهذا الكلامِ معانٍ طيارةٌ ومقصد سيق له، هو تخفيفُ الزحمة، وادة ال الشدة عن النبي عليه السلام، وتسليتُه بتأسّيه بالرسل السالفين. إذ خوطبَ أكثرُهم بمثل هذا الخطاب، حتى قال نوح بعده:
لا تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرينَ دَيَّارًا
(نوح:٢٦)..
— 74 —
ثم لأن آياتِ القرآن كالمرايا المتناظرة، وقصصَا العنياء كالهالة للقمر تنظر إلى حال النبي عليه السلام؛ كان كأن هذا الكلامَ يقول: هذا قانونٌ فطريٌّ إلهيّ يجب الانقياد له.
واعلم بعد هذا التحليل؛
أن مجموع هذه الآية إلى ولهم عذابٌ عظيم سيقت مشيرةً بعقودها إلى تقبيح الحلق وترذيله، والتنفيرِ منه والنهي الضمني عنه، وتذليلِ أهله، والتسجيل عليهم، والترهيب عنه، وتهديدهم.. مناديةً [٭]: بالنصب، عطف على قوله: مشيرةً. وكذا مصرم لمّاكلماتها بأن في الكفر مصائبَ عظيمةً، وفواتَ نِعَمٍ جسيمةٍ، وتولّدَ آلامٍ شديدة، وزوالَ لذائذَ عالية.. مصرّحةً بجُمَلها بأن الكفرَ أخبثُ الأريكي مأضرُّها.
إذ أشار بلفظ كفروا بدلَ "لم يؤمنوا" إلى أنهم بعدم الإيمان وقعوا في ظُلمة الكفر الذي هو مصيبةٌ تفسد جوهرَ الروح وأيضًا هو معدِن الآلام.
وبلفظ لايؤمنون بدلَ "لا يترلفظ "اكفر" إلى أنهم مع تلك الخسارة سقط من أيديهم الإيمان الذي هو منبعُ جميع السعادات.
وبلفظ ختم اللّٰه على قلوبهم إلى أن القلبَ والوجدان -الذي حياتُه وفرحُه وسروره وكمالاته بتجلي الحقائق الإلهية بنور الإيمان- بعدما كفروا صا نكون ناء المُوحِش الغير المعمور المشحون بالمضرات والحشرات، فأُقْفِلَ وأُمْهِرَ [٭]: أي ختم على بابه. والمُهر-بالضم- هو الختم الذي يطبع ويوقع به. والكلمة أعجمية استعملها تفننًا. وووقوعهالحسن مقام. (ش). على بابه ليُجتَنبَ، وتُرك مفوّضًا للعقارب والأفاعي.
وبلفظ وعلى سمعهم إلى فوات نعمةٍ عظيمة سمعية بسبب الكفر؛ إذ السمعُ من شأنه -إذا استجملةِ َ صِماخه نورُ الإيمان واستندَ إليه- الاحتساسُ بنداءِ كل العالم وفَهْمُ أذكارِها، وسَمْعُ صياح الكائنات وتفهُّمُ تسبيحاتِها.. حتى إن السمعَ ليَسمعُ من ترنّمات هبوب الريح، ومن نَعَرات رعدِ الغَيم، ومن نغَمات أمواج البحر، ومن ص هذه ادقدقةِ الحجَر، ومن هزَجات نزولِ المطر، ومن سجَعات غناءِ الطير كلامًا ربانيًا، ويفهَم تسبيحًا عُلويًا، كأن الكائناتِ موسيقيةٌ عظيمة له، تُهيّجُ في قلبه حُزنًا عل.
عِشقًا روحانيًا، فيحزَنُ بتذكّر الأحباب والأنيس، فيكون الحزنُ لذةً؛ لا بعدَم الأحباب فيكونَ غمًّا.. وإذا أظلمَ ذلك
— 75 —
السمعُ بالكفر صار أصمَّ من تلك الأصوات اللذيذة، ولا يسمع من الكائنات إلّا نياحات المأتم ونعيات الموت، فلا يُلقي فة" إلىب إلّا غمَّ اليُتمَة أي عدمِ الأحباب، ووحشةَ الغُربة أي عدمِ المالك والمتعهّد. فبناءً على هذا السر أحلّ الشرعُ بعضَ الأصوات وهو ما هيّج عشقًا علويًا وحُزنًا عاشقيًا، وحرّم بعضَها وهو ما أنتج اشتهاءً نفسيًا وحزنًا يُتميًا، وما لم يُرِكَ اها، وثفمَيِّزْه بتأثيره في روحك ووجدانك.
وبكلمة وَعلى ابصارهم غشاوة إلى زوال نعمةٍ جسيمة بسبب الكفر؛ إذ البصرُ من شأنه -إذا استضاء نورُه واتّصاف ور الإيمان الساكنِ خلفَ شُبيكتِه ممدًّا ومحرّكًا له- كان كلُّ الكائنات كجنة مزيَّنة بالزهر والحُور، ويصير نورُ العين نحلًا تطير عليها فتجتني من تلك الأزاهير عصارةَ العِبرة والفكرة والأُنسية والاستيناسمصيباتبّب والتهنئة، فتأخذ حَميلتَها فتتخذ في الوجدان شهدَ الكمالات.. وإذا أظلمَ -العياذ باللّٰه- ذلك البصرُ بالكفر طُمِسَ، وصارت الدنيا في نظره سجنًا، وتستّرت عنه الحقائق وتوحّشت عليه الكائناتُ وتُلقي إلى قلبه آلامًا تحيط بوجدانه من الها، ثمى القدم..
وبلفظ ولهم عذاب عظيم إلى ثمرةِ شجرة زقّوم الكفر في العالم الأخروي من عذاب جهنم ومن نَكالِ الغضَب الإلهي. هذا.
وأما لايؤمنون فتأكيدٌ لی سواءٌ ينص على جهة المساواة.
* * *
— 76 —
خَتَمَ اللّٰه عَلَى قُلُوبِهِمْ لاستبشى سَمْعِهِمْ وَعَلَى اَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ٧
مقدمة
اعلم أنه لزمنا أن نقف هنا حتى نستمع لما يتكلّم به المتكلمون؛ إذ تحت هذه الآيسانَ ا عظيمة بين أهل الاعتزال وأهل الجبر وأهل السنة والجماعة. ومثل هذه الحرب تستوقف النُظّار. فناسَبَ أن نذكر أساساتٍ لتستفيد منها:
إنَّ مذهب أهل السنة والجماعة هو الصراطُ المستقيم، وما عداه إما إفراطٌ أوشفقةُ . [٭]: في "الكلمة السادسة والعشرين" (رسالة القدر) تفصيل جميع الفقرات التالية.
منها: أنه قد تحقق: "أنْ لا مُؤَثِّرَ فِي الْكَوْنِ إِلّا اللّٰه" فإذن لا تفويض. [٭]: كما يقول أهل الاعتزال من أن العبد خالق لأفعاله. (ت: ٧٩).
ومنها: "أ الأنبٰه حكيم" فلا يكون الثوابُ والعقاب عبَثين، فحينئذ لا اضطرارَ. فكما أن التوحيدَ يدفع في صدر الاعتزال؛ كذلك التنیزيهُ يضرب على فمِ الجبر.
ومنها: أن لكل شيء جهتين: جهة مِلْكية هي قد تكون حسنةً وقد تكون قبيحةً تتشوقي إليها الأشكالُ كظهر المرآة. وجهةٌ مَلَكوتية تنظر إلى الخالق. وتلك شفافةٌ في كل شيء كوجهِ المرآة. فخَلقُ القبيح ليس قبيحًا؛ إذ الخَلق من جهة الملكوتية حَسنٌ، ولأن خلقَه لتكميل المحاسن فيحسُن بالغير. فلا تُصغِ إلىلسعادة الاعتزال!
ومنها: أن الحاصل بالمصدر [٭]: كالألم والموت الحاصلين بالضرب والقتل. (ت: ٧٩). أمرٌ قارٌ مخلوق جامد لا يُشتق منه الصفاتُ. [٭]
وتا يشتق من الجامد اسم الفاعل كما هو معلوم في علم الصرف. (ت: ٨٠). وأما المصدر فمكسوبٌ نسبيّ اعتباريّ يُشتق منه الصفات. فلا يكون خالقُ القتل قاتلًا.. فَذَرْ أهل الاعتزالِ في خوضهم يَلْعَبُون!
— 77 —
ومنها: أن الفعل الظاهريّ في الأغلب نتيجةٌ لأفعحافظ السلةٍ منتهيةٍ إلى ميَلان النفسِ الذي يسمّى بی"الجزء الاختياري". فتدور المنازعاتُ على هذا الأساس.
ومنها: أن الإرادة الكلية الإلهية ناظرةٌ بعادتمن قيوى إلى الإرادةِ الجزئية للعبد، فلا اضطرارَ.
ومنها: أن العلمَ تابعٌ للمعلوم، فلا يتبعُه المعلومُ حتى يدور. فلا يُتعلل في العمل بإحالة مقاييسه على القدَر.
ومنها: أن خلقَ الحاصل بالمصدر يةِ مع على كسب المصدرِ بجريان عادة اللّٰه تعالى باشتراطه به. والنواةُ في كسب المصدر والعُقدة الحياتية فيه هي الميَلان، فبحَلّه تنحلّ عُقدة المسألة.
ومنها: أن الترجُّحَ بلا مُرجِّح محالٌ دون الترجيحِ بلا مرجِّحٍ، فلا يُعلّلُ أفعالقرآنعالى بالأغراض؛ بل اختيارُه تعالى هو المرجِّح.
ومنها: أن الأمر الموجود لابد له من مؤثر وإلا لزَم الترجّح بلا مرجِّح وهو محال كما مرَّ. وأما الأمرُ الاعتباري [٭واحد والذي لا وجود له إلّا في عقل المعتبر مادام معتبرًا. (التعريفات). فتخصُّصُه بلا مخصّصٍّ لا يلزم منه المحالُ.
ومنها: أن الموجود يجبُ أن يجبَ ثم يوجَدَ. [٭]: أي لا يأتي إلى الوجود شيء عة إنسيكن وجوده واجبًا. فعند تعلق الإرادتين الجزئية والكلية في شيء يكون وجود الشيء واجبًا، فيوجد حالًا. (ت: ٨٠). وأما الأمر الاعتباري فالترجُّح بلا انتهاء إلى حدّ الوجوبِ كافٍ، فلا يلزمُ ممكنٌ بلا مؤثر.
م العب: أن العلم بوجود شيءٍ لا يستلزم العلمَ بماهيتِه، وعدمَ العلم بالماهية لا يستلزم العدمَ. فعدمُ التعبير عن كُنهِ الاختيار لا يُنافي قطعيةَ وجودِه.
وإذا تفطنتَ لهذه الأسا المطرستمع لما يُتلى عليك:
فنحن معاشرَ أهل السنة والجماعة نقول: يا أهل الاعتزال! إن العبد ليس خالقًا للحاصل بالمصدر كالحاصلِ من المصدر، [٭]: أي ليس خالقًا للأثر الحاصل بالمصدر، وهو الذي يطلق عليه الكسب. (ت: ٨١). بل هو مصدرُم إن ارِ فقط؛ [٭]: فليس بيد العبد إلّا الكسب. (ت: ٨١). إذ "لا مؤثر في الكون إلا اللّٰه"،
— 78 —
والتوحيد هكذا يقتضي. ثم نقول: يا أهل الجبر! ليس العبدُ مضطرًا بل له جزءٌ اختياري لأن اللّٰه حكيم. وهكذا يقتضي التنیزيه.
- فإن قلتم: كلّما من الح الجزءُ الاختياري بالتحليل لا يظهر منه إلا الجبرُ.
قيل لكم:
أولًا:إنَّ الوجدان والفطرة يشهدان أن بين الأمر الاختياري والاضطراري أمرًا خفيًا فارقًا، وجودُه قطعي. فلا علينا أن لا هو اِر عنه.
وثانيًا:نقول إن المَيَلان إن كان أمرًا موجودًا -كما عليه الأشاعرة- فالتصرّفُ فيه أمر اعتباري بيد العبد؛ [٭]: أي تحويل ذلك الميلان من فعل إلى آخر. (ت: ٨١). وإن كان المَيلان أمرًا اعتباريًا -كما عليه الماتريدية- فذلك الأمر وأيضًااري ثبوتُه وتخصصُه لا يستلزم العلةَ التامة الموجِبة [٭]: بحيث لا تبقى الحاجة إلى الإرادة الكلية. (ت: ٨١). والعلة التامة: هي جملة ما يتوقف عليه وجود الشيء. (التعريفات). فيجوز التخلّفلابات : إذ كثيرًا لا يقع الفعل بوقوع الميلان. (ت: ٨١).
فتأمل!
والحاصل:أنَّ الحاصل بالمصدر موقوفٌ عادة على [٭]: على عادة اللّٰه الجارية. (ت: ٨١). المصدر الذي أساسُه المَيَلانُ الذي هو -أو التصرف فيه- ليس موجودًا حتى يلزمَ [٭]: فيحتاائمًا مؤثر. (ت: ٨١). مِن تخصّصِه مرةً هذا ومرةً ذاك ممكنٌ بلا مؤثر، أو ترجّحٌ بلا مُرجّح.. ولا معدومًا أيضًا حتى لا يصلُح أن يكون شرطًا لخَلق الحاصل بالن لهذهو سببًا للثواب والعقاب.
- إن قلت: العلمُ الأزلي والإرادةُ الأزلية ينحيان على الاختيار بالقَلع؟ [٭]: أي يزيلان الاختيار ويقضيان عليه.
قيل لك: إنَّ العلم بفعلٍ باختيارٍ لا ينافي الاختيارَ.. [٭]: لأن المؤثكَما ألقدرة وليس العلم الذي هو تابع للمعلوم. (ت:٨٢).
وأيضًا إن العلمَ الأزلي محيطٌ كالسماء، [٭]: أي يحيط بالأسباب و المسببات معا. لا مبدأٌ للسلسلة، كرأسِ زمانِ الماضي حتى تسند إليه المسبّباتُ متغافلًا عن الأسباب موفُها صروجُها..
— 79 —
وأيضًا إن العلم تابعٌ للمعلوم، أي على أيّ كيفية يكون المعلومُ، كذلك يحيط به العلمُ، فلا يستند مقاييسُ المعلوم إلى أساساتِ القدَر..
وأيضًا إن الإرادةَ لا تتعلق بالمسبَّب فقط مرةً وبالسبب مرةً أخرى حتى لا تبقى فائدةر الديلاختيار والسبب؛ بل تتعلق تعلقًا واحدًا بالمسبَّب وبسَببه.
وعلى هذا السرّ لو قتل شخصٌ شخصًا بالبندقة مثلًا، ثم فرضنا عدمَ السبب والرمي هل يموت ذلك الشخص في ذلك الآن أم لا؟ فأهلُ الجبر يقولودُ نوعلم يُقتَل لمات أيضًا لتعدد التعلّق، والانقطاع بين السبب والمسبَّب.. وأهلُ الاعتزال يقولون: لم يمت، لجواز تخلّف المرادِ عن الإرادة عندهم.. وأما أهل السنة وا"تَرَك فيقولون: نتوقفُ ونسكتُ؛ إذ فرضُ عدم السبب يستلزم فرضَ عدم تعلّقِ الإرادة والعلمِ بالمسبَّب أيضًا، إذ التعلق واحد. فهذا الفرضُ المحال جازَ أن يستلزم محالًا. فتأمل!
* * *
مقدمة أخرى
اعلم أن الطبيعيين يقولون: إنَّ للأسباب ولم يا حقيقيًا.. والمجوس يقولون: إنَّ للشرّ خالقًا آخرَ.. والمعتزلة يدّعون: أن الحيوان خالقٌ لأفعاله الاختيارية. وأساسُ هذه الثلاثة مبنيٌ على وهمٍ باطلٍ، وخطأٍ محضٍ، وتجاوزٍ عن الحدِّ وقياسٍ مع الفارق، خدعَهم وشبطهك بكتبذهبوا ظنًا منهم إلى التنیزيه فوقعوا في شَرَك الشِرك. وإن شئت التفصيلَ فاستمع لمسائل تطرُد ذلك الوهمَ:
منها: أنه كما أن استماع الإنسان وتكلّمَه وملاحظتَه وتفكره جزئيةٌ تتعلق بشيءٍ فشيءٍ على سبيل التعاقُب؛ كذلك همتهم الميةٌ لا تشتغل بالأشياء إلَّا على سبيل التناوب.
ومنها: أن قيمةَ الإنسان بنسبة ماهيته.. وماهيتُه بدرجة همّته.. وهمتُه بمقدار أهمية المقصد الذي يشتغل به.
ومنها: أن الإنسان إللأعداءيء توجَّه يفنى فيه وينحبسُ عليه. ومن هذه النقطة ترى الناس -في عُرفهم- لا يُسندون شيئًا خسيسًا وأمرًا جزئيًا إلى شخص عظيم وذاتٍ عال؛ بل إلى
— 80 —
يد بعضل ظنًا منهم أن الاشتغالَ بالأمر الخسيس لا يناسب وقارَه، وهو لا يتنیزَّلُ له ولا يسعُ الأمرُ الحقير همّتَه العظيمة، [٭]: أي لا يليق بهمته العظيمة الانشغال بالأمرين مالر. (ت) ولا يوازَن الأمرُ الخفيفُ مع همّته العظيمة.
ومنها: أن من شأن الإنسان -إذا تفكّر في شيء لمحاكمةِ أحواله- أن يتحرّى مقاييسَه وروابطه وأساساتِه، أولًا في نفسه، ثم في أبناءِ جنسه.. وإن لم يجد ففي جوانبه من الممكنات. حتى إن واجبَ الوجون في ي لا يشبه الممكنات بوجهٍ من الوجوه إذا تفكّر فيه الإنسانُ تُلجِئُه القوةُ الواهمة لأن يجعل هذا الوهمَ السيء المذكورَ دستورًا، والقياسَ الخادعَ منظارًا له. مع أنّ الصانعَ جلّ جللختم اا يُنظر إليه من هذه النقطة؛ إذ لا انحصار لقدرتِه.
ومنها: أن قدرتَه وعلمَه وإرادتَه جلّ جلالُه كضياء الشمس - وللّٰه الْمَثَلُ الاعْلى - شاملتصل بن شيء، وعامةٌ لكلِّ أمر. فلا تقعُ في الانحصار ولا تجيءُ في الموازنة. فكما تتعلقُ بأعظم الأشياء كالعرش؛ تتعلق بأصغرِها كالجَوهر الفرد.. وكما خلَقَ الشمس والقمر؛ كذلك خلَق عينَي البرغوث والبعوضة.. وكما فسه ٨/ظامًا عاليًا في الكائنات؛ كذلك أوقعَ نظامًا دقيقًا في أمعاء الحيوانات الخُرْدَبِينِيَّة.. [٭]: أي المجهرية التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. وكما ربطَ الأجرامَ العلويةَ والنجومَ المعلَّقةَ بقانونِه المسمّى بال إمّا لعمومي؛ كذلك نظّم الجواهرَ الفَردةَ بنظير ذلك القانون كأنه مثالٌ مصغّر لها. إذ بتداخل العَجز تتفاوتُ مراتبُ القُدرة. فمَن امتنعَ عليه العجزُ تتساوى في قدرته الأشياءُ، إذ العجزُ ضدُّ القدرةِ الذاتية. فتأمل!
ومنها: أن أول ما ء بدرجبه القدرةُ ملكوتيةُ الأشياء وهي شفّافةٌ حسنةٌ في الكلِّ كما مرَّ. فكما أنه جلّ جلالُه جعل وجهَ الشمس مجلًى ووجهَ القمر مستضيئًا؛ كذلك صيَّر ملكوتيةَ الليل والغيمِ حسنما يسترةً.
ومنها: أن مقياسَ عظمته تعالى وميزانَ كمالاته وواسطةَ محاكمة أوصافه لا يسعُها ذهنُ البشر، ولا يمكن له إلّا بوجهٍ، [٭]: أي لا يمكن للإنسان أن يستوعب أوصافه الجليلة إلّا بما يتحصل له من مشاهدة مصنوعاته سبحانه وتعالى. بل نه أن و بما يتحصّل من جميع مصنوعاته.. وبما يتجلّى من مجموع آثاره.. وبما يتلخّص من كل أفعاله. نَعم، الذرةُ تكون مرآةً ولا تكون مقياسًا.
وإذا تفطنتَ لهذه المسائل فاعلم أن الواجب تعالى لا يُقاس على الممكنات، إذ الفرقُ من
— 81 —
اًا أكملى الثريا. ألا ترى أهلَ الطبيعة والاعتزال والمجوس -بناءً على تسلّط القوة الواهمة بهذا القياس على عقولهم- كيف التجَأوا إلى إسنادِ التأثير - إني إلى الأسباب، وخلقِ الأفعال للحيوان، وخلقِ الشر لغيره تعالى؟ يظنون ويتوهمون أن اللّٰه تعالى بعظمته وكبريائه وتنیزُّهه كيف يتنیزَّلُ لهذه الأمور الخسيسةِ والأشياءِ القبيحة؟ فسحقًا لهم! كيف صيَّمحاكماعقلَ أسيرًا لهذا الوهم الواهي هذا؟.. يا هذا! هذا الوهمُ قد يتسلط على المؤمن أيضا من جهة الوَسوسة فتجنَّب!
* * *
خَتَمَ اللّٰه عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى اَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَ الحيا عَذابٌ عَظِيمٌ
أما تحليل كلمات هذه الآية ونظمها:
فاعلم أن ربطَ ختم بی لايؤمنون وتعقيبَه به نظيرُ ترتّب العقابِ على العمل. كأنه يقول لمّا أفسدوا الجزءَ الاختياري ولم يؤمنوا، عوقبواَّرُون القلبِ وسَدِّه. ثم لفظ "الختم" يشير إلى استعارة مركبةٍ تومئُ إلى أسلوب تمثيلي يرمز إلى ضربِ مَثَلٍ يصوِّر ضلالَتهم؛ إذ المعنى فيه منعُ نفوذِ الحق إلى القلب. فالتعبيرُ بالختم يُصوِّر القلبَ بيتًا بناه اللّٰه تعالى ليكون خزينةَ الجواهوَعَلَبسوء الاختيار فَسدَ وتعفَّن وصار ما فيه سُمومًا فأُغلق وأُمهِرَ ليُجتَنب.
وأما اللّٰه فاعلم أن فيه التفاتًا من التكلم إلى الغَيبة. ومع نكتة الالتفاتِ ففي مناسبة لفظِ اللّٰه مع متعلِّق لايؤمنون الآيانية، أعني لفظَ "باللّٰه"، إشارةٌ إلى لطافةٍ، هي أنه لمّا جاء نورُ معرفةِ اللّٰه إليهم فلم يفتحوا بابَ قلبِهم له، تولّى عنه مُغضبًا وأغلق البابَ عليهم.
وأما على فاعلم أن فيه -بناءً علمُها قالختم متعدّيًا بنفسه- إشارةً إلى تضمين ختم "وَسَم"، كأنه يقول: جعل اللّٰه الختمَ وَسْمًا وعلامةً على القلب يتوسّمُه الملائكةُ.. وفي على أيضًا إيماءٌ إلى أن المسدودَ البابُ العلويِل ولمالقلب لا البابُ السفلي الناظرُ إلى الدنيا.
— 82 —
وأما قلوبهم قدَّمَه على السمع والبصر لأنه هو محلُّ الإيمان.. ولأن أولَ دلائل الصانالجليلى من مشاورة القلبِ مع نفسه، ومراجعةِ الوجدان إلى فطرته، لأنه إذا راجع نفسَه يُحِسُّ بعَجزٍ شديد يُلجئه إلى نقطةِ استنادٍ، ويرى احتياجًا شديدًا لتنمية آمالِه فيضطرّ إلى نقطةِ استمداد، ولا في الأَ ولا استمدادَ إلَّا بالإيمان..
ثم إن المرادَ بالقلب اللطيفةُ الربانيةُ التي مظهرُ حسيّاتِها الوجدانُ، ومَعكَس أفكارها الدماغُ، لا الجسمُ الصنوبريبَهم، ذًا في التعبير بالقلب رمزٌ إلى أن اللطيفةَ الربانيةَ لمعنويات الإنسان كالجسم الصنوبري لجسدِه. فكما أن ذلك الجسمَ ماكينةٌ حياتية تنشُر ماءَ الحياة لأقطض وتنسدن، وإذا انسدّ وسكَنَ جمَد الجسدُ؛ كذلك تلك اللطيفةُ تنشُر نورَ الحياة الحقيقية لأقطار الهيئة المجسَّمة من معنوياته وأحواله وآماله. وإذا زال نورُ الإيمان -العياذ باللّٰه- صارت ماهيتُه التي يصارع بها الكائنات كشَبَحٍ لا حراكَ به وأظلمَ عليه.ة أسلووأما وعلى سمعهم كرّر على للإشارة إلى استقلال كلٍّ بنوعٍ من الدلائل. فالقلبُ بالدلائل العقلية والوجدانية. والسمعُ بالدلائل النقليةِ والخارجية، وللرمز إلى أن ختمَ السمعِ ليس من جنس ختمِ القلب.. ثم إن في إفراد السمع معى جزئيجانبَيه إيجازًا ورموزًا إلى أن السمعَ مصدرٌ، لعدم الجَفن له.. وإلى أن المُسمِعَ فرد.. وأن المسموعَ للكلِّ فردٌ.. وأنه يُسمِعُ فردًا فردًا.. ولاشتراك الكلِّ كأن أسماعَهم بالاتصال صارت فردًا.. وكةٌ مح الجماعة وتشخّصها يُتَخيّل لها سمعُ فردٍ.. وإلى إغناء سمعِ الفرد عن استماع الكلِّ فحقُّ السمع في البلاغة الإفرادُ.. لكن القلوبَ والأبصارَ مختلفةٌ متعلقاتُهما، ومتباينةٌ طرقُهُما، ومتفاوتةٌ دلائلهُما، ومعلِّمُهما على أنواع، وملقّنُ جمعيةى أقسام. فلهذا توسّط المُفرَدُ بين الجَمعَين.
وعُقّب القلبُ بالسمع لأن السمعَ أبٌ لملَكاته، وأقربُ إليه، ونظيرُه في تساوي الجهات الست عنده.
اجًا ك وَعلى ابصارهم غشاوة فاعلم أن في تغيير الأسلوب باختيار الجملة الاسمية إشارةً إلى أن جِنانَ البصَر التي يُجتَنى منها دلائلُه ثابتةٌ دائمةٌ بخلاف حدائقِ السني في قلب؛ فإنها متجدّدةٌ..
وفي إسناد الختم إلى اللّٰه تعالى دون الغشاوةِ إشارة إلى أن الختمَ جزاءُ كسبِهم، والغشاوة مكسوبةٌ لهم، ورمزٌ إلى أن في مبدأ السمع والقلب اختيارًا، وفي مبدأ البصر اضطرار واليتحل الاختيار غشاوةُ التعامي. وفي عنوان الغشاوة إشارةٌ إلى أن للعين جهةً واحدةً. وتنكيرُها
— 83 —
للتنكير، أي التعامي حجابٌ غيرُ معروف حتى يُتَحفَّظ منه.. قدّم أن كثى ابصارهم ليوجّه العيونَ إلى عيونهم، إذ العين مرآةُ سرائر القلب.
وأما ولهم عذاب عظيم فاعلم أنه كما أشار بالكلمات السابقة إلى حنظلات تلك الشجرة الملعونة الكفرية فيّنة، وا؛ كذلك أشار بهذه إلى حنظلة جانبها الممتد إلى الآخرة وهي زقّومُ جهنّم..
ثم إن سجية الأسلوب تقتضي "وعليهم عقاب شديد". ففي إبدال على باللام و"العقاب" بالعذاب و"الشديد" باُه جزئ مع أن كلا منها يليق بالنعمة
رمزٌ إلى نوعِ تهكّم توبيخيّ تعريضيّ؛ كأنه ينعي بهم: ما منفعتُهم، ولا لذتُهم، ولا نعمتُهم العظيمة إلَّا العقابُ؛ نظير هذا عيَّةُ بَيْنِهمْ ضَرْبٌ وَجِيع". [٭]: وخيلٍ قد دَلَفتُ لها بِخَيلٍ تحيّةُ بَينِهم ضربٌ وَجيع. (البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي شاعر مخضرم ٧٥ ق -٢١هی /٥٤٧-٦٤٢م). و فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ اَلِيمٍ (آل عمران:٢١).
حِكَم لام لعاقبة العمل وفائدتِه. فكأنه يتلو عليهم: "خذوا أُجرة عملكم".
وفي لفظ الی"عذاب" رمزٌ خفي إلى أن يذكّرَهم استعذابَهم واستلذاذَهم ب، وتحبي في الدنيا فكأنه يقرأ عليهم "ذوقوا مرارةَ حلاوتكم".
وفي لفظ الی"عظيم" إشارةٌ خفية إلى تذكيرهم حالَ صاحبِ النعمة العظيمة في الجنة فكأنه يلقّنهم: انظروا إلى ما ضيَّعتم على أنفسكم من النعمير له يمة، وكيف وقعتُم في الألم الأليم.
ثم إن عظيم تأكيد لتنوين عذابٌ
- إن قلت: إنَّ معصية الكفر كانت في زمانٍ قليل والجزاءُ أبديٌّ غيرُ متناهٍ، فكيف ينطبٍ مع بالجزاءُ على العدالة الإلهية؟ وإنْ سُلِّم، فكيف يوافق الحكمةَ الأزلية؟ وإن سُلِّم، فكيف تساعده المرحمةُ الربانية؟
قيل لك: مع تسليم عدم تناهي الجزاءِ، إن الكفابتلاءمان متناهٍ جنايةٌ غيرُ متناهية بستِّ جهات:
منها: أن من مات على الكفر لو بقي أبدًا لكان كافرًا أبدًا لِفَساد جوهر روحِه، فهذا القلبُ الفاسد استعدَّ لجنايةكة مِيتناهية.
— 84 —
ومنها: أن الكفر وإن كان في زمانٍ متناهٍ لكنه جنايةٌ على غير المتناهي، وتكذيبٌ لغير المتناهي أعني عمومَ الكائنات التي تشهد على الوحدانية.
سيما يها: أن الكفر كفرانٌ لنِعَمٍ غير متناهية.
ومنها: أن الكفر جناية في مقابلة الغير المتناهي وهو الذاتُ والصفاتُ الإلهية.
ومنها: أن وجدان البشر -بسرّ حديثِ: "لَا يَسَعُني أرْضِي وَلا سَمائي"- [٭]: ال لعنهمما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن". قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية: وذكرُ جماعةٍ له من الصوفية لا يريدون حقيقة ظاهره من الاتحاد والحلول لأن كلًا منهما كفر، وصالحو الصوفية أعرف وإن اخباللّٰه وما يجب له وما يستحيل عليه، وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان باللّٰه ومحبته ومعرفته. اهی.
وانظر: أحمد بن حنبل، الزهد ص٨١؛ الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/١٥؛ الديلمي، المسند ٣/١٧٤؛ او مآل ، التذكرة في الأحاديث المشتهرة ص ١٣٥؛ السخاوي، المقاصد الحسنة ص ٩٩٠؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٢٥٥. وإن كان في الظاهر والمُلك محصورًا ومتناهيًا لكن جوابٌتَه بالحقيقة نشرت ومدّت عروقها إلى الأبد. فهو من هذه الجهة كغير المتناهي وبالكفر تلوّث واضمحلّ.
ومنها: أن الضدَّ وإن كان معانِدًا لضدِّه لكنه.. وأمٌ له في أكثر الأحكام. فكما أن الإيمان يُثمر اللذائذَ الأبدية، كذلك من شأن الكفر أن يتولد منه الآلامُ الأبدية.
فمَن مزَج هذه الجهات الست يستنتج أنّ الجزكانُهاير المتناهي إنما هو في مقابلة الجناية الغير المتناهية وما هو إلّا عينُ العدالة.
- إن قلت: طابقَ العدالة، [٭]: أي إن الجزاء الأبدي للكافر طاِّهِمْدالة. لكن أين الحكمةُ الغنيةُ عن وجود الشرور المنتجة للعذاب؟
قيل لك: -كما قد سمعتَ مرة أخرى- إنه لا يُترك الخيرُ الكثيرُ لتخلّل الشرِّ القليل، لأنه شرٌّ كثيرٌ. إذ لمّا زموا بالحكمةُ الإلهية تظاهُرَ ثبوتِ الحقائق النسبية -التي هي أزيدُ بدرجاتٍ من الحقائق الحقيقية- ولا يمكن هذا التظاهرُ إلا بوجود الشر؛ ولا يمكن توقيفُ الشرِّ على حدِّه ومنعُ طغيانه إلّا بالترهيب؛ ولا يمكن توأما الترهيب حقيقةً في الوجدان إلّا بتصديق الترهيب وتحقيقِه بوجود عذاب خارجي؛ إذ الوجدانُ لا يتأثر حق التأثر -كالعقل والوَهم- بالترهيب إلّا بعد أن يتحدّس بالحقيقة الخارجية الأبدية بتفاريق الأمارات.. فمِنربعة لالحكمة بعد التخويف من النار في الدنيا وجودُ النار في الآخرة.
— 85 —
- إن قلت: قد وافق الحكمةَ فما جهةُ المرحمة فيه؟
قلت: لا يُتصور في حقّهم إلّا العدمُ أو الوجودُ في العذاب،ة وحقوودُ -ولو في جهنم- مرحمةٌ وخيرٌ بالنسبة إلى العدم إنْ تأملتَ في وجدانك؛ إذ العدمُ شرٌّ محض، حتى إن العدمَ مرجعُ كلِّ المصائب والمعاصي إنْ تفكرتَ في تحليلها. وأما يمان وُ فخيرٌ محض فليكن في جهنم..
وكذا إن من شأن فطرةِ الروح -إذا عَلِم أن العذابَ جزاءٌ مزيلٌ لجنايته وعصيانه- أن يرضى به لتخفيف حمل خجالة الجناية، ويقولَ: "هو حقٌّ، وأنا مستحق". بل حبًا للعدالة قد يلتذُّ معنًى! وكم من التقيياموس في الدنيا يشتاق إلى إجراء الحدّ على نفسه ليزولَ عنه حجابُ خجالة الجناية. وكذا إن الدخول وإن كان إلى خلود دائم وجهنمُ بيتُهم أبدًا، لكن بعد مرور جزاء العمل دون الاستحقاق يحصل لهم نوع ألفةٍ وتطبّع مع تخفيفات كثيرة مكافأةً لأعمالهما وإنْية. أشارت إليها الأحاديث. فهذا مرحمةٌ لهم مع عدم لياقتهم.
— 86 —
وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ امَنَّا بِاللّٰه وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤمِنِينَ ٨
وجه النظم:أنه كما يُعطَف المفردُ على المفردِ للاشتراك في الحُكم، والجملةُ على ا الجزا للاتحاد في المقصِد؛ كذلك قد تُعطَف القصةُ على القصة للتناسب في الغَرَض. ومن الأخير عطفُ قصةِ المنافقين على الكافرين. أي عطفُ ملخّص اثنتي عشرة آقاف وا مآل آيتين؛ إذ لما افتتح التنیزيلُ بثناء ذلك الكتاب فاستتبع ثمراتِ ثنائه من مدح المؤمنين، فاستردف ذمَّ أضدادهم بسرّ "إنما تُعرف الأشياءُ بأضدادها"، ولِتَتم حكمةُ الإرشاد... ناسَبَ تعقيبُ المنافقين تكميلًا للأقسام.
- إن قلت: لِمَ أوجزَ فحيرةِ،لكافرين كفرًا محضًا بآيتين وأطنب في النفاق باثنتي عشرة آية؟
قيل لك: لنكاتٍ؛
منها: أنَّ العدُوّ إذا لم يُعْرَف كان أضرَّ. وإذا كان مُخَنّسًا [٭]: الخُنُوس: الانقباضُ والاستخفاء. (لسان العرب) كانتلويحً. وإذا كان كذابًا كان أشدَّ فسادًا. وإذا كان داخليًا كان أعظمَ ضررًا؛ إذ الداخليُّ يفتّت الصلابةَ ويشتِّت القوةَ بخلاف الخارجي فإنه يتسبب لتشدّد الصلابة العصبية. فأسفًا! إن جنايةَ النفاق على الإسل الدنيمةٌ جدًّا. وما هذه المُشَوَّشِيَّة [٭]: شوّش الأمر: خلطه، صيّره مضطربًا إلّا منه. ولهذا أكثَر القرآنُ من التشنيع عليهم.
ومنها: أن المنافق لاختلاطه بالمؤمنين يَستأنس شيئًا فشيئًا، ويألَف بالإيمان قليلًا قليلًمية إلتعدّ لأن يتنفّر عن حال نفسِه بسبب تقبيح أعماله وتشنيع حركاته؛ فتتقطرُ كلمةُ التوحيد من لسانه إلى قلبه.
ومنها: أن المنافق يزيد على الكفر جناياتٍ أُخَر كالاستهزاءِ والخداع والتدليس والحيلة والكذب والرياء.
سؤالُ ها: أن المنافق في الأغلب يكون من أهل الكتابِ ومن أهل الجَرْبَزَة الوهمية فيكون حَيّالًا دسّاسًا ذا ذكاء شيطانيّ، فالإطنابُ في حقّه أعرقُ في البلاغة.
— 87 —
أما تحليل كلمات هذه الآية، فاعلم أن مِن الناس اب الذقدَّم لی مَن على وجهٍ.
- إن قلت: كون المنافق إنسانًا بديهيٌّ...؟
قيل لك: إذا كان الحُكم بديهيًا يكون الغرضُ واحدًا من لوازمه، وهنا هو التّعجيب. كأنه يقول: كونُ المنافق الرذيل إنسانًا عجيبٌ؛ إذ الإنسان مكرّم، ليس موة الغ أن يتنیزّل إلى هذه الدَرَكة من الخِسّة.
- إن قلت: فَلِمَ قدَّم؟
قيل لك: من شأن إنشاء التعجّبِ الصدارةُ، وليتمركز النظرُ على صفة المبتدأ التي هي مناطُ الغرض وإلّا لانتظرَ ومرَّ إلى الخبر.
ثم إن عنوالانعكناس يترشح منه لطائف:
منها: أنه لم يفضَحهم بالتعيين، بل ستَرَهم تحت عنوان الناس إيماءً إلى أن سَترَهم وعدمَ كشف الحجاب عن وجوههم القبيحة أنسبُ بسياسة النبيّ عليه السلام؛ إذ لو فضَحمَ الثلتشخيص لتوَسوَس المؤمنون؛ إذ لا يُؤْمَن من دسائس النفس. والوسوسةُ تنجرُّ إلى الخوف، والخوفُ إلى الرياء، والرياء إلى النفاق.. ولأنه لو شنّعَهم بالتعيين لقيل: إن النبي عليه السلام متردّدٌ لا يثقُ بأتباعِه.. ول معجِزًا من الفساد لو بقيَ تحت الحجاب لانطفأ شيئًا فشيئًا واجتَهد صاحبُه في إخفائه ولو رُفع الحجاب -فبناءً على ما قيل "إِذا لمْ تسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ"- [٭]: هذا المثل أصله حديث نبلذي هوه البخاري عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "إن مما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت". لَيقولُ: فليكن ما كان، ويأخذ في النشر ولا يبالي.
ومنها: أن التعبير بی الثرى إيشير إلى أنه مع قطع النظر عن سائر الصفات المنافية للنفاق فأعَمُّ الصفات، -أعني "الإنسانية"- أيضًا منافيةٌ له؛ إذ الإنسانُ مكرَّم ليس من شأنه هذه الرَذالة.
ومنها: أنه رمزٌ إلى أن النفاق لا يارات ابطائفةٍ ولا طبقة، بل يوجد في نوع الإنسان أيةَ طائفةٍ كانت.
ومنها: أنه يُلَوِّح بأن النفاق يُخِلّ بحيثية كلِّ مَن كان إنسانًا فلابد أن يتحرك غضبُ
— 88 —
الكل عليه، ويتوجّه الكلُّ يبقَ حديده، لئلا ينتشر ذلك السُّمُّ؛ كما يُخِلُّ بناموس طائفةٍ ويهيِّج غضبَهم شناعةُ فرد منهم.
وأما مَن يقول آمنا
- فإن قلت: لِمَ أفردَ يقول وجمع آمنا مع أن المرجِع واحُّ الآقيل لك: فيه إشارة إلى لطافةٍ ظريفة هي: إظهارُ أن المتكلمَ مع الغير متكلمٌ وحدَه فی يقول: للتلفظ وحدَه و آمنا لأنه مع الغير في الحُكم.. ثم إن هذا حكايةٌ عن دعومضارعيي صورة الحكاية إشارةٌ إلى ردّ المَحكيّ بوجهين، كما أن في المَحكيّ إشارةً إلى قوته بجهتين؛ إذ يقول يرمز بمادَّته إلى أن قولَهم ليس عن اعتقادٍ وفعلٍ، بل يقولون:هي أههم ما ليس في قلوبهم.. وبصيغته يومئ إلى أن سببَ استمرار مُدافعَتهم وادعائهم مُراءاة الناس لا مُحرّك وجداني.. وفي الدعوى إيماءٌ منهم بصيغة الماضي إلى: "إنّا معاشرَ أهل الكتاب قد آمنا قبلُ فكيف لا نؤمن الآن".. وفي لفظ نَا رمزٌ الاهتإلى: "إنّا جماعة متحزّبون لسنا كفردٍ يَكذِب أو يُكذَّب".
وأما باللّٰه وباليوم الآخر فاعلم أن للتنیزيل أنْ يأخذ المَحكيَّ بعينه، أو يتصرفَ فيه بأخذ مآله، أو تلخيص عبارته:
فعلى الأولِ:ذكروا الأولَ والآخرَ من أركان الإيمان إحيث ال للقوي، ولِما هو أقربُ لأن يُقبَل منهم، وأشاروا إلى سلسلة الأركان بتكرار الباء مع القُرب.
وعلى الثاني:بأن يكون كلامَه تعالى؛ ففي ذكر القُطبين فقط إشارةٌ إلى أن أقوى ما يدَّعونه أيضًا من الحيمان؛ إذ ليس إيمانُهم بهما على وجههما. وكرّر الباء للتفاوت؛ إذ الإيمان باللّٰه إيمانٌ بوجوده ووَحدته، وباليوم الآخر بحقيّته ومجيئه كما مرّ.
وأما وما هم بمؤمنين
- فإن قلت: لِمَ لم يقل "ة، واسنوا" الأشبهِ بی آمنا؟
قيل لك: لئلا يُتوهمَ التناقضُ صورةً، [٭]: أي بين "آمنا" التي جاءت في الآية، وبين "وما آمنوا" المذكورة في السؤال. ولئلّا يَرجِع التكذيبُ إلى نفس
— 89 —
آمنا، الظاهر إنشائيتُه المانعةُ من التكذيب. بل لاءَ وَالنفيُ والتكذيبُ إلى الجملة الضمنية المستفادَة من آمنا، وهي "فنحن مؤمنون".. وأيضًا ليدلّ باسميّة الجملة على دوام نفي الإيمانِ عنهم.
- إن قلت: لِمَ لا يدل على نفي الدوام مع أن "ما" مقدَّم؟.
قيل لك: إنَّكبوت ع معنى الحرف الكثيف، والدوامَ معنى الهيئة الخفيفة، فالنفيُ أغمسُ وأقربُ إلى الحُكم.
- إن قلت: ما نكتةُ (٭): نكتة في غاية الدقة. (المؤلف) الباء على خبر "ما"؟
قيل ل حضيض دلّ على أنهم ليسوا ذواتًا أهلًا للإيمان وإن آمنوا صورةً، إذ فرقٌ بين "ما زيدٌ سخيًا" و"ما زيدٌ بسخي"؛ إذ الأول -لهوائية الذات- معناه: زيدٌ لا يسخو بالفعل وإن كان أهلًا ومن نوع الكرماء. وأما الثاني: فمعناه زيدٌ ليس بذاتٍ أن الللسماحة وليس من نوع الأسخياء وإن أحسنَ بالفعل.
* * *
— 90 —
يُخادِعُونَ اللّٰه وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ اِلَّا اَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٩ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّٰه مَرَضًا وَللكلية عَذَابٌ اَلِيمٌ بِمَا كانُوا يَكْذِبُونَ ١٠
اعلم أن وجهَ النظم:إشاراتُ جُمَلها: إلى التوبيخ على النفاق.. ثم تشنيعُه.. ثم تقبيحُهم.. ثم التهديدُ عليه.. ثم ترهيبُهم.. ثم التعجُّب منهم.. ثم بيانُ م مصيبةمن قولهم المذكور.. ثم بيانُ علّة قولهم.. ثم بيانُ أولِ الجنايات الأربع الناشئةِ من النفاق وهي الخداعُ، والإفساد، وتسفيهُ المؤمنين، والاستهزاءُ بهم.. ثم تمثيلُ جناياتِهم وحيَلهم بأسلوبِ استعارةٍ تمثيلية هكذا: بأن صوّر معاملتَهم مع أحكام كبيرةٰه تعالى ومع النبي عليه السلام والمؤمنين -بإظهارهِم الإيمانَ لأغراضٍ دنيوية مع تبطّن الكفر- ومعاملةَ اللّٰه والنبي والمؤمنين معهم -بإجراء أحكام المؤمنين عليهم استدراجًا، مع أنهم أخبثُ الكفَرة عند اللّٰه- بصورة خداعِ شخصين،احتياجصياد مع الصيد الذي يُحِسّ الصياد بالخروج عن القاصعاء ثم يفرّ من النافقاء. [٭]: كلاهما من جحرة اليربوع، يُظهر الأولى ويخفي الثانية. (ش)
أيّ في ُ جُمل الجناية الأولى من يُخادِعُونَ إلى بِمَا كانُوا يَكْذِبُونَ فانظر إلى ما تضمنت من النتائج المتسلسلة المترتبة في الجُمل السبع، وهي: تحميقُهم بطلب المُحال.. ثم تسفيهُهم بإضرار أنفسهم بنيّة المنفكفر وشم تجهيلُهم بعدم التمييز بين الضرّ والنفع.. ثم ترذيلُهم بخبث الطينة ومرضِ معدن الصحة وموتِ منبع الحياة.. ثم تذليلُهم بتزييد المرض في طلب الشفاء.. ثم تهديدُهماحمتها محض يولّد ألمًا صرفًا.. ثم تشهيرُهم بين الناس بأقبح العلامات، أعني الكذب.
وأما اتّساقُ وانتظام تلك الجمل السبع وانصباب الحُكم فيما بينها فهو أنك كما إذا أردتَ زجْرَ واحد عن شيءٍ ونُصحَه، تقول له أولًا: يا هذا! إنْستاذ اك عقلٌ فهذا محال.. ثم إن كنت تحب نفسَك فهذا يضرّها.. ثم إن كان لك حسٌّ فلِمَ لا تميّز بين الضر والنفع؟. ثم إن لم يكن لك اختيارٌ فلا أقل من أن تعرف فسادَ سجيتك، وفيها مرضٌ يحرِّف الحقيقة، ويريك الحُلوَ مُرًا.. ثم إن تطلب الشفاء فهذا يزبادة.
َك ولا يشفي، مثلُك كمثل مَن ابتُلى بداء السهَر فاجتهد في النوم فانتج له قلقا طيّر نعاسَه أيضًا، أو كمن أُصيب قلبُه بداء "المَرَق" [٭]: المرق: كلمة أعجمية تعنى الاهتمام واللهفة والأمل وحب ارة إلى
— 91 —
فاغتمّ لوجود المصيبة حتى صيَّر المصيبة مصيبتين.. ثم إن تتحرَّ اللذةَ فهذا فيه ألمٌ شديد ينتج ألمًا أشدَّ، ليس كأمثاله التي فيها لذةٌ مزخرفة.. ثم إنْ لم تنتبه ولم تنیزجر لا يبقى إلّا أن يُوسمَ عله فإنمِك بوَسمٍ قبيح، وتُعلَن بين الناس لِمنع سرايةِ فسادِك إلى الناس.
كذلك إن اللّٰه تعالى قال لزجر المنافقين: يُخادِعُونَ اللّٰه بدل "يخادعون النبيّ" لتحميقهم، أي كيف يخادعون النبيّ عليه السلام والنبيُّ ملزكام. عن اللّٰه تعالى، فحيلتُهم راجعة إلى اللّٰه، والاحتيال مع اللّٰه تعالى محالٌ، وطلبُ المحال حُمقٌ. ومِثل هذا الحُمق مما يُتعجَّب منه.
ثم أتبعه وما يخدعون الا أنفسهم لتسفيههم، أي ليس فيّ حاجا نفعٌ بل فيه ضرر، وضررُه يعود على أنفسكم، فكأنكم تخادعون أنفسكم.. ثم عقّبه وما يشعرون لتجهيلهم أي أيّها الجهلاء! قد صرتم أضلَّ من الحيوان، كالأحجار الجامدة لا تحسّون بالفرق بين الضر والنفماوات.ثم أردفه في قلوبهم مرض لترذيلهم بانفساد الجوهر، أي إنْ لم يكن لكم اختيارٌ فلا أقلَّ من أن تعرفوا المرض مرضًا، وأن سجيتكم فسدَت. وأن النفاق والحسد مرضٌ في الروح، من شأنه تحريفُ الحقيقة وتغييرُها حتى تظنون الحلو مرًا والمرَّ حلوًا والسوداء ة بجماما في نسخة (ب). بيضاء والأبيض أسودَ فلا تتبعوه.
ثم زاد فزادهم اللّٰه مرضًا لتذليلهم، أي إن كنتم تطلبون بهذا الدواءَ والتشفّيَ من غيظكم وحسَدكم فهذا داءٌ لا يزيدُكم إلَّا مرضًا على مرض. فأنتم كمَن كَسرَ أحدٌ يدَه فأراد ا أنفسهم فضرَبَه بتلك اليد المكسورة فازداد كسرًا على كسرٍ.
ثم قال: ولهم عذاب اليم لتهديدهم، أي إن تتحرَّوا اللذةَ فما نفاقُكم هذا إلَّا فيه ألمٌ شديد عاجل يُنتج ألمًا أشدَّ آجلًا، ليس كسائر المعاصي التي فيها نوعٌ من اللذة السفلية العاجلة.
عليهماأتمَّه بقول: بما كانوا يكذبون لِتَوسيمهم بأشنع الوَسْم، أي إن لم تنتبهوا ولم تنتهوا لم يبقَ إلّا أن تُشَهَّروا بين الناس بالكذب المانع للاعتماد لئلّا يتعدى مرضُكم.
أما وجهُ النظم بين أجزاء كلِّ جملة:د وتُص ففي الأولى:أعني جملة يُخادِعُونَ اللّٰه وَالَّذِينَ آمَنُوا هو أنَّ في التعبير عن عملهم بالخداع مع المُضارِعيّة، لاسيما من باب المشاركة، خصوصًا مع إقامة لفظة اللّٰه مقام النمنشأ نقامة الَّذِينَ آمَنُوا مقام "المؤمنين" تنصيصًا وتصريحًا بمُحاليّة غرضهم من حيلتِهم، وجعل المُحالية نصبَ العين بصورة تتنفّر عنها النفوسُ وترتعدُ، إذ فيما في الخداع من الاستعارة التمثيلية ما يوقظ النفرةَ.. وفيما في الغرابةٍة من التصوير مع الاستمرار ما يَشْمَئِزُّ منه القلب.. وفيما في المشاركة من المشاكلة نظِير: وجَزَاؤا سيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (الشورى:٤٠) ما ينتج عدم إناكرٌ للتهم؛ إذ في باب المشاركة فعلُ الفاعل سببٌ لفعل المفعول، وهنا فعلُ المفعول صار سببًا لعُقم خداع الفاعل وعدمِ تأثيره، بل جُعل الخداعُ صورةً واهية كانعكاس المقصد؛ فيما إذا استَهزيتَ بأحدٍ لجهلِه، مع أنه مستبطنٌ علمًا ومستَخفٍ ن لا يءً بك.. وفيما في التصريح بلفظة اللّٰه من التنصيص على مُحالية الغرض -إذ خداع النبي عليه السلام ينجر إليه تعالى- ما يشبط العقلَ عن الحيلةِ.. وما في الَّذِ[٭]: عَنُوا من جعل الصلة مدارًا، إشارة إلى أن المنافقين يتحببون إليهم بصفة الإيمان ويهيِّجون عِرق إيمانهم للتحبب والتداخل فيهم.. وفيه إيماء أيضًا إلى أن جماعة حق ويصين المنوَّرين عقولُهم بنور الإيمان لا تتستر عنهم الحيلةُ فينتج أيضًا عُقمَ حيلتهم..
وفي الثانية:أعني جملة وما يخدعون الا أنفسهم هو أنَّ في هذ النقير إشارةً إلى كمال سفاهتهم بعكس العمل في معاملتهم كمَن رمى حجرًا إلى جدار فانثنى لكسرِ رأسه؛ إذ رشوا النبالَ لضرر المؤمنين فأُصيبَت أنفسيد مرضكأنهم يخادعون بالذات ذواتِهم..
وفي تبديل "يضرون" بی يخدعون إشارة إلى نهاية سفاهتهم، إذ يوجد في أهل العقل مَن يضرّ نفسه قصدًا ولا يوجد من يخادع نفسه عمدًا إلَّا أن يكون حمارًا في صورة إنسان.
وفي عنوان أنفسهم رمزٌ خفي إلى أنن أصابهم وحيلتهم لمّا كان لحظٍّ نفسانيّ وغرض نفسيّ أنتج نقيض مطلوبهم لنفسهم.
- إن قلت: هذا الحصر يومئ إلى أن خداعهم ما ضرّ الإسلام والمسلميذه الآأن الإسلام ما رأى من شيءٍ ضررًا مثل ما رأى من أنواع النفاق وشُعُباته المنتشرة كالسُّم في عناصر العالم الإسلاميّ؟
— 92 —
في سلك النِعَم؟
قيل لك:
أما أوّلًا:فلأنه مقدمةٌ للسعادة الأبدية، ولمقدمة الشيء حُكمُ الشيء حُسنًا وقبحًا؛ إذ ما يتوقف عليه الواجب واجبٌ، وما ينجرّ إَته الرام حرام.
وثانيًا:فلأن الموت عند أهل التحقيق من المتصوِّفين نجاةٌ للشخص بخروجه عن نظير المَحْبس المشحون بالحيوانات المضرّة إلى صحراءَ واسعةٍ.
وثالثًا:فلأنه باعتبار نوع البشر نعمة عظمى؛ إذ لولاها لوقع النام عظيسفالات مدهشة.
ورابعًا:فلأنه باعتبار بعض الأشخاص نعمة مطلوبة؛ إذ بسبب العجز والضعف لا يتحمل تكاليفَ الحياة وضغطَ البليات وعدمَ شفقة العناصر. فالموت بابُ فوزِه.
المسألة الرابعة:في ثم يحييكم اعلم أن بلأَ قلآيةِ اَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَاَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ (غافر:١١) وكذا برمز تعقيب هذه بی
ثم إليه ترجعون مع النظر إلى إيجاز القرآن، إيماءً إلى حياة القبر كما تدل على حياة الحشر أما ب
- فإن قلت: إذا أُحرق إنسانٌ وأُعطي رمادُه للهواء كيف يتصور فيه الحياة القبرية؟
قيل لك: إنَّ البنية ليست شرطا للحياة عند أهل السنة والجماعة، فيمكن تعلق الروح ببعض الذرات.
- فإن قلت: كيف يُتصور سان بسالقبر مع أنه لو وُضعت بيضةٌ على صدر جنازة بأيام، لا يحس فيها أدنى حركة فكيف الحياة والعذاب؟
قيل لك: إنَّ العالم المثاليّ قد بُرهن عليه في موقعه، حتى إن وجوده قطعي عند المحققين الإلهيين. وخاصةُ ذلك العامن آثايلُ المعاني أجسامًا والأعراضِ جواهرَ والمتغيراتِ ثابتةً. والعيون الناظرة من عالم الشهادة إليه، الرؤيا الصادقة،ُ والكشفُ الصادق، والأجسامُ الشفامثيل انها تلوِّح بوجوده. ثم إن عالم البرزخ أثبتُ حقيقةً من عالم المثال الذي هو تمثاله. وظِل هذا العالم عالمُ الرؤيا، وظل هذا عالمُ الخيال، ونظير هذا الأجسامُ الشفافة كالمرآة. فإذ تفهّمتَ هشهيرة نظر في عالم الرؤيا وتأمل في شخص نامَ عندك وهو ساكن وساكت، مع أنه في عالمه يقاتل ويضارب فيصير مجروحًا، أو تلدغه الحيةُ فيتألم، ولو أمكن لك أن تدخل في رؤياه وتقول له: "يا هذا! لا تعجز ولا تغضب فإن هذا ليس حقيقة"ل كلٌَّ له ألف يمين لَمَا يصدّقك. ويقولُ لك: "هذا ألمي يوجعني وهذا جرحي! أمَا ترى هذا وبيده السيف، وأمَا ترى الحية تهجم عليّ"؛ إذ تجسّم معنًى وجعُ الكتف أو نزلة الرأس
[٭]: مرض ادُّرِّ
في صورة سيف جارح، إذ النتيجة واحدة. أو تصوَّر معنى الخيانة الموجعة لقلبه في لباس الحية؛ إذ الألمُ واحد. فيا هذا! إذ ترى ذاك في ظِل عالَم المثال أفلا تصدّقهجعل اللم البرزخ الذي هو أثبتُ حقيقةً بدرجاتٍ وأبعدُ منا؟
أمّا يحييكم بالنظر إلى الحياة الأخروية، فاعلم أن تلك الحياة نتيجة لكل العالم. ولولاها لم تكن الحقيقةُ ثابتة ولانقلبت الحقائقُ -كالنعمة- نقمة الأرض! ولقد لخصنا دلائلها في تفسيرِ وبالآخرة هم يوقنون
المسألة الخامسة:في ثم إليه ترجعون آخرِ العُقد من تلك السلسلة.
— 93 —
قيل لك: وما تراه من الضرر المتعدي والسمّ الساري إنما هو من طبيعتهل من قفسدة وفطرتِهم المتفسخة ووجدانِهم المتعفن نظيرَ سرايةِ المرض؛ وليس نتيجةَ حيلتهم وخداعهم باختيارهم إذ يريدون خداع اللّٰه والنبيّ وجماعة المؤمنين، واللّٰه عالمٌ بكل شيء والنبي عليه السلام يوحى إلطابِ: ماعة المؤمنين لا تستطيع الحيلةُ أن تتستر عنهم مدة مديدة فهم لا ينخدعون. فثبت أنهم لا يخدعون إلّا أنفسهم فقط.
وفي الثالثة:أعني جملة وما يشعرون أيعيّ" أسون، هو أن في هذه الفذلكة تجهيلا أيَّ تجهيل لهم، لأنها تُشعر بأنهم إن كانوا عقلاء فهذا ليس من شأن العقل، وإن كانوا حيوانات يتحركون بمَيل نفسانيّ فشأنهم أن يحسوا ويشعروا بمثل هذا الضرر المحسوس. فثبت أنهم صاروا مثل جمادات لا اختيار لها.
أين يج الرابعة:أعني جملة في قلوبهم مرض هو أنَّ سَوقها يفيد أنهم لمّا لَم يعملوا بمقتضى المحاكمة العقلية والشعورِ الحسيّ ظهر أن في روحهم مرضًا فلا أقلَّ من أن يعرفئل ويق مرضٌ ليجتنبوا عن القضايا ولا يحكموا عليها؛ إذ من شأن المرض تغييرُ الحقيقةِ وتشويهُ المزيّن وتحليةُ المُرِّ كما مر..
وفي لفظ في رمز إلى أن حسدَهم وحقدهم مرض في ملكوت القلب وهي اللطيفةُ التي مرّ ذكرها..
وفي عنوان "القلب" إشارة إلىعلم أنما أن جسمَ القلب إذا مرض اختلَّ جميعُ أفعال البدن؛ كذلك إذا مرض معنى القلب بالخداع والنفاق انحرف كلُّ أفعالِ الروح عن منهج الاستقامة إذ هو منبع الحياة ومَاكِنَتُها..
وفي تقديم في قلوبهم على مَرَضٌ إيماءٌ إلى الحصر بجهتين، ومن الإيممثَّلارةٌ بطريق التعريض إلى أن الإيمان نور، شأنه أن يعطي لجميع أفعال الإنسان وآثاره صحةً واستقامةً.. وأيضًا في إيماء الحصر رمز إلى أن الفساد الى، أساس فلا يجدي تعميرُ الفروعات.
وفي لفظ "المرض" رمز إلى قطع عذرهم وإلقامهم الحجر بأنّ الفطرةَ مهيأةٌ للحقيقة. وما الفساد والخراب إلّا مرض عارض..
— 94 —
وفي تنوين التنكير إشارة إلى أنه في مكمن عميق لا يُرى حتى يُداوى.
وفي الخامالإشارني جملة فزادهم اللّٰه مرضًا هو أنهم حينما لم يعرفوا أنه مرض حتى يتجنبوا منه بل طلبوه مستحسنين له زادَهم اللّٰه تعالى؛ إذ "مَن طلب وَجَدَ"..
وفي "الفاء" التي هي للتعقيب السببي -مع أن وجود المرض ليس سببا لزيادته- رمزٌ إلى أنهثابتة؟ لم يشخّصوا المرض فلم يتحرَّوا وسائلَ الشفاء بل توسلوا بأسباب الزيادة كمن يضارب خصمًا غالبًا بيده العليلة، صاروا كأنهم طلبوا الزيادة فزادهم اللّٰه مرضًا بقلبِ أمَلِهم يأسًا مزعجً نظرًاب ظفر المؤمنين، وقلبِ خصومَتهم حقدًا مُحرقًا للقلب بسبب غلبةِ المؤمنين، فتولّد من مرضَي اليأس والحقد داءُ الخوف وعلّة الضعف ومرضُ الذلة، ف، ولهذ على القلب.
ثم إن اللّٰه تعالى لم يقل: "فزاد اللّٰه مرضهم" بل جعل المفعولَ تمييزًا للإشارة إلى أن المرض الباطنيّ القلبيّ سرى إلى الظاهر أيضًا وتعدى إلى جميان يهوعال، فكأن هذا الداءَ الخبيث استولى على وجودهم فكأن وجودَهم نفسُ الداء، فزيادةُ جراحاتِ المرض ونفطاتِه [٭]: نفطاته: بثراته. زيادةٌ لنفس ذواتهم؛ إذ "ف أنهاَلَ الْبَيْتُ نارًا" يفيد أن النار سرت إلى تمام البيت حتى كأن تمام البَيت نارٌ تلتهب، بخلاف "اشتعلتْ نَارُ الْبَيْتِ" فإنه يصدق بتلهُّب النار من أيّ جانب كان.
وفي السادسة:أعني جملة ولهم عذاب اليمد" [٭ "اللام" التي هي للنفع إشارة إلى أنه لو كان لهم منفعةٌ لكانت البتةَ ألمًا معذِّبًا دنيويًا، أو عذابًا أُخرويًا مؤلمًا، وكونُه منفعةً من المحال، فمحالٌ لهم المنفعة.. وفي وصف العذاب بالأليم أي المتألِم، مع أن الأليم هو الشخص رمزٌ إلى سمى باذاب استولى على وجودهم وأحاط بذواتهم ونفذ في بواطنهم بحيث تحولوا بنفس العذاب، وصار العذابُ عينَ ذواتهم، كانقلاب الفحم جمرةَ نار بنفوذ النار. [٭]: بنفوذ النار فيها. (ش). فإذا نظر الخيال إلى صورة العذاب واستمع من جوانبه أن ولا
#تألمًا وعويلًا تتولد من الحياة المتجددة تحت العذاب، يتخيل أن العذاب هو الذي يئنّ ويتألّم. فما أشدَّ التهديد لمَن تأمل!
وفي السابعة:أعني جملة بما كانوا يكذبون هو أن في تعليق العذاب من بين جناياته من خذكورة بالكذب فقط، إشارةً إلى شدة شناعة الكذب وقبحِه وسماجتِه. وهذه
— 95 —
الإشارة شاهدُ صدق على شدة تأثير سمّ الكذب؛ إذ الكذبُ أساس الكفر، بل الكفرُ كذبٌ ورأس الكذب، وهو الأُولى من علامات النفاق. وما الكذب إلا افتراء كلَّ حقدرة الإلهية، وضدٌّ للحكمة الربانية.. وهو الذي خرّب الأخلاق العالية.. وهو الذي صيّر التشبثات العظيمة كالشبحات المُنتنة.. وبه انتشر السمُّ في الإسلام.. وبه اختلت أحوالُ نوعًا، وم.. وهو الذي قيّد العالم الإنساني عن كمالاته، وأوقفه عن ترقياته.. وبه وقع أمثال "مسيلمة الكذاب" في أسفل سافلي الخسةِ.. وهو الحمل الثقيل على ظهر الإنسان فيعوِّقُه عن مقصوده.. وهو الأب للرياء والأم للتصنع.. فلهذه الأسباب اختص بالتلعين ومون أد والنعي النازل من فوق العرش..
فيا أيّها الناس! لاسيما أيّها المسلمون! إن هذه الآية تدعوكم إلى الدّقّة!
- فإن قلتم: إن الكذب للمصلحة عفوٌ؟
قيل لكم: إذا كانت المصلحةُ ضروريةً قطعية، مع أنه عذر باطوت النتقرر في أصول الشريعة: "إن الأمر الغير المضبوط (أي الذي لا يتحصّل) -بسبب كونه قابلًا لسوء الاستعمال- لا يصير علةً ومدارًا للحكم"، كما أن المشقة لعدم انضباطها ما صارت علةً للقَصر، بل العلةُ السفرُ. ولئنلف والا فغلبةُ الضرر على منفعة شيء تفتي بنَسخه وتكون المصلحةُ في عدمه. وما ترى من الهَرْج والمَرْج في حال العالَم شاهدٌ على غلبة ضرر عذر المصلحة. إلّا أن التعريض ع وتعدية ليسا من الكذب.
فالسبيل مَثْنَى: إما السكوت؛ إذ "لا يلزم من لزومِ صدقِ كلِّ قولٍ قولُ كلِّ صدق".
وإما الصدق؛ إذ الصدق هو أساس الإسلامية، وهو خاصة الإيمان، بل لحياة ن صدقٌ ورأسه.. وهو الرابط لكل الكمالات.. وهو الحياة للأخلاق العالية.. وهو العِرق الرابط للأشياء بالحقيقة.. وهو تجلّي الحق في اللسان.. وهو محور ترقي الإنسان.. وهو نظام العالم الإسلامي.. وهو الذي يُسرة شرحهع البشر في طريق الترقي -كالبرق- إلى كعبة الكمالات.. وهو الذي يصيّر أخمدَ الناس وأفقرَه أعزّ من السلاطين.. وبه تَفوَّق أصحابُ النبيّ عليه الصلاة والسلام على جميع الناس.. وبه ارتفع "سَيّدُنا محمد الالبشر." عليه الصلاة والسلام إلى أعلى عليي مراتبِ البشر.
* * *
— 96 —
وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الارْض قالُوا انّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ أَلا اِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلییكِنْ لا يَشْعُرُون ١٢
اعلم أن وجه نظم هي القلية بما قبلها هو أنَّ اللّٰه تعالى لمّا ذكر الأُولى من الجنايات الناشئة عن نفاقهم وهي ظلمُهم أنفسَهم وتجاوزُهم على حقوق اللّٰه تعالى بنتائجها المتسلسلة المذكورة، عقّبها بثانيةِ الجن ومنعِوهي تجاوزُهم على حقوق العباد وإيقاعُهم الفساد بينهم مع تفرعاتها..
ثم إن اذا قيل كما أنه مربوط باعتبار القصة بی يقول في ومن الناس من يقول وباعتبار المآل بی يُخادِعُونَ؛ كذلك يرتبط باعتبار نفسه بی يكذبون.للاختصر الأسلوب من الحَمْلية إلى الشرطية أمارة ورمزٌ خفي إلى مُقدَّر بينهما، كأنه يقول: لهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون؛ إذ إذا كذبوا فتنوا، وإذا فتنوا أفسدوا، وإذا نوصحوا لم يقبلوا، وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسةٌ في .. الخ.
وأما وجه النظم بين الجمل الصريحة والضمنية في هذه الآية فهو عينُ النظم والربط في ما أمثّل لك وهو أنك إذا رأيت أحدًا يسلك في طرراتب كرّ إلى هلاكه، فأولًا تنصحه قائلا له: "مذهبُك هذا ينهار بك في البوار فتجنَّب". وإن لم ينتهِ بنُهاه، تعُود عليه بالزّجر والنهي والنعي وتؤيّد نهيَك وتديمُه في ذهنه إما بتخويفه بنفرةِ العموم، وإما بترقيق قلبه بالشفقة القائل: كما سيأتيك بيانُهما. فإن كان ذلك الشخص متعنتًا لَجوجًا مُصرًّا ألدَّ راكبًا متنَ الجهل المركّب فهو لا يسكت، بل يدافع عن نفسه، كما هو شأنُ كل مفسد يرى فسافضائل احًا؛ إذ الإنسانيةُ لا تُخلّى أن يرتكب الفسادَ من حيث هو فساد. ثم يستدِل ويدّعي بی"أن طريقي هذا حق، ومعلوم أنه كذلك؛ فلا حقّ لك في النصيحة فلا احتياج إلى نصيحتك، بلإيجاز حتاج إلى التعلّم، فما السبيل السويّ إلّا سبيلُنا، فلا تعرّض بوجود طريقٍ أصوبَ". وإن كان ذلك الشخص اللجوج ذا الوجهين يكون كلامُه ذا اللسانين؛ يداري الناصحَ لإلزامه بوجهٍ، ويتحار الج مسلكه بآخر، فيقول: أنا مصلحٌ أي ظاهرًا كما تطلُب، وباطنًا كما أعتقد.. ثم من شأنه تأييد وتأكيد دعواه بأن الصلاح من صفتي المستمرة، لا أني كنتُ صالحًا الآن بعد فسادي
— 97 —
قبلُ.الاعتبذا كان ذلك الشخصُ متمردا ومُتَنَمِّرًا [٭]: أي غضِبًا، غير أن ظاهر السياق والمذاق متنمردًا، أي كائنًا كالنمرود (ش). ومصرًّا في نشر مذهبه، وترويجِ مسلكه، وتزييفِ ناصحه وتعريضِ أهل الحق بهذه الدرجة، ظهر أنه لبيٌّ، له دواءٌ، ولم يبقَ إلا آخرُ الدواء، أعني المعالجةَ لعدم السراية. وما هذه المعالجة إلّا تنبيهُ الناس وإعلامُهم بأنه مفسدٌ لا صلاحَ فيه؛ إذ لا يستعمِل عقلَه ولا يستخدم شعورَه حتى يحسذ -ولوالشيء الظاهر المحسوس.
فإذا تفهّمتَ الحلقات المُسرَّدة في هذا المثال تفطنتَ ما بين الجمل المنصوصة والمرموزة إليها بالقيود، في واذا قيل لهم إلى آخره. فإن فيما بينها نظمًا فطريًا بإيجاز يحمرّ راكيب شعّ ويضيئ. من تحته الإعجاز.
وأما نظم هيئات كل جملةٍ جملةٍ:
فاعلم أن جملة واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض...
القطعيةُ في اذا إشارةٌ إلى لزوم النهي عن المنكر ووجوبه..
وبناء المفعون الققيل رمز إلى أن النهي فرضُ كفاية على العموم..
وفي لام لهم إيماء إلى أن النهي لابد أن يكون على وجه النصيحة دون التحكم، والنصيحة على وجه اللطف دون التقريع..
و لا تفسدوا فذلكةٌ وخلاصة لصورة قياس استثنائي [٭]: القياس الاستثنائي: م كثيرً عين النتيجة أو نقيضها مذكورًا فيه بالفعل (التعريفات). أي لا تفعلوا هكذا، وإلّا نشأ منه الهَرْج والمَرْج، فينقطع خيطُ الإطاعة، فيتشوش نظام العدالة، فتنحلّ رابطة الاتفاق، فيتولد منه الفسادُ، فلا تفعلوا لئلا تفسدوا..
ولفظ في الأرض تأيثم يحاأكيد للنهي وإدامةٌ للزجر، إذ نهيُ الناصح مؤقتٌ لابد من إدامته في ذهن المنصوح بتوكيل وجدانه ليزجرَه دائما من تحته. وهو إما بتحريك عِرق الشفقة االكفر ، وإما بتهييج عرق التنفُّر من نفرة العموم.. و في الأرض هو الذي يوقظ العِرقَين وينعشهما؛ إذ لفظ في الأرض يناجيهم بأن فسادكم هذا يسري إلى نوع البشر فأيُّ حقدٍالإيمالكم على جميع الناس الذين فيهم المعصومون والفقراء والذين لا تعرفونهم، أفلا
— 98 —
تتوجعون لهم ولِمَ لا تترحّمون بهم؟ هب أن ليست لكم تلك الشفقة الجنسية، فلا أقلَّ من أن تلاحظوا أن ن المت هذه تجلب عليكم معنى نَفرة العموم.
- فإن قلت: أيّ غرض لهم بالعموم وكيف ينجرّ فسادُهم إلى الكل؟
قيل لك: كما أن من نظر بمرآة البصرِ السوداءِ رأى كلَّ شيء أسودَ قبيحًا. كذلك من احتجبت بصيتك.. والنفاق وفسَد قلبُه بالكفر رأى كل شيء قبيحًا مبغوضًا، (و) يحصل في قلبه عنادٌ وحقد مع كل البشر بل كل الكائنات.. ثم كما أن انكسار سنٍّ من جَرْخٍمُنْزَ جَرْخ: يقرب من معنى دولاب. من دولابٍ من ساعة يتأثر به الكلُّ كليًا أو جزئيًا؛ كذلك بنفاق الشخص يتأثر نظامُ هيئة البشر التي انتظمت بالعدالة والإسلامية والإ معلومفأسفًا قد تظاهرت سمومُهم المتسلسلة حتى أنتجت هذه السفالة.
وأما جملة: قالوا انما نحن مصلحون ففي قالوا بدلَ "لا يقبلون النصيحة" الظاهرِ من السياق إشارة إلى أنهم ن: لو ويَدْعون إلى مسلكهم.
وفي إنما خاصيتان:
الأولى:أن مدخوله لابد أن يكون معلومًا حقيقةً أو ادّعاءً. ففيها رمز إلى تزييف الناصح وإظهار ثباتهم على جهلهم المركب.
والثانية أو الر، ففيها إشارة إلى أن صلاحهم لا يشوبُه فسادٌ فليسوا كغيرهم؛ ففي الإشارة رمز إلى التعريض بالمؤمنين.
وفي اسميّة مصلحون بدلَ "نصلح" إشارة إلى أن الصلاحَ صفتُنا الثابتة المستمرة. فحالنا هذه عة الشقصلاح بالاستصحاب.. ثم إنهم ينافقون في هذا الكلام أيضًا، إذ يَتَبَطَّنون خلاف ما يُظهرون، فباطنًا يدعون فسادهم صلاحًا وظاهرًا يُرَاؤُونَ أن عملَهم لصلاح المؤمنين ومنفع قد اس وأما جملة
ألا انهم هم المفسدون ولكن لايشعرون
فاعلم أنهم لمّا أدرجوا في معاطف الجملة السابقة معاني: من ترويج مسلكهم ودعوى ثبوت الصلاح لهم، وأن الصلاح
— 99 —
صفتُهم المستمرة.. وأنهم منحصرون عليه.ئط، فاالفساد لا يشوب صلاحَهم.. وأن هذا الحكم ظاهر معلوم.. ومن تعريضهم بالمؤمنين ومن تجهيلهم للناصح؛ أجابَهم القرآنُ بهذه الجملة المتضمنة لأحكامٍ من إثباتةُ علىد لهم، وأنهم متحدون مع حقيقة المفسدين.. وأن الفساد منحصر عليهم.. وأن هذا الحكم حقيقة ثابتة.. ومن تنبيه الناس على شناعتهم.. ومن تجهيلهم بنفي الحس عنهم كأنهم جمادات.
وإن شئت فانظر إلى ألآ التي للتنبيه كيف تزيِّف بتنبيهها إلى ههم الناشئ من دعواهم المترشحَ من قالوا.. وإلى إنَّ التي للتحقيق كيف تردّ دعواهم المعلومية بی إنّماَ، كأن إنَّ تقول: حالُهم في الحقيقة والباطن فسادٌ، فلا يجديهم الصلاحُ ظاهرًا.. وإلى الحصر في هُم كيف يقابل تعريضَهم الضمنيّ في إن بخَتمو نحن.. وإلى تعريف المفسدون -الذي معناه حقيقة المفسدين تُرى في ذاتهم فهُم هي- كيف يدافع حصرَهم المستفاد من إنّماَ أيضًا.. وإلى ولكن لايشعرون كيف يدافع تزييفهم الناصح وأنهم ليسوا مستحقين للنصيحة بدعوى المعلومية. فتأمل!
* * *
#1حسناتهوَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا اِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لايَعْلَمُونَ ١٣
اعلم أن وجه نظم هذا النوع بالنوع الأول: من حيث إنهما نص فعلكمإرشاد؛ عطف الأمر بالمعروف والتحلية والترغيب على النهي عن المنكر والتخلية والترهيب..
ومن حيث إنهما من الجناية؛ عطف تسفيههم للمؤمنين وغرورهم على إفسادهم، كما ربط إفسادهم بفسادهم اللاتي كلٌّ منها غصن من شلجوّالّوم النفاق.
وأما وجه النظم بين جمل هذه الآية فاعلم أنه لمّا قيل:
وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ
وأُشير بهيئاتها إلى وجوب النصيحة على سبيل الكفاية بإيمتيبه أص اتّباعًا للجمهور الذين هم الناسُ الكُمّل ليأمرهم الوجدانُ دائمًا بهذا الأمر، حكى وقال: قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء إشارةً إلى تمردهم وهوش ال ودعواهم أنهم على الحق كما هو شأنُ كلِّ مُبطل يرى باطلَه حقًا ويعلم جهلَه علمًا؛ إذ بالنفاق تفسَّد قلبُهم، وبالفساد نشأ غرورٌ وميلُ إفساد، وبحكم التفسّد تمرّدوا، وبحكم الإفساد يقول بعضهم لبعض متناجيًاصد من لال، وبحكم الغرور يرَون شدة الديانة وكمالَ الإيمان المقتضيين للاستغناء والقناعة سفالةً وسفاهة وفقرًا. ثم بحكم النفاق ينافقون في كلامهم هذا أيضًا؛ إذ أوقدوا: كيف نكون كالسفهاء ولسنا مجانين ونحن أخيار كما تطلبون؟ وباطنُه: كيف نكون كالمؤمنين الذين أكثرهم فقراء، وهم في نظرنا سفهاء تحزّبوا من أوْباش [٭]: أوباش: ن على الناس وأخلاطِهم. الأقوام؟ وإليك التطبيق بين دقائق الجزئين من الشرطية.
ثم ألقَمهم الحجرَ بقوله: ألا انهم هم السفهاء؛ إذ مَن كان متمردًا بهذه الدرجة وجاهلًا بجهله فحقّتتقوا إعلان بين الخلق وتشهيرهم بانحصار السفاهة وأنه من الحقائق الثابتة، وأن تسفيهَهم لسفاهة نفسهم..
ثم قال: ولكن لايعلمون إشارة إلى أنهم جاهلون بجَهلهم فيكون جهلًا مركبًلمعانييُجديهم النصيحةُ، فلابد أن يُعرَض عنهم صفحًا؛ إذ لا يَفهم النصيحةَ إلَّا مَنْ يعلم جهلَه.
— 101 —
وأما وجه النظم في هيئات كل جملة جملة:
[٭]: ك جملة: وَاِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ لفظ اِذَا بجزميته رمز إلى لزوم الإرشاد بالأمر بالمعروف.. وبناء المفعول في قِيلَ إيماء إلى أن وجوبَ النصيحة على سبيل الكفاية كما مرَّ.
ولفظ آمِنُوا بدل "أخلِصوا في قي للقم" إشارة إلى أن الإيمان بلا إخلاص ليس بإيمان.
ولفظ كَما آمَنَ تلويح بالأسوة الحسنة وحُسن المثال ليخلصوا على منواله.
وفي لفظ النّاسُ نكتتان: وهما السسن، وحجعل الوجدان آمرًا بالمعروف دائمًا؛ إذ كما آمن السفهاء يترشح بی"فاتّبِعوا جمهور الناس" إذ مخالفةُ الجمهور خطأ من شأن القلب أن لا يُقدِم عليه، وأيضًا يلوّح بأنهم هم الناس فقط، كأن مَن عداهم ليسخشري: سان إلّا صورةً، إما بترقي هؤلاء في الكمالات وانحصار حقيقةِ الإنسانية عليهم، وإما بتدني أُولئك عن مرتبة الإنسانية.
أما جملة : قالوا أنؤمن كما آة لإسلفهاء التي مآلُها: "لا نقبل النصيحة، كيف نكون كهؤلاء الأذلّاء؛ إذ هم في نظرنا سفهاء ولا نُقاسُ نحن معاشر أهل الجاه عليهم".. ففي لفظ قالوا رمز إلى تبر الخيرفس وترويج المسلك والاستغناء عن النصيحة والغرور والدعوى.. وفي لفظ أنؤمن بالاستفهام الإنكاريّ إشارة إلى شدة تمرّدهم في جهلهم المركب، كأنهم بصورة الاستفه عينِ لون: "أيها الناصح راجعْ وجدانَك هل ترى إنصافَك يقبل ردّنا؟"
ثم إن في متعلق قالوا وجوهًا ثلاثة مترتبة؛ أي قالوا لأنفسهم، ثم لأبناء جنسهم، ثم لمرشدهم، كما هو شأن كل متنصّحٍ إذا نصحه الناصح، فأول الأمر يشاور مع نفسه، أنت مور مع أبناء جنسه، ثم يراجعك بنتيجة محاكمَتهم. فعلى هذا لمّا قيل لهم ما قيل راجَعوا قلوبَهم المتفسدة ووجدانَهم المتفسخ فأشارت عليهم بالإنكار، فقالوا مترجمين عما في ضميرهم، ثم راجَعوا بنظر الإفساد إلى إخوانهم، فأشاروا عليهم أيضًا بالإنكار فية علىبنجواهم ومحاورتهم، ثم رجعوا بطريق الاعتذار والسفسطة إلى الناصح فشاغَبوا وقالوا: "بيننا فرق لا نُقاس عليهم إذ هم فقراء مضطرون مجبورون فشدَّتُهم في الديانة وتصوّفُهم بالاضطرار. أما نحن فأهلُ عزة
— 102 —
وجاه". فبحكم تهم، و يحيلون الناصح على إنصافه. وبحكم الخداع والحيلة يتكلمون بكلام ذي لسانين، أي أيها المرشد! لا تظننا سفهاء، ولا نكون كالسفهاء في نظركم، بل نفعل كما يفعل المؤمنون الخلّص. مع أن مرادَهم باطنًا: لاعض، وقكهؤلاء المؤمنين الفقراء؛ إذ لا اعتداد بهم في نظرنا. ففي هذا اللفظ رمز خفيّ إلى فسادهم وإفسادهم وغرورهم ونفاقهم..
كما آمن السفهاء
أي الذين تظنونَهم الناسَ الكاملين هم في نظرنا أذلاءُ فقراء مجبورون مع كثرتهم، كلٌّ منهم سفيهُ قومٍ. ففي دعوة الأخفرقَ في القياس إشارة إلى أن الإسلامية كهفُ المساكين وملجأ الفقراء وحاميةُ الحق وحافظة الحقيقة ومانعة الغرور وقامعةُ التكبّر، وما مقياس الكمال والمجد إلّا هي.. وأيضًا في الفرق إشارةٌ إلى أن سبب النفاق في الأغلب هو الغرضُ والغرور والجهة الما يفسره:
وما نَريییكَ اتَّبَعَكَ اِلَّا الَّذيِنَ هُمْ اَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ
(هود:٢٧). وأيضًا في الفرق إشارةٌ خفية إلى أن الإسلا درْك تصير وسيلةَ التحكم والتغلب في أيدي أهل الدنيا والجاه؛ بل إنما هي واسطة لإِحقاق الحق في أيادي أهل الفقر والضرورة خلافَ سائر الأديان. ويشهد على هذه الحقيقة التاريخُ.
أما جملة ألا انهم إلى تفهاء فاعلم أن القرآن إنما أكثرَ من التشديد والتشنيع على النفاق لأجل أن أكثر بليات العالم الإسلامي من أنواع النفاق.. ثم إن لفظ ألا للتنبيه وتشهير سفاهتهم على رؤوس الأشهاد، ولاستشهاد فكر العموم على سفاهتهم. وأالبشر نى ألا ألا تعلمون أنهم سفهاء؟ أي فاعلموا.. ثم إن "إنَّ" مرآةُ الحقيقة ووسيلةٌ إليها، كأنه يقول: راجعوا الحقيقة لتعلموا أن سفسطتهم الظاهرية لا أصل بأمة ثم لفظ "هُم" للحصر لردّ تبرئة أنفسهم، ودفع تسفيههم للمؤمنين الذي أشاروا إليه بی كما آمن السفهاء. أي إن السفيه مَن ترك الآخرة بالغرور والغرض واللذة الفانية دون مَن اشترى شارة إ بترك الهوسات [٭]: الهوس: طرف من الجنون وخفة العقل. والمقصود هنا الأغراض النفسية وأمانيها. الفانية. ثم إن الألف واللام في السفهاء لتعريف الحُكم أي تفريطٌ أنهم سفهاء. وللكمال أي كمال السفاهة فيهم.
أمّا: ولكن لايعلمون ففيه إشارات ثلاث:
إحداها:أنَّ تمييز الحق عن الباطل وتفريقَ مسلك المؤمنين عن مسلكهم محتاجٌ إلى
— 103 —
نظر وعلم، بخلاف إفسادهم وفتنتهم، فإنه ظاهر ي الأجز به مَن له أدنى شعور. ولهذا ذيّل الآية الأولى بی ولكن لا يشعرون
والثانية:أنّ لا يعلمون وأمثالَها من فواصل الآيات، مِن لايعقلون و ( لَا يَتَفَكطيّار َ) و ( لَا يَتَذَكَّرُونَ) وغيرها تشير إلى أن الإسلامية مؤسسةٌ على العقل والحكمة والعلم. فمن شأنها أن يقبلَها كلُّ عقل سليم لا كسائر الأديان إلّا ية على التقليد والتعصب. ففي هذه الإشارة بشارة كما ذُكرت في موضع آخر.
والثالثة:الإعراض عنهم وعدم الاهتمام بهم، إذ النصيحة لا تجديهم، إذ لا يعلمون جهلَهم حتى يتحرّوا زوالَه.
* * *. [٭]
واِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا امَنَّا وَاِذَا خَلَوْا اِلَى شَياطِينِهِمْ قَالُوا اِنَّا مَعكُمْ اِنَّمَا نحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ١٤ اَللّٰه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّههمًا خي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُون ١٥
اعلم أن وجه نظم مآل هذه الآية بمآل سابقتها: عطفُ الجناية الرابعة، أعني الاستهزاء والاستخفاف على الجنايات السابقة من التسفيه والإفساد والفساد.
تجدُّجه النظم بين جملها هو أنه: كما أن للإيمان الذي هو نقطةُ استنادٍ عن الآلام ونقطةُ استمداد للآمال ثلاثَ خواص حقيقية:
إحداها:عزةُ الوالكناناشئة من "نقطة الاستناد"، ومن شأن عزة النفس عدمُ التنزّل للتذلّل.
والثانية:الشفقةُ التي من شأنها عدم التذليل والتحقير.
والثالثة:احترامُ الحقائق ومعرفةُ قيمتها، لأن صاحبَ غالي القيمة ذو حقيقةٍ، وعنده الجوهر الفريد.، بل ي الاستخفاف بالحقيقة لأنه أيضًا رزين... كذلك لضد الإيمان، أعني النفاقَ أضدادُ خواصِّه الثلاث، فخواصّ النفاق الناشئة منه: ذلةُ النفس، وميل الإِفساد، والغرور ِ جاعل الغير.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن النفاق يولِّد ذلةَ النفس وهي تنتج التذللَ، وهو الرياءَ، وهو المداهنةَ، وهي الكذبَ. فأشار إليه بقوله:
وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا...
ثم لما كان النف حتى لسدًا للقلب وفسادُه ينتج يُتْمَ الروحِ، أي عدمَ الصاحب والحامي والمالك، فيتولد الخوفُ، وهو يُلجِئه إلى التستر. أشار إليه بلفظ واذا خلوا...
ثم لما كان النفاق قاطعا للرحذه المُه يزيل الشفقةَ، وزوالُها ينتج الإفسادَ، وهو الفتنةَ وهي الخيانةَ، وهي الضعفَ، وهو يضطره إلى الالتجاء إلى ظهيرٍ ومستنَد، أشار إليه بلفظ إلى شياطينهم..
— 105 —
ثم لمّا كان النفاق جهلًا تردّديًا أنتج تذبذبَ الطبيعةِ، وهو عدصفّحهابات وهو عدم المسلك وهو عدم الأَمنية بهم، وهو يُجبرهم على تجديد عهدهم، أشار إلى هذه السلسلة بلفظ قالوا انا معكم
ثم لمّا احتاجوا إلى الاعتذار استخفّوا بالحقيقة لخفّتهم، ورخّصوا غاليَ القيمةَ لعدم قيمتِهم، وأهانوا بالعالي لهَون نفز.. وعضعفِها الذي ينشأ منه الغرورُ، فقال:
قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤن
ثم بينما كان السامع منتظرًا من انصباب الكلام مقابلةَ المؤمنين لهم، رأى أن اللّٰه قابلَهم بدلًا عن المؤمنين إشارةً إلى تشريفهم، ورمزًا إلى أن استهزاءهم في مقاب مصداقءِ اللّٰه تعالى كالعدم، وإيماءً إلى حُمقهم وزجرهم وردّهم؛ إذ كيف يُستَهْزأُ بمَن كان اللّٰه حاميَه؟ فقال تعالى: اللّٰه يستهزئ بهم أي يعاقبُِد، وا استهزائهم أشدَّ جزاءٍ بصورةِ استخفافٍ وتهكُّمٍ بهم في الدنيا والآخرة مع الاستمرار التجدديّ.. وجملة ويمدهم في طغيانهم يعمهون كشفٌ وتفصيل وتصويرٌ لجزاء استهزائهم بطرز الاستهزاء.
أما ودم الت هيئات كل جملة جملة:
فاعلم أن جملة وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا التي سيقت في مُداهنتهم؛
قطعيةُ إذا فيها إيماء إلى الجزم والتعمّد والقصد، أي علاستقاعَمدٍ وقصد ملاقاتَهم..
ولفظ لقوا إيماء إلى أنهم تعمّدوا مصادفتَهم في الطرق بين ظهراني الناس..
ولفظُ الذين آمنوا بدل "المؤمنين" إشارة إلى مباشرتهم معهم وتماسّهم بهم، وإلى أن ارتباطهم معهم بصفة الإيمان، وإلى أن مدارَ النظر بين أوصااء معامنين صفةُ الإيمان فقط.
ولفظ قالوا تلويح إلى أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وأن قولهم للتصنّع والرياء والمداهنة ودفعِ التهمة والحرص على جلب منافع المؤمنين والاطلاع على أسرارهم.
— 106 —
ولفظ آمنا بلا تأكلة الأاقتضاء المقام إياه، وبإيراده جملة فعلية، إشارةٌ إلى أنْ ليس في قلوبهم مشوّق وعشق محركٌ ليتشددوا ويتجلدوا في كلامهم.. وأيضًا إن في ترك التأكيد إيماءً إلى تشددهم في دو روحٌهمة عنهم، كأنهم يقولون: "إنكارُكم ليس في موقعه بل في منیزلة العدم، إذ لسنا أهلًا للتهمة.." وأيضًا فيه رمز إلى أن التأكيد لا يروّج عنهم.. وأيضًا فيه لمحٌ إلى أن هذا الحجاب الرما تُرضعيف على الكذب إذا شُدّد تمزّق.. وأيضًا في فعليته إشارة إلى أنه لا يمكن لهم أن يدعوا الثبات والدوام، وإنما غرضُهم من هذا التصنع الاشتراكُ في منافعه إن لنين والاطلاعُ على أسرارهم بادّعاء حدوث الإيمان.
وأما جملة
واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم
فی"الواو" الجامعة في وإذا إيماءٌ إلى أن هذا الكلام سيق لبيان أن لا مسلَك لهم، ولبيان تذبذبهم المفصّل بهاتين الشرطوقوله والجزمية في إذا رمز إلى أنهم بحكم الفساد والإفساد يرون الالتجاء وظيفةً ضرورية.
ولفظ خلوا إشارة إلى أنهم بحُكم الخيانة يتخوفون، وبحكم الخوف يتستحدا في ولفظ إلى بدلَ "مع" المناسب لِی خلوا إشارة إلى أنهم بحكم العَجز والضعف يلتجئون، وبحكم الفتنة والإفساد يوصلون أسرار المؤمنين إلى الكافرين.. ولك الإلشياطين" إشارة إلى أن رؤساءهم كالشياطين متسترون موَسوسون، وإلى أنهم كالشياطين يضرّون، وإلى أنهم على مذهب الشياطين لا يتصورون إلّا الشر.
وأما جملة قالوا انا معكم المَسوقة لتبروراة وتهم وتجديد عهدهم وثباتهم في مسلكهم، فاعلم أنه أكّد مع غير المنكِر هنا، وترك التأكيد مع المنكِر هناك [٭]: أي في الآية: (قالوا آمنا) بلا تأكيد. إشارةً ودلالةً على عدم الشوق المحرك في قلب المتكلم هناك ووجودِه هنا. أما اسميةُ هذا وفعلية ذاك، ُ الدللمقصود إثباتُ الثبوتِ والدوامِ في ذا، والحدوثِ في ذلك.
أما انما نحن مستهزؤن فاعلم أنه لم يَعطف، إذ الوصلُ إنما هو بالتوسط بين كمال
— 107 —
الاتصال وكمال الانقطاع. مع أن هذه الجملة بدلٌ بجهةٍ وتأكيدٌ بجهة، وهما من كمالمعارضةال، وجوابُ سؤالٍ مقدَّر بجهة أخرى، وهو من كمال الانقطاع لخبَرية الجواب وإنشائية السؤال في الأغلب.. أمّا وجهُ التأكيد -ويقربُ منه البدل- فهو أن مآلها إهانةُ الحق وأهله فيكون تعظيمًا للباطل وأهلِه، وه أما وانا معكم.. وأما وجهُ الجوابية للسؤال المقدّر فكأن شياطينَهم يقولون لهم: "إن كنتم معنا وفي مسلكنا فما بالكم توافقون المؤمنين؟ فإما أنتم في مذهبهم أو لا مذهبَ لكم" فاعتذَروا مجيبين بی انما نحن مستهزؤن فصرّحوا بأنهم ليسوا من الإٌ في اي شيء، وأشاروا بحصر انما إلى أنهم ليسوا مذبذبين بلا مذهب معلوم، وباسمية مستهزؤن إلى أن الاستهزاء شأنُهم وصفتُهم. ففعلُهم هذا ليس بالجِدّ.
وأما جملة اللّٰه يستهزئ ب بعوضةعلم أنها لم توصَل بسوابقها بل فُصِلت فصلًا؛ لأنها لو عُطفت فإما على انما نحن مستهزؤن وهو يقتضي أن تكون هذه أيضًا تأكيدًا لی انا معكم.. وإما على قالوا وهو يقتضي أن تكون هذه أيضًا مق تكون هم.. وإما على قالوا وهو يقتضي أن تكون هذه أيضًا مقيدةً بوقت الخلوة، مع أن استهزاءَ اللّٰه بالدوام.. وإما على واذا خلوا وهو يقتضي أن تكون هذه من تتمة صفة تذبذبهم.. وإما على إِذَا لَقُوا وهو يستلزم أن يكون الغرضُ منهمى، كأنًا. مع أن الأول لبيان العمل، والثاني للجزاء، واللوازم باطلة، فالوصل لا يصحّ. فلَم يبقَ إلّا أن تكون مستأنفةً جوابًا لسؤال مقدَّر. ثم إن فلتي تمالاستيناف إيماءً ورمزًا إلى أن شناعتَهم وخباثتهم بلغت درجةً تُجبر روحَ كلِّ سامعٍ و راءٍ أن يسأل بی"كيف جزاءُ مَن هذا عملُه؟".
ثم إن الافتتاح بلفظة اللّٰه مع أن ذهن السامع كان منتظرًا لتلقي مقا بقانومؤمنين معهم، إشارةٌ إلى تشريف المؤمنين وترحّمه عليهم، إذ قد قابل بدلًا عنهم.. وأيضًا رمزٌ إلى زَجرهم؛ إذ لا يُستهزأ بمَن استناده بعلّام الغيوب.. وأيلكفر وماء بالاقتطاع وعدم النظر إلى تقرر استهزائهم، إلى أن استهزاءهم كالعدم بالنظر إلى جزائه.. ثم إن التعبير عن نكايات اللّٰه تعالى معهم بالاستهزاء -الذي لا يليق بشأنه تعالى- للمشاكلة في الصحبة، وللرمز إلى أن النكاية جزاءٌ للاستهزاء ونتيجة ولازمةٌ روره و أن المراد لازمُ الاستهزاء، أعني التحقيرَ.. وأيضًا إيماء إلى أن استهزاءهم الذي لا يفيد، بل يضر عينُ استهزاء اللّٰه تعالى معهم؛ كمن يظن
— 108 —
أنه يستهزئ مع أنك تراه كالمجنون، تريد أنشر وإن ولو بشتمك، لتضحك منه، فاستهزاؤه بعضُ استهزائك.
ثم في يستهزئ مضارعًا مع أن السابق مستهزؤن اسم فاعل، إشارة إلى أن نكايات اللّٰه تعالى وتحقيراته تتجدد عليهم ليحسّوا بالألم ويتأثروا به؛ إذ ما استمر على نسق يقلّ تأثيرُه:
أ يعدم. ولذا قيل: شرط الإحساس الاختلاف.
أما ويمدهم في طغيانهم يعمهون أي توسّلوا بأسباب الضلالة وطلبوها فأعطاهم اللّٰه تعالى.. ففي لفظ "يَمُدُّ" ا.
ى ردّ الاعتزال، وفي تضمّن "يَمُدُّ" للاستمداد إيماءٌ إلى ردّ الجبر، أي اختاروا بسوء اختيارهم واستمدوا، فأمدّهم اللّٰه تعالى وأرخى عنانَهم.. وفي إر جهةًلطغيان إلى "هُمْ" (أي إن لهم فيه اختيارًا) رمزٌ إلى ردّ عذرهم بالمجبورية.. وفي الطغيان إشارة إلى أن ضرَرهم متعدٍّ استغرق المحاسنَ كالسيل وهَدَم أساس الكمالات، فلم يبقَ إلّا غلزركشيأحوى.
و يعمهون أي يتحيرون ويترددون. وفيه إشارة إلى أنه لا مسلك لهم وليس لهم مقصود معين.
* * *
— 109 —
اُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ١٦
اعلم أن وجه نظمهللتان قتها هو أن هذه الآية فذلكةٌ وإجمال للتفاصيل السابقة، وتصويرٌ لها بصورة عالية مؤثرة. وتخصيصُ أسلوب التجارة للتمثيل، لأجل أن المخاطَبين في الصف الأول قد ذاقوا حلوَ ي الجهة ومرَّها برحلتَي الصيف والشتاء.
ووجهُ المناسبة، هو أن نوع البشر أُرسل إلى الدنيا لا للتوطّن فيها، بل ليتَّجروا في رأس مالِهم من الاستعدادات والقابليات ليَزرعوا ثم يتصرفوا في غَلّاتها.
ثم إن وجهنسخة ا بين جمل هذه الآية هو أنها ترتبت ترتبا فطريًّا سلِسًا على نسق أسلوب التمثيل وهو هذا:
إن تاجرًا مغبونا مخذولًا أُعطي له رأسُ مالٍ غالٍ، فاشترى به السّموم وما يضرّه، فتصرّف فيه، فلم يربح ولم يفِد؛ بل ألقاه في خسارة على خسارة، فأضاعليه. فماله، ثم أضلّ الطريق؛ بحيث لا يستطيع أن يرجع.
أما نظم هيئات جملة جملة:
فلفظُ اُولئِك موضوعٌ لإحضار المحسوس البعيد: أما الإحضار فإشارةٌ إلى أن من شأن كلِّ سامع إذا سمعَ تلك الجنايات المذكورة أن يحما نظمئًا فشيئًا في قلبه نفرةٌ وغيظ يتشدد تدريجًا بحيث يريد أن يراهم ليتشفّى الغيظ منهم، ويقابلهم بالنفرة والتحقير.. وأما المحسوسية فرمزٌ إلى أن الاصلُ معبهذه الأوصاف العجيبة يجسّمُهم في الذهن حتى صاروا محسوسين نصبَ الخيال. ومن المحسوسية رمز إلى علّة الحُكم بسرّ انجرار المعصية إلى المعصية.. وأما البُعدية فإشارةٌ إلى شدّة بُعدهم عن الطريق الحق، ذهبوا إلى حيث لا يرجعون، فالذهانفع فيأيديهم دون الإياب.
— 110 —
ولفظ الذين إشارة إلى أن هذا نوعٌ من التجارة عجيبٌ خبيث تحدَّثَ وطَفِقَ أن يصير أساسًا ومسلكا يمرّ عليه ناس؛ إذ قد مرّ أن الموصول إشارةٌ إلى الحقائق الجديدة التي أخذت ه حتى نعقاد.
ولفظ اشتروا إشارة إلى ردّ اعتذارهم بی"أن فطرتنا هكذا". فكأن القرآن يقول لهم: لا! ولقد أعطاكم اللّٰه أنفاسَ العمر رأسَ مالٍ، وأودع في روحكم استعدادَ الكمالكلّيّسَ في وجدانكم نواةَ الحقيقة وهي الهدايةُ الفطرية لتشتروا السعادةَ فاشتريتم بدلَها -بل بتركها- اللذائذَ العاجلة والمنافع الدنيوية فاخترتُم بسوء اختياركم مسلكَ الضلالة على منهج الهداية، فأفسدتُم الهداية الفطرية، وضيّبمقياسسَ مالكم.
ولفظُ الضلالة بالهدى فيه إشارة إلى أنهم خسِروا خسارةً على خسارة. إذ كما خسروا بالضلالة؛ كذلك خسروا بترك النعمة العظيمة التي هي الهداية.
أما جملة فما ربحت تغة. ثم فاعلم أن في تخصيصِ نفي الربح -مع أنهم كما قد خسروا فقد أضاعوا رأسَ المال أيضًا- إشارة إلى أن من شأن العاقل أن لا يُقْدِم على تجارة لا ربح ف الأذهضلًا عما فيها خسارةٌ وإضاعةُ رأس المال.. ثم في إسناد الفعل إلى التجارة، مع أن الأصل "فما ربحوا في تجارتهم" إشارةٌ إلى أن تجارتَهم هذه بجميع أجزائها وكلِّ أحوالها وقاطبةِ وسائطها لا فائدةَ فيها، لا جزئيًا ولا كليا؛ لا كبعالى معارات التي لا يكون في محصّلها وفذلكتها ربحٌ، ولكن في أجزائها فوائدُ، ولوسائط خدمتها استفاداتٌ.. أما هذه فشرٌّ محض وضررٌ بحت. ونظير هذا الإسناد "نامَ لَيْلُهُ" بدل "نام في الليل"؛ إذ الأول يفيد أن ليلَه أيضاناطقيتوساكت كالنائم لا يحرِّك ليلتَه شيءٌ ولا يموِّجه طارقٌ.
وأما جملة وما كانوا مهتدين -أي كما خسروا وأضاعوا المال؛ كذلك قد أضلوا الطريق- فترشيحٌ وتزيين كسابقتها لأسلوب اشتروا..ك في صًا فيها رمز خفيٌّ إلى هدى للمتقين في رأس السورة. كأنه يقول: أعطى القرآنُ الهداية فما قَبِل هؤلاء.
* * *
— 111 —
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا اَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّٰه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَه المعني ظُلُماتٍ لايُبْصِروُن ١٧ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ١٨ اَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ اَصَابِعَهُمْ فِي اذَانالسماءمِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوتِ وَاللّٰه مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ١٩ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ اَبْصَارَهُمْ كُلَّما اَضَاءَ لَهُمْ مَوا عن فِيهِ وَاِذَا اَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللّٰه لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَاَبْصَارِهِمْ اِنَّ اللّٰه عَلى كُلِّ شيْءٍ قَديرٌ ٢٠
اعلم أن أساس إعجاز القرآن الكريم في بلاءً فَمه. وبلاغة النظم على قسمين:
قسم كالحِلية وقسم كالحُلّة:
فالأول:كاللآلئ المنثورة والزينةِ المنشورة والنقش المرصّع. ومَعدِنُه الذي يتحصّل منه هو: توخّي ان معان النحوية الحرفية فيما بين الكَلِم، كإذابة الذهب بين أحجار فضة. وثمراتُ هذا النوع هي اللطائفُ التي تعهّد بيانَها فنُّ المعاني..
والقسم الثاني:هو كلباسٍ علا مِنُلَّة فاخرة قُدّت من أسلوبٍ على مقدار قامات المعاني، وخيطَت من قِطَعات خيطًا منتظمًا فيُلبَس على قامة المعنى أو القصة أو الغرض دفعةً. وصَنّاع هذا القسم والمتكفِّل به فنّظروا إان.. ومن أهم مسائل هذا القسم التمثيلُ. ولقد أكثرَ القرآن من التمثيلات إلى أن بلغت الألفَ؛ لأن في التمثيل سرًّا لطيفًا وحكمةً عالية؛ إذ به يصير الوهمُ مغل الأمللعقل، والخيالُ مجبورًا للانقياد للفكر، وبه يتحول الغائبُ حاضرًا، والمعقولُ محسوسًا، والمعنى مجسّمًا، وبه يُجعَل المتفرق مجموعًا، والمختلطُ ممتزجًا، والمختلف متّحدًا، والمنقطع متصلًا، والأعزل مسلّحًا. وإن شئت التفصيل فاستمع معي ل ففينّم به صاحبُ "دلائل الإعجاز" في أسرار بلاغته؛ [٭]: "أسرار البلاغة" لعبد القاهر الجرجاني (المتوفي ٤٧١هی). طبع عدة طبعات منها في مطبعة احّات ومة سنة ١٩٤٨ بمصر وكتب حواشيه الأستاذ أحمد مصطفى المراغي، والفصل المذكور هو في ص١٢٨ من الطبعة المذكورة. حيث قال:
— 112 —
فصل في مواقع التمثيل وتأثيره
اعلم أنَّ مما اتفق العقلاءُ عليه، أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو بَلإيمانهي باختصار في معرضه، ونُقِلَتْ عن صُوَرها الأصلية إلى صورته،كساها أُبَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النفوس لها، ودعُ الواوبَ إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صَبابة وكلَفًا، وقَسَر الطِباع على أن تُعطيها محبة وشغفًا.
فإن كان مدحًا كان أبهى وأفخمَ، وأنبلَ في النفوس وأعظمَ، وأهزَّ للعِطْف، وأسرعَ للإلف، وأجلبَ للفرح، وأغلبَ على الممتدح، وأوجَبَ شفاعة ل
وا وأقضى له بغُرِّ المواهب والمنائح، وأسْيَرَ على الألسن وأذكرَ، وأولى بأن تعْلَقَه القلوبُ وأجدرَ.
وإن كان ذمًا كان مَسُّه أوجعَ، ومِيسمُه ألذَع، ووقعُه أشدَّ، وحدُّه أحدَّ.
وإن كان حِجذ مكننان برهانُه أنورَ، وسلطانُه أقهرَ، وبيانه أبهَر.
وإن كان افتخارًا كان شأوه أبعدَ، وشرفه أجدَّ، ولسانه ألدَّ.
وإن كان اعتذارًا كان إلى القلوب أقربَ، وللقلوب أخلبَ، وللسخائم أسلّ، ولغرب الغَضَبْ أفلَّ، وفي عُقَد العقلَهُمْثَ، وعلى حُسن الرجوع أبعثَ.
وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغَ في التنبيه والزجر، وأجدرَ بأن يَجْلي الغياية، [٭]: الغياية: كل شيبعد؛ فلَّ الإنسانَ فوق رَأسِهِ مثلُ السّحابة والغَبَرة والظِّلِّ ونحوِه؛ ومنه حديث هِلالِ رمضان: فإن حالَتْ دونه غَيايَةٌ أي سَحابَةٌ أو قَتَرة. (لسان العرب). ويبصر الغاية، ويُبرئ العليل، ويشفي الغليل...
يمزّقالحُكم إذا استقريتَ فُنونَ القول وضروبَهُ، وتتبعت أبوابَه وشُعوبه. انتهى..
* * *
ثم إنَّ في الآيات الآتية دلائل إعجاز وأسرار بلاغة فذكرناها هنا لموبسر اا لمسائل المقدمة الآتية.
— 113 —
فمثال التمثيل في مقام المدح:
ما ذكره القرآن في وصف الصحابة مِن
وَمَثَلهُمْ فِي الاْنْجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْئَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاستَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
(الفتح:٢٩). وقس نظائيُدهش وفي مقام الذم:
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ان تَحْمِل عَلَيه يَلْهَثْ أو تَتْركْه يَلْهَثْ
(الأعراف:١٧٦)، و
مَثَل الذين حُمّلوا التورية ثم لم واةُ با كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسفارًا
(الجمعة:٥)، و
اِنَّا جَعَلْنَا في اَعْنَاقِهِمْ اَغْلاَلًا فَهِيَ اِلَى الاْذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
(يس:٨)، وقس.
وفي مقام الاحتجاج والاستدلال:
ما، ويس كمثل الذي استَوقَدَ نارًا
(البقرة:١٧) و
او كَصَيِّبٍ مِن السماءِ فيه ظُلُماتٌ...
إلى آخره (البقرة:١٩)، و
ومَثَلُ الذين كفروا كَمَثلِ الذي يَنْعِق بما لا يسمع الّا دعاءً ونداءً
(البقرة:١٧١)، ظمتها الذين اتخذوا مِن دون اللّٰه اولياءَ كمثلِ العنكبوتِ اتخذتْ بيتًا
(العنكبوت:٤١)، و
أنزل من السماء ماءً فسالتْ أوديةٌ بقَدَرها فاحتملَ السيلُ زبدًا رابيًا ومإيمانكدون عليه في النار ابتغاءَ حليةٍ أو متاع زَبَدٌ مِثْلُه
(الرعد:١٧)، و
ضَرَبَ اللّٰه مثلًا رجلًا فيه شركاءُ مُتَشاكِسون ورجُلًا سَلَما لِرَجُلٍ هل يستويان مثلا
(الزمر:٢٩). وقس عليه.
ونظير مثال الافتخار وإن لم يُسمَّ بِّهِمًا بيانُ عظمته تعالى وكمالاته الإلهية قولُه تعالى:
وما قَدَرُوا اللّٰه حَقَّ قَدْرِه والأرضُ جَميعًا قَبْضَتُه يومَ القيامةِ والسمواتُ مطويّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وتعالى عما يشركون
(الزمر:٦٧) وقس عليه.
ومثال التمثيل في مقام ال الأزل لا يوجد إلَّا حكايات أهل الأعذار الباطلة للاحتجاج عليهم كقوله:
وقالوا قُلُوبُنا غُلْف
(البقرة:٨٨).
وقالوا قُلُوبُنا في اكنّة مما تدعونا إليه وفي اذانِنا وَقْرٌ ومِنْ بَيننا وبينك حِجَابٌ
(فصلت:٥)، وقس...
— 114 —
ومن الشعر:
لا تَحْسَبُا القلَّ رَقْصِي بيْنَكُمْ طَرَبٌ فَالطّيْرُ يَرْقُصُ مَذبُوحًا مِنَ الألمِ
ومثاله من الوعظ في وصف نعيم الدنيا:
ما ذكره القرآن مِن:
كمإنما هْثٍ أعْجَبَ الكفار نَبَاتُه ثم يَهيجُ فتريییه مُصْفرًّا ثم يكون حُطامًا
(الحديد:٢٠)، و
أَلَم تَرَ ان اللّٰه انزَل مِن السماءِ ماءً فَسَلكه ينابيعَ في الأرضِ ثم يُخرِجُ بهِ زَرْعا مُختلفًا ألوانيحةٌ ولزمر:٢١)، و
اِنّا عَرَضْنا الأمانةَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ فأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشفقنَ مِنها وحَمَلَها الإِنسانُ إِنه كانَ ظَلُومًا جَهُولًا
(الأحزاب:٧٢)، و
لو أنزلْنا هذا القرآنَ علىلحقّ أٍ لرأيتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللّٰه وتِلكَ الامثالُ نَضْرِبُها للناسِ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ
(الحشر:٢١)، و
فَمَالَهُمْ عَن الناس! ترِةِ مُعْرِضِينَ ٭ كَأنهُم حَمُرٌ مُستَنْفِرةٌ ٭ فَرَّتْ مِن قَسْوَرة
(المدثر:٤٩-٥١)، و
مثل الذين يُنفِقونَ أَموالَهُمْ في سبيل اللّٰه كَمَثلِ حَبةٍ اَنْبَتَتْ سَبْعَ سنابلَ في كلِّ سُنْبلة مائةُ حَبَّة
(البقرة الاتصو
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ..
(البقرة:٢٦٥).
وفي إحباط العمل الصالح بذة هناء والرياء:
أَيَوَدُّ أَحَدُكُم أن تكون له جنةٌ مِن نَخيلٍ وأَعْنابٍ تجري من تحتها الأنهارُ له فيها مِن كلِّ الثَّمَراتِ وأَصابَه الكِبَرُ وله ذُريةٌ ضُعَفاء فأصابَها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرَقَتْ
(البقرة:٢٦٦)
مثلُ الذينَ كَفَروا بِرَب د. م اعمالُهم كَرَمادٍ اشتدتْ به الريحُ في يومٍ عاصفٍ لايَقدِرونَ مِما كَسَبوا عَلى شيءٍ ذلك هو الضلالُ البعيدُ
(إبراهيم:١٨).
ومثاله من طبقات الكلام في مقام الوصف:
ثمَّ استوى الى السماءِ وهي دخانٌ فقالَ لها وللأرضبغرابت طَوْعًا أو كرهًا قَالتا أَتَيْنا طائِعين
(فصلت:١١)، و
قيلَ يا أرضُ ابلَعي ماءَك ويا سماءُ اقلعي وغيضَ الماء وقُضِيَ الأمر واستوتْ على الجُوديع الاسَ بُعدًا للقومِ الظالِمين
(هود:٤٤)، و
اَلَمْ تَرَ كيفَ ضَرَبَ اللّٰه مَثَلًا كلمةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ اصلُها ثابتٌ وفرعُها في السمد التيُؤتي أُكُلَها كلَّ حِينٍ بإِذنِ رَبِّها
(إبراهيم:٢٤-٢٥)، و
ومثلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتُثَّتْ مِن فوقِ الأرضِ مَالَها مِن قَرارٍ
(إبراهيم:٢٦)...
— 115 —
ومن الشعر:
والليلُ تَجري الدَّراري في مَجَرَّتِه كالرو فحقّ و على نهرِ أزاهيره
[٭]: قائله ابن النبيه المصري (ت ٦١٩ هی)، في مدح الأيوبيين.
اعلم أن في كل آية من هذه الآيات التمثيلية طبقاتٍ ومراتبَ وصورًا وأساليبَ متنوعة. كلٌّ منها -في كلٍّ منها- كفيلٌ وضامن لطائفة ه هذا قائق. وكما أنك إذا أخذتَ قواريرَ من فضةٍ وزيَّنتها بذَوب الذهب، ثم نقشتَها بجواهرَ، ثم صيّرتَها ذوات نور [٭]: ذوات أنوار. (ش). بإدراج "الألكتريق" [٭]: الكهرباء. ترى فيها طبقاتِ حُسنٍ وأنواعَ زينةٍ؛ كذلك في كلٍّ من تلك الآيات ت ومواقصد الأصليّ إلى الأسلوب التمثيليّ قد شُرِعَت إشاراتٌ ومُدّت رموزٌ إلى مقامات كأن أصلَ المقصد تدحرجَ على المراتب وأخذ من كلٍّ لونًا وحصةً حتى صارت تلك االنَظُّ من جوامع الكلماتِ بل من جَمعِ الجوامع.
فصل ومقدمة
اعلم أن المتكلم كما يفيد المعنى ثم يُقْنِیع العقلَ بواسطة الدليل؛ كذلك يلقي إلى الوجدان حسِّياتٍ بواسطة صوَر التمثيل، فيحرّك في القلب المَيلَ أو الناعتذار ويهيئُه للقبول. فالكلام البليغ، ما استفاد منه العقلُ والوجدانُ معًا، فكما يتداخل إلى العقل يتقطّر إلى الوجدان أيضًا. والمتكفِّل لهذين الوجهَيار البثيلُ؛ إذ هو يتضمن قياسًا وينعكس به في مرآة الممثَّلِ القانونُ المندمج في الممثّل به. فكأنه دعوى مدلَّل. كما تقول في رئيس يكابد البلايا لراحة رعيته: "الجبل العالي يتحمّل مشاقّ الثلج والبَرَد، وتخضرّ من تحته الأوديةُ". يذهب ثم إن أساس التمثيل هو التشبيه. ومن شأن التشبيه تحريكُ حسّ النَّفرة أو الرَّغبة أو الميلان أو الكراهية أو الحيرة أو الهيبة؛ فقد يكون للتعظيم أو التحقير أو الترغيب أو التنفير أو التشويه أو التزيين أو التلطيف إلى آخره... فبصورةِ الأسّدًا اوقَظ الوجدانُ وينبَّه الحسُّ بميلٍ أو نَفرة.
— 116 —
ثم إن مما يُحوِج إلى التمثيل عمقَ المعنى ودقّتَه ليتظاهر بالتمثيل، أو تفرُّقَ المقصد وانتشارَه ليرتبط به. ومن الأوّل متشابهات القرآن؛ إذ هي عند أهل التحقيق نوعٌ منشتمل عيلات العالية وأساليبُ لحقائق محضة ومعقولاتٍ صرفة؛ ولأن العوام لا يتلقَّون الحقائقَ في الأغلب إلّا بصورة متخيّلة، ولا يفهمون المعقولات الصرفة إلّا بأساليب تمثيلية، لم يكن بدٌّ من المتشابهات كی اِسْتوى عَلَى الْعَرْشِ (ار- لعف:٥٤) لتأنيس أذهانهم ومراعاة أفهامهم.
ثم إني استخرجتُ -فيما مضى من الزمان- من أُسِّ أساس البلاغة مقدِّمةً لبيان إعجاز القرآن ثنتَي عشرة مسألة. كلٌّ منها خيطٌ لحقائق [٭]: المقصود المقالة الثانية "عنصر البلاغة" من كتاب "محاكماها؟ كلة" (صيقل الإسلام). ولما ذُكرت هذه الآيات التمثيلية هنا -دفعةً- ناسبَ تلخيص تلك المسائل فنقول وباللّٰه التوفيق:
المسألة الأولى
إنَّ حديث "قوش البلاغة إنما هو نظمُ المعاني دون نظم اللفظ، كما جرى عليه اللفظيون المتصلّفون، وصار حبُّ اللفظ فيهم مرضًا مزمنًا إلى أن ردَّ عليهم عبد القاهر الجرجاني(٭) في دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وح
وان المناظرة معهم أكثرَ من مائة صحيفة.
ونظمُ المعاني:عبارة عن توخّي المعاني النحوية فيما بين الكلمات أي إذابة المعاني الحَرفية بين الكَلِم لتحصيل النقوش الغريبة. وإن أمعنتَ النظر لرأيت أن المجرى ا بالحقّ للأفكار والحسيات إنما هو نظمُ المعاني. ونظم المعاني هو الذي يشيَّد بقوانين المنطق.. وأسلوبُ المنطق هو الذي يتسلسل به الفكرُ إلى الحقائق.. والفكر الواصل إلى الحقائق هو الذي ينفُذُ في دقائق الماهيات ونِسَبها.. ونِسَبسيا اليات هي الروابط للنظام الأكمل.. والنظام الأكمل هو الصَدَفُ للحُسن المجرد الذي هو منبعُ كلِّ حُسن.. والحسنُ المجرّد هو الروضة لأزاهير البلاغة التي تسمى لطائفَ ومزايا.. وتلك الجنة المُزهرة هي التي يجولُ ويتنیزّه فيها البلابلُ المسمّاة بة والمء وعشّاقِ الفطرة.. وأولئك البلابلُ نغماتُهم الحلوة اللطيفة إنما تتولد من تقطيع الصدى الروحاني المنتشر من أنابيب نظم المعاني.
والحاصل:أنَّ الكائنات في غاية البلاغة قد أنشأها وأنشدها صانعُها فصيحةً بليغة، فكلُّ صورة وكٰه عنهمنها -بالنظام المندمج فيه- معجزةٌ من معجزات القدرة. فالكلام إذا
— 117 —
حذا حذوَ الواقع، وطابق نظمُه نظامَه حازَ الجزالةَ بحذافيرها. وإلّا فإنْ توجَّه إلى نظم اللفظ وقعَ في التصنّع والرياء، كأن النیزفي أرض يابسة وسراب خادع.
والسرّ في الانحراف عن طبيعة البلاغة أنه: لما انجذب واستعرب العجمُ بجاذبة سلطنة العرب صارت صنعةُ اللفظ عندهم أهمَّ، وفسد بالاختلاط مَلَكةُ الكلام المُضَريّ التي هي أساسُ بلاغة القرآن، وتلوَّن مَعكِسُ أسایزّه بقرآن؛ وإنما معدنها من حسّيات قوم "مُضَر" ومزاجهم. فاستهوى حبُّ اللفظ كثيرًا من المتأخرين.
تذييل:تزيينُ اللفظ إنما يكون زينةً إذا اقتضته طبيعةُ المعاني. وشعشعةُ صورة قيام إنما تكون حشمةً له إذا أذِن به المآلُ. وتنويرُ الأسلوب إنما يكون جزالةً إذا ساعده استعدادُ المقصود. ولطافةُ التشبيه إنما تكون بلاغةً إذا تأسّست علفظة سبة المقصود وارتضى به المطلوبُ. وعظمةُ الخيال وجولانُه إنما تكون من البلاغة إذا لم تؤلِم الحقيقةَ ولم تثقُل عليها، ويكون الخيال مثالًا للحقيقة متَسَنْبِلًا عليهمتوقفٌ شئت الأمثلة الجامعة لتلك الشرائط فعليك بتلك الآيات التمثيلية المذكورة قبل المقدمة.
المسألة الثانية
إنَّ السحر البياني إذا تجلّى في الكلام صيّرَ الأعراض جواهرَ، والمعانيَ أجسامًا، والجمادلأنعاماتِ أرواحٍ والنباتاتِ عقلاءَ، فيوقِع بينها محاورةً قد تنجرّ إلى المخاصمة، وقد تُوصل إلى المطايبة فترقُص الجماداتُ في نظر الخيال.
وإن شئت مثالًا فادخُل في هذا الضًا تكيُنَاجِينيَ الإِخْلَافُ مِنْ تَحْتِ مَطْلِهِ فَتَخْتَصِمُ الآمَالُ وَالْيَأْسُ في صَدْرِي
[٭]: لابن المعتز (دلائل الإعجاز ص . ٦١) وفي ديوان ابن المعتز: : أنَّى الأطراف بالوصل والقلى... ص ٢٢٦.
أو استمع معاشقةَ الأرض مع المطر في:
تَشَكَّى الأَرضُ غَيْبَتَهُ إلَيْهِ وَتَرْشُفُ مَاءَهُ رَشْفَ الرُضابِ
[٭]: للمتنبي في ديوانه ١/٢٦٣
فهذه الصورة إنما تسنبلت على تصوّت الأتردد بيابسة بنیزول المطر بعد تأخّرٍ. ولابد في
— 118 —
كل خيال من نواةٍ من الحقيقة نظيرَ هذا المثال، ولابد في زجاجةِ كلِّ مجازٍ من سراج الحقيقة، وإلّا كانت بلاغتُه الخيالية خرافةً بلا عِرقٍ لا تفيد إلّا حيرمؤلف م المسألة الثالثة
اعلم أن كمال الكلام وجمالَه وحُلَّتَه البيانية بأسلوبه. وأسلوبُه صورةُ الحقائق وقالبُ المعاني المتّخذ من قطعَات الاستعارة التمثيلية. وكأن تلك القطعاتِ "سيِمُوطُوغْرَاف" [٭]: الكتابة المتحركة، أصد؟
ينماطوغراف ثم اختصرت إلى سينما. خياليّ؛ كإراءة لفظِ "الثمرة" جنتَها وحديقتَها، ولفظِ "بارَزَ" معركةَ الحرب.
ثم إن التمثيلات مؤسسةٌ على سرّ المناسبات بين الأشياء، اء الغكاسات في نظام الكائنات، وإخطارِ أمور أمورًا؛ كإخطار رؤيةِ الهلال في الثريا في ذهن أبناء النخلة غصنَها الأبيض بالقدم المتقوس بتدلي العنقود. [٭]: لعل الأستاذ يقصد قول قيس بن خطيم:
وقد لاح في الصبح الي أمرهمن رأى كعنقود ملاحيّه حين نوّرا
أو قول ابن المعتز:
وأرى الثريا في السماء كأنها قد09Iبدت من ثياب حداد وفي التنزيل:
حَتى عادَ كالعُرجُون القديم
(يس:٣٩)
ثم إنَّ فائدأهلِ ابِ التمثيل كما في الآيات المذكورة هي أنّ المتكلم بواسطة الاستعارة التمثيلية يُظهر العروقَ العميقة، ويُوصل المعاني المتفرقة. وإذا وضع بيد السامع طرفًا أمكنَ لفع التجرّ الباقي إلى نفسه، وينتقل إليه بواسطة الاتّصال. فبرؤية بعضٍ يتدرج شيئًا فشيئًا -ولو مع ظُلمة- إلى تمامه. فمن سمِع من الجوهريِّ ما قال في وصف الكلام البليغ: "الكلام البليغ ما ثقب أنواعفكرةُ".. ومن الخمّار ما قال فيه: "ما طُبخَ في مراجل العلم".. ومن الجمَّال ما قال فيه: "ما أخذتَ بخطامِه وأنَخْتَهُ في مَبْرك المعنى" ينتقل إلى تمام المقصد بملاحظة الصنعة.
ثم إنَّ الحكمة في تشكل الأسلوب هي أقصدهم كلم بإرادته ينادي ويوقِظ المعانيَ الساكنة في زوايا القلب كأنها حفاةٌ عراةٌ. فيخرجون ويدخلون الخيالَ، فيلبَسون ما يجدون من الصور الحاضرة بسبب الصنعةِ أو التوغل أو الألفة أو الله است، ولا أقل من لفِّ منديلٍ من تلك الصنعة برأسه، أو الانصباغ بلونٍ ما. وما تجدُه في ديباجة الكتب من براعةِ الاستهلال مِنْ أظهرِ أمثلة هذه المسألة.
— 119 —
ثم إن أسلوب الكلام قد يكون باعتبار خيالِ المخاطَب كما في أساليب القرآن فلا تنسَ.
ثرضِ الراتب الأسلوب متفاوتةٌ، فبعضها أرقُّ من النسيم إذا سرى يُرمَز إليه بهيئات الكلام، وبعضها أخفى من دسائس الحرب لا يشمّه إلّا ذو دهاء في الحرب؛ كاستشمام الزمخشري(٭) مِن
مان الحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
(يس:٧٨) أسلوبَ "مَن يبرزُ إلى الميدان".
وإن شئت فتأمّل في الآيات المذكورة ترَ فيها مصداقَ هذه المسائل بألطف وجهٍ.
وإن شئت زُرِ الإمامَ البوصيريَّ(٭) وانظر كيف كتب "رَجَتَتَهُ" [٭]: وصفة طلرحمة.بأسلوب الحكيم في قوله:
وَاسْتَفْرغِ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قَدِ امْتَلأتْ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَةَ النَّدَمِ
ورَمز إلى الأسلوب بلفظ الحِمية. أو استمع هدهدَ سليمان كيف أومأا فلا ندسته [٭]: ومعرفته الماء تحت الأرض. (الكشاف). بقوله:
الّا يَسْجُدُوا للّٰه الَّذِي يُخْرِج الْخَبْءَ في السَّموَاتِ والارضِ
(النمل:٢٥).
المسألة الرابعة
اعلم أن الكلام إنما يكوها صححوّةٍ وقدرة إذا كان أجزاؤه مصداقًا لمَا قيل:
عِبَاراتُنا شَتى وَحسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشيرُ
بأن تتجاوبَ قيوداتُ الكلام ونظمُه وهيئته، ويأخذ كلٌّ بيَد الآخر ويظاهِرَه، ويمدّ كلٌّ بقَدَرِه الغرضَ اإشارة ِ مع ثمراته الخصوصية. كأن الغرضَ المشترك حوضٌ يتشرّب من جوانبه الرّطبةَ، فيتولد من هذه المجاوبةِ المعاونةُ، ومنها الانتظامُ، ومنه التناسبُ، ومنه الحُسنُ والجمال الذاتي. وهعن الفر من البلاغة يتلألأ من مجموع القرآن لا سيما في:
الیم ٭ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين
كما سمعتَه مع التنظير بقوله:
ولئن مسَّتهم نفيم في عذاب ربك
(الأنبياء:٤٦).
— 120 —
المسألة الخامسة
اعلم أن غِناء الكلام وثروتَه ووسعتَه هو أنه كما أن أصل الكلام يُفيد أصلَ المقصد؛ كذلك كيفياتيتم الئاته ومستتبعاتُه تشير وترمز وتلوّح إلى لوازم الغرض وتوابعه وفروعه، فكأنما تتراءى طبقةً بعد طبقة ومقامًا خلفَ مقام. وإن شئت مثالًا تأمل في
واذا
(فصلتهم لاتفسدوا في الارض
إلى آخره، و
واذا لقوا الذين آمنوا
إلى آخره، على الوجه المفسَّر سابقًا.
المسألة السادسة
اعلم أن المعاني المُجتناة من خريطة الكلام المأخوذةِ المنقوشة بی"فُوطُغْراف" التلفّظ على أنواع مختلفةٍ ومراتبَ متفاوتة. فبعتاريخ الهواء يُحسُّ به ولا يُرى.. وبعضها كالبخار يُرى ولا يُؤخذ.. وبعضها كالماء يُؤخذ ولا ينضبط.. وبعضها كالسبيكة ينضبط ولا يتعيّن.. وبعضها كالن قاسم المنتظم والذهب المضروب يتشخّص، ثم بتأثير الغرض والمقام قد يتصلّب الهوائي. وقد تعتَور على المعنى الواحدِ الحالاتُ الثلاثُ. ألا ترى أنه إذاهدة.
ر أمرٌ خارجي في وجدانك يتهيّج قلبُك؟ فيثير الحسياتِ فيتطايرُ معانٍ هوائية فيتولد ميولٌ، ثم يتحصّل بعضُها، ثم يتشكل من ذلك البعض قسمٌ، ثم ينعقد من ذلك القسم بعضٌ. ففي كلٍّ منالسماولطبقات يتوضّع وينعقد البعضُ، ويبقى البعض الآخر معلّقًا كمعلّقية بعضِ الصوت عند تشكّل الحروف، والتِّبنِ عند انعقاد الحبوب. فمن شأن البليغ أن يفيدَ بصريح الكلام ما تعلّق به الغرضُ واقتضاه المقامُ وطلبَه المخاطَبُ. ثم يُحيل الط الأستالأُخَر -بمقدار نسبة درجة القُرب من الغرض- على دلالة القيود، وإشارةِ الفحوى، ورمز الكيفيات، وتلويح مستَتبعات التراكيب، وتلميحِ الأساليب، وإيماءِ أطوار المتكلم. ثم إن من تلك المعاني المعريك أععانيَ حرفية هوائية ليس لها ألفاظٌ مخصوصة، ولا لها وطنٌ معيّن بل كالسَيَّاح السيَّار؛ قد يستتر في كلمة وقد يتشرّبه كلامٌ وقد يتداخل في قصة، فإن عصرتَ تقطَّر؛ كالتحسّر في: اِنِي وَآن.
ها اُنْثى (آل عمران:٣٦) والتأسف في "لَيْتَ الشَّبَابَ.. الخ". [٭]: البيت لأبي العتاهية وكامله : فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَومًا فَأُخبِرَهُ بِما صَنَعَ المَشيب والاشتياق والتمدح والخطاب والإشارة والتألّم والتحيّر والتعجب ون يُجمر وغيرِ ذلك. ثم إن شرط حُسن المعاشرة بين
— 121 —
تلك المعاني المتزاحمة تقسيمُ العناية والاهتمام على نسبة خدمتها للغرض الأساسيّ. وإن شئت مثالًا لهذه المسألة فمن رأس السورة إلى هنا مثالٌ بيّنٌ على الوجه المشروح سابقًا.
ال.
فالسابعة
اعلم أن الخيال المندمجَ في أسلوبٍ لابدّ أن يتسنبل على نواةِ حقيقةٍ، ويكون كالمرآة في أن ينعكس به -في المعنويات- القوانينُ والعلل المندرجة في سلسلة الخارجيات.
وفلسفة النحو التي هي المناسباتُ المذكورةُ في كُتبه أيضًا من هذا القبتلويحًا يقال: الرفعُ للفاعل، لأن القويَّ يأخذ القويَّ. وقس عليه..
المسألة الثامنة
اعلم أن سيبويه(٭) نصّ على أن الحروف التي تعَدّد معانيها كی"من" و"إلى" و"الباء" وغيرها، أصلُ المعنى فيها واحدٌ ير فإشل؛ لكن باعتبار المقام والغرضِ قد يتشرب معنًى معلّقًا، ويجذبه إلى جوفه، فيصير المعنى الأصلي صورةً وأسلوبًا لمسافره. وكذلك إن العارف بفقه اللغة إذا تألدعوى رَف أن اللفظ المشترك في الأغلب معناه واحدٌ، ثم بالمناسبات وقع تشبيهاتٌ.. ثم منها مجازات.. ثم منها حقائقُ عرفية.. ثم يتعدد. حتى إن "العين" التي معناه الواحد البصر أو المنهل، يُطلق على الشمس أيضا؛ً [٭]لماضيَين: عين الشمس. وعين الشمس: شعاعها الذي لا تثبت عليه العين. وقيل: العين الشمس نفسها، يقال: طلعت العين، وغابت العين. (لسان العرب لابن منظور). بالرمز إلى أن العالَم العلويَّ ينظر إلى العالم السفليِّ بها، أو أن ماء الحياة الذي هو الضياءُ يسيل مصنعة مالمنبع في الجبل الأبيض المُشرف، وقس!
المسألة التاسعة
اعلم أن أعلى مراتب البلاغة الذي يُعجِز الإرادةَ الجزئية والفكرَ الشخصيّ والتصور البسيط هو أن يحافظَ ويراعي وينظر المتكلمُ دفعةً نِسَب قيودِ الكلام وروابطِ الكلمات وموازنة ء صنعً التي يُظهِر كلٌّ مع الآخر نقشًا متسلسلًا إلى النقش الأعظم. حتى كأن المتكلمَ استخدم عقولًا إلى عقله، كالباني لقصر يضع الأحجار المتلونة بوضعية تحصل بها نقوشٌ غريبة من مناظرةِ وموازاةِ الكلِّمة الشكلِّ كی"العين" [٭]: من المعلوم أن أسماء الخلفاء الراشدين الأربعة رضي اللّٰه عنهم تبدأ بحرف "العين". حيث إن اسم أبي بكر "عبد اللّٰه". وقد استلهم بعض الخطاطين نقشًا بديعًا استعمل فيه حرف العين مشتركًا بين أسمائهم. في الخط المشترك بين أسماء "ال عرفتَ#122
الراشدين". ومن أظهر مسائل هذه المسألة قوله تعالى:
الیم ٭ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين
على ما سمعت سابقًا.
وأيضًا من أسباب علوّ الكلام أن يكون كشجرةِ النَّسَب يتسلسل متناسلًا إلى المقاصصابهم تتدلى على المقام والغرض.. وأيضًا من أسباب رفعةِ طبقة الكلام أن يكون مستعدًا لاستنباط كثير من الفروع والوجوه كقصة موسى على نبينا وعليه السلام.
المسنات: إعاشرة
اعلم أن سلاسة الكلام المنتجة لِلَطافته وحُلْوه هو أن تكون المعاني والحسياتُ المندمجة فيه ممتزجةً تتحدُ أو مختلفةً تنتظم؛ لئلا تتشربَ الجوانبُ قوّةَ الإفادة والغرض، بل ي اللفظلمركزُ القوّةَ من الأطراف.. وأيضًا من السلاسة أن يتعيّن المقصد.. وأيضًا منه أن يتظاهر ملتقى الأغراض.
المسألة الحادية عشرة
اعلم أن سلامة الكلام التي هي سببُ صحته وقوّته هي أن يكون الكلام بحيث يشير إلى إذا اسئ والدلائل، ويرمز إلى اللوازم والتوابع، وبقيود الموضوع والمحمول وكيفياتهما يومئ إلى ردِّ الأوهام ودفع الشبهات؛ كأنّ كلَّ قيدٍ جوابٌ لسؤال مقدّر.
وإن شئت مثالًا فعليك بفاتحة الكتاب.
المسألة الثانية َثَلًا اعلم أن الأساليب على ثلاثة أنواع:
أحدها:الأسلوب المجرّد، الذي لونه واحد، وخاصّته الاختصارُ والسليقية والسلامة والاستقامة. فهو أملس سويٌّ، ومحل استعماله المعاملاتُ والمحاورات والعلوم الآلية. وإن شئت مثالًا سلسًا منه فعليلى ، السيّد الجرجاني. [٭]: لعل المقصود هنا هو السيد الشريف الجرجاني. (ت ٨١٦ هی).
والثاني:الأسلوب المزيَّن، وخاصتُه التزيين والتنوير، وتهييج القلب بالتشويقالضرور23
التنفير. والمقامُ المناسب له الخطابيات كالمدح والذم وغيرهما والإقناعيات ونظائرهما. وإذا تحرّيت المثال المزيّن فادخل في "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" ترَ فيهما جِنانًا مزيّنة.
والثالث:الأسلوب العالي، وخاصتُه الشدة الخامة والهيبة والعلوية الروحانية. ومقامُه المناسب الإلهيات والأصول والحكمة. وإن شئت مثلًا بينًا وتمثالًا معجِزًا فعليك بی"القرآن" فإن فيه ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بليغ..
انتهى الفصل والمقدمة بتلخيى إليه* * *
ثم اعلم أن مدار النظر في آيتنا هذه، وهي: مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا... الخ
أوّلًا:نظمها بسابقها.. وثانيًا: النظم بين جملها.. وثالثًا: نظم كيفية جملة جملة؛ فمع استحضار ما مضى:
اعلم أن القرآن لمّا صرّح بحقيقة حال الماسبةً ونصّ على جنايتهم عقّبها بالتمثيل لثلاث نكت:
إحداها:تأنيس الخيال الذي هو أطوَعُ للمتخيَّلات من المعقولات، وتأمينُ إطاعةِ الوهم الذي ش.
#215لتشكيكاتُ ومعارضةُ العقل، وانقيادِه بإظهار الوحشي بصورة المأنوس، وتصويرِ الغائب بصورة الشاهد.
والثانية:تهييج الوجدان وتحريك نَفرته ليتفق الحسُّ والفكرُ بتمثيل المعقول بالمحسوس.
جب من ثالثة:ربط المعاني المتفرقة وإراءة رابطةٍ حقيقية بينها بواسطة التمثيل.. وأيضا الوضع نُصب عين الخيال ليجتني بالنظر الدقائقَ التي أهملها اللسانُ.
واعلم أن مآل جمل هذه الآية كما يناسب مآل موبها قصة المنافقين؛ كذلك يناسب آيةً آيةً منها. ألَا ترى أن مآل القصة أنهم آمنوا صورةً للمنافع الدنيوية.. ثم تبطنوا الكفرَ..
— 124 —
ثم تحيروا وترددوا.. ثم لم يتحرَّوا الحق.. ثم لم يستطيعوا الرجوع فيعرفوا. وما أنسبَ هذا بحال من مةُ ال لهم نارًا أو مصباحًا.. ثم لم يحافظوا عليها.. ثم انطفأتْ.. ثم أُظلموا.. ثم لا يتراءى لهم شيءٌ حتى يكون كلُّ شيء معدومًا في حقهم! فلِسُكون الليل كأنهم صُمّ، ول يتوثبالليل وانطفاء أنواره كأنهم عُميٌ، ولعدم وجود المخاطَب والمُغيث لا يستغيثون كأنهم بُكمٌ، ولعدم استطاعة الرجوع كأنهم أشباح جامدة لا أرواح لها.
ثم إن في المشبَّه به نُقَطًا أساسية تَُاءُ ملنقط الأساسية في المشبَّه. مثلًا: الظلمةُ تنظر إلى الكفر، والحيرةُ إلى التذبذب، والنار إلى الفتنة. وقس.
- إن قلت: إنَّ في التمثيل نورًا، فأين نورُ ايماء إ حتى يتم تطبيق التمثيل؟
قيل لك: إن لم يكن في الشخص نور، ففي محيطه يمكن له الاستنارة.. وإن لَمْ، ففي قومه يمكن الاستضاءة.. وإن لم، ففي نوعه يمكن له الاستفاِهِمْ إن لم، ففي فطرته كان يمكن له الاستفاضة كما مر.. وإن لم تقنع، ففي لسانه بالنظر إلى نظر غيره أو بالنظر إلى نفسه لترتب المنافع الدنيوية.. وإن لم، فباعتبار البعض من الذين آمنوا ثم ارتدّوا.. وإن لم، فيجوز أن يكون النور رون..
إلى ما استفادوا كما أن النار إشارة إلى الفتنة.. وإن لم ترضَ بهذا أيضًا، فبتنیزيل إمكان الهداية منیزلةَ وجودها، كما أشار إليه اشتروا الضلالة بالهدى فإنه هو الجار الْجُنُب [٭]: الجار الجُنُب: الم أك من قوم آخرين.(الصحاح في اللغة). للتمثيل.
أما وجه النظم بين الجمل: فاعلم أن نظم جملةِ
مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا
مناسبتُها للموقع.
نعم، حالُ هذا المستوقد على هذه الصتَي الابق مقتضى حالِ الصفِّ الأول من مخاطَبي القرآن، وهم ساكنو جزيرة العرب؛ إذ ما منهم إلّا وقد عرفَ هذه الحالة بالذات أو بالتسامع، ويحسّ [٭]: وأحسّ (ش). بدرجة تأثيرها ومُشَوَّشِيَّتِها؛ إذأمارةًظُلم الشمسِ يلتجئون إلى ظُلمة الليل فيسيرون فيها. وكثيرًا ما يُغمّى عليهم السماءُ فيصادفون حَزْنَ الطرق، وقد ينجر بهم الطريق إلى الورطة.. وأيضًا قد يالُه تفي معاطِف الكهوف المشحونة بالمؤذيات فيضلّون
— 125 —
الطريق فيحتاجون لإيقاد النار أو اشتعال المصباح ليُبصروا رفقاءهم حتى يستأنسوا ويروا أُهبتهم وأشياءهم كي يحافظوا عليها، ويعرفوا طريقهم ليذهبوا فيها ويتراءى لهم الضواري والمهالك ليجتنبوا. فبينمواقعة ستضاؤوا بنورهم إذ اختطفَتهم آفةٌ سماوية.. وبينما هم في ذروة كمال الرجاء وآنِ الظفر بالمطلوب إذ سقطوا في حضيض اليأس المطلق. فنصَّ على هذا الحال بقوله:
فلما أضاءت ما حوله ذهب القرآه بنورهم
اعلم أن هذه "الفاء" تشير إلى أنهم أوقدوا النار ليستضيئوا فأضاءت فاطمأنوا بالاستضاءة فتعقّبهم الخيبةُ وسقطوا في أيديهم. وما أشدَّ تأثير العدم عليهم في آن انتظار الحصول! ثم إن هذه الشرطية تستلز (الإسزام الإضاءة لذَهاب النور. وخفاءُ هذا الاستلزام يشير إلى تقدير ما يظهر به اللزومُ هكذا: فلما أضاءت استضاؤوا بها فاشتغلوا.. فلم يحافظوا.. فلم يهتموا بها، ولم يعرفوا قدرَ النعمة فيها.. فلم يمدّوها.. فلم يديموها؛ فانعظيم ل لأنه لمّا كانت الغفلةُ عن الوسيلة للاشتغال بالنتيجة -بسر:
اِنَّ الاِنْسَانَ لَيَطْغَى ٭ اَن رَآهُ اِسْتَغْنَى
(العلق:٦-٧) - سببًا لعدم الإدامة المستلزِم للانطفاء، كان كأن نفسَ الإضاءةِ سببٌ لذَهاب النور.
أما جملة وتركهواع عبلمات فبعدما أشار إلى خُسرانهم بذَهاب النِعم، بزوال النور، عقّبه بخِذلانهم بنیزول النِقم، بالسقوط في الظلمات.
أما جملة لا يبصرون فاعلم أن الإنسان إذا أُظلِمَ عليه وأضلَّ السبيلَ، فقد يسكنُ ويتسلّى برؤية رفقائه ومُرالجملةِإذا لم يُبصِرهما كان السكونُ مصيبةً عليه كالحركة بل أوحشَ.
أما صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون فاعلم أن الإنسان إذا وقع في مثل هذا البلاء قد يتسلَّى ويأمل ويرجو النجاةَ من جهات أربع مترتبة:
فأولًا: يرجو أن كمثل ناجي الخَلْق من القُرى أو أبناء السبيل؛ إن يستمِدَّ يُمدّوه. ولمّا كانت الليلة ساكنةً بَكماءَ استوى هو والأصمُّ، فقال: صم لقطع هذا الرجاء.
وثانيًا: يأمل أنه إن نادى أو استغاث يُحتمل أن يسمعَ أحدٌ فيُغيثه، ولمّا كانت الليلة ص التفكان ذو اللسان والأبكمُ سواءً، فقال: بكم لإلقامهم الحجرَ بقطع هذا الرجاء أيضًا.
— 126 —
وثالثًا:يأمل الخلاصَ برؤية علامةٍ أو نار أو نيّرٍ، تشير له إلى هدف المقصد. ولمّا كانت الليلة طاميةً رمداءَ عبو ص ٧/٢ياءَ، كان ذو البصر والأعمى واحدًا، فقال: عميٌ لإِطفاء هذا الأمل أيضًا.
ورابعًا:لا يبقى له إلّا أن يجهَد في الرجوع، ولمّا أحاط به الظلمةُ كان كمَن دخل في وحلٍ باختياره وامتنعَ عليه الخروج. نعم، كم من أمرٍ تذهب إليه باختيارٍ ثم يُسلَم الهد الاختيارُ في الرجوع عنه، تُخلّيه أنت ولا يُخلّيك هو، فقال تعالى: فهم لايرجعون لسدّ هذا الباب عليهم وقطعِ آخر الحبل الذي يتمسكون به، فسقطوا في ظلمات اليأس والتوحّش والسكونة والخوف.
أما الجهة الثالثة، أعني: نظمَ قيودات جالعواملة، فانظر إلى مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا كيف تتطاير شراراتُ النُكَت من قيوداتها.
أما لفظ "المَثَل" فإشارةٌ إلى غرابة حال المنافقين وأن قصتهم أعجوبةٌ؛ إذ المَثَل هو الذي يجول على الألسنة ويتناقله الناسُ لتضمنه للثقافة؛ إذ أخصُّ صفاته الغرابةُ. ثم لاندماج قاعدة أساسية في الأمثال يُقال لها: "حِكمةُ العوام" و"فلسفةُ العموم". فالمراد بالمثَل هنا، صفتُهم الغريبة وقصتُهم العجيبة وحالُهم الشنيعة. ففي التعبير بالمَثَل مجازًا إشارةٌ إلى الغرابة، وفي بقاتِ ة رمزٌ إلى أن مِن شأن صفتهم أن تدور على لسان النَّفرة والتلعين كضرب المَثل.
وأما "الكاف":
- فإن قلت: إنْ حُذف كان تشبيهًا بليغًا فهو أبلغ؟
قيل لك: الأبلغ في هذا المقام ذكرُه، إذ التصريحُ به يوقظ الذهنَ ن الحقظر إلى المثال تبعيًا، فينتقل عن كل نقطةٍ مهمة منه إلى نظيرها من المشبَّه. وإلّا فقد يتوغل فيه قصدًا فتفوتُ منه دقائقُ التطبيق.
وأما "المَثَل" الثاني فإشارة إلى أن حال المستوقِد وع في ه ووجودِه في حسّ العموم كان في حُكم ضرب المثل.
وأما الذي
— 127 —
- فإن قلت: كيف أفردَ مع أنهم جماعة؟
قيل لك: إذا تساوى الجزء والكل والفرد والجماعة ولم يؤثر الاشتران. وكلفة الفرد زيادة ونقصانًا جاز الوجهان، مثل كمثل الحمار [٭]: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُوكذا هَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّٰهِ وَاللّٰه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة:٥). ففي إفراده إشارةٌ إلى استقلال كلِّ فرد في تمثّل الدهشة وتصوير شناعتهم، أو كان الذي "الذين" فاختُى رجل وأما استوقد فسينُه إشارة إلى التكلّف والتحري. وفي إفراده مع جمع الضمير في بنورهم رمز لطيفٌ إلى أن فردًا يوقدُ لجماعةٍ. ولقد ألطفَ في الإفراد إيقادًا والجمعِ استنارة.
وأما نارًا بدلَ "ابفقد ا" أو غيره، فإشارة إلى المشقة في نور التكليف، ورمز إلى أنهم يوقدون تحت النور الظاهري نارَ فتنةٍ. وأما تنكيرُه فإيماء إلى شدة احتياجهم حتى إنهم يرضون بأية نارٍ ظاهرُه ثم أجِلِ النظرَ فيما حول جملة
فلما أضاءت ما حوله ذهب اللّٰه بنورهم
لترى كيف تضيء قيوداتُها على ظلماتِ الدهشة التي هي الغرضُ الأساسي. ولقد سمعتَ في "المسألة الرابعة" أن قوة الكلام بتجاوب اوفنون
أما "الفاء" فإيماءٌ إلى أن هجوم اليأس المطلق يعقُب كمالَ الرجاء.
وأما لما فلتضمنه قياسًا استثنائيًا مستقيمًا مع دلالته على تحقق المقدَّم، يُنتج تحققَ التالي وقطعَ التسفي أجز وأما أضاءت فإشارة إلى أن الإيقاد للاستنارة لا للاصطلاء. وفيه رمز إلى شدة الدهشة إذ ما أفاد لهم الإضاءةُ إلّا رؤيةَ المهالك والعلمَ بوجودها، ولولاها لأمكن مغالطةُ النفس وتسكينُهروا الوأما ما حوله فإشارة إلى إحاطة الدهشة من الجهات الأربع، وإلى لزوم التحفظ بالإضاءة عن هجوم الضرر عن الجهات الست.
وأما ذهب فلأنه جزاءُ الشرط لا بد أن يكون لازمضمنية.خفاء اللزوم -كما مرّ-
— 128 —
يرمز إلى أنهم لم يتعهدوها ولم يعرفوا قَدْرَ النعمة فيها. فبنفس الإضاءة أُخذوا عن أنفسهم وأنساهم البطرُ والفرحُ تعهّدها فأخذها اللّمن الإم..
وأما إسنادُ ذهب إلى اللّٰه فإشارة إلى قطع رجاءين: رجاءِ التعمير ورجاءِ الرحمة؛ لأنه يشير إلى أن الآفة سماويةٌ لا تقبل التعمير، ويرمز إلى أنه جزاءٌ لقصور المرء بمحتوا يأخذه اللّٰه تعالى. فينقطع المتمسك به عند انقطاع الأسباب، وهو أملُ الرحمة. إذ لا يُستعان من الحق على إبطال الحق.
وأما "الباء" فإشارة إلى اليأس عن العَود؛ إذ لا رادَّ لما أخذه اللّٰه للفرق البيّن بين ذهبَ با من استصحبَه، وبين أذهَبه أي أرسله، وذهب أي انطلق؛ لإمكان العَود في الآخرَين دون الأول.
وأما "النور" ففيه إيماء لطيف إلى تذكُّر حالِهم على الصراط.
وأما الإضافة في "هُمْ" المفيدةُ دون أاص، فإشارة إلى شدّة تأثرهم؛ إذ مَن انطفأت نارُه فقط مع أن نار الناس تلتهب أشدُّ تألمًا.
وللّٰه درّ التنیزيل ما ألطفَه في فنون البلاغة! ألَم ترَ كيف توجهت هيئاتُها إلى الغرض الكلّيّ، أعني الدهشةَ مع اليأس، كالحوض فيإن لم الأودية؟.
ثم أمعِن النظرَ في
وتركهم في ظلمات لا يبصرون
أما "الواو" فإشارة إلى أنهم جمعوا بين الخسارتين؛ سُلبوا ضياءً، وأُلبسوا ظلمةً.
أما البشر" بدلَ "أبقى" أو غيرِه فإشارة إلى أنهم صاروا كجسد بلا روح، وقشر بلا لبّ. فمن شأنهم أن يُترَكوا سُدًى ويُلقَوْا ظِهريًا.
وأما في فرمزٌ إلى أنه انعدمَ في نظرهم كلُّ شيء، ولم يبق إلّا عنوانُ العدم، وهو الظلمة فصارت ظرفًا وقبرًا لهم.
وأصماخهم ظلمات فإيماء إلى أن سَواد الليل وظلمةَ السحاب أولَدتا في روحهم ظلمةَ اليأس والخوف، وفي مكانهم ظلمةَ التوحش والدهشة، وفي زمانهم ظلمةَ السكون
— 129 —
والسكوت، فأحاطت بهم ظلماتٌ متنوعة.. وأما تنكيرها فإلهية ألى أنها مجهولة لهم، لم يسبق لهم ألفَةٌ بمثلها فتكون أشدَّ وقعًا.
وأما لا يبصرون فتنصيص على أساس المصائب، إذ مَن لم يرَ كان أَرْأَى للبلايا، وافتخارلبصر يُبصِر أخفى المصائب. وأما المضارِعية فلتصويرِ وتمثيلِ حالهم نصبَ عين الخيال ليرى السامع دهشتهم فيتحسسَ بوجدانه أيضًا.
وأما تركُنواع اول فللتعميم، أي لا يرون منافعهم ليحافظوها، ولا يُبصرون المهالك كي يجتنبوا عنها، ولا يتراءى الرفقاءُ ليستأنسوا بهم، فكأن كلَّ واحد فردٌ برأسه.
ثم انظر إلى جُمل صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لاالتجارن لتسمع ما تتناجى به؛ إذ هذه الأربعة حدٌّ مشترك بين الممثَّل [٭]: لعل المراد الممثَّل له. والممثَّل به، وبرزخ بينهما ومتوجهة إليهما؛ تتكلم عن حال الطَرفين. ومرآة لهع تلمييك شأنَهما. ونتيجةٌ لهما تُسمعك قصتهما.
أما الجهة الناظرة إلى الممثَّل به:
فاعلم أن مَن سقط في مثل هذه المصيبة يبقى له رجاءُ النجاة باستماع نجوى مُنجٍ، فاستلزمت أبكميةُ الليلة أصمّيّتَه.. ثم إسماع مغيثٍ، فاقتضت أصميةُ الليل أبكميتَه.. ثأُسلوبى برؤية نار أو نيّر فانتج تعامي الليلِ عُمْيَه.. [٭]: أي عَماه. ثم العَود إلى بدءٍ، فانسدّ عليه الباب كمَن سقط في وحل كلما تحرك انغمس..
وأما ال إذ الناظرة إلى الممثَّل:
فاعلم أنهم لمّا وقعوا في ظلمات الكفر والنفاق أمكن لهم النجاةُ عن تلك الظلمات بطرق أربعة مترتبة:
فأوّلًا:كان عليهم أن يرفعوا رؤوسهم ويستمعوا إلى التكون لغوا إلى إرشاد القرآن، لكن لما صارت غَلغَلة [٭]: غلغل الشيء في الشيء: أدخله فيه، على تعب وشدة. الهوى مانعةً لأن يخلُص صدى القرآن إلى رس وال، وأخذ التهوّس بآذانهم جارًّا لهم عن تلك الطريق، نعى عليهم القرآنُ بقوله: صم إشارةً إلى انسداد هذا
— 130 —
الباب، ورمزًا إلى أن آذانهم كأنها قطعت وبقيت ثقبات مشوّهة أو قِطعات متدلية في جوانب رؤوسهم.
وثانيًا:لابد لهم أن يَخفضوا رؤما فإويشاوروا وجدانَهم، فيسألوا عن الحق والصراط، لكن لما أخذ العنادُ على يد لسانهم وجرَّه الحقدُ من خلف إلى الجوف، ألقمَهم القرآن الحجرَ بقوله: بككل في رة إلى انسداد هذا الباب أيضًا في وجوههم، ورمزًا إلى أنهم بالسكوت عن الإقرار بالحق كانوا كمن قُلع لسانُه فبقي الفمُ ككهفٍ خلا عن ساكنِهِ مشوِّهًا للوجه.
وثالثًا:لَزِمهم أن يُرسلوجرة زقر العِبرة لتجتني لهم الدلائلَ الآفاقية، لكنْ وضَعَ التغافلُ يدَه على عيونهم، وردّ -وطرَد- التعامي الأنظارَ إلى أجفانهم، فقال القرآن: عميٌ إشارةً إلى أنهم عمهوا [٭]: تحيروا في طريقهم أو أن بعض عن هذا الطريق أيضًا. ورمزَ بحذف أداة التشبيه إلى أن عيونهم التي هي أنوارُ الرأس كأنها قُلعت فبقيت نُقَرات مشوّهة في جباهِهم.
ورابعًا:لابد من أن يعرفوا قبح حالهم القبيح، ليتنفّروا، فيندموا، فيتوبوا، فيرج[٭]: كن لمّا زيّنت لهم أنفسُهم -لأجل فساد الفطرة بالإصرار وغلبةِ الهوى والشيطان- تلك القبائحَ، قال القرآن: فهم لايرجعون إشارة إلى انسداد عناية طرق عنهم، ورمزًا إلى أنهم وقعوا باختيارهم فيما لا اختيار لهم في الخروج كالمضطرب في بحر الرمل.
* * *
— 131 —
اَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ إضافةَلُونَ اَصَابِعَهُمْ فِي اذانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللّٰه مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ١٩ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ اَبْصَارَهُمْ كُلَّما اَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَاِذَا اَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُة من تَوْ شَاءَ اللّٰه لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَاَبْصَارِهِمْ اِنّ اللّٰه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٢٠
اعلم أن مدار النظر في هذه الآية أيضًا من ثلاثة وجوه: نظمُها بسابقتها، والنظمُ بين جملها، ثم النظر بين هيئات جملةٍ جمل هذه نلُها في الارتباط كمثل الأميال العادّة للساعات والدقائق والثواني.
أما وجه النظم بينها وبين سابقتها فهو: أنه كرّر التمثيلَ وأطنب في التصوير، إشارة إلى احتياج تصوير حال المنافقين في دهشتهم وحيرتهم إلى نوعين منه، إذ:
خلاصة التبسر اللأول هي:أن المنافق يرى نفسَه في صحراء الوجود منفردةً عن الأصحاب، مطرودةً عن جمعية الكائنات، خارجةً عن حُكم شمس الحقيقة. يصير كلُّ شيء في نظره معدومًا ويرى المخلوقات أجنبية كلَّها، ساكنةً وساكتةا أثَّلى عليها الوحشةُ والخمود. وأين هذا من حال المؤمن الذي يرى بنور الإيمان كلَّ الموجودات أحبّاءه ويستأنس بكل الكائنات؟.
وخلاصة التمثيل الثاني هي:أن المنافق يظن أن العالَم بأجزائه ينعى عليه بمصائبه ويهدده ببلاياه لى الحعليه بحادثاته ويحيط به بنوازله، كأن الأنواع اتفقوا على عداوته فانقلب النافعُ ضارًا. وما هذه الحالة إلا لعدم نقطتي الاستمداد والاستناد كما مرَّ.
وأين هذا من حال المؤمن الذي يسمع بالإيمان تسبيحاتِ الكائنات وتبشيراتِها؟
وأييكون برارُ التمثيل إيماء إلى انقسام المنافقين إلى الطبقة السفلية العامية المناسِبة للتمثيل الأول، وإلى الطبقة المتكبرة المغرورة الموافقة للتمثيل الثاني.
وأما مناسب وأما التمثيل لمقامه بالنظر إلى السامع فهي أن الصف الأول من مخاطبي
— 132 —
القرآن أبناءُ الفيافي يفترشون الصحارى ويتخيّمون بفسطاط السماء. وما منهم إلّا وقد رأى بنفسه أو سمع من أبناء جنسه مثل هذه الحادثة حتى استلَيْهِا حسُّ العموم؛ بحيث تؤثّر فيه كضرب المثَل.
وأما مناسبته للتمثيل الأول فأظهرُ من أن يَخفى، إذ هو كالتكملة والتتمة له، مع الاتحاد في كثير من النقط.
وأما مناسبة التمثيل للممثَّل له فبخمسة وجوه:
على اا: وقوعُهما كليهما في شدة الحيرة، بانسداد كلِّ طرق النجاة عليهم، وبأنْ ضلّ جميعُ أسباب الخلاص عنهم.
ومنها: وقوعهما في شدة الخوف، حتى يتخيلُ كلٌّ من المشبَّه والمشبَّه به، أن الموجودات اتفقت على عداوته، ولا يأمَن من بقائه في كل دقيقة.
ضافة اا: وقوعهما في شدة الدهشة المنتجة لاختبال العقل حتى إن كلًّا منهما يتَبَلَّه. كمثل مَن يرى برق السيوف فيتحفظ بغَمضِ بصره أو يسمع تَقْتَقَة البنادق فيتجنّب عن الجرح بسد سمعه. أول، وغرمَن لا يحب غروبَ الشمس فيُمسك دولاب ساعته لئلا يدور جرخُ الفَلك الدَّوّار، فما أخبَلهم! إذ الصاعقةُ لا تنثني بسدّ الأسماع، والبرقُ المُحرق لا يترحم عليهم بغضِّ الأبصار. ومن هنا يُرى أنْ لمْنا لهلهم مَمسَك.
ومنها: أن الشمس والمطر والضياء والماء كما أنها منابعُ حياة الأزاهير وتربيةِ النباتات، وسبب تعفن الميتات ونَتن القاذورات؛ كذلك إن الرحمة والنعمة إذا لم تَصادفا موقعَهما المنتظحيرت فا والعارف بقيمتهما، تنقلبان زحمةً ونِقمة.
ومنها: أنه كما يوجد التناسب بين المآلين الذي هو الأصل في انعقاد الاستعارة التمثيلية بلا نظر إلى تطبيقن التماء؛ كذلك يوجد مناسباتٌ هنا بين أجزائهما؛ إذ الصيِّب حياةُ النباتات كما أن الإسلاميةَ حياةُ الأرواح، والبرق والرعد يشيران إلى الوعد والوعيد، والظلماتُ تريك شبهاتِ الباسه- كوكَ النفاق.
وأما وجه النظم بين الجمل:
— 133 —
فاعلم أن التنیزيل لمّا قال: أو كصيب من السماء مشيرًا إلى أنهم كالذين اضطروا إلى السفر في صحرامن السة في ليلة مظلمة تحت مطر شديد، كأن قطراتِه مصائبُ تصيب مَرماها بصَوبها وقد ملأت الجوّ بكثرتها؛ استيقظ ذهنُ السامع منتظرًا لبيان السبب في أنْ صار الصيّبُ الذي هو في الأصل رحمةٌ مرغوبةٌثة، أًَ هائلةً، فقال مصورًا لدهشته: فيه ظلمات مشيرًا إلى أن المطر كما هو ظرفٌ لظلمة السحاب ولكثافته؛ كذلك لأجل عمومِه وكثرته وإحاطته كأنه ظرفٌ للّيلة المُتَفَتِتَة قطراتٍ مسودةً بين قطراته.. ثم ما من سامع يسمع فيه ظلمات إلَّا وينتظر لبيان. كأول في كلم سمع صدى الرعد من ذهن السامع فقال: ورعد مشيرًا إلى تهويل الحال وتشديدها بأن السماء -أميرَ [٭]: قد تذكَّر السماءُ وإن كانت مؤَنَّثة، كقوله تعالى: (السَّمهما علُنفَطِرٌ بِه).
الموجودات- عزمتْ على إهلاكهم، وتصيح عليهم برعدها؛ إذ المصابُ المدهوش يتخيل من الكائنات المتعاونة على إضراره حركةً مزعجة تحت سكونها، ونطقًا مهيبًا تحت سكوتها. فإذ سمع الرعدَ توهَّم أنها تتكِ الصا يهدده وتصيح عليه؛ إذ بالخوف يحسب كلَّ صيحةٍ عليه.. ثم إن السامع لا يسمع الرعدَ إلّا ويستهل فيبرق في ذهنه رفيقه الدائميّ، ولذلك قال: وبرق مشيرًا بالتنكير إلى أنه غريبٌ عجيب. نعم، هو في نفسه عجيب؛ إذ بتولّده يموت عالَمٌ من الظوفهرس،تطوى وتلقى إلى العدم، وبموته فجأة يحيى ويحشر عالمٌ من الظلمات. كأنه نار حينما تنطفئ تورث مِلءَ الدنيا دخانًا. ومن شأن المصاب بها أن يمعن النظر ولا يمرّ بنظر سطحي[٭]: ي على الألفة والمناسبة حتى يتكشف عن دقائق صُنع القدرة..
ثم بعد هذا التصوير كأن ذهنَ السامع يتحرك سائلًا: كيف يعملون؟ وبِمَ يتشبثون؟ فقال: يجعلو رجال عهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت مشيرا إلى أن لا مناص ولا ملجأ ولا منجى لهم حتى إنهم كالغريق يتمسكون بما لا يُتَمَسك به. فمن التدهّش يستعملون الأصابع موضع الأنامل كأن ال يرجعوضرب على أيديهم فيُدخلون الأصابع من الوجع في الآذان، ومن التبلّه أنهم يسدّون الآذان لئلا تصيبهم الصواعق.. ثم بعد هذا يتحرى ذهنُ السامع سائلًأن هذهمَّت المصيبةُ أم خَصّت فيُرجى؟ فقال: واللّٰه محيط بالكافرين مشيرًا إلى أن هذه المصيبة جزاءٌ لكفرانهم النعمة. يؤاخذهم اللّٰه تعالى به لشذوذهم عن القانون الإلهي المودَع في الجمهور. ثالانتظسمع شدةَ الرعد يحدّث نفسه بی"أَلَا يفيدُهم البرق بإراءة
— 134 —
الطريق"؟ فقال: يكاد البرق يخطف أبصارهم مشيرًا إلى أنه كما أن الرعد يعاديهم فلا يستطيعون السمعَ؛ كذلك البرقُ يخاصمهم بإضاءته فيُظلمر قرْمَهم.. ثم بعد سماع تجاوب الكائنات على عداوتهم ينادي ذهنُ السامع بی"فما مصير حالهم وما يفعلون؟ وبمَ يشتغلون؟" فقال:
كلما أضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا
مشيرًا إخبرٌ مم مشوشون مترددون متحيّرون مترقبون لأدنى فرصة ولأدنى رؤية للطريق. فكلما تراءت لهم يتحركون، لكن كحركة المذبوح لاضطراب أرواحهم، ويتخطّون خطى يسيرة مع علمهم بأن لا فائدة، وكلما غشيَتهم الوما آمفجأة ينجمدون في مقامهم.. ثم يستعد ذهنُ السامع للاستفسار بی"لِمَ لا يموتون أو يعْمَون أو يَصَمُّون بالمرّة فيخلصون عن الاضطراب؟" فقال:
ولو شاء اللّٰه لذهب بسمعهم وأبصارهم
أي ليسوا مستحقين للخلاص من الاضطراب، ولهذا لا تتعلق المشيئةُ بإماتق عاقبلو تعلقت لتعلقت بذَهاب سمعهم وبصرهم. ولكنّ بقاءَ السمع لاستماع العقاب ووجودَ البصر لرؤية العذاب أجدرُ بمن شذّ ونشَزَ عن قانونه تعالى..
ثم إنَّ هذه القصة لما احتوت على نقاط يتلوّح من معاطفها استطرادًا: العظمةُ والقدرة الإلهية وتصرّفاره اللى في الكائنات، ولاسيما يتذكّر السامع تبعًا في تلافيفها عجائب الرعد والبرق والسحاب، كان من حق السامع المتيقظِ وجدانُه أن يعلن ويقول: "سبحانه ما أعظمَ قدرةَ مَنْ هذه الكائنات تَجَلِّي هيبتِه، وهذه البه العُ تَجلِّي غضبه". فقال:
ان اللّٰه على كل شيء قدير
وأما نظم هيئات جملة جملة:
فاعلم أن أو في أو كَصَيِّب إشارة إلى انقسام حال الممثّل إلى قسمين، ورأخير ي تحقيق المناسبة بين التمثيلين وبينهما وبين الممثَّل له، وإيماء إلى مسلَّمية المشابهة.. وأيضًا متضمنٌ لی"بل" التَرْقِيَة؛ [٭]: أي التي تفيد معنى الترقي. إذ التمثيل الثاني أشدُّ هَوْلًا.
وأن كَصَيِّب لعدم مطابقته للمَمثّل يقتضي تقديرَا هم ا، والسكوتُ عن إظهار المقدَّر للإيجاز، والإيجاز في اللفظ لإطناب المعنى بإحالته على خيال السامع بالاستمداد من المقام. فبعدم المطابقةِ كأنه يقول: أو كالذين سافروا في صحراءَ خاليةٍ وليلةٍ مظلمة فأصابتهم مصائبُ بصيّبٍ.
— 135 —
وأن العدول عن لفظلضياء المأنوس المألوف إلى الصيّب رمز إلى أن قطرات ذلك المطر كمصائبَ تُرمى إليهم بقصدٍ فتصيبُهم مع فقد الساتر عليهم.
وأن ذكر من السماء مع بداهةِ أن المطر لا يجيء إلّا من جهتها، إيماءٌ بالتخصيص إلى التعميم، وبن حال د إلى الإطلاق نظيرَ التقييد في
ومَا مِنْ دابّةٍ في الأرضِ ولا طائر يطير بجناحيه
(الأنعام:٣٨) أي مُطبِقٌ آخذٌ بآفاق السماء. وما استدل بعضُ المفسرين بلفظ من السماء هنا وفي آيةِ
ويُنَزِّلُ من السماءِ من جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ
(الكثر مم) على نزول المطر من جِرم السماء حتى تَخيل "بعضٌ" وجودَ بحرٍ تحت السماء، فنظرُ البلاغة لا يرى عليه سكةَ الحقيقة. بل المعنى: من جهة السماء، والتقييدُ لمَا عرفت. وقد قيل: السماء ما علاك. فالسحاب كالهواء بلة ال%
وتحقيق المقام:هو أنك إن نظرتَ إلى القدرة، تتساوى الجهاتُ، أي يمكن النیزول من أية جهة كانت؛ وإن نظرت إلى الحكمة الإلهية المؤسِّسة للنظام الأحسن في الأشياء سلام فزِم لمحافظة الموازنة العمومية المرجِّحة لأقرب الوسائل، فالمطر إنما هو من تكاثف البخار المائي المنتشر في كرة الهواء التي أحدُ أجزائها العشرة ذلك البخار المائيّ المنتشر في أعماقها.
وتوضيحه:أن ذراتِه إذا أمرَتها الإرشريع فلإلهية، يتمثل كلٌّ، ويتسللنَ من الأطراف، ومن كل فجٍ عميق. فيتحزَّبن سحابًا هامرًا. ثم بإرادةِ آمرها يشتدّ تكاثفُ بعضٍ فتصير قطراتٍ تأخذها بأيديهم الملائكةُ الذين هم ممثلو القوانين ومَعكس النظامات، لئلا يزاحِمَ ويصادم بعضٌ بعضًا، ا مثلُها على الأرض. ولأجل محافظة الموازنة في الجوّ لابد من بدلِ ما يتحلّل بالتقطر، فيُبخَّر البحرُ والأرضُ فيملأ منازلها. وأما تخيّل بعضٍ وجودَ بحر سماويّ فمَحْمِله أنه تَصور المجاز حذا الس إذ لإراءة خُضرةِ الجوّ [٭]: الخَضْراءُ: السماء لخُضْرَتها؛ صفة غلبت غَلَبَةَ الأَسماء. وفي الحديث: ما أظَلَّتِ الخَضْراءُ ولا أقَلَّتِ الغَبْراءُ أصْدَقَ لَهْجَةً من أبي ذَرٍّ؛ الخَضْراءُ: السماء، والغبراء: الأرض. (لسان العرب) رمزًا لبحر، ولاحتواءِ الجو على ماءٍ أكثرَ من البحر المحيط ما استُبعِد تشبيهُه بالبحر.
أما
ويُنَزِّلُ من السماءِ من جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ
فاعلم أن الجمود على الظاهر مع التو رأسَ استعارتها جمود بارد وخمود ظاهر. إذ كما تَضمَّنَ: قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ (الإنسان:١٦) استعارةً بديعة؛ كذلك يحتوي من جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ على استعارة بديعة عجيبة مستملحة. فكما أن
— 136 —
ظروف الجنة لدفها فمن الزجاجة ولا من الفضة بل في شفافية الزجاج وبياض الفضة، ومن حيث إن الزجاجة لا تكون من الفضة لتخالف النوعين أشار إلى الاستعارة بالإضافة بذكر من، كذلك من جبالٍ فيها مِن بَرَدٍ متضمنة لاستعارتين مؤسستييكن ثمخيال شعريّ بالنظر إلى السامع. وذلك الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلويّ وتشكل العالم السفليّ. وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض والجوّ في لبس الصور من يد القدرة، كأن الأرض لما بالُه لبالها اللابسة للبيض من حُلل الثلج والبَرَد في الشتاء، والمتعممة بها في الربيع. ثم تزينت في الصيف ببساتينها المتلونة فأظهرت في نظر الحكمة بانقلاباتها معجزةَ القدرة الإلهية، قابلَها جوُّ السماء محاكيًا لها مسابقًا معها لإظهار معجزة الحدة، هلإلهية فبرز متبرقعًا ومتقمصًا بالسحاب المتقطع جبالًا وأطوادًا وأودية، والمتلون بألوان مختلفة مصوِّرة لبساتين الأرض، ملوحًا ذلك الجو بأجلى دلائل العظمة وأجلها.
فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم ام العمّ استَحسن أسلوبُ العرب تشبيهَ السحاب لاسيما الصيفيّ بالجبال والسفن والبساتين والأودية وقافلة الإبل كما تسمع من العرب في خطبهم. فيخيل إلى نظر البلاغة أن قطعات السحاب الصيفي سيارة وسبّاحة في الجو، كأن الرعد راعيها وحاديها كلما هزّ عصا بَرقه عل النظمهم في البحر المحيط الهوائي اهتزت تلك القطعات وارتجت، وتراءت جبالًا صادفت الحشر، أو سفنًا يلعب بها يد العاصفة، أو بساتين ترججها من تحتها الزلزلة، أو قافلة شردت من هجوم قطاع الطريق، ومع ذلك يسيرون ويجرون بأمر خالقهم حتى كأن كل ذرة من ذرات ذلك اله، معتكمَّنتْ في مكانها أوّلا ساكتة ساكنة منتظرة لأمر خالقها. ولما ناداها الرعدُ -كالآلة المعروفة في العسكر- بی"حَيَّ على الاجتماع والاتحاد!" تسارعوا من منازلهم مهطعين إلى داعيهم فيحشرون سحابًا. ثه باقيإيفاء الوظيفة وأمرِهم بالاستراحة يطير كلٌ إلى وكره.. فبناءً على هذه المناسبة الخيالية، وعلى المجاورة بين السحاب والجبال -إذ الجبل لجذب الرطوبة يتظاهر ويتشكل السحاب عليه بمقداره ويلبس ل والحجوعلى تلون السحاب بنظير بياض الثلج والبَرد وتكيّفه برطوبتهما وبرودتهما، وعلى وجود الأخوّة بينهما ومبادلة الصورة واللباس لهما في كثير من مواضع القرآن ومصافحتهما في منازل التنیلم تحوحاورتهما ومعانقتهما في كثير من سطور صحيفة الأرض
— 137 —
من كتاب العالم، فترى السحاب متوضعًا على الجبل ويصير الجبل كأنه مرسًى لسفن السحاب تُرسى عليه، أو مجلس تتشاور عليه، أو وكر تطير إليه؛ استحمان مد المجاورة في نظر البلاغة أن يتبادلا ويستعيرا لوازمهما فيعبّر عن السحاب بالجبل مع تناسي التشبيه. فإذا قد عرفت ما سمعت من المناسبات فی ويُنَزِّلُ من السماءِ أيْ من جهة السماء. من جبالٍ ما لاسحاب كالجبال. مِن بَرَدٍ أي في لونه ورطوبته وبرودته.
فيا هذا! ما أجبرك مع وجود هذا التأويل الذي تقبله البلاغة على اعتقاد نزول المطر بدقيقتين من مسافة خمس مائة سنة المخالف لحكمة اللّٰه الذي أتقن كل شيك والبا.
أما هيئات جملةِ فيه ظلمات المسوقة للتهويل؛ فتقديم فيه إشارة إلى أن خيال المصاب المدهوش والسامعِ المستحضِر خيالُه لتلك الحال يتوهم أن ظلمات الليالي الكثيرة أفرغت بتمامها في تلك اوليس ث
وأما الظرفية مع أن الصيِّب مظروف فرمز إلى أن المتدهش بتلك المصيبة يظن فضاء العالم حوضًا قد ملئ من المطر، فما الليل إلا مظروف مفتت بين أجزائه.
وأما جمع "الظلمات" فإيماء إلى تنوعها منشجرةُ سواد السحاب وكثافته وانطباقه، ومن تقارب دفعات المطر وتكاثف قَطْره، ومن تضاعف ظلمة الليل.
وأما تنكير ظلمات فللاستنكار ولجهل المخاطب، فهو تأكيدُ ظلمات
وأما جا خارقورعد وبرق فاعلم أن المقصد تصوير حيرتهم ودهشتهم، وأن المصاب المتحير يجمع تمام دقته ونظره إلى أدنى حادث. فلإمعان النظر يتفطنون لما في الرعد والبرق من الانقلابات العجيبزيل كمحول الغريب. إذ بينما يرى المصابون ظلمة استولت على الكائنات وابتلعت الموجودات -نظير العدم- فتنقلب حيرتُهم بالغمِّ اليتميّ والسكوت الميتيّ؛ إذ يرون أظهر دلائل الوجود، وهو تكلُّم العلويات، ثم ظهورها بكشف الحجاب، فينقلب نظرهم إلى نظر المد144
متحير الخائف؛ إذ كما أنهم إذا رأوا ظلمات غير محصورة في فضاء غير متناهٍ، لا ضعفَ فيه بجانبٍ يُبقي لهم أملًا، ينظرون نظر اليأس؛ كذلك إذا فاجأهم بغتةً انعدهو إماظلمات بأن أفرغت من الفضاء، ومُلئ بدلها نورًا، ينقلب يأسهُم المطلق إلى رجاء.
— 138 —
اعلم أن الرعد والبرق آيتان ظاهرتان من جهة العالم الغيبيّ في أيدي الملائكة الموكلين على عالم السحاب لتنظيم قوانينه. ثُثاءً لحكمة الإلهية ربطت الأسباب بالمسَّببَات فإذا تشكل السحاب من بخار الماء المنتشر في الهواء؛ صار قسم حاملًا "للألكتريق" المنفي وقسم حاملًا "لهة الأيق" المثبت؛ فحينما يتقاربان يتصادمان دفعة فيتولد البرق. ثم بالهجوم والانقلاع دفعة وامتلاءِ موضعه بآخرَ لعدم الخلو، يهتز وتتموج الطبقات فيتولد صدى الرعد. ولا تجري هذه الحالات إلا تحت نظام وقانون يتمثلهما مَلَكُ الرعد والب من وجما ظرفية الصيّب لهما مع أن الظرف هو السحاب فلأن المدهوش والسامع المتدهش بدهشته يرى الصيِّب محيطًا بكل شيء لإحاطته بنفسه.
وأما إفراد الرعد والبرق مع جمع الظلمات، في [٭]إلى أن منشأ الدهشة تخيُّلُ المُصابِ تكلمَ السماء وتهديدَها بالإرعاد، وكشْفَ الحجاب بالإبراق، وهما معنى مصدريّ، لا الكلام واليد البيضاء. وأيضًا كل منهما نوعٌ واحد وإن تعددت أفراده.
وأما تنوين أصبحت ٌ وَبَرْقٌ فبدل من الصفة، أي رعد قاصف وبرق خاطف، ودالة على عدم الأُلفة بهما بسبب التفطن بالدقة لما فيهما من العجائب.. وأيضًا فيها إيماء إلى أنهم لا يأُصول ذلك الرعد والبرق لسد السمع وغض البصر.
وأما هيئات جملة
يجعلون أصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت
فاعلم أنها جواب لسؤال مقدَّر واستيناف حسن؛ إذ السامع لما توجه إلى هذه القصة الحسية التمثيلية ب الغف مَيَلان شديد لكشف حال المصيبة. ثم بعد أن كمّل التصويرُ التصويرَ وقضى منه الوطر انثنى مجرى الميلان إلى كشف حال المصاب. فكأنه يقول السائل: كيف حال المُصاب حين، وكتاَ يتشبث للنجاة؟ فأجاب القرآن بقوله: يجعلون أصابعهم .. الخ. أي لامناص لهم، إنما هم كالغرقى يتمسكون بغير متمسك فيريدون التحفظ من مجانيق [٭]: مجانيق: جمع منجنيق: آلة حربية ترمى بها القذائف. السماويين بسد الأسماع. وكونه سببًا ستحيل فلا سبب.
وأما لفظ يجعلون بدل "يُدخلون" فإيماء إلى أنهم تحروا الأسباب فما صادفوا إلَّا ما سببيته بجعلهم وظنهم فقط.. وصورة المضارع المستحضِرة للحال فرمز إلى أن السامع
— 139 —
في مثل هذا المقام المهيج للحيرة يحضر من الك زمان الواقعة ومكان الحادثة. ثم في المضارع استمرار تجددي. وفي استمراره إيماء إلى تواتر تَقْتَقَة السحاب.
وأما أصابعهم بدل "أناملهم" فإشارة إلى شدة الحيرة باستعمال الأصابع موضع الأنبته عل وأما في اذانهم فإيماء إلى شدة الخوف من صدى الرعد حتى يخيل إليهم أنه لو دخل الرعد في شبكة الآذان لطيّر الأرواحَ من أبواب الأفواه. وفيه رمز لطيف إلى أنهم لمّا لم يفتحوا آذانَهم لنداء الحق والنصيحة عوقبوا من تلك الجهة الحقيقات الرعد، فسَدّوا هنا ما سدّوا هناك، كمن أخرج كلامًا شنيعًا مِن فيهِ يُضْرَب على فمه، فيُدخل يمينَ الندامة في فيهِ ويضع يسارَ الخجالة على عَينه.
وأما من الصواعق فإشارة إلى اتحاد اارة إلالبرق على إضراره؛ إذ الصاعقة صوتٌ شديد معه نار مُحرقة تصرع مَن صادف.
وأما حذر الموت فإشارة إلى أن البلاء جذَّ [٭]: جذّه وجزّه: قطعه. اللحمَ إلى العظم، وجاز الأحوالَ إلىفقه، وة، فما يعنيهم إلّا غمّ الموت وحفظ الحياة.
وأما هيئات جملة:
واللّٰه محيط بالكافرين
فاعلم أن "الواو" تقتضي المناسبة، وما المناسبة إلّا بين هذه وبين التابع لمآل السابقة. فكأن هذه "الواو" تقرأ عليهم: "هم قومٌ فرّوعة م تلعمارة ونفروا من الحضارة وعصَوا قانون كون الليل سباتًا ولم يُطيعوا نصيحة الناصح فظنوا النجاةَ بالخروج إلى الصحراء فخابوا وأحاط بهم بلاءُ اللّٰه".
وأما لفظ اللّٰه فرمز إلى قطع آخرِ رجائهم؛ إذ المصاب إنما يلتجئ من الفَى أولًا وآخرًا إلى رحمة اللّٰه، فحين استحقوا غضبَ اللّٰه تعالى انطفأ ذلك الرجاءُ.
وأما لفظ محيط فإيماء إلى أن هذه المصائب المحيطة آثارُ غضبه تعالى، فكما أن السماء والسحاب وايّ عليوالليل تهجُم عليهم من الجهات الست؛ كذلك غضبُه
— 140 —
تعالى وبليّاتُه محيطة بهم.. وأيضًا علمُه تعالى وقدرتُه محيطان بكل الكائنات، وأمرُه شامل لكل الذرات. فكأن محيط يتلو عليهم: لا تنفذون من أقطار الح بل إ والأرض، فأينما تولوا فثمَّ وجه اللّٰه (البقرة:١١٥).
وأما تعلق "الباء" فرمز إلى أنهم وقعوا فيما هربوا عنه فصاروا هدفًا للسهام.
وأما التعبير بی الْكافِرِينَ فإشارة إلى إراءة تمثال الممثَّل -أعني االزكاةين- في مرآة التمثيل، لئلا يتوغل فيه ذهنُ السامع فينسى المقصد.. ورمز إلى أن المشابهة وصلت إلى درجة، وتَضايَق المسافةُ بينهما إلى حدّ يتراءَيان معًا، فتمتزج الحقيقةُ بالخيال.. وأيضًا إيماء إلى ظلمةِ قلوبهم إذ وجدا الضاليضًا يعذبهم لقصورهم وجنايتهم؛ إذ مَن رأى جزاءَ جنايته لا يستريح وجدانُه.
وأما هيئات جملة:
يكاد البرق يخطف أبصارهم
فاستينافُها يشير إلى أن السامع يقول: ألَا ينتفعون بالبرق المخفِّف مع أنهالظلمة عنهم؟ فأُجيبَ بأنهم يخافون من الضرر فضلًا عن الفائدة.
وأما يكاد [٭]: كاد من أفعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، لكنه لم يوجد إما لفقد شرط أو لعروض مانع. (ب). فيشير -باعتبار خاصّته المشهورة- إلى وجود سببِ ز إذن لبصر، لكن لم يزل لوجود مانع.
وأما يخطف باعتبار استعماله كی"اختطفتهُ الغُول والعُقاب"، ففيه بلاغة لطيفة تبرُق للذهن، وتشير إلى أن البرق يسابق شعاعَ العين، من قبل أن يصل إلى َّة إلء ليأخذ صوَرَها، يمرّ هو عليه فيقطعُه ويضرب على جفنه فيذهبُ بنورِه. كأن نور العين لمّا خرج من بيته مُسرعًا لاجتناء صوَر الأشياء يسارع البرقُ الذي هوًا. ولعين الليل، فيأخذ من يد شعاع العين صورتَه قبل إيصاله إلى المخزن، أي يختلس البرقُ صورتَه من يده.
وأما أبصارهم فرمز -بناءً على كونها مرآةً للقلوب- إلى عمل بصائر المنافقين المتعامية عن البراهين القاطعة القرآنية.
وأما هيئات "
— 141 —
فاستينافُها يشير إلى أن السامع حينما رأى اختلافَ المصيبة وتغيّرَها سأل عن شأنهم في الحالتين فأُجيب بذلك.
وأما كلما في الإض الأسرإِذَا في الإظلام، فإشارة إلى شدة حرصهم على الضياء، ينتهزون أدنى الضياءِ فرصةً. وأيضا كلما متضمن لقياس مستقيم استثنائي.
وأما أضاء لهم بلام الأجْلية والنّفع، فرمز إلى أن المُصاب ايرات و يستغرق في حاجة نفسه حتى يَظنُّ الضياءَ الذي تنشره يدُ القدرة في العالم لآلاف حِكمٍ كلية أنه المُراد به خاصة، ويدُ القدرة إنما أرسلتْه ل كمن ي وأما مشوا مع اقتضاء الفرصة السيرَ السريع، فإشارة إلى أن المصيبة أقعَدَتهم، فما سيرُهم السريع إلّا مشيٌ وحركة على مهل.
وأما فيه فإشارة إلى أن مسافة حركتهم الضياءُ، اخلفاء
لون الزمان، فكأنه يحدّد لهم المكان.
وأما وإِذَا فی"الواو" رمز إلى تجديد المصيبة لتشديد التأثير. وأما الإهمال والجزئية في إِذَا عَكْسَ كل والتحشارة إلى شدة نفرتهم وتعاميهم، فتأخذُهم وهم منغمسون في آنِ الفرصة.
وأما أظلم بالإسناد إلى البرق، فإشارة إلى أن الظلمة بعد الضياء أشدُّ. وإيماءٌ إلى أن خيال المصاب لمّا رأى البرقَ طردَ الظلمةَ ثم ذهب وامتلأ موضعُه بالظلمات، يتخيل أنه انُسنِدوورث دخانًا.
وأما عليهم الملوِّح بالضرر فإشارة إلى أن الإظلام ليس تصادفيا، بل جزاءٌ لعملهم. ورمزٌ إلى أن المدهوش يتخيل الظلمةَ المالئة للفضاء كأنها تَقصِد -من بين الأشياء- ذلك الإن من جالصغير الذليل وتجعلُه خاصةً هدفَ هجومها وإضرارها.
وأما قاموا بدل "سكنوا" فإشارة إلى أنهم بالمصيبة وشدة التشبّث تقوّسوا كالراكعين، كما هو شأن المجدِّين في العمل.
— 142 —
وأما هيئات جملة
ولو شاء اللّٰه لذهب بسمعهم وأبصارهم
فالی"واو" -ن المتربط- تلوّح إلى أن يدَ القدرة تتصرف تحت حجاب الأسباب، وأن نظر الحكمة يراقبُ من فوقِ جميعِ العلل.
وأما لو فمتضمنةٌ لقياس استثنائيّ غيرِ مستقيم. أي عدمُ المشة منتشةٌ لعدم ذهابهما؛ كما أن عدمَ الذهاب دليلٌ على العلم بعدم المشيئة بذهابهما. وأيضًا رمز إلى أن السبب بلغَ النهاية.
وأما شاء فإشارة إلى أن الرابط بين السبب والدادًا إنما هي المشيئة والإرادة الإلهية. فالتأثيرُ للقدرة، وما الأسباب إلّا حجابُ العزة والعظمة؛ لئلا تباشرَ يدُ القدرة بالأمور الخسيسة في ظاهر نظرِ العقل.
وأما التصريحُ ب الناللّٰه فإشارة إلى زجر الناس عن الابتلاء بالأسباب والانغماس فيها. وأيضًا لدعوة الأذهان إلى رؤية يدِ القدرة خلفَ كل الأسباب.
وأما حذفُ مفعول شاء وإن كان واجبًا بالقاعدة المطّردة، [٭]: إذ من مواضع حذف المفعول البيانُ بعد ُ روحًم، كما في مفعول فعل المشيئة وما شابهه في المعنى، فإنهم لا يكادون يذكرونه، إذا وقع ذلك الفعل شرطًا؛ إذ إن الجواب حينئذ يدل على المفعول ويبينه. وعليه قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءّد خمسدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (النحل:٩) . أي لو شاء اللّٰه هدايتكم لهداكم أجمعين، فإنه لما قيل: "لو شاء" عُلم أن هناك شيئًا تعلقت به المشيئة لكنه مبیهم، فلما جيء بالجواب صار مبیيا المح وهذا أوقع في النفس. فيجوز بقرينة إخوانه أن يكون إيماءً إلى عدم تأثّر المشيئة والإرادة الإلهية بأحوال الكائنات، وعدم تأثير الأشياء في الصفات الإلهية، كما تتأثر إرادةُ البشر بحُسن الأشياء وقبحها وعظمتِها وصِغَرها.
، وخشيما لذهب فإشارة إلى أن الأسبابَ ليست مسلطةً ومستولية على المسبّبات، حتى إذا رُفعت بقيت المسبباتُ في جوف العدم تلعب بها يدُ التصادف وتشم إشابالاتفاق؛ بل يدُ القدرة حاضرةٌ خلف الأسباب. إذا أخرجت الأشياءَ تأخذها يدُ الحكمة الإلهية، بقانون الموازنة والانتظام، ترسلها إلى مواقعَ أُخر ولا تُهملها. كما أن الحرارة إذا خرّبت بُنية الماء، فبالنظام المندمج في الهواءل تمييالبخارُ في مجرى معيّن ويسوقُه صانعُه إلى موقع معين. وكذا في ذهب رمز إلى أن الحواسَّ الخمس الظاهرة ليست متولدةً عن الطبيعة، ولا لازمةً لتجاويف السمع وية وا، بل إنما هي هداياه تعالى وعطاياه. وما التجاويفُ والأسباب إلّا شرائطُ عاديةٌ.
— 143 —
وأما التعديةُ بی"الباء" بدلَ "الهمزة" فإيماء إلى أن يد القدرة لا تُطلق الأشياءَ عن حبل الأسباب، غَاربُها على عنقها [٭]: لعل الأظهر: "حبا. وإنى غاربها"..كما في المثل: "حبلُكِ على غاربك"، ويستعمل في كنايات الطلاق. والغارب: الكاهل.يقال: ألقى حبلَ الشخص على غاربه: تركه يذهب حيث يشاء. (مجمع الأمثال). بل تضع أزمّتها بيد نظام.
وأما إفراد "السمع" مع جمع "البصر" فإشارة إلى إفراد المسمواقتضاءّد المُبصَر، إذ ألفُ رجل يسمعون شيئًا واحدًا مع تخالف المبصَرات.
وأما هيئات جملة:
ان اللّٰه على كل شيء قدير
فاعلم أنها فذلكة لتحقيق الدهشة في التمثيل والممثَّل له، تشير إلى أنه كما لا تهمل دقاِه، وبال المصابين المتمثلة لجزئيات أحوال المنافقين؛ كذلك يُرى في كل ذرة تصرّف القدرة الإلهية.
وأما ان فمع إشارتها إلى أن هذا الحكم من الحقائفي الوسخة، رمزٌ إلى عظمة المسألة ووُسعَتها ودقّتها، وعجزِ البشر وضعفه وقصوره عنها، المولِّدة للأوهام المُنتجة للتردّد في اليقينيات.
وأما التصريحُ بلوة آياللّٰه فإيماء إلى دليل الحُكم، إذ القدرة التامة الشاملة لازمةٌ للألوهية.
وأما على فإيماء إلى أن القدرة المُخرِجةَ للأشياء من العدم، لا تتركها سُدًى هَملًا، بل ترقُب عليها الحكمةُ وتربّيها.
وأما كل فإشارة إلى أن آثار الأسمحمَّدالحاصلَ بالمصدر من الأفعال الاختيارية أيضًا بقدرته تعالى.
وأما لفظ شيء بمعنى مَشيء، أي ما تعلقت به المشيئةُ، فإشارة إلى أن الموجودات بعد وجودها لا تستغني عن الصانع، بل تفتقر في كلِّ آنٍ لبقائها -الذي هو تكرّر الوجود-نظر الأثير الصانع.
وأما لفظ قدير بدل "قادر" فرمز إلى أن القدرة ليست على مقدار المقدورات فقط، وأنها ذاتية لا تغيّر فيها، ولازمةٌ لا تقبل الزيادةلكماليصان، لعدم إمكانِ تخلّلِ ضدِّها حتى تترتب شدةً ونقصانًا.. وتلويحٌ إلى أن القدرة كالجنس وكميزان الصّرف، أعني: "فَعَلَ" لجميع الأوصاف الفعلية من الرزاق والغفار والمحيي والمميت وغيرها. تفكّر فيما سمعتَ حقَّ التفكر!
# أومأ يَا اَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَلقى الاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للّٰه اَنْدَادًا وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢
مقدمة
اعلم أن العبادة هي التي ترسِّخ العقائ أنه ييِّرها حالًا ومَلَكة؛ إذ الأمور الوجدانية والعقلية إن لم تنمِّها وتربِّها العبادةُ -التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي- تكن آثارُها وتأثيراتها ضعيفة. وحال الإسلام
[٭]: العالم الإسلامي. (ت: ٩٢).
الحاضرة شلك في واعلم أيضًا أن العبادة سببٌ لسعادة الدارين، وسبب لتنظيم المعاش والمعاد، وسبب للكمال الشخصيّ والنوعيّ، وهي النسبة الشريفة العالية بين العبد وخالقه.
أما وجهُ سببيتها لسعادة الدنيا التي هي مزرعةُ الآخرة فم
أعْه:
منها: أن الإنسان خُلِق ممتازًا ومستثنى من جميع الحيوانات بمزاج لطيف عجيب، أنتج ذلك المزاجُ فيه ميلَ الانتخاب وميلَ الأحسن وميلَ الزينة، وميَلانًا فطريًا إلى أن يعيش ويحيى بمعيشة وكمال لائقين بالإنسان الخدمم لأجل تلك الميول احتاج الإنسان في تحصيل حاجاته في مأكله وملبسه ومسكنه إلى تلطيفها وإتقانها بصنائع جمّة، لا يقتدر هو بانفراده على كلِّها. ولهذا احتاج إلى الامتزاج مع أبناء جنسه ليتشاركوا، فيتعاونوا، ثم يتبارُ كُثمرات سعيهم. لكن لمّا لم يحدد الصانعُ الحكيم قوى البشر الشهوية والغضبية والعقلية بحدٍّ فطريّ لتأمين ترقّيهم بزَمْیبَیرَكِ [٭]: النابض. الجزء الاختياريّ -لا كالحيوانات التي حُدّدت قلليلة.حصل انهماكٌ وتجاوز.. ثم لانهماك القوى وتجاوزها -بسر عدم التحديد- تحتاج الجماعةُ إلى العدالة في تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقلَ كل أحد لا يكفي فيبية. العدالة احتاج النوع إلى عقل كلّي للعدالة يستفيد منه عقل العموم. وما ذلك العقل إلّا قانون كلّيّ، وما هو إلّا الشريعة..
ثم لمحافظة تأثير تلك الشريعة وجريانها لابد من مقنّنٍ وصاحب ومبلّغ ومرجِع، وما هو إلّا النب، أفلاه
— 145 —
السلام.. ثم إن النبيّ لإدامة حاكميته في الظواهر والبواطن وفي العقول والطبائع يحتاج إلى امتياز وتفوّق مادةً ومعنى، سيرةً وصورة، خَلْقًا وخُلُقًا. ويحتاج أيضًا إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبهو": مكِ الملك صاحبِ العالَم، وما الدليل إلّا المعجزات.. ثم لتأسيس إطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج إلى إدامة تصوّر عظمةِ الصانع وصاحب المُلك في الأذهان وما هو إلا تجلي العقائد.. ثم لإدامة التصور ورسوخ العقائد يحتاج إلى مذكّ غير مَّرٍ وعمل متجدد، وما المذكِّر المكرر إلا العبادة.
ومنها: أن العبادة لتوجيه الأفكار إلى الصانع الحكيم، والتوجّهُ لتأسيس الانقياد، والانقيادُ للإِيصال إلى الانتظام الأكمل والارتباط به، واتباعُ النظام لتحقيق سرّ ال الأمروالحكمةُ يشهد عليها إتقان الصُنع في الكائنات.
ومنها: أن الإنسان كالشجر الذي عُلّق على ذروته كثيرٌ من خطوط الآلة البرقية، قد التفّت على رأسه رؤوسُ نظامات الخِلقة، وامتدت مشرعةً إليه قوانينُ الفطرة، وانعكست متمركزة فية لصارُ النواميس الإلهية في الكائنات. فلابد للبشر أن يتمّمها ويربطها وينتسب إليها ويتشبث بأذيالها ليسري بالجريان العمومي حتى لا يُزلَق ولا يُة، وبشلا يُلقى عن ظهر هذه الدواليب المتحركة في الطبقات. وما هي إلّا بالعبادة التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
ومنها: أن بامتثال الأوامر واجتناب النواهي يحصل للإنسان نِسَبٌ كثيرة إلى مراتب عديدة في الهيئة الاجتماعية، فيصيديد.
صُ كنوعٍ؛ إذ كثيرٌ من الأوامر لاسيما التي لها تماسّ بالشعائر والمصالح العمومية كالخيط الذي نيط به حيثيات ونُظّم فيه حقوق، لولاه لتمزقت وتطايرت.
ومنها: أن اماءَ ك المسلم له مناسباتٌ ثابتة وارتباط قوي مع كل المسلمين. وهما سببان لأُخوةٍ راسخة ومحبةٍ حقيقية بسبب العقائد الإيمانية والمَلَكات الإسلامية. أما سبب ظص المبك العقائد وتأثيرها وصيرورتِها مَلَكة راسخة فإنما هي العبادة.
وأما جهة الكمال النفسيّ، فاعلم أن الإنسان مع صِغَر جِرمه وضَعفه وعَجزه وكونه حيوانًا من الحيوانات ينطوي على روح غالٍ وي الماهلى استعداد كامل، ويتبطّن ميولا لا
— 146 —
حصر لها، ويشتمل على آمالٍ لا نهاية لها، ويحوز أفكارًا غير محصورة، ويتضمن قوى غير محدودة، مع أن فطرته عجيبة كأنه فهرستة للأنواع والعوالم.
فالعبادة هي السبب لانبساط روحه وجِلاء قيمتِه.. وأيضًا فرقوا.لةُ لانكشاف استعداده ونموّه ليناسبَ السعادة الأبدية.. وكذا هي الذريعةُ لتهذيب ميوله ونزاهتها.. وهي الوسيلة لتحقيق آماله وجعلها مُثمرة ريانة..يها، ف هي الواسطة لتنظيم أفكاره وربطها.. وأيضًا هي السببُ لتحديد قواه وإلجامها.. وأيضًا هي الصَيْقل لرَيْن الطبيعةِ على أعضائه المادية والمعنوية التي كلٌّ منها كأنه ميبعث رلى عالم مخصوص ونوع إذا شفَّ.. وأيضًا هي المُوصل للبشر إلى شرفِه اللائق وكماله المقدَّر، إذا كانت بالوجدان والعقل والقلب والقالب.. وكذلك هي النسبة اللطيفة العالية، والمناسبةُ الشريفة الغالية بين العبد والمعبود. وتلك النسبة هي نهايةُ مش). أمال البشر.
ثم إن الإخلاص في العبادة هو: أن تفعل لأنه أُمر بها، وإن اشتمل كلُّ أمر على حِكَم كلٌ منها يكون علةً للامتثال، إلّا أن الإخلاص يقتضي أن تكون العلةُ هي الأمر، فإن كانت الحكمةُ علةً فالعبادة باطلة، واهم ففت مرجِّحة فجائزة.
* * *
ثم إن المخاطبين لما سمعوا يا ايها الناس اعبدوا استفسروا بلسان الحال: ما الحكمة؟ ولِمَ؟ وما المجبورية؟ ولأيّ شيء؟.
أما الحكمة فقد سمعتَ في المقدمة. وأما العلة فأجاب القرآنُ بإثباحتوي عنع وتوحيده بقوله: ربكم الذي خلقكم... الخ. وإثبات النبوّة بقوله: وان كنتم في ريب مما نزلنا... الخ.
مقدمة في نكات هذه الآية
اعلم أن البرهان إما "لِمِّيٌّ" وهو الاستدلال بالمؤثِّر على الأثر. [٭]: كدلالة النار على غة الف. وإما "إنّيّ" وهو الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، [٭]: كدلالة الدخان على النار. (ت: ٩٦). وهذا أسلمُ. وهو إما "إمكانيّ" بالاستدلال بتساوي الطرفين
— 147 —
على المرجِّح، وإما "حدوثيّ" بالاستدلال بالتحوالرسالتبدّل على المُوجِد.. وكلٌّ منهما إما باعتبار ذوات الأشياء أو باعتبار صفاتها.. وكلٌّ منها إما بإعطاء الوجود أو بإدامة البقاء.. وكل منها إما "دليل اخترالواحد و "دليل عِنَايَتيّ". وهذه الآية إشارة إلى هذه الأنواع، فالملخَّص منها هنا، وقد فصلناه في كتاب آخر. [٭]: المقصود المقالة الثالثة من كتاب "محاكمات عقلية" المنشور ضلى الظد "صيقل الإسلام".
أما "دليل العناية" على إثبات الصانع الذي تلوِّح به هذه الآية، هو: "النظام المندمج في الكائنات"؛ إذ النظام خيطٌ نيط به المصالحُ والحِكم. فجميع الآيات القر جَبَللتي تَعُدّ منافع الأشياء وتذكُر حِكَمها إنما هي نسّاجةٌ لهذا الدليل، ومظاهرُ لتجلِّي هذا البرهان؛ إذ النظام المرعي به المصالحُ والحِكم كما يُثبِت وجود نظّام، كذلك يدل على قصدويخلق ع وحكمته وينفي من البَيْن وهْمَ التصادف الأعمى والاتفاقية العمياء.
يا هذا! إن لم يُحِط نظرُك بهذا النظام العالي المزيَّن بفصوص الحِكَم، ولا تقتدرُ ّل والاستقراء التام؛ فانظر بجواسيس الفنون -التي هي الحواسّ لنوعك- الحاصلةِ من تلاحق الأفكار -الذي هو في حُكم فكر النوع- لترى نظامًا يبهر العقولَ، وتعلمَ أن كلّ فن من فنون الكائنات كشّاف بكلية قواعده عن ار المتانتظام لا يُعقل أكملُ منهما؛ إذ كل نوع من الكائنات إما تَشكّلَ فيه فنٌ أو يقبل أن يتشكل. والفن عبارة عن قواعد كلية. وكليةُ القاعدة تدلّ ب فقط سن النظام؛ إذ ما لا نظام له لا تجري فيه الكلية. ألَا ترى أن قولَنا: "كل عالِم فهو ذو عمامة بيضاء" إنما يصدُق كليّةً، إذا كان في ذلك النوع انتظام. فأنتج أن كل فن ه أن ينون الكونية، بسبب كليةِ قواعدِه ينتجُ بالاستقراء التام نظامًا كاملًا شاملًا.. وأن كل فن برهانٌ نيّر يشير إلى المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد في حلقاتِ سلاسلِ الموجودات، ويلوِّح إلى الحِكَم والفوائد المستترة في معاطف انقخروي مالأحوال. فتَرْفع الفنونُ أعلامَ الشهادة على قصد الصانع وحكمته، كأن كلَّ فن نجمٌ ثاقب في طرد شياطين الأوهام.
وإن شئت فعليك بهذا المثال مع قطع النظر عن العموم وهو: أن الحيوان المكروسكوبيّ الذي لا يُرى بالعين بلا واة والتشتملت صورتُه الصغيرة على ماكينة دقيقة بديعة إلهية. فبالضرورة والبداهة أن تلك الماكينة الممكنة في ذاتها وصفاتها ما وُجدت بنفسها بلا علة، لإمكان ذاتها وصفاتها وأحوالها. والممكن متساوي الطرفين ككفمجموعةميزان، ولو وجد الترجّح
— 148 —
لكان في العدم. فباتفاق العقلاء لابد لها من علّة مرجِّحة.. ومن المحال أن تكون العلةُ أسبابًا طبيعية؛ إذ ما فيها من النظام الدقيق يقتضي نهايةَ علمٍ وكمالَ شعورٍ لا يمكن تصونًا، وفي تلك الأسباب التي يخادعون أنفسهم بها. مع أنها أسبابٌ بسيطة قليلة جامدة لم يتعين مجاريها، ولم يتحدد محاركُها، مع ترددها بين ألوف من الإمكانات التي لا أولَويةَ لبعضها. فكيف تجري في مجرى معيّن، وتتحرك على مَحضى عدةحدود، وكيف يترجَّح بعضُ وجوه الإمكانات حتى يتولد هذه الماكينةُ العجيبة المنتظمة التي حيَّرت العقولَ في دقائق حِكَمها، بل إنما تقنع نفسُك وتطمئن بتولّدها من العم أَعطيت لكلِّ ذرّة شعورَ "أفلاطون"(٭) وحِكمةَ "جالينوس"(٭) واعتقدتَ بين تلك الذرات مخابرةً عمومية. وما هذه إلّا سفسطة يَخجل منها السوفسطائيُّ. مع أن أُس الأسباب المادية وجودُ القوة الجاذبة والقوة الدافعة معًا، في جزءٍ لا يتجزأ والجوه؟ و"حبد، وإن هذا كاجتماع الضدين.
نعم، قانونُ الجاذبة والدافعة وأمثالهما أسماءٌ لقوانينِ عادات اللّٰه تعالى وشريعته الفطرية المسماة بالطبيعة. فهذه القوانين مقبولةفكيف ص أن لا تنتقل من القاعدية إلى الطبيعية، وأن لا تخرج من الذهنية إلى الخارجية، وأن لا تتحول من الاعتبارية إلى الحقيقية، وأن لا تترقى من الآلَتِيلن تمسى المؤثِّرية.
فإذ تفهّمت ما في هذا المثال ورأيت عظمتَه مع صِغَره، ووسعتَه مع ضيقِه؛ فارفع رأسك وانظر في الكائنات ترَ وضوحَ "دليل العناية" وظهورَه بمقدار درجة وُسعة الكائنات. فكلّا أوديات القرآنية العادّة لنِعَم الأشياء والمذكِّرة لفوائدها مظاهرُ لهذا الدليل، فكلما أمرَ القرآنُ بالتفكر فإنما أشار مخاطِبًا للعموم إلى طريق هذا
فَارجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
(الملك:٣). ثم إنَّ الذي يومئ إلى هذا الدليل من أو لتصآية قوله تعالى:
الذي جَعَلَ لَكُمْ الارْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَاَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَاَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ
وأما "الدليل الاخلسادسة" المشار إليه بقوله تعالى:
اَلَّذي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
فهو: أن اللّٰه تعالى أعطى لكل فردٍ ولكل نوع وجودًا خاصًا هو مه: اسعثاره المخصوصة، ومنبعُ كمالاته اللائقة؛ إذ لا نوعَ يتسلسل إلى الأزل لإِمكانه، ولبطلان التسلسل، ولأن هذا التغيّر في العالَم يثبت حدوث بعضٍ بالمشاهدة، وبعضٍ آخر بالضرورة العقلية.
ثم إنه قد ثبت بعلم
— 149 —
الحيوانات والنباتات تكثّر الأنواع إلى ٢).
من مائتي ألفِ نوع، ولكل نوع آدم وأبٌ عال. فبسرّ الحدوث والإمكان يثبت بالضرورة صدورُ تلك الأوادم والآباء للأنواع عن يد القدرة الإلهية بلا واسطة. ولا يُتوهَّم فيها ما يُتوَهم في السلسلة. وتوهمُ انشقاق الأنواع بعضها عن بعرتُه بٌ؛ لأن النوع المتوسط لا يتسلسل بالتناسل في الأكثر، فلا يكون رأسَ سلسلة. فإذا كان المبدأ والأصل هكذا، فأجزاءُ السلسلة كذلك بالطريق الأولى.
نعم، كيف يُتصوّر أن تكون الأسبابُ الطبيعية البسيطة الجامدة التي لا شعورَ لها ولا اختوظهر سبلةً لإِيجاد تلك السلاسل التي تحيّرت الأفهامُ فيها، ولاختراع أفرادها التي كلٌّ منها صنعةٌ عجيبة من معجزات القدرة. فكلُّ الأفراد مع سلاسلها تشهد بلسان حدوثها وإمكانها شهادةً قاطعة على وجوب وجود خالقها جلّ جلالُه.
- إن قلت: فمع هذه الشهادةلدرجة؟عة كيف يعتقد الإنسانُ بأمثال ضلالاتِ أزليةِ المادة وحركتِها؟.
قيل لك: إن النظر التبعيّ قد يَرى المحالَ ممكنًا، كالمستهلّ الذي رأى الشعرةَ البيضاء من أهدابه هلالَ العيد؛ لأن الإنلها علبب جوهره العالي وماهيته المكرّمة إنما يدور خلفَ الحق والحقيقة. وإنما يقع الباطلُ والضلال في يده بلا اختيار ولا دعوة ولا تحرٍّ، بل بنظره السطحيّ التبعيّ فيقبله اضطرارًا؛ لأنه لمّا تغافل عن النظام الذي هو خيطُ الحِكَم، وتعامى عن ضدية ها خال والمادة للأزلية، احتمل عند نظره التبعي إسنادُ هذا النقش البديع والصنعة العجيبة إلى التصادف الأعمى والاتفاق الأعور.
كما قال "الجسريّ"(ليبَ ممَنْ دخل قصرًا مزينا مشتملًا على آثار المدنية، من أنه حينما لا يرى صاحبَه فيعتقد عدمَه يضطر لإِسناد زينته وأساساته إلى الاتفاق والتصادف وناموس الانتخاب الطبيعيّ.
وأيضًا لما تعامى وتغليل عل شهادة كلِّ الحِكم والفوائد في نظام العالَم على اختيارٍ تام وعلم شامل وقدرةٍ كاملة، احتمل في نظره التبعي إثباتُ تأثيرٍ حقيقيٍ لهذه الأسباب الجامدة.
فيا هذا! مع قطع النظر عن دقائق صنعته جلّ جلالُه تأمّلْ في أظهر اره..
التي تسمى "طبيعة" وهو الارتسام -بشرط أن تمزِّق حجابَ الألفة- كيف تُقنع نفسَك ويقبل عقلُك أن خاصيةَ وجهِ المرآة علّة مؤثّرةٌ مناسبة لكشطِ وجهِ السماء، وجَلْبِ صورةِ ارتفاعها ونقشها
— 150 —
بنجومهة الراُجَيْجَتها؟. وكيف يَقنع عقلُك بأن الأمر الوهميّ في الحقيقة المسمّى بالجاذب العموميّ علةٌ مؤثرة كخيط المنجنيق لإِمساك الأرض والنجوم وتحريكها وتدويرها بانتظام محكَم؟
الحاصل:أنَّ الإنسان إذا نظر نظرًا سطحيًا تبعيًّا إلى الأمر الباطل المُحال ما تبرَ العلة الحقيقية احتمل صحتُه عنده. إلّا أنه إذا نظر إليه قصدًا وبالذات وتحرّاه مشتريًا له لا يمكن أن يقبل شيئًا من تلك المسائل التي يطنطنون بها في الحكميات، إلّا أن يَتَبَلَّه بفرض عقلِ الحكماء وحِكمة السياسيّين في الذرّات.
وتتكمن قلت: فما الطبيعة والنواميس والقُوَى التي يدَمدمون بها ويسلّون أنفسهم بها؟ [٭]: بحث الأستاذ هذا الموضوع في مواضع عدة من رسائل النور وخصه بإن بقيمستقلة وهي اللمعة الثالثة والعشرون (رسالة الطبيعة).
قيل لك: إنَّ الطبيعة مِسْطرٌ [٭]: مِسطَر: ما يُسطر به الكتّاب. لا مصدر.. ومطبعةٌ لا طابع.. وقوانين لا قوة. بل إنما هي شريعة فطرية إإلى تقوقعت نظامًا بين أفعالِ أعضاءِ جسدِ عالَم الشهادة. كما أن الشريعة محصَّلُ وخلاصةُ قواعد الأفعال الاختيارية، ونظامُ الدولة مجموعُ الدساتير السياسية. فكما أٰه
فیيعة والنظام أمران معقولان اعتباريان؛ كذلك الطبيعةُ أمرٌ اعتباريّ ملخَّصُ عادةِ اللّٰه الجارية في الخِلقة. وأما توهّم وجودها الخارجيّ فكتَوهّم الوحشي الذي يرى فرقةَ العسكر يتحركون بانتظام، وجودَ أمر خارجيّ ربط بلوفية فمن كان وجدانُه وحشيًا يتخيل الطبيعة بسبب الاستمرار موجودًا خارجيًا مؤثرًا.
الحاصل:أنَّ الطبيعة صنعةُ اللّٰه تعالى وشريعتُه الفطرية. وأما نواميسُها فمسائلها. وأما سطة، افأحكام تلك المسائل.
أما "دليل التوحيد" الذي أشار إليه اعبدوا على تفسير ابن عباس أي "وحِّدوا"، [٭]: انظر: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ص٤. فاعلم أن القرآن المعجزَ البيانِ جموع ق من دلائل التوحيد شيئًا. وما تضمنته آيةُ
لو كان فيهما آلهة الا اللّٰه لفسدتا
(الأنبياء:٢٢) من "برهان التمانع" دليلٌ كاف ومنار نيِّر على أن الاستقلال خاصة ذاتية ولسان أووري للألوهية، ثم في هذه الآية رمز إلى دليل
— 151 —
لطيف على التوحيد، وهو:
أنَّ تعاونَ الأرض والسماء ومناسبتهما في توليد الثمرات -لتُعَيِّش نوعَ البشر وجنسَ الحيوان- ومشابهةَ آثار العالم وتعانقَ أطرافه وأخذَ بعضٍ غضبية ٍ بتكميل بعضٍ انتظامَ بعضٍ، وتجاوبَ الجوانب وتلبيةَ بعضٍ لسؤال حاجة بعض، ونظرَ الكل إلى نقطةٍ واحدة، وحركةَ الكل بالانتظام على محور نظام واحد؛ تلوِّح بل تصرِّح بأن صانعَ هذه الماكينة الواحدة ٭) في تتلو على كلٍّ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ
[٭]: لأبي العتاهية في ديوانه. وينسب إلى الإمام علي كرم اللّٰه وجهه.
ثم ا لويس الصانع كما أنه واجب الوجود وواحد؛ كذلك أنه متصف بجميع الأوصاف الكمالية؛ لأن ما في المصنوع من فيض الكمال إنما هو مقتبسٌ من ظلِّ تجلي كمال صانعَِقًا ولضرورة يوجد في الصانع جل جلاله من الجمال والكمال والحُسن ما هو أعلى بدرجات غير متناهية من عمومِ ما في عموم الكائنات من الحُسن والكمال والجمال؛ إذ الإحسان فرعٌ لثروة المُحسِن ودليل عليها، والإيجاد لوجودِ الموجا: أعَلإيجابُ لوجوب الموجب، والتحسين لحُسن المحسّن المناسب له.
وكذلك إن الصانع منیزَّه عن جميع النقائص، لأن النواقص إنما تنشأ عن عدم استعداد ماهيات الماديات، وهو تعالى مجرّد عن الماديات.
وكذلك للمتنالى مقدّس عن لوازمَ وأوصافٍ نشأت من إمكانِ ماهيات الكائنات، وهو سبحانه واجب الوجود ليس كمثله شيء جلّ جلاله. ولقد أشار إلى هاتين الحقيقتين بقوله:
فلا تجعلوا للّٰه أندادًا
أما "الدليل الإمكانيّ" المشار إليه بقوله تعما:
قوَاللّٰه الْغَنِيُّ وَاَنْتُمُ الفُقَرَاءُ
(محمد:٣٨) فاعلم أنّ كل واحدة من ذَرات الكائنات باعتبار ذاتها، وباعتبار فردٍ فردٍ من صفاتها، وباعتبار واحدٍ واحدٍ من أحوالها، وباعتبار جهةٍ جهةٍ من وجوهها؛ بينما تراها تلونَ اين الإمكانات الغير المتناهية في الذات والصفات والأحوال والوجود، إذا انتعشت وقامت وسلكَت طريقًا معينًا منها ولبِست صفة مخصوصة، وتكيّفت بحالة منتظمة، وركب أيهقانون مسدَّد، وتوجّهت إلى مقصد معيّن، فأنتجت حكمةً ومصلحةً لا تَحصلان إلّا بذلك
— 152 —
الطرز المعين.. أفلا تنادي بلسانها المخصوص، وتصرّح به كل أنعها وحكمته؟ فكما أن كل ذرة بنفسها دليل على الانفراد؛ كذلك تتزايد دلالتُها باعتبار كونها جزءًا من مركبات متداخلةٍ متصاعدة؛ إذ لها في كل مركّبٍ مقامٌ.. وفي كل مقام لها نسبة.. وفي كل نسبة لها وظيفة.. وفي كل وظيفة تثمر مصالحَ.. وَا عَلمرتبة تتلو بلسانها دلائل وجوبِ وجودِ صانعها.. مثلُها كمثل جنديّ في "طاقمه وطابوره وفرقته... الخ".
* * *
ولنشرع في نظم هذه الآية باعتبار نظم مجموعها بما قبلبال ال نظمِ جُمَلها بعضٍ مع بعض، ثم نظم هيئاتِ كلّ جملةٍ جملة.
أما نظمُ المجموع بما قبله فاعلم أن القرآن لمّا بيّن أقسامَ البشر وأنواعَ المكلَّفين من المؤمنين المتّقين والكافرين المعاندين والمنافقين المذبذبين توجّه إليهم كافعالى عبًا بقوله:
يا ايها الناس اعبدوا
عقّبه ورتّبه على سابقه ترتيبَ البناء على الهندسة، والأمرِ والنهي بالعمل على قانون العلم، والقضاءِ على القدر، والإنشاء والإيجادِ على القصة والحكبي طالذ لمّا ذكرَ مباحث الفِرَق الثلاث، وذكر خاصةَ كلٍّ وعاقبةَ كلٍّ، تهيأ الموضعُ وانتبه السامعُ فالتفت مخاطبًا بذلك الخطاب.. ثم إن في هذا الالتفات -أعني ذكرَهم أولًا بالغَيبة ثم الخطابَ معهم هنا- نكان خالومية في أسلوب البيان، وهي:
أنه إذا ذُكر محاسنُ شخص أو مساويه شيئًا فشيئًا يتزايدُ بحُكم الإيقاظ والتهييج ميلانُ استحسانٍ أو ميلُ نفرةٍ. ويتقوى ذلك الميلعجزاته فشيئًا إلى أن يُجبرَ صاحبَه على المشافهة مع ذلك الشخص، وبالنظر إلى المقام يقتضي ميولات السامعين لأوصافه أن يُحضر المتكلمُ ذلك الشخص ويجرّه إلى حضورهم فيتوجه إليه بالخطاب..
وفيه نكتة خصه. فلانا وهي تخفيفُ أعباء التكليف بلذّة الخطاب.. وفيه أيضًا إشارة إلى أنْ لا واسطةَ في العبادة بين العبد وخالقه.
وأما نظم الجمل فی
يا ايها الناس اعبدوا
خطابٌ لكل إنسان من الفِرق الثلاث في الأزمنة انُهم أ من كلِّ طبقات الفِرَق. أي أيها المؤمنون الكاملون اعبدوا على صفة الثبات والدوام.. وأيها المتوسطون اعبدوا على كيفية الازدياد.. وأيها الكافرون افعلوا العبادة مع
— 153 —
شرطها من الإالأستاالتوحيد.. وأيها المنافقون اعبدوا على كيفية الإخلاص. فالعبادة هنا كالمشتَرَك المعنوي فتأمل!
ربكم
أي اعبدوه لأنه ربٌّ يربيكم فلابد أن تكونوا عبادًا تعبدونه.
تذييل:في ربكم رمزٌ دقيق إلى دليل إمكان الذوات. وفية لأحملكم الأرض فراشا إلى دليل إمكان الصفات. وفي اَلَّذي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
إلى دليل حدوث الذوات والصفات. والذي ينصّ على دليل إمكان الذوات قوله تعالى:
وَاللّٰه الْغَنِيُّ وَاَنْتُمُ الفُقَرَا التمثيضًا:
الى ربك المنتهى
(النجم:٤٢) وأيضًا:
فانهم عدوّ لي إلّا رب العالمين
(الشعراء:٧٧) وكذلك:
قل اللّٰه ثم ذَرْهم في خوضهم يلعبون
(اِنُونَ:٩١) وأيضًا:
ففروا الى اللّٰه
(الذاريات:٥٠) وكذلك:
اَلاَ بذكر اللّٰه تطمئنُّ القلوب
(الرعد:٢٨) وقس، فتأمل!
وأما جملة
الذي خلقكم
فاعلم أن اللّٰه تعالى لمّا أمر بالعبادة وهي تقتضي ثلاثة أشياء: وجود المعبود، ووحدتي في هتحقاقه للعبادة.. أجاب عن هذه الأسئلة المقدَّرة بالإشارة إلى دلائلها الثلاثة:
فدلائل الوجود قسمان:
آفاقي وأنفسي. والأنفسي نوعان: نفسيّ الإنكّ.
فأشار إلى النفسي الأقربِ الأوضحِ بقوله: الذي خلقكم وإلى الأصولي بقوله: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وأما نظمُ لعلكم تتقون فاعلم أن القرآن لمّا علّق..
ثم دةَ على خَلقِهم وآبائهم، اقتضى ترتيبُ العبادة على خَلق البشر نقطتين:
إحداهما:أن تكون خلقتُهم باستعداد العبادة، وجبليّتُهم على قابلية التقوى؛ حتى مَن يرى ذلك الاستعداد يأمل ويرجو منهم العبادةَ،اداه نرى المَخالِبَ يأمل الافتراس.
والثانية:أن يكون المقصدُ من خلقتهم ووظيفتهم التي هم مأمورون بها وكمالُهم الذي يتوجهون إليه، هو التقوى الذي هو كمال العبادة.
و لعلكم تتقون أي المقصد من خلقكم وكمالكم والذي هُيئ ثل غَيعدادُكم إنما هو التقوى.
— 154 —
وأما جملة:
جعل لكم الأرض فراشا
فإشارة إلى أقرب الدلائل الآفاقية على وجوده تعالى.. وأيضًا فيها رمز إلى ردِّ التأثير الحقيقي للأسباب الذي هو منشأٌ لنوعِ شرك. أي تمهيدُ هم ضروبجعله تعالى، لا بالطبيعة.
وأما: والسماء بناء فإشارة -بذكر السماء التي هي لصيقُ الأرض- إلى أعلى الدلائل الآفاقية البسيطة.
ثم أشار بقوله:
وأنزل من السماء ماءً
إلى وجه دلالةِ المركبات والمواليد على وجودُمْ فِا.
ثم إن كلًا من الجُمل السابقة كما تدل على إثبات الوجود؛ كذلك المجموعُ يلوّح بالوحدة. وصورةُ الترتيب المشيرِ إلى النظام الملوِّحِ بالنِعم مع دلالة: رزقا لكم تُثبت استحقاقه تعالى للعبادة، لأن شكْرَ المُنْعِم عريفات وفي رزقا لكم إشارة إلى أنه كما أن الأرض والمواليد تخدم لك لابد أن تخدم لمَن سخّرها لك.
وأما نظم:
فلا تجعلوا للّٰه اندادًا
فاعلم أنه قد امتدت من نظمها خطوطٌ إلى يا ايها الناس اعبدوا جُومُ وإلى الذي خلقكم وإلى الذي جعل لكم وإلى وأنزل. أي إذا عبدتُم ربَّكم فلا تشركوا له لأنه هو الرب، ولأنه هو الخالقُ لكم ولنَوعكم، فلا يجعلْ بعضُكم بعضًا أربابًا من دون اللّٰه، ولأنه هو الذي خلق الأرض وفرَشها ومهّدهاة إلى ولأنه هو الذي خلق السماء وجعلها سقفا لبنائكم، فلا تعتقدوا تأثيرًا حقيقيًا للأسباب الطبيعية التي هي منشأ الوثنية، ولأنه هو الذي أرسل الماء إلى الأرض لرزقكم ومعيشتكم، ولا نعمةَ إلّا منه، فلا شكرَ ولا عبادةَ إلّا له.
وأما نظم كيفياتِ وهيئاتِ ظام تحجملةٍ:
فاعلم أن كلمة يا أيها في جملة: يا ايها الناس اعبدوا قد أكثر التنیزيلُ من ذكرها لنُكت دقيقة ولطائفَ رقيقة، إذ هذا الخطاب مؤكّد بوجوه ثلاثة: بما في يَا من الإيقاظ، وما في "أَيُّ" من التوسم، ية.. ثتوسم الشيء: تفرسه وتأمل فيه. وما في "ها" من التنبيه.
فالخطاب هنا رمز إلى فوائدَ ثلاث:
مقابلة مشقة التكليف بلیذّة الخطاب.. وأنّ ترقي
— 155 —
الإنسان من حضيض الغيبة إلى مقام الحضور إنما هو بواسطة العبادة.. [٭]: الصحة واسطة في العبادة بين العبد وخالقه. (ش). وأيضًا إشارة إلى أن المخاطَب مكلّف بجهات ثلاث: باعتبار قلبه بالتسليم والانقياد، ومن جهة عقله بالإيمان والتوحيد، وبالنظر إلى قالبه بالعمل والعبادة.. والمص إيماء إلى أن المخاطبين ثلاثُ فرق.. [٭]: المؤمنون والكفار والمنافقون. (ت: ١٠٨). وأيضًا تلويح إلى الطبقات الثلاث من الخواص، والمتوسطين، والعوام.. وأيضًا تلميح إلى الطرز المألوف والنسق المأنوس وهو أن المرء أولًا ينادي أانية وُوقِفه. ثم يتوسمه فيوجّهه. ثم يخاطبه فيُخدِمُه. [٭]: فيستخدمه. (ب).
فبناء على هذه النكت تكون التأكيداتُ في الخطاب مؤسسةً من تلك الجهات.
أما النداء في يَا فلأن المُنادَى هو الناس المشتمل على الطبقات الذي فة من الغافلين والغائبين والساكتين والجاهلين والمشغولين والمُعرضين والمحبين والطالبين والكاملين يكون هذا النداء للتنبيه، وكذا للإحضار، وكذا للتحريك، والإيماتعريف، وكذا للتقريع، وكذا للتوجيه، وكذا للتهييج، وكذا للتشويق، وكذا للازدياد، وكذا لهزّ العِطف..
وأما البُعد في يَا مع أن المقام مقام القُرب، فإشارة إلى
جلالةِ وعظمةِ أمانة التكتاذًا وأيضًا إيماءٌ إلى بُعد درجة العبودية عن مرتبة الألوهية.. وأيضًا رمز إلى بُعد أعصار المكلفين عن محلِّ وزمانِ ظهور الخطاب. وأيضا تلويح إلى شدة غفلةِ البشر.
وأما "أَيُّ" الموضوعُ للتوسّم من العموم، فرمز إد (ص) الخطاب لعموم الكائنات. فيخصص من بينها الإنسان، بتحمل الأمانة على طريق فرض الكفاية. فإذن قصورُ الإنسان تجاوزٌ لحقِّ مجموع الكائنات.. ثم في "أَيُّ" جزالةُ م.. ولل ثم التفصيل. [٭]: لأن في كلمة "أيّ" إجمالا وإبهاما حيث ذكرت غير مضافة، إلّا أن كلمة (النَّاس) تزيل ذلك الإبهام وتفصّل ذلك الإجمال. (ت: ١٠٩).
وأما "ها" فمع كونه عِوَضا عن المضاف إليه، إشارة إلى تنبيه مَن حضر بی يَا
ووالخيالناس فإشارة -بحكم تلميح الوصفية الأصلية- إلى العتاب، أي "أيها الناس كيف تنسون الميثاق الأزلي؟" وأيضًا إلى العذر، أي "أيها الناس لابد أن يكون قصوركم عن السهو والنسيان لا بالعمد والجد!ينهم.
أما اعبدوا فبحكم جوابيته للنداء العامِّ مناداهُ للطبقات المذكورة يدل على الإطاعة، ويشير إلى الإخلاص، ويرمز إلى الدوام، ويلوّح إلى التوحيد. أي أطيعوا.. وأخلصوا.. واثبتوا.. وازدادوا.. ووحّدوا.
وأما ربكم فإشارة إلى أن العبادةأثيرُ نبغي أن يُرغَّب فيها، لأنها نسبةٌ شريفة ومناسبة عالية؛ كذلك لابد أن تُطلَب لأنها شكر وخدمة لمن هو يربيكم وتحتاجون إليه.
أما هيئاتُ الذي خلقكم والذين من قبلكم "تَحِاعلم أن الذي الذي جهةُ معلوميته الصلةُ [٭]: فإذا قيل مثلًا: "الذي جاءك" فجهته المعلومة لديك هي المجيء إليك. أما سائر جهاته فمجهولة. (ت:١١٠). يشير إلى أشار رفة اللّٰه تعالى إنما تكون بأفعاله وآثاره لا بكُنهه.
وأن "خَلَق" الممتاز عن الإيجاد والإنشاء بكونه على وجه مقدَّرٍ مستوٍ، إشارة إلى أن استعداد البشر مسدَّد للتكليف.. وأيضا رمز إلى أوا أنهادة وظيفة، لأنها نتيجة الخلقة وأُجرتُها. فما الثواب إلّا من محض فضل اللّٰه تعالى.
وأن الذين بناءً على إبهامه إيماء إلى أن الذين سبقوكم انقرضوا فماتوا فذهبوا.. فلم يبقَ منهم جهةُ المعلووبًا لّا كونُهم مخلوقين قبلكم.. فأنتم على شفا جُرف القبر.. فاعتبِروا.. فلا تغتروا بالدنيا.. فتشبثوا بأذيال العبادة التي هي وسيلةُ السعادة الأبدية.
أما كيفيات لعلكم تتقونمَ أشد أن "لعل" للرجاء، ففي المرغوب يُقال إطماع، وفي المكروه إشفاق. فالرجاءُ في حق المتكلم هنا حقيقةً محالٌ. فهو إما باعتباره لكن مجازا، وإما باعتبار المخاطَب، وإما باعتبار المشاهدين والسامعين:
أما باعتبار الموبمحمداستعارةٌ تمثيلية، كما أن من جهّز أحدا بأسبابِ خدمةٍ يرجو منه -عُرفا- تلك الخدمة؛ كذلك إن اللّٰه جهّز البشر باستعداد الكمال وقابلية التكليف وواسطة ال
-. ففي الاستعارة إشارة إلى أن حكمةَ خلق البشر هي التقوى.. وكذا رمز إلى أن نتيجة العبادة مرتبةُ التقوى.. وكذلك إيماء إلى أن التقوى أكبرُ المراتب.. وأيضًا تلميح إلى طرز أسلوب الملوك بالإطماع والرمز في موضع الوعد القطعيّ.
— 156 —
كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا
— 157 —
وأما باعت الإرشمخاطَب فكأنه يقول: "اعبدوا حال كونِكم راجين للتقوى، ومتوسطين بين الرجاء والخوف". وفي هذا الاعتبار إشارة إلى أنه لابد أن لا يعتمد الإنسان على عبادته.. وكذا إيماء إلى أنه لابد أن لا يكتفي بما هو فيه، بل لزم أن يكونثبت فيا لی"عليك بالحركة غيرِ السكون" فينظرَ في كل مرتبة إلى ما فوقها.
وأما باعتبار المشاهدين والسامعين، فكأن من شاهد البشر مجهّزا ومسلّحا باستعدادات، يأمل ويرجو منه العبادة، كمن يرى مخالبَ حيوان وأنيابهخمس ال منه الافتراس.. وكذلك إشارة إلى أن العبادة مقتضى الفطرة.
أما لفظ تتقون فإشارة -بحكم ترتّبه على عبادة الطبقات المذكورة- إلى مراتب التقوى وهي: التقوى عن الشرك، ثم التقوى عن الكبائر، ثم التقوى بحفظ القلب عماه ليس تعالى.. وكذا التقوى بالتجنب عن العقاب.. وأيضًا التقوى بالتحرز عن الغضب.. وكذا رمز إلى أن العبادة بالإخلاص تكون عبادةً.. وأيضًا إيماء إلى أن العبادة مقصودةٌ بالذات لا وسيلة محضة.. وكذلك رمز إلى أن العبادة لابد أن لا لّقة مأجل الثواب والعقاب.
أما هيئات آيةِ
الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء
فاعلم أنها إشارة إلى التهييج على العبادة ببيان عظمةِ قدرة الصانع، و ورأى تشويق عليها بالامتنان. كأنه يقول: أيها الإنسان! إن الذي سخّر لك الأرض والسماء يستحق أن تعبده.. وكذا إيماء إلى فضيلة البشر وعلوّ قيمته ومُكرَّمِيَّتِه عند اللّٰه، كأنه يقول: "إنَّ الذي أكرمكم بأنْ هيّأ الأجرامَ العلوية والسفلية بعيتها هلاستفادتكم، لابد أن تُظهروا لياقتكم للكرامة بعبادته.." وكذا تلميح إلى ردِّ التصادف والاتفاق وتأثيرِ الطبيعة، أي إن كل ما ترون بصفاتها إنما هي بجعلضيافك.ٍ وقصدِ قاصدٍ وتخصيصِ مخصِّص ونظمِ نظَّام جلّت حكمتُه.. وكذا تلويح إلى ردِّ مذهب أهل الطبيعة ومذهب الصابئين المولِّدِ لمذهب الوثنيين.. وايضًا تنبيه إلى أن صفات الأجسام بإمكانها تدل على الصانع؛ إذ الأجسام متساويةٌ ذراتُها ف في الية الأحوال والكيفيات العمومية، فكل صفة ممكنةٌ مترددة بين احتمالات كثيرة، فكل جسم باعتبار كل صفة وكيفية يحتاج إلى قصد وحكمة وتخصيصِ مخصِّص.
— 158 —
أما تق وَعلكم فإشارة إلى أن تفريش الأرض لأجل الإنسان، لا أن المفترِش والمستفيد هو الإنسان فقط، حتى يكون الزائدُ عبثًا، فتأمل!
وأما فراشا فإشارية كاننكتة البلاغة التي هي نقطة الغرابة، وهي قيدُ "مع اقتضاء طبعها الانغماس في الماء".. وإيماء إلى أن التفريش بالجَعل خلاف الطبيعة؛ إذ مقتضى طبيعة الكرة استيلاء الماء عليها وإحاطته بها، فاحكمة ابحكمته ومرحمته أَظهر قسمًا منها وفرشه ووضع عليه مائدة نِعَمه.. وكذا تنبيه -بقاعدةِ: "إذا ثبت الشيءُ ثبت بلوازمه"- إلى أن الأرض كأرض البيت مبسوطة، فأنواع النباتات والحيوانات فيها كأساسات الل: لماما وضعت بقصدٍ وحكمةٍ.. وكذا إيماء إلى أن الأرض توسطت بقصدٍ وحكمة بين المائع الذي لا يتمسك عليه الأقدام، وبين الصلب الشديد الذي لا يقبل الاستفاد. وأن راعة فيكون عبثًا، ولو كان ذهبًا. فبالتوسط إشارة إلى أنه بتخصيصِ وجعلِ وقصدِ حكيم.
أما والسماء بناء فإشارة إلى أنه تعالى لما جعل لكم السماء سقفًا وبناءً صارت نجو في الناديل لكم، فلا يُتوهم التصادف في تفريق تلك القناديل وانتشارِها كما يُتوهم التصادف في وضعية الجواهر التي تُرمى على الأرض منتثرة.
اعلم أن في هذه الآذّتُه رة ورمزًا وإيماء إلى سرّ عجيب دقيق غال وهو:
إن قلت: إنَّ الإنسان ذرة بالنسبة إلى أرضه، وأرضُه ذرة بالنسبة إلى الكائنات. وكذا فردُه ذرة [٭]: ذرة بالنسبة إلى نوعه (ش). إلى نوعه، ونوعُه ذرة بالنسبة إلى شركائه إلى ااستفادة في هذا البيت العالي. وكذا جهةُ استفادة البشر بالنسبة إلى فوائدِ وغايات هذا البيت ذرة، والغايات التي تُحِسّ بها العقولُ ذرةٌ بالنسلجنسية فوائده في الحكمة الأزلية والعلم الإلهي، فكيف جُعِل العالمُ مخلوقًا لأجل البشر واستفادتُه علةً غائية؟.
قيل لك: نعم، ولكن مع كلِّ ما مرّ؛ لأجل وُسعة روح الإنسان وتبسّطِ عقله و.. قالِ استعداده وكثرةِ وانتشار استفادته من الكائنات.. وأيضًا لأجل عدم المزاحمة والتجزي والمدافعة في جهة الاستفادة كنسبة الكلّي إلى جزئياته -إذ الكلّي بتمامه موجود في كلٍّ مِن جزئياته لا مزاحمةَ ولا تجزّيَ- جَعَل القرآنُ جهةَ استفرتم أحبشر التي هي غايةٌ فذّة من ألوفِ
— 159 —
ألوف غايات السماء والأرض، في منیزلة العلة الغائية. كأنها هي العلة بالنظر إلى الإنسان. أي إن الإنسان يستفيد من الأرض عرصةً لبيته والسماء سقفًا ول فردنجوم قناديل والنباتات ذخائر، فحقٌّ لكل فرد أن يقول: شمسي وسمائي وأرضي. فتأمل وعقلُك معك!
أما كيفياتُ:
وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم
فاعلم أن نسبة أنزل إلى الضمير إشارةٌ إلى أن القطرات إنما تُنیزَل بميزانِ قصدٍ وتبين خضحكمةٍ، حتى إن كل قطرة محفوفة بنظام مخصوص، بأمارةِ عدم مصادمتها لأخواتها في تلك المسافة البعيدة مع تلعّب الهواء بها. فيؤذِنُ أنْ ليست غواربها علٌ بشرطقها، [٭]: سبق التنبيه إليه. بل زمامُ كلٍّ في يد مَلَك ممثِّل لنظام ومَعكِس له.
أما من السماء فإشارة بإقامة الظاهر مقامَ الضمير، إلى أن الغرض من هذه السماء جهتُها لا جِرمُها المخصوص. رخرته لأن المقام مقام الضمير، فإذا عدل عنه إلى الظاهر يكون المراد به غير الأول... (ب).
أما ماءً مع أن المُنیزَل ثلج وبَرَد ومطر، فإشارة إلى المنشأ القريبا الحصفادة
وجعلنا من الماء كل شيء حي
(الأنبياء:٣٠). أما تنكيره فإشارة إلى أنه ماءٌ عجيبٌ شأنُه، غريبٌ نظامُه، مجهولٌ لكم امتزاجاتُه الكِمْيَوِية.
أما فاء فاخرج الموضوعةقواها يب بلا مهلة، مع المهلة بين نزول الماء وخروج الثمر، فتلويح إلى فی"اهتزت الأرضُ وربَت.. واخضرّت.. وانبتت من كل زوج بهيج.. فأخرج". أما نسبة أخرج إلى الضمي سلاسارة إلى أن خروج الثمار ليس بتولّد وتركّب فقط، بل الصانعُ الحكيم ينشئها ويرتبها بصفات وخواص لا توجد في مادتها.
أما به فبسبب تشرب المعنى الحقيقي -وهو الإلصاق- للسببية رمز إلى لطافة طراوة الثمار، فيعلو إليها الماء -خلاف طبيعته- بوساطة "اللذي أبلشَعرية" فيملأ أقداح الثمرات ملصقًا بها.
أما من الثمرات فلعدم خلوّها من معنى الابتداء عند سيبويه يشير إلى مفعولٍ يتنوع بتعيّن فهم السامع، أي إن من الثمرات أنواعًا كما تشتهإنسان 60
أما تنوين رزقًا فإشارة إلى أنه رزقٌ، مجهولٌ لكم أسبابُ حصوله، فيجيء من حيث لا يُحتسب.
أما لكم فإشارة إلى تأكيد معنى الامتنان.. وأيضًا إيماءٌ إلى أن الر إسلاملكم، فلا بأس من استفادة غيركم منه تبعًا.. وكذا رمز إلى أنه تعالى كما خصّكم بالنِعم فخُصّوه بالشكر.
أما نظم هيئات فلا تجعلوا للّٰه اندادًا
شر إلياء ينظر إلى الفقرات الأربعة: أي لأنه هو المعبود فلا تشركوا، ولأنه هو القادر المطلق والأرض والسماء في قبضته فلا تعتقدوا له شريكًا، ولأنه المُنعم فلا تشركوا في شكره، ولأنه هو ا أنظا فلا تتخيلوا له شريكًا.
أما تجعلوا بدل تعتقدوا فإشارة إلى معنىَ: إن هي إلا أسماء سميتموها (النجم:٢٣) أي أسماء لا معنى لها، تتخيلون لياس إلدًا بجعلكم.
أما تقديم للّٰه فمع الاهتمام بجعله نُصبَ العين، إيماء إلى أن منشأ النهي كون الشريك للّٰه.
أما اندادا فلفظ الندّ بمعنى المِثل، ومِثلُه تعالى يكون عينَ ضدّ إلى تينهما تضادٌّ، ففيه إيماء لطيف إلى أن الندّ بيّن البطلان بنفسه.. أما الجمعُ فإشارة إلى نهاية جهالة المشركين وإيماء إلى التهكّم بهم. أي كيف تجعلون للّٰه الذي لا شبيه له بوجهٍ مّا جماعةً من أمثال وأضداد؟". وكذا رمز إلى ردِّ كل أ ظلمة لشرك. أي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.. وتلويح إلى ردّ طبقات المشركين من الوثنيين والصابئين وأهل التثليث وأهل الطبيعة المعتقدين بالتأثير الحقيقي لل بلا م
تذييل:منشأ الوثنية والأصنام إما تأليهُ النجوم أو تخيّل الحلول أو توهّم الجسمية.
أما وانتم تعلمون فمع أخواتها من الفواصل، إشارة إلا، وذكنشأ الإسلامية هو العلم وأساسُها العقل، فمن شأنه أن يقبل الحقيقةَ، ويردّ سفسطة الأوهام.
ثم إنه أطنبَ بإيجازِ تركِ المفعول، أي وانتم تعل [٭]:ن لا معبودَ حقيقيًا ولا خالق ولا قادر مطلقًا ولا منعم إلّا هو.. وكذا وأنتم تعلمون أن الآلهة والأصنام ليست بشيء، لا تقتدر على شيء، وأنها مخلوقة مجعولة تتخيلونها. فتدبّر!
— 161 —
وَإنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنن الإسَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰه اِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٢٣ فَاِن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي وَقُودُهَا النّاسُ والض باطلَةُ اُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ٢٤
مقدمة في تحقيق النبوة
اعلم أنه كما أثبتت الآيةُ السابقة أوّلَ المقاصد الأساسية القرآنية وهو التوحيد؛ كذلك تثبت هذه الآية ثانيَ المقاصد الأربعة وهو إثبات نبوّة محمّد عليه الصلاة والسلام لم يُ معجزاته الذي هو التحدّي بإعجاز القرآن. ولقد فصلنا دلائلَ نبوّته في كتاب آخر فلنلخِّص بعضها هنا في ستِّ [٭]: في سبع مسائل. (ش). مسائل:
َ لَهَألة الأولى
اعلم أن الاستقراء التام في أحوال الأنبياء مع الانتظام المطّرد المسمى بالقياس الخفيّ ينتج أن مدارَ نبوّة الأنبياء وأساسها وكيفية معاملاتهم مع أممهم -بشرط تجريد المسألة عن خصوصيات تأثير الزماوالاستكان- يوجد بأكملِ وجهٍ في محمّد عليه الصلاة والسلام الذي هو أستاذُ البشر في سنِّ كمال البشر، فينتج بالطريق الأَوْلى وبالقياس الأَوْلَويّ أنه أيضًا رسولُ اللّٰه. فجميع الأنبياء بأَلسنة مركيبِ م كأنهم شاهدون على صدق محمّد عليه السلام الذي هو البرهانُ النَيِّر على وجود الصانع ووحدته فتأمل...
المسألة الثانية
اعلم أن كلَّ حال من أحواله وحمد (صركة من حركاته عليه السلام -وإنْ لم يكن خارقًا- يلَوِّح بالمبدأ على صدقِه وبالمنتهى على حقانيته. ألا ترى أنه عليه السلام كيف كان حالُه في أمثال واقعة الغار التي انقطع -بحسب العادةآداب ا الخلاص، يقول بكمال الوثوق والاطمئنان والجدية: لا تحزن إن اللّٰه معنا (التوبة:٤٠). فكما أن ابتداءه بالحركة -بلا مبالاةٍ لمعارض وبلا خوفٍ وتردّد مع كمال الاطمئنان- يدل على تمسكه بالصدق؛ كذلك تأسيسُه
— 162 —
بانتهاء حركاته -لقواعدَ هي الأساس لرابعة الدارين- وإصابتُه للحق واتصاله بالحقيقة دليلٌ على حقانيته، فهذا فردًا فردًا. وأما إذا نظرتَ إلى مجموع حركاته وأحواله يتجلى لِعينك برهانُ نبوّته كالبرق اللامع. فتبصّر!
المسألة الثالثة
اعلم أن الزمان الماضيَ والحالَ (قّد في السعادة) والاستقبالَ اتفقتْ على تصديق نبوّته كما أن ذاتَه دليل على نبوّته. ولنطالع هذه الصحُف الأربع:
فأولًا:نتبرك بمطالعة ذاته عليه السلام. ولابد أوّلًا من تصوّر أربع نكت:
إحداها:أنه "ليس الكَحَلُ كالتكحُّل" [٭]: لأنَّ حِلمَكَ حِالعلّة تَكَلَّفُهُ لَيسَ التَكَحُّلُ في العَينَينِ كَالكَحَلِ (للمتنبي) أي لا يصل الصنعيُّ والتصنعيُّ -ولو كانا على أكملِ الوجوه- مرتبةَ الطب مجسَّالفطريّ ولا يقوم مقامَه، بل فلتاتُ غلَطاتِ هيئةِ حركةِ الصنعي تومئ بمُزخرَفِيَّته.
والثانية:أن الأخلاق العالية إنما تتصل بأرض الحقيقة بالجدّية، وأن إدامة حياتها وانتظام مجموعها إنما هي بالصدق. ولو ارتفع الصدقُ من بى حال ارت كهشيم تذروه الرياحُ.
والثالثة:هي أنه كما يوجد المَيل والجذب في الأمور المتناسبة، كذلك يوجد الدفعُ والتنافر في الأمور المتضادة.
والرابعة:هي "أن للكلِّ حُكمًا ليس لكلٍّ" كقوّة لطبيعيمع ضعف خيوطه..
وإذا تفطنت لهذه النكت فاعلم أن آثار محمّد عليه الصلاة والسلام وسِيَره وتاريخ حياته تشهد -مع تسليم أعدائه- بأنه لعلى خُلق عظيم، وبأنه قد اجتمع فيه الخصائلُ العالية كافة. ومن شأن امتزاج تلك الأخلاقِ توليدُ عزةٍ للنفس وحيْعَلِيشرفٍ ووقار لا تساعد التنیزّلُ للسفاسف. فكما أن علوّ الملائكة لا يساعد لاختلاط الشياطين بينهم؛ كذلك تلك الأخلاقُ العالية بجَمعها لا تساعد أصلًا لتداخُل الحيلةِ والكذب بينَها. ألا ترى أن الشخص المشتهر بالشجاعة فقط لا يتنیزّل للكذبر الفربعُسر؟ فكيف بالمجموع؟ فثبتَ أن ذاتَه عليه السلام كالشمس دليلُ لنفسه..
— 163 —
وأيضًا إذا تأملتَ في حاله عليه السلام من الأربع إلى أربعين -مع أنّ من شأن الشبابية وتوقّدِ الحرارة الغريزية أن تُظهر ما يَخفى وتُلقي إ الكائاهر ما استتر في الطبيعة من الحِيَل- تراه عليه السلام قد تدرّج في سنينه وعاشرَ بكمال استقامةٍ ونهايةِ متانةٍ وغاية عفة واطّرادٍ وانتظامٍ. ما أومأ حالٌ من أحواله إلى حيلة، لاسيما في مقابلة المعاندين الأذكياء. وبينما تراه عليه السلام كذلك إذ تنظلى درج وهو على رأس أربعين سنة -الذي من شأنه جعلُ الحالاتِ مَلَكةً والعاداتِ طبيعةً ثانية لا تخالَف- قد تكشّف عليه السلام عن شخصٍ خارق قد أوقعَ في العالم انقلابًا عظيمًا عجيبًا. فما هو إلّا من اللّٰه.
المسألوالترمبعة
اعلم أن صحيفة الماضي المشتملةَ على قَصَص الأنبياء المذكورة على لسانه عليه السلام في القرآن برهانٌ على نبوّته بملاحظة أربع نكت.
إحداه ومنهاَ من يأخذ أساساتِ فنٍ ويعرف العُقَد الحياتية فيه ويُحسن استعمالها في مواضعها ثم يبني مدَّعاه عليها؛ يدل ذلك على مهارته وحذاقته في ذلك الفن.
النكتة الثانية:هي أنك إن كنت عارفًا بطبيعة البنافع وترى أحدًا يتجاسر وبلا تردد وبلا مبالاة بسهولة على مخالفةٍ وكذبٍ ولو صغيرًا.. في قوم ولو قليلين.. في دعوى ولو حقيرة.. بحيثيةٍ ولو ضعيفة. فكيف بمیَن له حيثيةٌ في غاية العظمة.. وفي دع فاعلمغاية الجلالة.. في قوم في غاية الكثرة.. في مقابلة عنادٍ في غاية الشدة مع أنه أميّ لم يقرأ.. يبحث عن أمور لا يستقلّ فيها العقلُ ويُظهرها بكمال الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد. أفلا يدلّ هذا على صدقه وأنه ليس منه بل من اللّٰه؟.
الثالثة:هي محفوظيرًا من العلوم المتعارفة عند المدَنيين -بِتعليم العادات والأحوال وتلقين الوقوعات والأفعال- مجهولةٌ نظريةٌ عند البدويين. فبناءً عليه لابد لمیَن يحاكِم ويتحرى حال البدويين -لا سيما في القرون الخالية- أن يفرض نفسَه في تلك البادية.
االدُ ا:هي أنه لو ناظرَ أميّ علماءَ فنٍّ -ولو فنَّ الصرف- ثم بيّن رأيه في مسائله مصدِّقًا في مظان الاتفاق، ومصحِّحًا في مطارح الاختلاف؛ أفلا يدلّك ذلك على تفوّقه، وأن علمه وهبي؟.
— 164 —
إذا عرفت هذه النكت: فاعلم أن محم شهر
لعربيّ عليه السلام مع أميّته قصّ علينا بلسان القرآن قصَصَ الأولين والأنبياء قصةَ مَنْ حضرَ وشاهَد، وبيّن أحوالَهم وشرحَ أسرارَهم على رؤوس العالم في دعوى عظيمة تجلب إليها دقةَ الأذكياء. وقد قصّا واحدبالاة، وأخذ العُقَد الحياتية فيها وأساساتها مقَدَّمة لمدّعاه، مصدِّقًا فيما اتفقت عليه الكتبُ السالفة، ومصحِّحًا فيما اختلفت فيه. كأنه بالروح اوالسعاِ المَعكسِ للوحي الإلهي طيَّ الزمانَ والمكانَ، فتداخل في أعماق الماضي فبيّن كأنه مشاهِد. فثبت أن حاله هذه دليل نبّوته وإحدى معجزاته. فمجموعُ دلائل نبوّة الأنبياء في حُكمٍ دليلٍ معنويٍ له، وجميعُ معجزات الأنبي إلى احُكم معجزة معنوية له.
المسألة الخامسة
في بيان صحيفة عصر السعادة لا سيما مسألة جزيرة العرب. فها هنا أيضًا أربع نكت:
إحداها:أنك إذا تأملتَ في العالم ترى أنه قد يتعسر ويئق القرفعُ عادةٍ ولو حقيرةً في قوم ولو قليلين. أو خصلةٍ ولو ضعيفةً.. في طائفةٍ ولو ذليلين.. على مَلِك ولو عظيمًا.. بهمّة ولو شديدة. في زمان مديد بزحمة على ال [٭]: في زمان ولو مديد بزحمة ولو كثيرة. (ش). فكيف أنت بمَن لم يكن حاكمًا، تشبثَ في زمان قليل بهمّة جزئية -بالنسبة إلى المفعول- وَقَلَعَ عاداتٍ وَرَفَعَ أخلاقًاأخذوا تقرت بتمام الرسوخ واستُؤنس بها نهاية استيناس واستمرت غايةَ استمرار، فغرسَ فجأةً بَدَلَها عاداتٍ وأخلاقًا تكمّلت دفعةً عن قلوب قوم في غاتمثيل ثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب. أفلا تراه خارقًا للعادات؟..
النكتة الثانية:هي أن الدولة شخصٌ معنويّ. تشكُّلُها تدريجيّ كنمو الطفل، وغلَبتُها نظمه و العتيقة -التي صارت أحكامُها كالطبيعة الثانية لملّتها- متمهلةٌ. أفلا يكون حينئذ من الخارق لعادةِ تشكُّلِ الدول تشكيلُ محمّد عليه السلام لحكومةٍ عظيمةٍ دفعةً، مهيَّئةً لنهاية الترقي، متضمنةً للأساسات العالية ا
وأ مع غلبتها للدول العظيمة دفعةً مع إبقاء حاكميته لا على الظاهر فقط، بل ظاهرًا وباطنًا ومادةً ومعنًى.
النكتة الثالثة:هي أنه يمكن بالقهر والجبر تحكّمٌ ظاهريّ، وتجواب عطحيّ. لكن الغلبةَ
— 165 —
على الأفكار، والتأثيرَ بإلقاء حلاوته في الأرواح، والتسلطَ على الطبائع مع محافظةِ حاكميته على الوجدان دائمًا لا يكون إلّا من خوارق العادات.. وليس إلّا الخاصةُ الممتازة للنبوّة.
النكتة الرابعةةً منين تدوير أفكار العموم وإرشادَها بحِيَل الترهيب والترغيب والخوف والتكليف إنما يكون تأثيرُها جزئيًا سطحيًا مؤقتًا يسدّ طريقَ المحاكمة العلعجزُ ي زمان. أما مَن نفذ في أعماق القلوب بإرشاده، وهيَّج دقائقَ الحسيات، وكشف أكمامَ الاستعدادات، وأيقظ الأخلاق، وأظهر الخصائل المستورة، وجعل جوهر إنسانيتهم فوّارًا، وأبرزَ قيمةَ قرآن ههم؛ فإنما هو مقتبِسٌ من شعاع الحقيقة ومن الخوارق للعادة. بينما ترى شخصًا في قساوة قلبِه يقبُرُ بنتَه حيةً ولا يتألم ولا يتأثر إذ تراه بعد يوم -وقد أسلم- يترحّم على نحو٭]: نف، ويتألم بألَم حيوان. فباللّٰه عليك أَ ينطبق هذا الانقلاب الحسي على قانون؟
فإذا عرفت هذه النكت تأمّل في نقطة أخرى وهي: أن تاريخ العالم يشهد: أن الداهيَ الفريدَ إنما هو الذي اقتدر على إنعاش استعداد عمدائرة وإيقاظِ خَصلة عمومية، والتسببِ لانكشاف حسّ عموميّ؛ إذ مَن لم يوقِظ هكذا حسًّا نائمًا يكون سعيُه هباءً مؤقتًا ولو كان جليلًا في نفسه.. وأيضًا إن التاريخ يرينا أن أعظمَ الناس ه لا يوفَّق لإيقاظ واحد أو اثنين أو ثلاث من هذه الحسِّيات العمومية: كحسّ الحَميّة الملّية، وحس الأخوّة، وحس المحبة، وحس الحرية... الخ. أفلا يكون إذَن إيقاظُ ألوفٍ من الحسِّيات المستورة العالية، وجعلُها فوّارةً منكشفة في قوم ب آخر "ّن منتشرين في جزيرة العرب تلك الصحراءِ الوسيعة، من الخوارق؟.. نعم! [٭]: لعله بلى. (ش). هو من ضياء شمس الحقيقة.
فيا هذا! مَن لم يُدخِل في عقله هذه النقطة نُدْخِل جزيرةَ لإثبافي عينه. فهذه "جزيرةُ.." بعد ثلاثة عشر عصرًا وبعدَ ترقِي البشر في مدارج التمدّن! فانتخِب أيها المعانِد من أكملِ الفلاسفة مائةً، فليسعَوا مائةَ سنة فإن فعلوا جزءًا من مائة ج مفاتيا فعلَه محمّد العربي عليه الصلاة والسلام بالنسبة إلى زمانه... [٭]: وجواب إن محذوف، أي فاطلب ما تشاء (ش). فإن لم تفعل -ولن تفعل- فاتّ المصدةَ العناد! نعم، هذه الحالة خارقةٌ للعادة وإن هي إلّا معجزةٌ من معجزاته عليه الصلاة والسلام.
واعلم أيضًا أن من أراد التوفيق يلزم عليه أن يكون له مصافاةٌ مع عادات اللّٰه، ومر، حيثةٌ
— 166 —
مع قوانين الفطرة، ومناسبةٌ مع روابط الهيئة الاجتماعية. وإلّا أجابته الفطرةُ بعدم الموفَّقية جوابَ إسكات..
وأيضًا مَن تحرك بمسلك في الهيئة الاجتماعية يلزمه أن لا يخالفَ حركة الجرياا رَزَوميّ. وإلّا طيّرَه ذلك الدولابُ عن ظهره فيسقط في يده. فإذن مَن ساعده التوفيقُ في ذلك الجريان كمحمّد عليه السلام يثبت أنه متمسكٌ بالحق.
فإذا تفهمت هذا، تأمل في حقائق الشريعة مع تلك المصادمات العظيمة و) وإلىابات العجيبة، وفي هذه الأعصار المديدة تَرَها قد حافظتْ على موازنة قوانينِ الفطرة وروابطِ الاجتماعيات اللاتي بدقتها لا تتراءى للعقول مع كمال المناسبة والمصافاة معها. فكلما امتدّ الز بمجيءظاهرَ الاتصال بينها. ويتظاهر من هذه الحالة؛ أن الإسلامية هي الدين الفطريّ لنوع البشر وأنها حقٌّ، لهذا لا ينقطع وإن رَقَّ. ألا ترى أن الترياق الشافي للسمومنكِر. لة في الهيئة الاجتماعية إنما هو أمثالُ: "حرمةِ الربا ووجوبِ الزكاة" اللتين هما مسألتان في أُلوف مسائل تلك الشريعة.
فإذا عرفت هذه النكت الأربع مع هذه النقط الثلاث، اعلم أن محمدًا الهاشميّ عليه الصلاة والسلا لا يحنه أمّيّ لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوّته الظاهرية وعدم حاكميةٍ له أو لسَلفه، وعدمِ ميلِ تحكّم وسلطنةٍ، قد تشبثَ بقلبه بوثوقٍ واطمئنان في موقع في غايةِ الخطر وفي مقام مهم، بأمر [٭]: بأمر: متعلق بی"تشبث". عظيم فغلَب على الأفكارلشرعُ ّب إلى الأرواح، وتسلّط على الطبائع، وقلع من أعماق قلوبهم العاداتِ والأخلاقَ الوحشيةَ المألوفة الراسخة المستمرة الكثيرة. ثم غرس في موضعها في غاية الإِحكام والقوة -كأنها اختلطت بلَحمهم ودمهم- أخلاقًا عاليةًلبخار تٍ حسنة، وقد بدَّل قساوةَ قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة وأظهرَ جوهرَ إنسانيتهم. ثم أخرجهم من زاوية الوحشة وَرقّى بهم إلى أوج المَدَنية وصيّرهم معلِّمي عالَمهم، وأسَّس لهم دولةً ابتلعت الدول كی"عصا موسى"، فلما ظهرت صارت كالشعماراتٍوّالة والنور النوّار، فأحرقت روابط الظلم والفساد، وجعل سريرَ تلك الدولة الدفعية في زمان قليل الشرقَ والغربَ.
أفلا تدل هذه الحالة على أن مسلكَه حقيقة وأنه صادق في دعواه؟
— 167 —
المسألة اا تظهر
في صحيفة المستقبل لاسيما "مسألة الشريعة".
ولابد من ملاحظة أربع نكَت في هذه المسألة:
إحداها:أنَّ شخصًا ولو خارقًا إنما يتخصص ويصير صاحبَ ملَكة في أربعة فنون أو قيلفقط.
النكتة الثانية:إنَّ كلامًا واحدًا قد يتفاوت بصدوره عن متكلِّمين، فكما يدل على سطحية أحدٍ وجهله.. كذلك يدلّ على ماهرية الآخر وحذاقته، مع أن الكلامَ هو الكلامُ؛ إذ أحدُهما لمّا نظر إلى المبدأ والمنتهى، الذي السياق والسباق، واستحضر مناسبتَه مع أخواته، ورأى موضعًا مناسبًا فأحسنَ الاستعمال فيه، وتحرى أرضًا منبتة فزرعه فيها، ظهر منه أنه خارق وصاحب مَلَكة فيما هذا الكلام منه. وكل فذلكات القرآن من الفنون وملتقطاته إنما هي من هذا القبيل.
النلأوصافثالثة:هي أن كثيرًا من الأمور العادية الآن -بسبب تكمّل المبادئ والوسائط حتى يلعبُ بها الصبيان- لو كانت قبل هذا بعصرين لعُدّت من الخوارق. فما يحافظ شبابيتَه وطراوتَه وغراة العرى هذه الأعصار المديدة يكون البتة من خوارق العادات والعادات الخارقة.
النكتة الرابعة:هي أن الإرشاد إنما يكون نافعًا إذا كان على درجة استعداد أفك بألمٍمهورِ الأكثرِ. والجمهورُ -باعتبار المعْظَم- عوامُّ، والعوام لا يقتدرون على رؤية الحقيقة عريانةً ولا يستأنسون بها إلّا بلباس خيالهم المألوف. فلهذه النكتة صوّرَ القرآنُ تلك الحقه، ص ٤متشابهات وتشبيهات واستعارات، وحافظ الجمهورَ الذين لم يتكمّلوا عن الوقوع في ورطة المغلطة، فأبْهَمَ وأهمَلَ في المسائل التي يعتقد الجمهورُ -بالحس الظاهري- خلافَ الواقع ضروريًا، لكن مع ذلك المؤمإلى الحقيقة بنَصْب أمارات.
فإذا تفطنتَ لهذه النكت، اعلم أن الديانة والشريعة الإسلامية المؤسّسةَ على البرهان العقليّ ملخصةٌ من علوم مّل عَتضمنت العُقَد الحياتية في جميع العلوم الأساسية: من فنّ تهذيب الروح، وعلم رياضة القلب، وعلم تربية الوجدان، وفنّ تدبير الجسد، وعلم تدوير
— 168 —
المنیزل، وفنِّ سياسة المدنية، وعلم نظامات العالم، وفنِّ الحقوق، وعلم المعاملات، وفنِّ الادلوا لاجتماعية، وكذا وكذا وكذا... الخ. مع أن الشريعة فسّرت وأوضحت في مواقع اللزوم ومظانّ الاحتياج، وفيما لم يلزم أو لم يستعد له الأذهانُ أو لم يساعد له الزمانُ أجملتْ بفذلكة ووضعت أساسًا أحالَت الاستنبوالأموه وتفريعَه ونُشُوءَ نَمَائِه على مَشُورة العقول. والحال أن كل هذه الفنون بل ثلثَه بعد ثلاثة عشر عصرًا -مع انبساط تلاحق الأفكار وتوسع نتائجها، وكذا في المواقع المتمدنة، وكذا في الأذكياء - لا يوجد في شخص. فمن زيّن وجدانَه بالإنصاف يصدّق بأن إشارة هذه الشريعة خارجةٌ عن طاقة البشر دائما لاسيما في ذلك الزمان، ويصدّق بمآل
لم تفعلوا ولن تفعلوا
"والفضل ما شهدت به الأعداء": [٭]: وشمائلٌ شَهِدَ العدوُّ بفَضْلِها والفضلُ ما شَهِدَتْ به الأعداءُ. (السري الرفاء، ت ٣٦٦هی).
فهذيرجِع لائيل"(٭) فيلسوف أمريكا نقل عن الأديب الشهير الألماني وهو "كوته"(٭) إذ قال بعد ما أمعن النظر في حقائق القرآن: "عجبًا، أيمكن تكمّل العالم المدنيفظة ائرة الإسلامية؟" فأجاب بنفسه: "نعم، بل المحققون الآن مستفيدون -بجهةٍ- من تلك الدائرة." ثم قال الناقل: لما طلعتْ حقائقُ القرآن صارت كالنار الجوّالة وابتلعت سائ المحبيان، فحُقَّ له؛ إذ لا يحصل شيءٌ من سفسطيات النصارى وخرافات اليهود. فصدّق ذلك الفيلسوفُ مآلَ:
فأتوا بسورة من مثله... فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النارومَ تت فإن قلت: إن القرآن وكذا مفسِّرَه -أعني الحديث- إنما أَخذ من كلِّ فنٍّ فذلكةً، وإحاطةُ فذلكاتٍ كثيرة ممكنةٌ لشخص.
قيل لك: إن الفذلكة بحُسن الإصابة في موقعها المناسب، واستعمالَها في أرض منبتةٍ مع أمور مرموزةٍ غيرِ مسموعة -قد أ البلاليها في النكتة الثانية- تشفّ كالزجاجة عن مَلَكة تامة في ذلك الفن واطلاعٍ تام في ذلك العلم، فتكون الفذلكةُ في حُكم العلم ولا يمكن لشخص أمثالُ هذه.
اعلم أن نتيجة هذه اليد هذات هي أن تستحضر أوّلًا ما سيأتي من القواعد وهي:
أن شخصًا لا يتخصص في فنون كثيرة..
— 169 —
وأن كلامًا واحدًا يتفاوت من شخصين، يكون بالنظر إلى واحدٍ ذهبًا وإلى الآخر فحمًا..
وأن الفنون نتيجةُ تلاحق الأفكارهذه الّل بمرور الزمان..
وأن كثيرًا من النظريات في الماضي صارت بدهيةً الآن..
وأن قياس الماضي على هذا الزمان قياسٌ مثبّط مع الفارق..
ة من ال الصحراء لا تستر بساطتَهم وصفوتهم الحيلُ والدسائسُ التي تختفي تحت حجاب المدنية..
وأن كثيرًا من العلوم إنما يتحصل بتلقين العادات والوقوعات وبتدريس الأحوال لطبيعة البشر بإعداد الزمان والمحيط..
وأن نور نظر البشوالقوّنفذ في المستقبل ولا يرى الكيفيات المخصوصة..
وأنه كما أن لحياة البشر عمرًا طبيعيًا ينقطع؛ كذلك لقانونه عمرٌ طبيعيّ ينتهي البتة..
وأن للمحيط الزماني والمكاني تأثيرًا عظيمًا في أحوال النفوس..
وأن كثيرًا من الخي عالملماضية تصير عادية بتكمّل المبادئ..
وأن الذكاء -ولو كان خارقًا- لا يقتدر على إيجاد فنٍ وتكميله دفعةً بل كالصبيّ يتدرج.
وإذا استحضرتَ هن الوجسائل وجعلتها نُصبَ عينيك فتجرَّدْ وتعرَّ من الخيالات الزمانية والأوهام المحيطية، ثم غُصْ من ساحل هذا العصر في بحر الزمان، مارًا تحته إلى أن تخرج من جزيرة عصر السعادة ناظرًا على جزيرة العرب! ثم ارفع رأسرُ "واَس ما خاط لك ذلك الزمانُ من الأفكار، ثم انظر في تلك الصحراء الوسيعة! فأول ما يتجلى لعينك: أنك ترى إنسانًا وحيدًا لا مُعينَ له ولا سلطنة، يبارزُ الدنيا برأسه.. ويهجم على العموم.. وحمَل على كاهله حقيقةً أجلّ من كرة الأرض.. وأخذ بيده شكتة الهي كافلةٌ لسعادة الناس كافة.. وتلك الشريعة كأنها زبدةٌ وخلاصةٌ من جميع العلوم الإلهية والفنون الحقيقية.. وتلك الشريعةُ ذاتُ حياةٍ لا كاللباس بل كالجلد، تتوسع بنموّ استعداد تةً عموتثمر سعادة الدارين، وتنظّم أحوالَ نوع الإنسان كأهلِ مجلسٍ واحد. فإن سُئلتْ: قوانينُها من أين.. إلى أين؟ لقالت
— 170 —
بلسان إعجازها: نجيء ر الجزلام الأزليّ ونرافق فكرَ البشر إلى الأبد، فبعد قطع هذه الدنيا نفارق -صورةً- من جهة التكليف ولكن نرافقُ دائمًا بمعنوياتنا وأسرارنا فنغذّي روحَهم ونصير دليلَهم.. فيا هذا أفلا يتلو عليك مالفَ مسَ الأمرَ التعجيزيَّ في:
فأتوا بسورة من مثله.. فان لم تفعلوا ولن تفعلوا ...
الخ.
ثم اعلم أن آيةَ
وان كنتم في ريب مما نزلنا
...الخ: تشير إلى أن ناسًا -بسب
وألة عن مقصود الشارع في إرشاد الجمهور، وجهلهم بلزوم كونِ الإرشاد بنسبة استعداد الأفكار- وقَعوا في شكوك وريوب منبعُها ثلاثة أمور:
أحدها:أنهم يقولون: وجود ا.. فهوهات والمشكلات في القرآن منافٍ لإعجازه المؤسَّس على البلاغة المبنية على ظهور البيان ووضوحِ الإفادة.
والثاني:أنهم يقولون: إنَّ القرآن أطلق وأبهمَ في حقائق الخِلقة وفنون الكائنات لإنسان منافٍ لمسلك التعليم والإرشاد.
والثالث:أنهم يقولون: إن بعض ظواهر القرآن أميَلُ إلى خلاف الدليل العقلي، فيَحتمل خلافَ الواقع، وهو مخالفٌ لصدقه.
الجواب-وباللّٰه التوفيق-:
ة.
ا المشككون اعلموا أن ما تتصورونه سببًا للنقص إنما هو شواهدُ صدق على سر إعجاز القرآن.
أما الجواب عن الريب الأول وهو وجود المتشابهات والمشكلات، فاعلم أن إرشاد القرآن لكافة أن يس، والجمهورُ الأكثرُ منهم عوام، والأقلُّ تابع للأكثر في نظر الإرشاد. والخطابُ المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواصُّ ويأخذون حصتهم منه.. ولو عكس لبقيَ لكلمات محرومين، مع أن جمهورَ العوام لا يجرِّدون أذهانهم عن المألوفات والمتخيلات، فلا يقتدرون على دَرك الحقائق المجرّدة والمعقولات الصِّرفة إلّا بمنظار 0>Eيلاتهِ اللّيرِها بصورة مألوفاتهم. لكن بشرط أن لا يقف نظرُهم على نفس الصورة حتى يلزم المحالُ والجسميةُ أو الجهة، بل يمر نظرهم إلى الحقائق.
— 171 —
مثلًا:إن الجمهور إنما يتصورون حقيقةَ التصرف الإلهي في الكائنات بصورة تصرف السلطان الذي استوى على سلخياليطنته. ولهذا اختار الكناية في:
الرحمن على العرش استوى
(طه:٥)
وإذا كانت حسيّات الجمهور في هذا المركز فالذي يقتضيه منهجُ البلاغة ويستلزمه طريقُى أن ماد رعايةُ أفهامهم واحترامُ حسياتهم ومماشاةُ عقولهم ومراعاةُ أفكارهم، كمن يتكلم مع صبي فهو يتصبّى في كلامه ليفهمه ويستأنس به. فالأساليبُ القرآنشر لا أمثال هذه المنازل المرعيِّ فيها الجمهورُ تسمى بی"التنزلات الإِلهية إلى عقول البشر"، فهذا التنیزّلُ لتأنيس أذهانهم. فلهذا وُضِعَ صورُ المتشا لزوم نظارًا على نظر الجمهور. ألا ترى كيف أكثرَ البُلغاء من الاستعارات لتصور المعاني الدقيقة، أو لتصوير المعاني المتفرقة! فما هذه المتشابهات إلّا من أقسام الاستعد المللغامضة، إذ إنها صورٌ للحقائق الغامضة.
أما كون العبارة مُشكلًا؛ فإما لدقّة المعنى وعمقِه، وإيجازِ الأسلوب وعلويته، فمشكلاتُ القرآن من هذا القبيل.. وإما لإِغلاقعناها وتعقيد العبارة المنافي للبلاغة، فالقرآن مبرأٌ منه. فيا أيها المرتاب! أفلا يكون من عين البلاغة تقريبُ مثل هذه الحقائق العميقة البعيدة عن أفكار الجمهور إلى أفهام العوام بطريق سهل، إذ البلاغةُ مطابقةُ مقتضى الحال؟ فتأمل..
أما ال خمسة ن الريب الثاني، وهو إبهامُ القرآن في بحث تشكّل الخِلقة على ما شرحتْه الفنونُ الجديدة... فاعلم أن في شجرة العالم ميلَ الاستكمال، وتشعَّبَ منه في الإنسان ميلُ الترقي، وميلُ الترقي كالنواة يحصل نشوؤه ونماؤه بواسطة التجارب بأكملرة، ويتشكل ويتوسع بواسطة تلاحق نتائج الأفكار؛ فيثمر فنونًا مترتبة بحيث لا ينعقد المتأخر إلّا بعد تشكّل المتقدم، ولا يكون المتقدمُ مقدمةً للمؤخر إلّا بعد صيرورته كالعلوم المتعارَفة. فبناءً عر إليه السر، لو أراد أحدٌ تعليم فنٍّ أو تفهيمَ علمٍ -وهو إنما تولّدَ بتجارب كثيرة- ودعا الناس إليه قبل هذا بعشرة أعصُرٍ لا يفيد إلّا تشويشَ أذهان الجمهور، ووقوعَ الناس في السفسطة والمغلطة.
مثلا:لو قال القرآن: "أيها الناس اأنهن لإلى سكون الشمس
(٭): قد سنح لي في المرض بين النوم واليقظة في: (والشمس تجرى لمستقر لها) (يس:٣٨) أي في مستقرها، لاستقرار منظومتها، أي جريانهاسماواتد جاذبتها النظامة للمنظومة الشمسية، ولو سكنت لتناثرت (هذه الحاشية النومية دقيقة لطيفة).(المؤلف).
وحركةِ الأرض واجتماع
— 172 —
مليون حيوان في قطرة، لتتصوروا عظمة الصانع"، لأَوْقع الجمهورَإنه تعي التكذيب وإما في المغالطة مع أنفسهم والمكابرةِ معها بسبب أن حسهم الظاهريّ -أو غلط الحس- يرى سطحيةَ الأرض ودوران الشمس من البدهيات المشاهَدة. والحال أن تشويش الأذهان -لا سيما في مقن الشررة أعصر لتشهِّي بعض أهل زماننا- منافٍ لمنهاج الإرشاد وروح البلاغة.
يا هذا! لا تظنن قياس أمثالها على النظريات المستقبلة من أحوال الآخرة، [٭]: أي لا تظنن أن أمور الآخرة وأحوالهالزمَهمهي مجهولة لنا كتلك النظريات التي يكشف عنها المستقبل. (ت:١٣٣). إذ الحس الظاهري لمّا لم يتعلق بجهة منها بقيت في درجة الإمكان فيمكن الاعتقاد والاطمئنان بها فحقها :٢٦١) التصريح بها. لكن ما نحن فيه لما خرج من درجة الإمكان والاحتمال في نظرهم -بحكم غلط الحس- إلى درجة البداهة عندهم فحقه في نظر البلاغة الإبهام والإطلاق احترامًا لحسياتهم وحفظذه الآهانهم من التشويش. ولكن مع ذلك أشار القرآن ورمز ولوّح إلى الحقيقة، وفَتَح الباب للأفكار ودعاها للدخول بنصب أمارات وقرائن.
فيا هذا! إن كنت من المنصفين إذا تأملت في دستورِ: لى أنه الناس على قدر عقولهم" ورأيت أن أفكار الجمهور -لعدم إعداد الزمان والمحيط- لا تتحمل ولا تهضم التكليفَ بمثل هذه الأمور -التي إنما تتولد بنتائج تلاحق الأفكتراعيّرفتَ أن ما اختاره القرآنُ من الإبهام والإطلاق من محض البلاغة ومن دلائل إعجازه.
أما الجواب عن الريب الثالث -وهو إمالةُ بعض ظواهر الآيات إلى منافي الدلائل العقلية وما كشفَه الفن-: فاعلم أن المقصد الأصلةً بينالقرآن إرشادُ الجمهور إلى أربعة أساسات هي: إثبات الصانع الواحد، والنبوّة، والحشر، والعدالة.. فذكرُ الكائنات في القرآن إنما هو تبَعيّ واستطراديّ للاستدلال؛ إذ م بتحولالقرآنُ لدرس الجغرافيا والقوزموغرافيا، [٭]: القوزموغرافيا: علم الفلك. بل إنما ذكرَ الكائنات للاستدلال بالصنعة الإِلهية والنِظام البديع على النَّظّام الحقيقي جلّ جلالُه، والحال أن أثر الصنعة والعمد والنظام يتراءى في كا النو وكيف كان التشكّل فلا علينا؛ إذ لا يتعلق بالمقصد الأصلي، فحينئذ ما دام أنه يبحث عنها للاستدلال، وما دام أنه يجب كونه معلومًا قبل المُدَّعى، وما دام أنه يُستحسن وضوحُ البييل.. كيف لا يقتضي الإرشادُ والبلاغةُ تأنيسَ معتقداتهم الحسية، ومماشاةَ معلوماتهم الأدبية بإمالة بعض ظواهر النصوص إليها، لا ليدلّ
— 173 —
عليها بن بين بيل الكنايات أو مستتبعات التراكيب مع وضع قرائن وأمارات تشير إلى الحقيقة لأهل التحقيق.
مثلا:لو قال القرآنُ في مقام الاستدلال:
"أيها اليمكن لفكّروا في سكون الشمس مع حركتها الصورية، وحركةِ الأرض اليومية والسنوية مع سكونها ظاهرًا، وتأملوا في غرائب الجاذب العموميّ بين النجوم، وانظروا إلى عجائب الأَلَكْتِرِيق وإلى الامتزاجات الغير المتناهية بين العناصر السبعين، وإلى اجتماع ألوفِ ألوفأسمى مات في قطرة ماء لِتعلموا أن اللّٰه على كل شيء قدير!"... لكان الدليلُ أخفى واغمضَ وأشكلَ بدرجاتٍ من المدَّعى. وإنْ هذا إلّا منافٍ لقاعدة الاستدلالملةُ أنها من قبيل الكنايات لا يكون معانيها مدارَ صدق وكذب. ألا ترى أن لفظ "قال" ألفُه يفيد خفةً سواء كان أصلُه واوًا أو قافًا أو كافًا.
الحاصل:أنَّ القرآن لأنه نزل لجميع الإنسان في جميع الأعصار يكون هذه النُقط الثلاث دلائل إعجازه. والذن الرس: الواو للقسم. علّم القرآنَ المعجِزَ، إنّ نظر البشير النذير وبصيرته النقّادَة أدقّ وأجلّ وأجلى وأنفذُ من أن يلتبس أو يشتبه عليه الحقيقةُ بالخيال، وإن مسلكه اّ وقيلغنى وأعلى وأنْزَهُ وأرفع من أن يُدلِّس أو يغالط على الناس!
المسألة السابعة
اعلم أن كتب السير والتاريخ قد ذكرت كثيرًا من معجزاته المحسوسة، والخوارق الظاهرة المشهورة عند الجمهور، وقد فسرها المحققون. فلأن تعليم المعلومأن يُس اَحَلْنا التفصيلَ على كتبهم فلنجملْ بذكر الأنواع:
فاعلم أن الخوارق الظاهرة وإن كان كل فرد منها آحاديا غيرَ متواتر لكن الجنس وكثيرًا من الأنواع متواتر بالمعنى. ثم إن أنواعها ثلاث من كلالأول:الإرهاصات المتنوعة كانطفاء نار المجوس، ويبوسة بحر ساوة، وانشقاق إيوان كسرى، وبشارات الهواتف... حتى كأنه يتخيل للإنسان أن العصر الذي ولد فيه النبير والفه الصلاة والسلام صار حسّاسًا ذا كرامةٍ فبشَّر بقدومه بالحسّ قبل الوقوع.
— 174 —
النوع الثاني:الإخبارات الغيبية الكثيرة مِن فتح كنوز كسرى وقيصر، وغلبة الروم، وفتح مكة، وأمثالها. كأن روحَه المجرّد الٍ لطيفمزّق قيد الزمان المعيّن والمكانِ المشخّص، فجال في جوانب المستقبل فقال لنا كما شاهَد.
النوع الثالث:الخوارق الحسيَّة التي أظهرها وقتَ التحدِّي والدعوى. كتكلم الحجر، وحركة الشجر وشق القمر، وخروج الماء... وقد قال الزم [٭]:"بلغ هذا النوع إلى ألف". وأصنافٌ من هذا النوع متواترة بالمعنى حتى إنّ وانْشَقَّ الْقَمَرُ لم يتصرف في معناه من أنكر القرآن أيضًا.
- فإن قلت: مِثلُ انشقاق القمر لابد أن يشتهرَ في العالم ويُتعارف.
قيل لك: فلاختلافِ المطالع، ووى نهايلسحاب، وعدم الترصد للسماء كما في هذا الزمان، ولكونه في وقت الغفلة، ولوجوده في الليل، ولكون الانشقاق آنيًّا.. لا يلزم أن يراه كلُّ الناس أو أكثرُهم. على أنه قد ثبت في فانه ات أنه قد رآه كثيرٌ من القوافل الذين كان مَطلعهم ذلك المطلع.
ثم إن رئيس هذه المعجزات هو القرآن المبين المبرهَن إعجازُه بجهات سبع أُشير إليها فافل عنالآية.
— 175 —
وإذ تفهمتَ هذه المسائل فاستمع لما يُتلى عليك من نظم الآية بوجوهها الثلاثة؛ مِن نظم المجموع بما قبله، ونظم الجمل بعضها مع بعض، ونظم هيئاتِ وقيودِ جملةٍ جملةٍ.
أما النظم الأول فمن وجهين:
الأول:أنه لمداءُ، : يا ايها الناس لإثبات التوحيد -على تفسير ابن عباس- أَثبت بهذه نبّوةَ محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو مِن أظهرِ دلائل التوحيد... ثم إن إثبات النبوّة بالمعجزات. وأع واختلمعجزات هو القرآن. وأدقُّ وجوه إعجاز القرآن ما في بلاغة نظمه... ثم إنه اتفق الإسلامُ على أن القرآن معجِز، إلّا أن المحققين اختلفوا في طرق الإعجاز، لكن لا تزاحمَ بين تلك الطرق، بل كلٌّ اختاف المؤ من جهاته؛
فعند بعضٍ إعجازُه إخباره بالغيوب، وعند بعضٍ جمعُه للحقائق والعلوم، وعند بعض سلامتُه من التخالف والتناقض، وعند بعض غرابةُ أسلوبه وبديعيتُه في مقاطعِ ومبادئ الآيات والسور، وعند بعض ظهورُه من أُمّيّ لم يقرأ ول أو كا، وعند بعض بلوغُ بلاغة نظمِه إلى درجةٍ خارجة عن طوق البشر، وكذا وكذا.. الخ.
ثم اعلم أن معرفة هذا النوع من الإعجاز تفصيلًا إنما تحصل بمطالعة أمثال هذا التفسير، وإجمالًا يُعرَف بثلاث طرق. ( كما حققها عبد القاهر الجرجاني شيخ من الغة، والزمخشري والسكاكي والجاحظ(٭) ) :
الطريق الأول:هو أنّ قومَ العرب كانوا بدويين أمّيين، ولهم محيطٌ عجيب يناسبهم.. وقد انتبهوا بالانقلابات العظيمة في العالم.. وكان ديوانُهم الشعرَ وعلمُهم البلاغةَ، ومفاخرتُهم بالفصاحة في أمثال سوق عُاقُ مف [٭]: في كتب اللغة: "عكاظ". وكانوا أذكى الأقوام.. وكانوا أحوجَ الناس لجَوَلان الذهن إذن.. ولقد كان لأذهانهم فصلُ الربيع، فطلع عليهم القرآنُ بحَشمة بلاغته فمحا وبهَر تماثيل بلاغتهم وهي "المعلقات بهذا " المكتوبة بذَوب الذهب على جدار الكعبة. مع أن أولئك الفصحاء البلغاء -الذين هم أمراء البلاغة وحُكام الفصاحة- ما عارضوا القرآن وما حاروا [٭]: الحَوْرُ: الرجوع عن الشيء وإِلى الشيء، وطَحَنَتْ فما أحارَت شيئًا، أي ما رَدَّتْ شيئاستنادالدَّقيقِ. (القاموس المحيط) ببنت شفةٍ، مع شدة تحدِّي النبيّ عليه السلام لهم، ولَومِه لهم، وتقريعه إياهم، وتسفيهه لأحلامهم، وتحريكِه لأعصابهم في زمان طويل، وترذيله لهم، مع أنّ من بلغائهم
— 176 —
من يحكّ بيافوخه [٭]: اليافوخ: الموقاطبة ي يتحرك من رأس الطفل، والمقصود هنا: من علا قدره وتكبّر من البلغاء. كتفَ السماء، ومنهم من يناطح السِّماكَيْن [٭]: السماكان: نجمان نيّران. بكبره... فلولا أنهم أرادوا وجرّبوا أنفسهم فأحسوا بالعجز، لَمَا سكتوا عن المعارضة البتة؛ فعج والزمليلُ إعجاز القرآن.
والطريق الثاني:هو أن أهلَ العلم والتدقيق وأهل التنقيد الذين يعرفون خواصَّ الكلام ومزاياه ولطائفه تأملوا في القرآن سورةً سورةً، وعشرًا عشرًا، وآيةً آيةً، وكلمةً كلمةً؛ فشهدوا ُمْ فِامعٌ لمزايا ولطائفَ وحقائقَ لا تجتمع في كلام بشر. فهؤلاء الشهداءُ ألوفُ ألوفٍ. والذي يدلّ على صدق شهادتهم هو أن القرآن أوقعَ في العالم الإنواجبٌ.حوّلًا عظيمًا، وأسّس ديانةً واسعة، وأدام على وجه الزمان ما اشتمل عليه من العلوم. فكلما شابَ الزمانُ شَبَّ، وكلما تكرّر حَلا. فإذن
ان هوالإعجوحي يوحى
(النجم:٤).
والطريق الثالث:
(٭): هذه الطريق حجة قاطعة. (المؤلف).
-كما حقّقه الجاحظ-: هو أن الفصحاء والبلغاء مع شدة احتياجهم إلى إبطال دعوى النبيّ عليه السلام، ومع شدة حقدهم وعنادهم له تركوا المعارضةَ بالحروف: الطربل قد أسلمَ والأقربَ والأسهلَ، والتجأوا إلى المقارعةِ بالسيوف الطريقِ الأصعبِ الأطولِ، المشكوكةِ العاقبةِ، الكثيرةِ المَخاطر؛ وهم بدرجةٍ من الذكاء الس لأنهلا يمكن أن يخفى عليهم التفاوتُ بين هذين الطريقين. فمَن ترك الطريقَ الأول -لو أمكن- مع أنه أشدُّ إبطالًا لدعواه، واختار طريقًا أوقعَ مالَه وروحَه في المهالك، ف جديرً سفيهٌ -وهو بعيد ممن ساسوا العالم بعد أن اهتدوا-، وإما أنه أحسَّ من نفسه العجزَ عن السلوك في الطريق الأول فاضطر للطريق الثاني.
- فإن قلت: يمكن أن تكون المعارضةُ ممكنة.
قيل لك: لو أمكنتْ لطمِع فيها ناسٌ لتح الحقيصابهم لها. ولو طمعوا لفعلوا لشدة احتياجهم. ولو عارضوا لتظاهرت للرغبة وكثرةِ الأسباب للظهور. ولو تظاهرت لوجد من يلتزمها ويدافع عنها ويقول: إنه قد عورض، لاسيما في ذلك الزمان. ولو كان لها ملتزمون ومدافعون -ولو بالتعصب- لاشتهرت، لأنها مسأ التأثة. ولو اشتهرت لنقلتها التواريخُ كما نقلت هذيانات "مسيلمة" بقوله: "الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، صاحب ذَنَبٍ قصير، وخُرطوم طويل".
— 177 —
- فإن قلت: "مسيلمة" كان من الفصحاء الجوابار كلامُه مَسْخرة وأضحوكة بين الناس؟
قيل لك: لأنه قوبل بما فاقَه بدرجات كثيرة. ألا ترى أن شخصًا -ولو كان حسنًا- إذا قوبل بيوسف عليه السلام لصار قبيحًا ولو كان مليحًا. فثبت أن المعارضة لا يمكن؛ فالقرآنايات؛ .
- فإن قلت: للمرتابين كثيرٌ من الاعتراضات والشكوك على تراكيب القرآن وكلماته مثل: إن هذان (طه:٦٣) و الصابئون (المائدة:٦٩) و الذا من اقد نارًا وأمثالها من الاعتراضات النحوية؟
قيل لك: عليك بخاتمة مفتاح السكاكي فإنه ألقَمهم الحجر بی"أفلا يتفطنون أنّ من كررَ كلامَه في زماالعلوّ مع أنه فصيح بالاتفاق كيف لا يُحس بالغلطات التي تَظهر لنظر هؤلاء الحُمَقَاء"؟.
- أما الوجه الثاني لنظم الآية: فاعلم أن الآية السابقة لمّا أ
٣لعبادة استَفسر ذهنُ السامع بی"على أية كيفية نعبدُ"؟ فكأنه أجاب: "كما علّمكم القرآن". فعاد سائلًا: "كيف نعرف أنه كلام اللّٰه تعالى؟" فأجاب بقوله:ي بوسعكنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا...
الخ.
أما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو: أن جملةَ
وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا
قد وقعتْ في موقعها المناسب؛ إذ لمّا أمر القرآمن الخعبادة كأنه سُئل: كيف نعرف أنه أمرُ اللّٰه حتى يجب الامتثال؟ فقيل له: إن ارتبتَ فجرِّب نفسك لتتيقن أنه أمرُ اللّٰه.
ومن وجوه النظم أيضًا أن القرآن لما أثنى على نفسه بجملةِ
ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين
قيستتبع مدحه مدح المؤمنين، ثم استطرد مدح المؤمنين ذمّ الكافرين والمنافقين، ثم استعقب الأمر بالعبادة والتوحيد.. عاد القرآنُ إلى الأول بالنظر إلى لاريب فيه أي أما القرآن فليس قابلًا للشك والريب؛ فما ريوبكم إلّا مِن مرض قلوبكم وسقامةِ طبعكم. كنشأُ آَدْ يُنْكَرُ ضَوْءُ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ وَيُنْفَرُ طَعْمُ اْلماءِ مِنْ سَقَمٍ
[٭]: قد تُنْكِرُ العيْنُ ضَوْءَ الشِّمْسِ من رَمدٍ ويُنْكِرادة المُّ طَعْمَ الماءِ من سَقَمٍ
(لشرف الدين البوصيري في قصيدته البردة).
— 178 —
وأما نظمُ فأتوا بسورة من مثله فاعلم أن هذه جزاءُ الشرط، وجزاءُ الشرط يلزم أن يكون لازمًا لفعل الشرط. ولمّا كان الأمر تع أستاذ استلزم تقديرَ "تشبثوا"، [٭]: أي حاولوا. والتشبّثُ بالشيء: التَّعَلُّق به. ولما كان الأمر إنشاءً والإنشاء لا يصير لازمًا، يلزم أن يكون لازمُ الأمر جزاءً، وهو الوجوب الذي هو من أصول ممرت بالأمر، ثم وجوبُ التشبث أيضًا لا يظهر لزومُه للريب فاقتضى تقديرَ جُمَل مطويةٍ تحت إيجاز الآية. فالتقدير: "إن كنتم في ريب أنه كلام اللّٰه، يجب عليكم أن تتعلموا إعجازه، فإن المعجِز لا يكون كلامَ البشر ومحمّدٌ عليه الَّا أبشر، وإن أردتم ظهورَ إعجازه فجرِّبوا أنفسكم ليظهر عجزُكم، فيجب عليكم التشبث بإتيان سورةٍ من مثله".
فللّه درُّ التنیزيل ما أوجزَه وما أعجزَه!
وأما نظم:
وادعوا شهداءَكم من دون اللّٰه
فيضعونة أوجه:
أحدها:أنهم يقولون عجزُنا لا يدلّ على عجز البشر.. فأفحمَهم بقوله: وادعوا شهداءكم أي كبراءكم ورؤساءكم.
والثاني:أنهم يزعمون: أنّا ل شاهدتنا فمَن يلتزمنا ويدافع عنا؟ فألقمَهم الحجرَ بأنه ما من مسلك إلّا وله متعصبون، ولو عارضتم لظهر لكم شهداءُ يذبّون عنكم.
والثالث:أن القرآن كأنه يقومّيٌّ استَشهد النبيُّ عليه السلام اللّٰه تعالى صدّقه اللّٰه وشَهِد له بوضع سِكّةِ الإعجاز على دعواه، فإن كان في آلهتكم وشهدائكم فائدةٌ لكم فادعوهم. وما هذا إلا نهاية التهكّم بهم.
وأما نظمُ فان لمق الراا فظاهر، إذ التقدير: "فإن جربتم فانظروا، فإن لم تقدروا ظهر عجزكم، ولم تفعلوا".
وأما نظمُ ولن تفعلوا فكأنه لمّا قال لم تفعلوا.. قيل فاقاتهبهم: "عدمُ فعلِنا فيما مضى لا يدل على عَجز البشر فيما سيأتي". فقال: ولن تفعلوا، فرَمَزَ إلى الإعجاز بثلاثة أوجه.
أحدها:الإخبار بالغيب وكان كما أخبر. ألا ترى أن الملايين من الكتب العربية مع
— 179 —
التمايل سات فاليد أسلوب التنیزيل وكثرةِ المعاندين -لو فتشتَها-؛ لم يوافقه شيءٌ منها. كأن نوعَه منحصر في شخصه. فإما هو تحت الكلِّ وهو باطل بالاتفاق. فما هو إلّا فوق الكل.
والوجه الثاني:أن القطع والجزمَ بعدم فعلِهم -مع التقريع عليهم وتحريك أع رمزٌ في هذا المقام المُشْكِل وفي هذه الدعوى العظيمة- علامةٌ صادقة على أنه واثقٌ أمين مطمئن بمالِه ومقالِه.
والوجه الثالث:أن القرآن كأنه يقول: "إذا كنتم أمراءَ الفصاحة وأشدَّ النانه؟ وإاجًا إليها ولم تقتدروا لم يقتدر عليه البشر". وكذا فيه إشارةٌ إلى أن نتيجة القرآن التي هي الإسلاميةُ كما لم يقتدر على نظيرها الزمانُ الماضي؛ كذا يعجز عن مثلها الزمانُ المستقبل.
وأما نظم:
فاتقوا النار التي وقودها الناس بأفواارة: فاعلم أن تعقيب فان لم تفعلوا بی فاتقوا يقتضي في ذوق البلاغة تقديرًا هكذا: "إن لم تفعلوا ولن.. ظهر أنه معجِز، فهو كلام اللّٰه، فوجبَ عليكم الإيمان به وامتثال أوامره... ومن الأوامر: يا أيها الناس اعبدوا لحيث لوالنار... فاتقوا النار". فأوجَز فأعجزَ.
وأما نظم:
التي وقودها الناس والحجارة
فاعلم أن المقصد من فاتقوا هو الترهيب، ومعنى الترهيب إنما يؤكد بالتهويل والتلذّ الهوّله بی وقودها الناس إذ النار التي حطبها كان إنسانًا أَخْوَفُ وأدهشُ.. ثم شدّده بعطف الحجارة؛ إذ ما تحرق الحجرَ أشدُّ تأثيرًا.. ثم أشار إلى الزجر عن عب تلك اأصنام: أي لو لم تتمثلوا أمر اللّٰه، وعبدتم أحجارًا لدخلتم نارًا تأكل العُبّادَ ومعبوداتهم.
وأما نظم:اعدت للكافرين فهو أنها توضيحُ وتقريرُغيب واجزاء الشرط لفعله؛ أي هذه المصيبة ليست كالطوفان وسائر المصائب التي لا تصيب الظالمين خاصة، بل تعمُّ الأبرارَ والأخيار؛ فإنما هذه تختص بالجانين، يجرّها الكفرُ، لا سبيل للنجاة إلّا امتثال القرمناص ل ثم اعلم أن اعدت إشارة إلى أن جهنم مخلوقةٌ موجودة الآن، لا كما زعَمت المعتزلة.
ثم إن مما يدلّك ويفيد حدسًا لك على أبدية جهنم أنك إذا تفكرت في العالم بنظر الحكمة ترى النار مخلوقةً عظيمة مستولية غالبة، كأنها عنصرٌ أساس في المن مجلت والسفليات.
— 180 —
وتفهّمتَ وجودَ رأسٍ عظيم وثمرةٍ عجيبة تدلّت إلى الأبد. ألا ترى أن من رأى عِرقا ممتدًا تفطّن لوجود بطيخ مثلًا في رأسه؛ وكذلك من رأى الخلقة وعدمُة تفطن لانتهائها إلى حنظلةِ جهنم. وكذا من رأى النعم والمحاسن واللذائذ يحدس بأن مصبّها ومَخلصها وروضَها الجنةُ.
فإن قلت: إذا كانت جهنم موجودة الآن فأين موضعُها؟
قيل لك: نحن معاشر أهل السنة والجماعة نعتقد وجودَها الآن لكن لا نعيّر في اَها.
فإن قلت: إن ظواهر الأحاديث تدل على أنها تحت الأرض. وفي حديث: إن نارها أشدّ وأحرّ من نار الدنيا بمائتي دفعة. وأن الشمس أيضًا تدخل في جهنم؟
قيل لك: إن "تحت الأرض"م مع أ عن مركزها، إذ تحتَ الكرة مركزُها. وقد ثبت في نظريات الحكمة أن في مركزها نارًا بالغة في الشدة إلى مقدار مائتي ألف درجة. إذ كلما تحفر الأرض ثلاثة وثلاثين ذراعًا بذراع التجار تتزايد -تقريبًا- درجةُ حرارة. فإلى المركز تصير -تقريبًا- مائتي أ وأماة. فهذا النظريّ مطابقٌ لمآل الحديث الذي يقول: إنها أشدّ من نار الدنيا بمائتي درجة. وأيضًا في الحديث: أن قسمًا من تلك النار زمهرير تحرق ببرودتها. [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "اشتكت النار إلى ربها، لألوهي "يا رب! أكل بعضي بعضًا، فجعل لها نفَسين. نفس في الشتاء ونفس في الصيف. فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها" (رواه البخاري، كتاب الإيمان؛ ابن ماجه ٤٣١٩؛ الترمذي ٢٥٩٢). وعن أبي هريرة رضي اللّٰه عَينِ عرسول اللّٰه (ص) قال: "هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم" (رواه أحمد ٢٤/١٦٤ (الفتح الربانى). وأورده الهيثمى في المجمع ١/٣٨٧ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح). وهذا الحديث مطابق لهذا النظرواع الالنارُ المركزية مشتملةٌ على المراتب النارية كلِّها إلى السطح. وقد تقرر في الحكمة الطبيعية: أن للنار مرتبةً تجذب دفعةً حرارةَ مجاوِرها فتحرقه بالبرودة وتصير الماء جَمَدًا.
فإن قلت: ما في جوف الأرض ومظرو وكذا غير فكيف تسع جهنمَ التي تسع السماوات والأرض؟
قيل لك: نعم باعتبار المِلك والمطوّيّة وان كانت مظروفةً للأرض لكن بالنظر إلى العالم الأُخروي بالغأبو بكالعظمة إلى درجة تسع أُلوفًا من أمثال هذه الأرض. بل إن عالَم الشهادة كحجاب مانعٍ لارتباط تلك النار بسائر أغصانها. فما في جوف الأرض إلّا مركزُها وسرُّها أو قلبُ عفريیتِها. وأيضًا لا تستلزم التحتية اتصالها بالأرض، إذ فبثلاثالخلقةِ أثمرتْ
— 181 —
أغصانُها الشمسَ والقمرَ والنجومَ وأرضَنا وأرَضينَ أخرى. فما تحت الثمرةِ يشمل ما بينَ الأغصان أين كان. فمُلك اللّٰه تعالى واسع، وشجرة الخلقمحالٌ،رةٌ فأينَ سافرتْ جهنمُ لا تُرَدُّ. وفي حديثٍ: "إنَّ جَهَنَّمَ مَطْوِيَّةٌ" فيمكن أن تكون بيضة لأرضنا الطيارة متى يمتزق حجابُ المُلك ينفتق تلك البيضة وتتظاهر هي كاشرةً أسنانَها لصيل كالعصيان. ويحتمل أن ما ثبط أهل الاعتزال وأوقعهم في الغلط بعدم وجودها الآن إنما هو هذه المطوِيَّتِيَّة.
وأما نظم هيئاتِ وقيودِ جملةٍ جملةٍ:
فاعلم أن جملة:
وإن كنتم في ريب مما نز - إى عبدنا
الواو فيها -بناءً على المناسبة بين المتعاطفَين- تومئ إلى:
تقديرِ: "كما علّمكم القرآن"..
وإيرادُ إن التردديةِ في موضعِ "إذا" التي هي للقلآثار أن ريبَهم مجزومٌ به إشارةٌ إلى أنه لأجل ظهور أسباب زوال الريب شأنُه أن يكونَ مشكوكَ الوجود، بل من المحال يُفرَض فرضًا. ثم إن الشك في إن بالنظر إلى الأسلوب لا بالقياس إلى المتكلم تعالى.
وإيرادُ كنتم في ريب بدلَ "ارتبتم" مع أنه أقصرُ إشاتساق وى أن منشأ الريب طبعُهم المريض وكونُهم... وظرفيةُ الريب لهم مع أنه مظروفٌ لقلبهم إيماءٌ إلى أن ظلمةَ الريب انتشرت من القلب فاستولت على القالب، فأظلم عليه الطُّرُق..
وتنكير ريب للتعميم،قل منهُّ نوع من أنواع الريب ترتابونه فالجواب واحد وهو: أن هذا معجِز وحقٌّ، فتخطئتُكم بالنظر السطحيّ خطأ، فلا يلزم لكلِّ ريبٍ جوابٌ خاص. ألا ترى أن من رأى رأسَ عينٍة هذا ه عذبًا فراتًا لا يحتاج إلى ذوقِ كلِّ جدولٍ وفرعٍ قد تشعّب منه.
و"مِن" في مما نزلنا إيماء إلى تقدير لفظِ: "في شيء مما".
ولفظُ نزلنا إشارة إلى أن منشأ شبهَتِهم هو صفةُسُ عظمول. فالجواب القاطع إثباتُ النیزول فقط.
وإيثار نزلنا الدالِّ على النیزول تدريجًا على "أنزلنا" الدالِ عليه دفعةً إشارة إلى أن ما يتحجّجون به قولَهم: "لًا، ومنزل عليه دفعة، بل على مقتضى الواقعات تدريجًا؛ نوبةً نوبةً، نجمًا نجمًا، سورةً سورةً.."
— 182 —
وإيثار العبد على "النبي" و"محمد" إشارةٌ إلى تعظيرة وجوي، وإيماءٌ إلى علو وصف العبادة، وتأكيدٌ لأمرِ اعبدوا، ورمزٌ إلى دفع أوهامٍ بأن النبيّ عليه السلام أَعبدُ الناس وأكثرُهم تلاوةً للقرآن... فتفكَّرْ!
وأن جملة: فأتوا بسورة من مثله
الأمرُ في فأتوا للتعجيز، وفيه التحدِّي والتقريع القرآعوة إلى المعارضةِ والتجربةِ ليظهرَ عجزُهم.
ولفظ بسورة إشارة إلى نهايةِ إفحامٍ، وشدّةِ تبكيتٍ، وغايةِ إلزامٍ؛ إذ:
أولطبقات التحدِّي هو: أن يُقال: فأتوا بمثل تمام القرآن بحقائقه وعلومِه وإخباراته الغيبية مع نظمه العالي من
#235ُمّي!
وثانيتها:أن يقال: إن لم تفعلوا كذا فأتوا بها مفترَياتٍ لكن بنظم بليغ مثله.
وثالثتها:أن يقال: إن لم تفعلوا هكذا أيضًا فأتوا بمقدار عشر سور.
ورابعتها:أنه (ت:١٣)تقتدروا عليه أيضًا فلا أقلّ من أن تأتوا بقدر سورة طويلة.
وخامستها:أنه إن لم يتيسر لكم هذا أيضًا فأتوا بمقدار سورةٍ مطلقًا ولو أقصر كی إً. وقسيناك من شخص أُميّ مثله.
وسادستها:أنه إن لم يمكنكم الإِتيان من أُميّ فأتوا من عالم ماهر وكاتب حاذق.
وسابعتها:أنه إن تعسّر عليكم هذا أيضًا فليعاون بعضكم بعضًا على الإتيان.
وثامنتها:أن هي كام تفعلوا فاستعينوا بكافة الإِنس والجن واستمِدوا من مجموع نتائج تلاحق أفكارهم من آدم إلى قيام الساعة. ونتائجُ أفكارهم هي ما بين أيديكم من هؤلاء الكتب على الأسلوب العربي مع شوقِ التقليد وعنادِ المعارضة؛ ففضلًا عن أهل التحقيق لو تحصل له مَنْ له أدنى مُسكَةٍ -ولو جاهلًا-، لقال: ليس فيها مثلُه. فإما هو تحت الكلِّ وهو باطل بالاتفاق، وإما فوق الكلِّ وهو المطلوب كما مرَّ آنفًا. نعم، لم يعارَض في ثلاثة عشر عصرًا، هكذا مرّ الزمان،اءِ ال يمرّ إلى يوم القيامة.
— 183 —
وتاسعتها:أن يقال لا تتحجّجوا بأن ليس لنا شهداءُ وأنتم لا تشهدون لنا. ألَا فادعوا شهداءَكم والمتعصبين لكم فليراجعوا وجدانَهم هل يتجاسرون على تصديق دعواكم المعارَضة.
وإ مثلًامتَ هذه الطبقات فانظر إلى القرآن كيف أعجزَ بأنْ أوجز فأشار إلى هذه المراتب، فألقمَهم الحجرَ وأرخى لهم العِنانَ.
ثم اعلم أن عجز البشر عن معارضة أقصر سورة إنِيَّیتُهُ بدهية. وأما لِمِيَّتُهُ فقيل هي: أن اللّٰه تعالى صرَف القوى عن السلمون . والمذهب الأصح في اللِّمِيَّة ما عليه "عبد القاهر الجرجاني" و"الزمخشري" و"السكاكي" وهو: أنّ قدرة البشر لا تصل إلى درجة نظمِه العالي. ثم إن "السكاكي" اختار: أن الإعجاز ذوقيٌّ لا يعبّر عنه ولا يُشرح بل يُذاق ذوقًا. وأما لى.
فهلائل الإعجاز فاختار أنه يمكن التعبير عنه. ونحن على مذهبه في هذا البيان.
وإيثار سُورَة على نجم أو طائفةٍ أو نوبةٍ إشارة إلى إلزامهم في منشأ شبهتهم وهي: لولا أُنزل عليه دفعة واحدة؟ أي فهاتوا أنتم ولو بنوبةٍ فذّة. وأيضًا إيماء ءُ
وأمّن تسوير التنیزيل سورةً سورةً لفوائد جمّة بيّنها "الزمخشري"، وإلى تضمّن هذا الأسلوب الغريب للطائف.
ولفظ من مثله فيه معنيان أي بمثل المنیزَل، أو من مثل المنیزَل عليه.
اعلم أن حق العبارة على الأول "مثل سورة منه" لكن عُدِل إلى من مثلهلأكل واء إلى ملاحظة الاحتمال الثاني، أي إنما تكون معارضتكم مبطلةً لدعواه لو جاءت من مثله في عدم التعلّم.. وكذا إشارة إلى أن المعارضة إنما تُبطل الإعجازَ لو كان المعارَض به من مجموع مثل.. وكذا رمزٌ إلى توجيهرآن، وان إلى أمثال القرآن في النیزول من الكتب السماوية ليوازِن ذهنُ السامع بينها فيتفطّنَ لِعلُوّه.
وأن جملة: وادعوا شهداءَكم من دون اللّٰه
إيثارُ ادْعُوا فيها على "استعينوا" أو "احكمة. " إيماء إلى أن من يلبّيهم ويذُبّ عنهم لا يفقدهُم بل حاضرٌ لا يحتاجون إلّا إلى ندائه.
— 184 —
ولفظ شُهَدَاءَ جامع لثلاثة معانٍ: أي كبراءكم في الفصاحة.. ومن يشهدُ لكم.. وآلهتكم. فنظرًا
فلأول؛ إلزامٌ لهم؛ يقطع تحجُّجَهم بأن عدمَ قدرتِنا لا يدل على عدم قدرةِ كبرائنا. ونظرًا إلى الثاني؛ إفحامٌ لهم، يقطع تعلَّلهم بأن ليس لنا شهظلمةُ بأنه لا مسلك إلّا له ذابّون وشهداءُ. ونظرًا إلى الثالث؛ تبكيتٌ لهم وتهكّم بهم بأن الآلهة التي ترجون منها النفعَ ودفعَ الضرّ كيف لا تُعينكم في هذا الأمر الذي يهمّكم.
وإضافة "شُهَدَاءَ" إلى "كُمْ" المفيدةِ للاختصيدٌ وتّي عضد المعنى الأول؛ بأن الكبراء حاضرون معكم، وبينكم اختصاصٌ لو اقتدروا لعاونوكم البتة. وتصل جناح المعنى الثاني بأنّا نقبل شهادة من يلتزمكم ويتعصب لكم فإنهم أيضًا لا يتجاسرون على الشهادة على بدهيّ البطلان. و مع الساعد المعنى الثالث مع التقريع بأن الآلهة التي اتخذتموها معبوداتٍ كيف لا تمدّكم؟!
ولفظ من دون اللّٰه نظرًا إلى الأول إشارة إلى التعميم أي كلّ فصيح في الدنيا ما خلا اللّٰه تعالى. وكذا إلى أن إعجازًا لمعإلّا لأنه من اللّٰه.. ونظرًا إلى الثاني إشارة إلى عجزهم ومبهوتِيَّیتِهم بقولهم: "اللّٰه شاهد، اللّٰه عليم إنّا نقتدر". لأن ديدَن العاجز المحجوج الحلفُ باللّٰه والاستشهاد به على ما لا يقتدر على الاستدلال عليه.. ونظرا إلى الثالث إ وحلفتلى أن معارضَتهم مع النبيّ عليه الصلاة والسلام ليست إلَّا مقابلةَ الشرك بالتوحيد والجمادات بخالق الأرض والسماوات.
وأن جملة: إن كنتمال المن إشارةٌ إلى قولهم: لو شئنا لقلنا مثلَ هذا.. وكذا تعريضٌ بأنكم لستم من أهل الصدق إلّا أن يُفرَض فرضًا، بل من أهل السفسطة، ما وقعتم في الريب من طريق طلب الحق بل طلبتم فوقعتم فيه..
ثم ُونَ ٢ء هذا الشرط محصَّلُ ما قبله أي فافعلوا.
أما جملة:
فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار...
إلخ.
فاعلم أن إن كنتم صادقين احتجاجُلّٰه" ن عليهم بقياس استثنائيٍ؛ استثنى نقيضَ التالي لإنتاج نقيضِ المقدَّم.
— 185 —
تلخيصه:"إنْ كنتم صادقين تفعلوا المعارضة وتأتوا بسورةٍ، لكن ما تفعلون ولن تفعلوا"، فأنتج: "فلم تكونوا صادقين، فكان خصمُكم وهو النبيّ عليه السلام ريكية ، فالقرآن معجِز، فوجبَ عليكم الإيمان به لتتّقوا من العذاب". أُنظر كيف أوجزَ التنیزيل فأعجزَ. ثم إنه ذكرَ موضعَ استثناءِ نقيضِ التالي وهو "لكن ما تفعلون" لفظَ فان لم تفعلوا مشيرًا بتشكيك إن إلى مجاراة ظنّهم، وبالشرطية إل لازمٍزام نقيضِ التالي لنقيضِ المقدَّم. ثم ذكر موضعَ النتيجة وهي نقيضُ المقدَّم أعني: "فلم تكونوا صادقين" علة لازمِ لازمِ لازمِها وهي قوله: فاتقوا النار لتهويل الترهيب وينًا ود. (٭): قد استعمل المنطق هنا استعمالًا حسنًا. (المؤلف).
أما إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا الماضي بالنظر إلى لَمْ والمستقبلُ بالقياس إلى إن فلتوجيه الذهن إلى ماضيهم كأنه يقول لهم:"ان ومشتبلى خطبكم المزيّنة ومعلقاتكم المذهّبة أتساويه أو تدانيه أو تقع قريبا منه؟".
وإيثار تفعلوا على "تأتوا" لنكتتين:
إحداهما:الإيماءُ إلى أن منشأ الإعجاز عج. ثم لمنشأ العجز الفعل لا الأثر.
والثانية:الإيجاز، إذ "فَعَل" كما أنه في الصَّرف ميزانُ الأفعال وجنسُها؛ كذلك في الأساليب مصدر الأعمال وملخص القصص كأنه ضمير الجمل كناية عنها.
أما: ولن تفعلوا فاعلم أن التأكيد والتأبيد فارف ال إيماءٌ إلى القطعية، وهي إشارة إلى أن القائل مطمئن جدّي لا ريب له في الحُكم. وهذا رمز إلى أنْ لا حيلةَ.
أما فاتقوا بدلَ "تجنبوا" فللإيماء إلى ما نابَ عنهلة مهمءُ مِن "آمِنوا واتقوا الشركَ الذي هو سبب دخول النار".
أما تعريف النار فللعهد، أي النارَ التي عُهِدَت واستقرّت في أذهان البشر بالتسأبرارَ الأنبياء من آدم إلى الآن.
وأما توصيفُها بی التي الموصولةِ مع أن من شأنها أن تكون معلومةً أوّلًا؛ فلأجل نزولِ نارًا وقودها الناس والحجارة (التحريم:٦) قبل هذه الآية، فالمخاطبون قد سمعوا تلك، فالموصولية في موقعها.
#1نصر مبوأما وقودها الناس والحجارة فالغرض كما مرَّ آنفًا الترهيبُ، والترهيب يؤكَّد بالتهويل والتشديد. فهوّلَ بلفظ الناس كما قرعَ به، وشدّد بی والحجارة كما وبّخ بها. أي ما ترجون منه النفعَ والنجاة وهو الأصنامُ يصير آلةً لتعذيبكم.
في تنملةُ اعدت للكافرين فاعلم أن الموضع موضعُ "أعدت لكم"، لكن القرآن يذكر الفذلكة والقاعدةَ الكلية في الأغلب في آخر الآيات ليشير إلى كبرى دليلِ الحُكم؛ إذ أصل الكلام: "أُعدّت لكم إن "هذا لأنها أُعدّت للكافرين". فلهذا أُقيم المَظهرُ مقام المضمر..
وأما ماضيّة اعدت فإشارة كما مرَّ إلى وجود جهنم الآن.
* * *
— 187 —
وَبَشِّر الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ اَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَالحياةلَّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذاَ الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَاُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها اَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدِع بنو٥
فاعلم أن نظم هذه الآية كأخواتها بثلاثة وجوه: نظمُ المجموع بما قبله، والجُمَل بعضها مع بعض، والهيئاتِ.
أما الأول:فاعلم أن لمآلها ارتباطاتٍ متفاوتة مع الآيات السابقة، وخطوطًا ممتدة بالاختلافندامة لجمل السالفة. ألا ترى أن القرآنَ لمّا أثنى في رأس السورة على نفسه وعلى المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح كيف أشار بهذه الآية إلى نتيجةِ الإيمان وثمرةِ العمل الصالح.
ى قراءلمّا ذمَّ الكفار وشنَّع على المنافقين وبيَّن طريقهم المنجَرّ إلى الشقاوة الأبدية لوّح بهذه الآية إلى نور السعادة الأبدية، فأراهم ليزيدوا حَسرةً على حَسرة بفوات هذه النعمة العظمىة:
لما كلّف بی يا ايها الناس اعبدوا -مع أن في التكليف مشقّة وكُلفة وترْكَ اللذائذ العاجلة- فتَحَ لهم أبواب الآجلة، فأراهم بهذه الآية تطم الفسانفوسهم وتأمينًا لهم.
ثم لما أثبت التوحيد -الذي هو أول أركان الإيمان؛ الذي هو أساس التكليف- صرّح في هذه الآية بثمرة التوحيد وعنوانِ الرحمة وديباجةِ الرضاء بإراءة الجنةم وقطعادة الأبدية.
ثم لما أثبت النبوّةَ -ثانيةَ أركانِ الإيمان- بالإعجاز بقوله: وان كنتم في ريب ... الخ، أشار بهذه مع المطويِّ قبلَها إلى وظيفة النبوّة ومكلّفية النبيّ وهي الإِنذار والتبشير بلسان القرآن.
ثم لما أوعدَ وأرهَب وأنذر وارد عقتها القريبة وعدَ ورغّب وبشّر بهذه الآية بسرِّ أن التضادّ مناسبة.. وأيضًا أن الذي يُطيِّع (٭): يطيّع، يطوع أي يجعلها مطيعة (المؤلف). النفسَ، ويديمُ الإطاعة ويصيّر الوجدانَ مطيعًا لحُكم العقل تهييجُ حسِّ الخوف وحسّ تتخذ ق معًا بجَمع الترغيب والترهيب؛ إذ حُكم
— 188 —
العقل وأمرُه موقّت فلابد من وجود محرِّكٍ آمرٍ دائميٍّ في الوجدان.. وكذا لما أشار بالسابقة إلى أحد شقَّي الآخرة كمّل بهذه الآيء وحققَّ الآخر وهو منبعُ السعادة الأبدية.. وكذا لما لوّح هناك بالنار إلى جهنم صرّح هنا بالجنة.
ثم اعلم أن الجنة وجهنم ثمرتان تدلّتا إلى الأبد من شجرة الخِلقة، ونتيجتان لسلسلة الكائنات، ومخزنان لانصباب الكائنات، وحوضان للكائنات الجصر.
لى الأبد.
نعم، تتمخّض الكائناتُ وتختلط بحركة عنيفة فتتظاهر الجنةُ وجهنم فتمتلئان.
وإيضاحه:هو أن اللّٰه جلّ جلالُه لما أراد أن يُبدع عالَمًا للابتلاء و بقائهان لحِكَم كثيرةٍ تدِقُّ عن العقول، وأراد تغيير ذلك العالَم وتحوّلَه لحِكَم؛ مزجَ الشر بالخير وأدرجَ الضرَّ في النفع، وأدمجَ القُبح في الحُسن؛ فوصَلها بجهنم وأمدّها بها. وساق المحاسن والكمالات تتجلى في الجنة. وأيضًا لما أكلمة بربةَ البشر ومسابقتهم، وأراد وجودَ اختلافات وتغيّراتٍ فيهم في دار الابتلاء خلَط الأشرار بالأبرار. ثم لما انقضى وقتُ التجربة وتعلّقت الإرادة بأبديتهم جعَل الأشرارَ مظهرَ خطابِ:
وَامْتَازُوا اْليَوْمَ اَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
(يس:٥٩) وصيّر البشهادة مظهرَ تلطيفِ وتشريفِ: فَادْخُلُوهَا خَالِدينَ (الزمر:٧٣). ولما امتاز النوعان تصفّت الكائناتُ فانسلّت مادةُ الضرّ والشر عن عنصر النفع والخير والكمال فاختارت جانبًا.
والحاصل:أنه لو أُمعن النظر في الكائنات صطيب الها عنصران أساسان وعِرقان ممتدان إذا تحصّلا وتأبدا صارا جنةً وجهنم.
مقدمة
هذه الآية مع ما قبلها إشارة إلى القيامة والحشر، فمدار النظر في هذه المسألة أربع نقط:
إحداها:إمكانُ خراب العالم وموته.
والثانية:وقوعُه.
والثالثة:المن الصوالإِحياء.
والرابعة:وقوعه.
— 189 —
أما إمكان موت الكائنات:
فاعلم أن الشيء الداخل تحت قانون التكامل ففيه نشوءٌ ونماء.. فله عمرٌ طبيعيّ.. فله أجَلٌ فطريّ؛ لا يخلص من حُكم الموت؛ بدليل استقراء أكثر أفراد الأنواع.ط تشفّأن الإنسان عالَم صغير لا خلاص له من الخرابية؛ كذلك العالَم إنسانٌ كبير لامناص له من الموت البتة. وكما أن الشجر نسخةٌ من الكائنات يعقبها التخريبُ والانحلال؛ كذلك سلسلة الكائنات من شجرة الخلقة لا البلغاها من يد التخريب للتعمير. ولئن لم يَعرضْ عاصفة أو مرض خارجيّ بالإرادة الأزلية قبل العمر الفطريّ، ولم يخرّبها صانُعها قبلَه لَيَجئُ بالضرورة وعلى كل حال حتى بالحساب الفنّي يومٌ يتحقق فيه:
اِذا الشّمْسُ كُوِّرَتْ ٭ واذا اجد دينانكدرت
(التكوير:١-٢) و
إذا السماء انشقت
(الانشقاق:١) فيتظاهر في الفضاء سكراتُ الإنسانِ الكبيرِ بخرخرة [٭]: خرخرة: صوت النائم، استعمله للمحتضر. (ش). عجيبة وصوت هائل.
الٍ وحما وقوعه:
فبإجماع كل الأديان السماوية، وبشهادة كلِّ فطرة سليمة، وبإشارةِ تغيّرِ وتبدّلِ وتحوّلِ الكائنات. وإن شئت أن تتصور سكراتِ العالم وخيد، قدفاعلم أن الكائنات قد ارتبطت بنظام عُلويّ دقيق، واستمسكت بروابطَ عجيبة، فإذا صار جسمٌ من الأجرام العلوية مظهرَ خطاب "كُن" أو "اخْرُج عَنْ مِحْوركَ" ترى العالمَ يشرع في السكَرات، وترى النج العباصادم، وتتلاطم الأجرامُ فترعد وتصيح في الفضاء الغير المتناهي، ويضرب بعضٌ وجهَ بعض، وترمي بشَرر كأرضنا هذه بل أكبر. فكيف أنت بخرخرةِ موتٍ صوتُها محصَّلُ ملايين مَرامي مدافعَ رصاصتُها الصغرى أكبر من الأرض؟..
فبهذا الموت تتمخض الخِة من اتتميز الكائناتُ فتمتاز جهنمُ بعشيرتها ومادتها، وتتجلى الجنةُ جامعةً لطائفتها مستمدةً من عناصرها.
- فإن قلت: لِمَ كانت الكائنات مغيَّرة موقّتة تخرُب ثم تصير يوم القيامة مؤبَّدة مُحكَمةً ". فكأ
قيل لك: إن الحكمة والعناية الأزليتين لما اقتضتا التجربة والابتلاء، والنشوءَ والنماء في الاستعدادات، وظهورَ القابليات، وظهورَ الحقائق النسبية التي تصير في الما تركقائقَ
— 190 —
حقيقية، ووجودَ مراتبَ نسبيةٍ، وحِكم كثيرةٍ لا تدركها العقولُ؛ جعل الصانعُ جلّ جلالُه الطبائعَ مُختلطةً، والمضارّ ممزوجةً بالمنافع، والشرورَ متداخلةً بيآثار ار، والمقابحَ مجتمعة مع المحاسن، فخمّرتْ يدُ القدرة الأضدادَ تخميرًا، فصيّرت الكائناتِ تابعةً لقانون التبدل والتغيّر والتحوّل والتكامل. فلمّا انسدّ ميدانُ الامتحان وانقضى وقتُ الوه الا وجاء وقتُ الحصاد؛ أراد الصانعُ جلّ جلالُه بعنايته تصفيةَ الأضداد المختلطةِ للتأبيد، وتمييزَ أسبابِ التغيّر، وتفريقَ موادّ الاختلاف؛ فتحصل جهنمُ بجسم مُحكَم مَظهرًا لخا، ١٠/وَامْتَازُوا وتجلى الجنةُ بجسم مؤبّدٍ مشيّد مع أساساتها.. بسرّ أن المناسبةَ شرطُ الانتظام، والنظامَ سببُ الدوام. ثم إنه تعالى أعطى بقدرته الكاملة لساكني هاتين الدارَين الأبديتين وجودًا مشيّدًا لا سبيل للانحلال والتغيّر إل"كلِّمى أن التغيّر هنا المنجَر إلى الانقراض إنما هو بتفاوت النسبة بين التركيب وما يتحلل، وأما هناك فلِاستقرار النسبة يجوز التغيّرُ بلا انجرار إلى الانحلال.
وأما النقطة الثالثة والرابعة: أعني إمكان التعمير والحشر ور مست:
فاعلم أن التوحيد والنبّوة لمّا لم يصح إثباتهما بالدليل النقليّ فقط للزوم الدور [٭]: حيث إن صحة الدلائل النقلية (القرآن والحديث) مرتبطة بصحة النبوة وصدقها، فإذا ما أثبتت النبوة أيضًا بالدلائل النقلية، يلزم المحاللتوحيدلدور والتسلسل، لذا أشار القرآن إلى الدلائل العقلية عليهما. (ت: ٦٣) أشار القرآنُ إلى الدلائل العقلية عليهما. أما الحشر فيجوز إثباته بالعقل وا يتكلم أما العقليّ فراجعْ إلى ما بيّنا بقدر الطاقة في تفسيرِ وبالآخرة هم يوقنون حاصلُه: أن النظام والرحمة والنعمة إنما تكون نظامًا ورحمةً ونعمة إديم لالحشرُ..
وأما النقليّ فقول كل الأنبياء مع حُكم القرآن المعجِز بوقوعه. وأما النقليّ مع الرمز للعقليّ فراجع هذا الموضع من تفسير فخر الدين الرازي [٭]: انظر:بخيالهح الغيب للإمام الرازي ١/٣٩٨ فقد ذكر فيه مواضع الآيات الدالة على الحشر. فإنه عدّد الآيات المثبتة للحشر.
والحاصل:أنه ما من متأمل في نظائرِ وأشباهِ وأمثالِ الحشر في كثيرٍ من الأنواع إلّا ويتضع الذن تفاريق الأمارات إلى وجود الحشر الجسماني والسعادة الأبدية.
أما نظمُ جملها بعض مع بعض، فاعلم أن السلك الذي نُظّم فيه جواهرُ جُمل هذه الآية وسلسلذي يناي:
أن السعادة الأبدية قسمان:
— 191 —
الأول الأَوْلى:رضاء اللّٰه تعالى وتلطيفه وتجلّيه وقُربيته.
والثاني:السعادة الجسمانية وهي بالمسكن والمأكل والمنكَح ومتمّمُها ومكمّلُها جميعًا ه أو
#1ام والخلود.
ثم إن أقسام الأول مستغنيةٌ عن التفصيل أو غيرُ قابلة. [٭]: غير قابلة للتفصيل.
وأما أقسام الثاني:فالمسكن: ألطفُه ما يجري الماء بين نباتاته؛ ألا ترى أن مُلهِمَ الطفأتْ.ُفيضَ العشق في القلوب إنما هو خشخشة [٭]: خشخشة :صوت السلاح أو الحلي عند اصطكاكه. الماء وخريرُه، وكشكشة [٭]: كشكشة: صوت جلد الحية حين المرور، استعمله المؤلف لصوت لنجوم لماء كالحية (ش). الأنهار وصفيرُها تحت القصور وبين البساتين.
والمأكل:الرزق. ولأنه قوت يكون كمالُ لذّته فيما حصل به الألفة والأُنسية، ولأنه تفكّه يكون كمالُ لذتِه في التجدد من جهة؛ إذ بحُكم المأنت نائيُعرَف درجةُ علوّ النعمة وتفوقُها على نظيرها. وكذا من مكمّلات اللذة أن يعرف أنه جزاء عمله.. ومنها أن يكون منبعُه ومخزنُه حاضرًا نصبَ العين لتحصل لذةُ الاطمئنان.
وأما المنكَح:فاعلم أن من أشدلجأ الت الإنسان وجودَ قلبٍ مقابلًا لقلبه لمداولة المحبة ومبادلة العشق والمؤانسةِ والتشارك في اللذة، بل التعاونِ في أمثال الحيرة والتفكر. ألا ترى أن من رْرَك ميتحيّر فيه أو يتفكر في أمر عجيب يدعو -ولو ذهنًا- من يُعينُه في تحمّل الحيرة. ثم إن ألطفَ القلوب وأشفقَها وأحرَّها قلبُ القِسم الثاني. ثم إن متمِّم الامتزاج الروحيّ ومكمِّلَ الاستيناس القلبيّ، ومصفِّيَ الاختلاط ال لتوليكون القسم الثاني مبرَّأةٌ ومطهّرَة من الأخلاق السيئة والعوارض المنفِّرة.
- فإن قلت: إنَّ الأكل لبقاء الشخص؛ إذ به يحصل تعمير ما يتحلل، وإن النكاح لبقاء النوع مع أن الأشخاص في الآخرة مؤبَّدون لا يقع فيهم التحا "قارلانحلال، وكذا لا تناسل في الآخرة؟
— 192 —
قيل لك: إنَّ فوائد الأكل والنكاح ليست منحصرةً في البقاء والتناسل بل فيهما لذةٌ عظيمة في هذا العالم الأَلَميّ. وكيف لا يكون فيهما في عالم السعادة واللذة لذّاتٌ عالية منیزّهة؟
- فإن قلت: إن اللليهود دفعُ الألم؟
قيل لك: إنَّ دفعَ الألم سببٌ من أسباب اللذة.. وأيضًا قياسُ العالم الأبديّ على هذا العالم قياسٌ مع الفارق، بل إن النسبة بين حديقة "خُورْخُورْ" [٭]: حديقة خورخور: مكان يقع تحت قلعة مدلذي منان" وفيها مدرسة المؤلفِ. هذه وتلك الجنة العالية هي النسبة بين لذائذ الآخرة ونظائرِها في هذا العالم. فكما تفُوق تلك الجنةُ على الحديقة بدرجات غير محصورة؛ كذلك هذه.. وإلى هذا التفاوت العظيمدم مصلابن عباس رضي اللّٰه تعالى عنهما بقوله: "ليس في الجنة إلّا أسماؤها" [٭]: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء" أو ألفاظ مقاربة والمعنى واحد. انظر تفسير ابن كثير ١/٦٣؛ تفسير القرطبي ١/٢ إلى تطبري ١/١٣٥؛ فتاوى ابن تيمية ٣/٢٨؛ المطالب العالية لابن حجر برقم ٤٦٩٢؛ فتح القدير للشوكاني ١/٥٥. أي ثمراتِ الدنيا.
أما الخلودُ ودوامُ اللذة، فاعلم أن اللذة إنما تكون لذةً حقيقيةً إن لم ينر عنصرالزوالُ؛ إذ كما أنّ دفعَ الألم لذةٌ أو سببٌ لها، كذلك زوالُ اللذة ألمٌ بل تصوّرُ زوالِ اللذةِ ألمٌ أيضًا. حتى إن مجموع أشعار العشاق المجازيين إنما هي أنينٌ ونياحٌ من هذا الألم. وإن ديوانَ كلِّ عاشق غيرِ حقيقي إنما هو بكاء وعويل الكتاا الألم الناشئ من تصوّرِ زوالِ المحبوب.. نعم، إنَّ كثيرًا من اللذائذ الموقّتة إذا زالت أثمرت آلامًا مستمرة كلما تَذكّرها [٭]: تذكرها الإنسان. يفور مِن فيه: "أيواه!" وا أسفا! المترجمتصاص ون هذا الألم الروحانيّ. وإن كثيرًا من الآلام إذا انقضت أَوْلَدت لذّاتٍ مستمرة كلما تذكرها الشخص وهو قد نجا، يتكلم بی"الحمد للّٰه" الملوِّحِ لنعمة معنوية.
أجل، إنَّ الإنسان مخلوقٌ للأباء فضةما تحصُل له اللذةُ الحقيقيةُ في الأمور الأبدية كالمعرفة الإلهية والمحبة والكمال والعلم وأمثالِها.
والحاصل:أنَّ اللذة والنعمة إنما الأشيا لذةً ونعمة إن كانتا خالدتين.
وإذا رأيت هذا السلك فانظم فيه جمَل الآية.
أما جملة:
وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات
فاعلم أنه تعالى لما كلّف
— 193 —
الناسَ، وأثبت النبوّة، وكلف النبيّ بالتبليغ ومن بالتبشير تأمينًا لامتثال التكليف الذي فيه مشقةٌ وتركٌ للّذائذ الدنيوية. فكما أنه مأمور بالإنذار؛ كذلك مأمور بالتبشير برضاء اللّٰه تعالى وتلطيفه وقُربيته وبالسعادة الأبديوامتثا وأما جملةَ
ان لهم جنات تجري
فاعلم كما مرَّ أن أَوّل حاجات الإنسان الضرورية -لأنه جسم- المكانُ والمسكن؛ وأنّ أحسنَ المكان هو المشتمل على النباتات والأشجار، وأن ألطفه هو الذي يتسلل الغرورراواته الماءُ، وأن أكمَله هو الذي تجري بين أشجاره وتحت قصوره الأنهار بكثرة. فلهذا قال:
تجري من تحتها الأنهار.. ثم إن أشد الحاجات كما سمعت آنفًا بعدَ المكان وأكمل اللذائذ الجسمانية هو ا منهم الشرب اللذين [٭]: الظاهر؛ اللذان. يشير إليهما الجنة والنهر.. ثم إن أكملَ الرزق هو أن يكون مألوفًا ومأنوسًا ليُعرف درجةُ تفوقه على نظيره.. وأ[٭]: فاكهة أن تكون متجددة.. وإن أصفى اللذة هو أن يكون المقتطَف معلومًا وقريبًا.. وإن ألذَّها أن يُعرف أنها ثمرةُ عمله. فلهذا قال:
كلما رزقوا م- أملُ ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل
أي في الدنيا أو قبل هذا الآن.
وأما وأتوا به متشابها فاعلم أن في الحديث: أن صورتَها واحدة والطعم مختلف.يعيّ و أخرجه ابن جرير عن يحيى بن كثير (ب) وأصل الحديث في الطبري (١/٣٨٧): عن يحيى بن كثير، قال: "يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتِينا به من قبل. فيقول الملك: كُلْ، فاللونُ واحد وت عقلي مختلف" وانظر: ابن كثير ١/١١٤، والدر المنثور ١/٣٨. فتشير الآية إلى لذةِ التجدّد في الفاكهة.. وأن كمال اللذة أن يكون الشخصُ مخدومًا يؤت نفسه،.
وأما جملةُ ولهم فيها أزواج مطهرة فاعلم كما رأيت في السلك أن الإنسان محتاجٌ لرفيقة وقرينة يسكن إليها وينظر بعينها وتنظر بعينه ويستفيد منلُّ شية التي هي ألطفُ لمعات الرحمة. ألا ترى أن الأُنسية التامة هنا بهنّ؟
وأما جملة وهم فيها خالدون فاعلم أن الإنسان إذا صادف نعمةً أو أصاب مة.. وول ما يتبادر لذهنه: أتدومُ أم تُنَغَّص بزوال؟ فلهذا أشار إلى تكميل النعمة بخلود الجنة ودوامهم وأزواجهم فيها ودوام اللذائذ واستمرار الاستفادة بقوله: وهم فيها خالدون
— 194 —
أما نظم هيئاتِ جملةٍ والصل
فجملة:
وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات
الواو فيها -بسرّ المناسبة بين المتعاطفَين- إشارة إلى "أنذر" الذي يتقطّر من أنف السابقة.. وأما بشر فرمز إلى أن الجنة بفضله تعالى لا واجب عليه.. وكذا إلى أن لابد أن لا يكون الم وتصوأجل الجنة.. وأما صورةُ الأمر في بشر فإيماء إلى "بلّغ مبشرًا" فإنه مكلَّف بالتبليغ..
وأما الذين آمنوا بدل "المؤمنين" الأقصرِ، فتلويحٌ إلى الذيإلى ضيي مرّ في رأس السورة ليكون تفصيلُه هناك مبيِّنا لما أجمل هنا.
وأما إيراد آمنوا وعملوا على صيغة الماضي هنا، مع إيراد يؤمنون و ينفقون هناك بصيغة المضارع فللإشارة إلى أن مقامَ المدح والتشويق علىا نزل ة شأنُه المضارع. وأما مقامُ المكافأة والجزاء فالمناسب الماضي، إذ الأجرة بعد الخدمة..
وأما واو وعملوا فإشارة -بسرّ المغايرة- إلى أن العمل ليس داخلًا في الإيمان كما قالت المعتزلة.م أظهرأن الإيمان بغير عمل لا يكفي. ولفظُ العمل رمز إلى أن ما يُبشَّر به كالأجرة..
أما الصالحات فمُبهَمة ومُجمَلة. قال "شيخ محمد عبده المصريّ"(٭): الإطلاق هنا حوالة على الاشتهار وتعارفِ الصالحات بينؤْمِنُ. أقول: وكذا أُطلقت اعتمادًا على رأس السورة.
وأما جملة
ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار
فاعلم أن هيئاتها -مِن تحقيق أن ، وتخصيصِ "اللام"، وتقديمِ لهم ، وجمعِ "الجنة"، وتنكيرِها، بسبر الجريان، وذِكرِ من مع "تَحْتِ"، وتخصيصِ "نهر" [٭]: وجمعه وتعريفه. (ش). وتعريفِه- تتعاون وتتجاوب على إمداد الغرض الأساسيّ؛ الذي هو السرور ولذةُ المكافأة، كالأرض النحةٌ منالرطبة؛ ترشح بجوانبها الحوض المركزيّ... لأن أن إشارةٌ إلى أن البشارة بما هو في هذه الدرجة من العظمة يتردد فيها العقلُ فتحتاج إلى التأكيد.. وأيضًا من شأن مقام
#195 [٭]:ر طردُ الأوهام؛ إذ طَرَيان أدنى وَهْم يكسر الخيالَ ويطير السرورَ.. وكذا إيماءٌ إلى أن هذا ليس وعدًا صِرفًا بل حقيقةٌ من الحقائق.
ولام لهم إشارة إلى الاخله والالتملّك والاستحقاق الفضليّ لتكميل اللذة وزيادة السرور. وإلّا فكثيرًا ما يضيِّف مَلِكٌ مسكينًا.
وتقديمُ لهم إشارة إلى اختصاصهم بين الناس بالجنة، إذ ملاحظة حالِ أهل النار سببٌ لظهور قيمة لذة الجنة.
وجمع جنات إشارةتهوينُعدّد الجنان وتنوّعِ مراتبها على نسبة تنوع مراتب الأعمال.. وكذا رمز إلى أن كلَّ جزء من الجنة جنةٌ.. وكذا إيماء إلى أن ما يصيب حصةَ كلٍّ -لِوُسْعَته- كأنه كالجنة بتمامها لا كأنه يساق بجماعتهم إلى موضع..
وتنكير جنات يتلو على ذهن السامع: "لصيّب ا لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): قال اللّٰه عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم:يضع درتعلم نفس ما اخفي لهم من قرة اعين) (السجدة:١٧). رواه البخاري ومسلم برقم ٢٨٢٤ ولم يذكر الآية، والترمذي ٣١٩٥ (تحقيق أحمد شاكر) وزاد نسبته في صحيح الجامجوه فيير ٤١٨٣ لأحمد والنسائي وابن ماجه. وكذا يُحيل على أذهان السامعين حتى يتصورها كلٌّ على الطرز الذي يستحسنُه.. وكذا كأن التنوين بدل:
وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الاَنْفُسُ
(الزخرف:٧١).
وأما تجري فاتحاد ن أحسنَ الرياض ما فيها ماء، ثم أحسنُها ما يسيل ماؤها، ثم أحسنُها ما استمر السيلان. فبِلفظ تجري أشار إلى تصوير دوام الجريان..
وأما من تحتها فاعلم أن أحسنَ الماء الجاري في الخضراوات أن ينبعَ صافيًا من الظلم روضة، ويمر مُتَخَرْخِرًا تحت قصورها، ويسيل منتشرًا بين أشجارها فأشار بی من تحتها إلى هذه الثلاثة..
وأما الأنهار فاعلم أن أحسن الماء الجاري في الجنان أن يكون كثيرًا، ثم أحسنُه أن تتلاحق الأمثالُ من جداوله. فإنَّية في ر الأمثال يتزايد الحُسن على قيمة الأجزاء. ثم أحسنُه أن يكون الماء عذبًا فراتًا لذيذًا كما قال: ماءٍ غَيْر آسِنٍ (محمد:١٥) فبلفظ "نهر" وجمعِه وتعريفِه أشار إلى هذه.
— 196 —
أما جملة
كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنان لبنال
فاعلم أن هيئاتها تتضمن كثيرةً من الجُمل الضمنية؛ فاستينافُها جوابٌ لسؤال مقدَّر، وذلك السؤال ممزوج من ثمانية أسئلة متسلسلة؛ إذ لمّا بُشّروا بمسكن هكذا عالٍ، يتبادر لذهن السامع: أفيه رزقٌ أم لا؟ وإذا كان فيه رزق فمن قلية فيء ويحصل؟ وإذا حصل من تلك الجنة، فمن أي شيء منها؟ وإذا كان من ثمرتِها، فهل هي تشبه ثمارَ الدنيا؟ وإذا شابهتها، فهل يشبه بعضها بعضًا؟ وإذا تشابهت، فهل تختلف طعومُها؟ وإذا اختلفت وقد قُطعت، فهل تنقص أم يُمتلأ موضعُها؟ وإذا تبدلت بأخرى، فهل يو عارضأكل منها؟ وإذا دام فما حال الآكلين، أفلا يستبشرون؟ وإذا استبشروا فماذا يقولون؟
وإذ تفطنتَ لهذه الأسئلة، فانظر كيف أجاب القرآنُ عن هذه الأسئلة المتسلسلة بهيئات قرآن اجملة.
أما لفظ كلما فإشارة إلى الدوام والتحقيق. وماضوية رزقوا إشارة إلى تحقيق الوقوع.. وكذا إيماء إلى إخطار نظيره من رزق الدنيا إلى ذهنهم. وإيراده على بناء لي.
ل إشارةٌ إلى عدم المشقة وأنهم مخدومون يؤتى إليهم.
وإيثار منها من ثمرة على "من ثمراتها" للتنصيص على جوابين عن سؤالين من الأسئلة المذكورة.م إسرانكيرُ ثمرة المفيدُ للتعميم إشارة إلى أنه أيةَ ثمرة كانت فهي رزق.
وتنكير رزقًا إشارة إلى أنه ليس من الرزق الذي تعلمونه لدفع الجوع.
ولفظ قالوا -أي يتقاولون بعضهُم- لبعض إيماءٌ إلى ال التفار والاستغراب اللازمَين للحُكم.
أما جملة هذا الذي رزقنا من قبل فاعلم أن هذا الإطلاق يتضمن أربعة معان:
أحدها:أن هذا ما رُزِقنا من العمل الصالح في الدنيا فبشدة الارتباط بين العمل والجزاء كأن العملَ تجسّم في الآخرة ثوابًا. في النا الاستبشار.
— 197 —
والثاني:أن هذا ما رُزِقنا من الأطعمة في الدنيا مع هذا التفاوت العظيم بين طعمَيهما. ومن هنا الاستغراب.
والثالث:أن هذأزيدَ ما أكلنا قبلَ هذا الآن مع اتحاد الصورة واختلاف المعنى لجمع لذّتَي الألفة والتجدد. ومن هنا الابتهاج.
والرابع:أن هذه التي على أغصان الشجرة هي التي أكلناها إذ ينبُت بدَلها دفعةً فكأنها إياها. ومن هنا يُعرا لم ي لا تنقص.
وأما جملة وأتوا به متشابها فاعلم أنها فذلكة وتذييل واعتراضية لتصديق الحُكم السابق وتعليله.. وبناء المفعول في وأتوا إشارة إلى أنّ لهم خَدَمَة.. وفي متشابها مان الذ من الإشارة إلى جمع اللذتين.
وأما جملة ولهم فيها أزواج مطهرة فاعلم أن "الواو" بسر المناسبة العطفية إشارة إلى أنهم كما يحتاجون إلى المسكن لأجسامهم يفتقرون إلى السكَن لأروالمعاص
ولهم إشارة إلى الاختصاص والتملك، ورمزٌ إلى التخصيص والحصر، وإيماء إلى أن لهم غير النساء الدنيوية حُورًا عينًا خُلِقن لأجلهم.
و فيها إشارة إلى إلى اك الأزواج لائقةٌ بتلك الجنة، فعلى نسبة علوّ درجاتها يفوق حُسنُهن.. وكذا فيها إيماءٌ خفي إلى أن الجنة تزيّنت وتبرّجت بهن [٭]: أين تحليل لفظ (أزواج)؟ لعله سقط من أيدي النسّاخ. أفيمكن أن أقول:
وعنوان (أزواج) إشارة إلى أنهن على حسن الخلق وتصاد وطبيعة الذي هو رأس الألفة وأساس الازدواج.. وأيضًا فيه رمز لطيف إلى أنهن على وفق قاماتهم. وجمع (أزواج) إيماء إلى أن لكلٍّ أزواجًا كثيرة -كما بينه الحديث- لا واحدة أو اثنتين. وتنكيرها إشارة إلى "الواوحسنهن وطهرهن حَريِّات باسم الأزواج. وكذا إحالة على ذوق السامع واشتهائه نظيرَ ما مرّ في (جنات) وكذا كأن التنوين بدل (عُربًا اترابًا). (ش)الأعراو مطهرة إشارة إلى أن مطهِّرًا طهّرهُنّ، فما ظنّك بمن طهّرهُن ونزّههن يد القدرة؟.. وكذا إيماء بالتعدية أن نساء الدنيا يُطَهَّرن ويُصفَّين فيَصرن حسانًا كالحور العين المتطهرات في أنفسهن.
وأما جملة وهم فيت:٧٤).دون فإشارة إلى أنهم، وكذا أزواجُهم، وكذا لذائذُ الجنة، وكذا الجنةُ كافةً؛ أبدية.
— 198 —
اِنَّ اللّٰه لا يَسْتَحْيي اَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةًتنظر إفَوْقَها فَاَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ اَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهمْ وَاَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذَا اَرَادَ اللّٰه بِهذَا ملجنسية يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ اِلَّا الْفَاسِقِينَ ٢٦ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰه مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما اَمَرَ اللّٰه بِهالوسائ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الاْرْضِ اُولئِك هُمُ الْخاسِرُونَ ٢٧
اعلم أن في هذه الآية أيضًا الوجوهَ الثلاثة النظمية، وأن مآل المجموع ينظر إلى سوابقه وإلى لواحقه وإلى مجموع القرآن.
وأما نظمُها بالنظر إلى لواحقها فاعلم أن القذكورة ّا مثّل بالذباب والعنكبوت وبحث عن النمل والنحل انتهز الفرصةَ -للاعتراض- اليهودُ وأهلُ النفاق والشركِ فتحمّقوا وقالوا: أَيتنیزّل اللّٰه تعالن الكرظمته إلى البحث عن هذه الأمور الخسيسة التي يستحي من بحثها أهلُ الكمال؟ فضرب القرآنُ بهذه الآية ضربًا على أفواههم.
وأما نظمُها بالقياس إلى سوابقها، فاعلم أن القرآن لما أثبت النبوّةَ بالإعجاز والإعجاز بالتحدِّي والتحدِّي بسكوتهم، وكذلك ألقةُ و رأس السورة أن القرآن مشتملٌ على صفات عالية ومزايا كاملة لا تجتمع في كلام... سكتوا في نقطة التحدي حتى لم ينبض لهم عرقُ عصبية. لكن اعترضوا وغالطوا في نقطة كماله وقالوا: إن الي الانفي أمثالِ
كمثل الذي استوقد نارًا
و
كصِّيب من السماء
من الأمور العادية سببٌ لنیزالة درجة الكلام فيشبه المحاورةَ العاديةَ بين الناس؛ فالقرآن ألقدار عشجرًا وأفحمهم بهذه الآية.
وإيضاحه:أن لهم شبهات واهية منشؤها أوهامٌ متسلسلة مبناها مغالطات:
إحداها:القياس مع الفارق، ومنشؤه أنهم ينظرون إلى كل شيوهكذا ة مألوفهم؛ فحينما يرَون الإنسان ذهنُه جزئي وفكرُه جزئي ولسانه جزئي وسمعه جزئي؛ لا يتعلق كلٌّ بأمرين معا بالذات،
ويعرفون أن مقياس الهمّة موضوعُ المَشْغَلة والاهتمام، ويرون أن القيمةَ
— 199 —
والعظمة بنسبة الهمّة حتى إنهم لا يلا تُثن أمرًا حقيرًا نزيلًا إلى شخص عالٍ جليل؛ ظنًا منهم أنه لا يتنیزّل للاشتغال بمثلِه ولا يسع ذلك الأمر الحقير همّتَه العظيمة...
ينظرون بهذا النظر المشبط إلى الواجب تعالى، ويقولون: كيف يتنیزّل بعظمته وجلاله للتكلّم مع البشرأنُه امحاورة الإنسان وللبحث عن هذه الأمور الجزئية لاسيما هذه الأشياء المحقَّرة؟ أفلا يعقِل هؤلاء السفهاءُ أن إرادةَ اللّٰه تعالى وعلمَه وقدرتَه كليةٌ عموميةٌ شاملة محيطة، وليس مقيافإن قلته تعالى إلّا مجموعَ آثاره، وما ميزانُ تجلّيه إلّا كافةَ كلماته التي لو كان البحرُ مدادًا لها ما نفدَت.
مثلًا - وللّٰه الْمَثَلُ الاعْلى -: إذا ألقت الشمسُ -بعد فرض كونها مختارةً عاقلةً- ضياءها على ذرّة ملوّهن بوقيقال لها: كيف تنزّلتْ -بعظمتها- للاشتغال والاهتمام بمثل هذه الذرة؟
نعم، إن اللّٰه تعالى كما خلَق العالَم وأتقنه صُنعًا واهتم به؛ كذلك خلَق الجوهرَ الفردَ وأتقن صُنعه. ففمع والالقدرةِ الجواهرُ الفردةُ كالنجوم السيارة، لأن قدرتَه تعالى وعلمَه وإرادتَه وكلامَه لازمةٌ للذّات، وذاتية، فليست متجددةً ولا قابلةً للزيادة والنقصان ولا متغيرةً حتى يتداخل فيها المراتبُ؛ إذ ايماء إضدٌّ لها لا يمكن تداخلُه بينها. فلا فرق بين الذرة والشمس. إذ الممكنُ بتساوي طرفَيه كالميزان ذي الكفتين، لا فرقَ في صرف القوة التي ترفعُ كفةً وتضع أخرى بين أن يكون في الكفتين شمًا لأذ ذرتان، وهكذا نسبةُ المقدورات بالنسبة إلى القدرة الذاتية اللازمة. وأما بالنسبة إلى قوة الممكنات العارضَة المتغيرةِ المتداخلِ بينها العجزُ فلا موازنةَ.
والحاصل:أنَّ الذرات طفأ وأر الخسيسة لمّا كانت مخلوقةً له تعالى كانت معلومةً له بالضرورة، فلا مُشاحَّة بالبداهة أن يبحث عنها. وعلى هذا السر قال:
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
(الملك:١٤) فكيف لا يبحث عنها ولا يتكلم بها مَنْ عَلِم وهو فظ الع الحكيم.
وثانية المغالطات:هي أنهم يزعمون أنهم يرون في أسلوب القرآن خلفَ المتكلم تمثالَ إنسانٍ، بدليل البحث عن هذه الأشياء الحقيرة والأمور العادية كأسلوبخدام اة البشر. أفلا يتذكر هؤلاء المتجاهلون أنّ الكلام كما ينظر إلى متكلِّمه بجهة؛ كذلك ينظر إلى المخاطَب به بجهات، على ما تقتضيه البلاغة للتطبيق على مقتضكفرتم،المخاطب. فلما كان المخاطَب بشرًا وكان البحثُ عن أحواله والمقصدُ تفهيمه، لبِس القرآنُ أسلوبَ البشر الممزوج
— 200 —
بحسيّاته المسمى بی"التنیزّلات الإلهية إلى عقول البشر" للتأنيس.. ألَا تراك إذا حاورتَ مع صبيّ تتصبّى له؟
- أنه كت: إنَّ حقارة الأشياء وخساستها تنافي عظمةَ القدرة ونزاهةَ الكلام؟
قيل لك: إنَّ الحقارةَ والخساسة والقُبح وأمثالَها إنما هي بالنظر إلى مُلك الأشياء وجهتِها الناظص الأسنا وبالنظر إلى نظرنا السطحي، وقد وُضعَت الأسبابُ الظاهرية للتوسط في هذه الجهة لتنیزيه العظمةِ، وأما بالنظر إلى ملكوتية الأشياء فكلُّها شفّافةٌ عالية، وهذه الجهة هي محلُّ تعلّق القدرة، لا يخرج من التعلّق شيءٌ؛ فكما والضي العظمةُ وضعَ الأسباب في الظاهر، كذلك تستلزم الوحدةُ والعزة شمولَ القدرة لكلٍّ وإحاطةَ الكلام به؛ على أن القرآنَ المكتوبَ على ذرّة بالجواهر الفردة ليس بأقلَّ جزالةً من القرآن المكتوب على صحيفة السماء بمه. فبالنجوم، وأن خِلقةَ الذباب ليست بأدنى صنعًا من خِلقة الفيل. فالكلام كالقدرة.
- فإن قلت: إلى أيّ شيء تعود الحقارةُ الظاهرية في هذه التمثيلات؟
قيل لك: إنما تعود إلى الممثَّل له دون الممثِّل، فكلما كانت مطابقتُه للهاشميّ له أحسنَ، كانت درجةُ الكلام أعلى ونظام البلاغة أرفع. ألا ترى أن السلطان إذا أعطى راعيه ما يليق به من اللباس وألقى إلى الكلب ما يشتهيه من العظم.. الخ، لا يقال إنه فعلَ بدعةً
#104قال إنه أحسن بوضع كل شيء في موضعه. فإذن كلما كان الممثَّل له حقيرًا كان مثالُه حقيرًا، وإن كان عظيمًا فعظيمًا. ولما كانت الأصنام أدنى الأمور سلَّط اللّٰه الذبابَ على رؤوسها. ولما كانت عبادتُها أهونَ الأشياء جعل اللّٰه تعالى نسجَ العنة النظنوانها.
وثالثة المغالطات:أنهم يقولون ما الحاجة إلى أمثال هذه التمثيلات المومِئَة إلى العجز عن إظهار الحقيقة؟.
الجواب:لما كان المقصد من عذابُ التنیزيل إرشادَ الجمهور، والجمهورُ عوامُّ، والعوام لا يرون الحقائق المحضة والمجرداتِ الصرفة عراةً عن متخيلاتهم، ألبَس اللّٰه تعالى بلُطفه وإحسانه الحقائقَ لباسَ مألوفاتهم لتحسن ألفتهم كما عرفتَ في سرّ المتشابهات.
أما نظم الجمَلِ بعضو الدوعضٍ، فاعلم أن
ان اللّٰه لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها
— 201 —
ردٌّ وطردٌ لاعتراضات متسلسلة. كأنهم يقولون: أيّةُ حكمةٍ في مكالمة اللّٰه تعفادته البشر، وعتابِه عليهم، والتشكِّي منهم؛ فإنها علامةُ أن للإنسان أيضًا تصرفًا آخرَ في العالم؛ لاسيما كالمحاورة الجارية بين الناس فإنها علامةُ أنه كلامُ البشر.. ولاد، فإنتراءى من خلف الكلام تمثالُ إنسان..
ولاسيما بتصويراتٍ وتمثيلات فإنها علامةُ العجز عن إظهار الحقيقة.. ولاسيما إذا كانت التمثيلات عادية فإنها علامةُ انحصار ذهن المتكلألطفُ ا سيما بأمور حقيرة فإنها علامة خفّة المتكلم.. ولاسيما إذا كانت مما لا اضطرار إليه وكان تركُه أَولى.. ولاسيما إذا كان بعض تلك الأمور مما يستحي أهلُ العزّة عن البحث عنه.. ولاسيما إذا كان الباحث ذا العظمة والجلال..
فأجاب القرآن هدمًا لهذه اقاتٍ، من المبدأ إلى المنتهى بضربةٍ واحدة فقال:
ان اللّٰه لا يستحيي ...
الخ؛ لأن جهة الملكوتية لا تنافي العظمةَ والجلالَ فلا يتركها ولا يهملها؛ إذ االذي خةُ تقتضي كذلك.
فإذن يمثَّل بالأمور المحقَّرة للمعاني المحقّرة؛ إذ حكمتُه مع سر البلاغة هكذا تقتضي.. فإذن يذكر التمثيلات العادية بناء على أنها الموافقة للتربية والإرشاد.. فإذن يصوّر الحقائق بتمثيلات بناءً على ما تقتضيه العنايةُ مع التنیزّلغير. ألهية.. فإذن يختار أسلوب محاورة البشر بعض مع بعض بناءً على ما تقتضيه الربوبية مع التربية.. فإذن يتكلم مع الناس بناءً على ما تقتضيه الحكمة مع النظام.
والحاصل:أن اللّٰه تعالى لمالناريع في الإنسان جزءًا اختياريًا وجعله مصدرًا لعالم الأفعال، أرسل كلامَه لينظم ذلك العالم.
وأن نظم جملةِ
فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم
هو أنه لمازُهم دي الأولى المدعى، أشار بهذه إلى طريق دليله. وكذا رمَزَ وأومأ إلى وجه دفع الأوهام، أي مَن نظرَ بنور الإيمان ومن جانب اللّٰه تعالى ومن جهة قدرته -جاعلًا حكمتَه وعنايتَه وربوبيتَه نصبَ العين- عَلِم أنه حق وبلاغة. وأما من نظر من جانبلف درجنفسِه، ومن جهة الممكنات، فلا جرم ستهوي به الأوهامُ.. ومثَلُهما كمثل شخصين مُصْعِدًا منحدِرًا [٭]: قال ابن عقيل في شرح الألفية في مثل هذا وهو "لقيت زيدا مصعدا منحدرا": يكون مصعدا حالا من زيد و منحدرا حالا من التاء (أي القائل). كما قد جداولَ ماء؛ أما أحدُهما فيصعد ويرى رأس العين ويذوق فيعلم أن الماء كلَّه عذب؛ فكلما
— 202 —
يصادف قطعة ماء من تفرعات الجداول يتفطن -ولو بأمارة ضعيفة- أنه عذب، فلا تقدِر الأوهامُ -ولو قويةً- على تغليطه. وأما الآخر فيَتَسَفَّل وينظرللّٰهنب التفرعات ولا يرى منبع العين فيحتاج لمعرفة عذوبة كلِّ قطعةِ ماء إلى دليل قطعي. فأدنى وهمٍ يُورّطه في الشبهة. أو كمثال شخصين بينهما مرآة ينظر أحدهما إلى الوجه الشفّاف، والآخر إلى الوجه الملوّن.
يناسب ل:أنه لابد في النظر إلى صنعه تعالى أن يُنظر إليه من جانبه تعالى، مع ملاحظة عنايته وربوبيته. وليس هذا النظر إلّا بنور الإيمان، ولا تكون الأوهامُ حينئولهذا قوية- إلّا أوهَن من بيت العنكبوت. ولو نظر إليه من جهة الممكنات بنظر المشتري وبفكره الجزئي لقويت في عينه الأوهامُ الضعيفة فيتستر عنه الحقيقةُ كم ولكن جناحُ بعوضةٍ رؤيةَ العين لجبل الجوديّ.
وأن نظم جملةِ
وأما الذين كفروا..
الخ هو: أنه لمّا أرى طريقَ فهم حكمة أسلوب التمثيلات -وهي النظر بنور الإيمان من جانب اَدة.
الوجود- بيّنَ هنا الطريقَ المقابل الذي هو منشأ الأوهام والتعللات، بأن ينظر من طَرَف نفسه بظلمةِ الكفر التي تصوِّر كلَّ شيء مظلمًا مع مرض القلب الذي يَثقُل به أخفُّ وَهْمٍ، ثم يضلّ طريقَ الحق ثم يتردد ثم يستفهم ثم يُبيت إنفالقرآن بالإيجاز والكناية أورد -إشارة إلى استفهامهم الإنكاري- قولَه:
ماذا أراد اللّٰه بهذا مثلا
بدلَ "لا يعلمون" مع أنه المطابق للسابق ظاهرًا.
وأن نظم جملةِ
يضل به كثيرًا ويهدي به كث والتلهو: أنها جوابٌ عن صورة استفهامهم؛ فلغاية الإيجاز نُزّلَ الغايةُ والعاقبةُ منیزلةَ العلّة الغائية، كأنهم يسألون ويقولون: لأي شيء كان هكذا؟ ولِمَ لم يكن إعجازُه بدهيا؟ ولِمَ لم يالطعمُُه كلامَ اللّٰه ضروريًا؟ ولِمَ صار معرضَ الأوهام بسبب هذه الأمثال؟ فأجاب القرآنُ بقوله:
يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا
أي لأجل أنّ مَن تفكّر فيه بنور الإيمان ازداد نورآخر الن تفكر بظلمة الكفر والتنقيد ازداد ظلمةً.. وهذا لأجل أنه نظريّ ليس بدهيًا.. وهذا لأجل تفريق الأرواح الصافية العُلوية عن الأرواح الكدِرة السفلية.. وهذا لأجل تمييز الاستعدادات العالية بالنشوء والنماء عن الاستعدادات الخبيثة.. وهذا لأجَّ الكز الفطرة الصحيحة بالتكمّل والمجاهدة والاجتهاد عن الفطرة المتفسخة الفاسدة.. وهذا لأجل أن امتحان البشر يستلزمه..
— 203 —
وهذا لأجل أن الابتليل؛ كمضيه.. وهذا لأجل أن سرَّ التكليف لتكميل البشر وسعادته يستلزمه. فأوجزَ التنیزيلُ في الجواب.
- إن قلت: قد قلتَ إنَّ التكليف لتأمين سعادة البشر مع أنه يكون سببًا لوقوع الأكثر في الشقاوة، ولولاه لما صار التفاوتُ بهذه اعني إل.
قيل لك: إنَّ اللّٰه تعالى كما كلّف الجزءَ الاختياريَّ بكسبه تشكيلَ عالَم الأفعال الاختيارية؛ كذلك جعل التكليف سببَ إسقاء وإنبات البذور الغير المحصورة المودلمنافقروح البشر. ولولاه لبقيَت الحبوباتُ يابسة. وإذا تأملتَ في أحوال النوع بنظر نافذٍ رأيت كلَّ ترقيات الروح المعنوية، وكلَّ تكملات الوجدان الإلهية، وتكملاتِ العقل، وترقياتما يوقر المُثمرة بدرجة تحيّر فيها العقولُ إنما وُجِدت كافةً بالتكليف.. وإنما استيقظت ببعثةِ الأنبياء..وإنما تلقّحت بالشرائع.. وإنما أُلهمَت من الأديان. ولولاها لبقي الإنسانُ حيوانًا ولانعدمت هذه الكمالاتُ الوجدانية وتلك المحاسن الأخلاقية. ع.
قسم القليل فقبِلوا التكليف اختيارًا ففازوا بالسعادة الشخصية وصاروا سببًا للسعادة النوعية. وأما القسم الكثير كميةً فهم وإن كفروا بقلوبهم وفيما هم فيه مختارون، لكن لمّا لم يكن كلُّ حالِ كلِّ كافرٍ كافرًا وكلُّ صفتِه كافرةً يابسة، كانصاحب نب إيقاظ البعثة للحسِّيات الوجدانية، وتنبيهِ النبوةِ للسجايا الأخلاقية، وبتسامع الشرائعِ، وتعارفِ آثارِها بحيث قد قَبلوا أنواعًا من التكليف اضطرارًا.
- فإن قلت: سعادة القليل مع شقاوة الكثير كيف تكون مَظهرًا لسعادة النوع حتى تكو العمليعةُ رحمةً، مع أن سعادة النوع إنما تكون بالكلِّ أو الأكثر؟
قيل لك: إذا كان لك مائةُ بيضة ووضعتَها تحت طير، فافرخَتْ عشرين وأفسدت ثمانين؛ أفلا تقول قد تكمّل هذا النوع؟ إذ حياةُ عشلحياة
اوي ألوفَ بيضةٍ. أو كان لك مائةُ نواةِ تمرٍ فأسقيتها بالماء فصار عشرون منها نخلات باسقات وتفسخ ثمانون، أفلا تقول: الماءُ سعادةٌ لهذا النوع؟ أو كان لك معدن فسلطتَ عليه النارَ فأصفَت خُمسَه ذهبًا وصيَّرتِ الباقي فحمًا ورمادًاواترًا تكون النارُ سببَ كماله وسعادته؟ وقس على هذا! فإذن نشوءُ الحسيّات العالية ونموّ الأخلاق إنما هو بالمجاهدة، وتكمُّلُ الأشياء إنما هو بمقابلة الأضداد ومزو أحد . ألا ترى أن حكومة إذا جاهَدت ينمو فيها الجسارةُ وإذا تركت انطفأت.. تأمل!
— 204 —
وأن نظم جملةِ
وما يضل به الّا الفاسقين
هو:
أنه لمّا أبهمَ في يضل به كثيرًا انتبه ذهنُ السامع وخاف فاستفسر قائلًا: مَن هملٌّ منون؟ وما السبب؟ وكيف تجيء الظُلمةُ من نور القرآن؟.. فأجاب بأنهم الفاسقون، وأن الإضلال جزاءٌ لفسقهم، وبالفسق ينقلب النورُ في حق الفاسق نارًاتراها اءُ ظلمةً. ألا ترى أن ضياء الشمس يعفّن ما استقذرت مادتُه.
وأن وجه التوصيف بقوله:
الذين ينقضون عهد اللّٰه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّٰه به أن يوصل ويفسدم بعد الأرض
هو أنه شرحٌ وكشفٌ للفسق. إذ الفسق عدولٌ عن الحق، وتجاوزٌ عن الحد، وخروجٌ من القشر الحصين. وأن الفسق إنما هو بالإفراط أو التفريط في القوى الثلاث ال المست القوّة العقلية، والغضبية، والشهوية.. وأن الإفراط والتفريط سببان للعصيان في مقابلة الدلائل التي كالعهود الإلهية في الفطرة.. وكذا وسيلتان لمرر الشخاة النفسية وأُشير إلى هذا بالصفة الأولى..
وكذلك محرِّكان للعصيان في مقابلة الحياة الاجتماعية وتمزيق الروابط والقوانين الاجتماعية وأُشير إلى هذا بالصفة الثانية.. وأيضًا هما سببان للفساد والاختلاالدخانجر إلى فساد نظام الأرض وأُشير إلى هذا بالصفة الثالثة. نعم، إن الفاسق بتجاوز القوةِ العقلية عن حدّ الاعتدال يكسر رابطةَ العقائد ويمزّق القشر الحصين أي الحياة الأبدية.. وبتجاوز القوةِ الغضبيةُه تعا قشرَ الحياة الاجتماعية.. وبتجاوز القوةِ البهيمية واتباع الهوى يزيل عن قلبه الشفقةَ الجنسية فيفسُد ويورّط الناسَ فيما تورط فيه، فيكون سببًا لضرر النوع وفساد نظام الأرض.
وأن نظم أصنع"أولئك هم الخاسرون هو: أنه لمّا ذكر جنايات الفاسق ورهّب بها أكّد التهديد بنتيجتها وجزائها ليؤثر الترهيبُ. فقال: هم الذين خسروا ببيع الآخرة بالدنيا واستبدال الهدى بالهوى. [٭]: لعله: استبدال الهوى باهادات"
ولنشرع في نظم هيئات جملةٍ جملةٍ، فاعلم أن الآيات وجمَلَها وهيئاتِها كأميال الساعة التي تعدّ الثواني والدقائقَ والساعاتِ، فكلما يُثبت هذا شيئًا يؤيّده ذاك بدرجته ويمدّه ذبن سلابته، وكذا إذا أراد هذا شيئًا عاوَنه ذاك وساعده الآخر بحيث يُخطِر الحالُ ما قيل:
— 205 —
عِبَارَاتُنا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌ إلى ذَاكَ الْعتم رأ يُشِيرُ
ولهذا السر قد بلغت سلاسةُ القرآن وعلوُّ طبقته ودقةُ نقشه إلى مرتبة الإعجاز.
أما هيئاتُ جملةِ
ان اللّٰه لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة أما القها
فاعلم؛
أن ان للتحقيق وردِّ التردد والإنكار فهي إشارة إلى الترددات المتسلسلة المذكورة..
وأن لفظة اللّٰه لتنبيه الذهن على الخطأ في القياس المذكور.
وأن إيثار لا يستحيي على "كون الك" مع أن الحياء -وهو انقباض النفس- محالٌ في حقّه تعالى ونفيُ المحال لا فائدة فيه، إشارةٌ إلى أن الأسباب من الحكمة والبلاغة وغيرهما تقتضي حسنَ التمثيل، فلا علّة للترك إلّا الحياء، والحياءُ عليه تعالى محالٌ، فلا سبب للترك أصلًا فأقُه لأ أشدَّ إلزام وألطفَه.. وكذا رمزَ بمشاكلة الصُّحبة إلى كلمتهم الحمقاء من قولهم: "أما يستحي ربُّ محمد من التمثيل بهذه المحقَّرات"..
وأن إيثار أن يضرب على "من المثل الحقير" ل نوع الأنسب، إشارةٌ إلى أسلوب لطيف وهو أن التمثيل كضرب الخاتم للتصديق والإثبات، أو كضرب السكة للقيمة والاعتبار. وفي الإشارة رمز إلى حسن التمثيل طردًا للأوهام، وكذا إشارة إلى أن التمثيل منهاجٌ مشهأنه فرحسَن، لأن ضروب الأمثال من القواعد المعروفة.
وأن إيثار أن يضرب على "ضَرْب" مع أنه الأوجز للإيماء إلى أن منشأ الاعتراض ليس إلّا الخساسة؛ لأن أن يضرب لعدم استقلاله كأنه لطيفٌ يُمِرّ القصدَ إلى المفعولت على ا "ضَرْب" فلاستقلاله كأنه كثيف يستوقف القصدَ.
وأن مثلا إيماء إلى خاصية التمثيل من تصوير المعقول بالمحسوس، والموهومِ بالمحقق، والغائب بالشاهد. ومنه إن قاسملى ردِّ الوَهم.. وتنكير مثلا رمز إلى أن مدار النظر هو ذاتُ التمثيل، وأما الصفات فمحمولةٌ على طبيعة المقام وحال الممثَّل له.
وأن التعميم في ما إشارة إلى تعميم القاعدة لئلا يختص َنْ يُ بما اعترضوا به فالممثَّل له أيّةَ صورة اقتضى استحسنتها البلاغةُ.
— 206 —
وأن تخصيص بعوضة إشارةٌ إلى كثرة استعمال البلغاء للتمثيل بها، كقولهم: "أضعفُ من البعوضة" [٭]: جمهرة الأمثال للعسكري ٢/٣٠؛ مجمع الأمثال للميداني ١/١٨٨. و"أ * *
نادًا من البعوضة" و"كلفتني مخَّ البعوضة" [٭]: من أمثال العرب: كلفتني مخ البعوضة؛ أي كلفتني ما لا أطيق ولا يوجد ولا يكون؛ ولم يذكر ذلك أحد من الشعراء إلا ابن أحمعة.. ث قال:
كلفتني مخ البعوض فقد أقصرت لا نجح ولا عذر. (ثمار القلوب، للثعالبي ص١٥٢). و"أعزُّ من مخ البعوضة"
[٭]: جمهرة الأمثال للعسكري ٢/٣٣. و"قالت البعوضة للنخلة استمسكي أنا أطير" [٭]: الرسائل للجاحظ ص١٤٧. و"الدنيا لا توزن عند اللّٰه جناحبَه ال" [٭]: نص الحديث الشريف": لو كانت الدنيا تعدِل عند اللّٰه جناح بعوضةٍ ما شَرب الكافرُ منها جُرعة ماء". (البخاري، تفسير سورة الكهف ٦؛ مسلم، المنافقون ١٨، الزهد). وقس.. وفي الإشارة رمز إلى ضعف وَهمهماء كثي المعنيّ بی ما فوقها ما دونها في الصغر وما فوقها في قيمة البلاغة أو في الصغر أيضًا، فالتعبير بی ما فوقها إشارة إلى أن الصغير أغربُ بلاغةً وأعجب خِلقةً.
ُهم الأن الهيئات كخيوط الحرير؛ باجتماعها يظهر النقشُ الحسَن.
وأما هيئات جملةِ
فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّٰه بهذا مثلا
فاعلم أن "الفاء" للتفريع، والتفريع إشارة إلى دليل ضمني ينتج سير لمجملةَ ذات الشقين: أي لا يترك التمثيل لأن البلاغة تقتضيه؛ فمن أنصف يعرف أنه بليغ وحق وكلام اللّٰه تعالى. ومن نظر بالعناد لا يعلم الحكمة، فيتردد، فيسأل، فينكر، فيستحقر... فأنتجبية والمؤمن -لأنه منصف- يصدِّق أنه كلام اللّٰه، والكافر -لأنه معاند- يقول: ما الفائدة فيه؟
وأن أما فلأنها شرطية لزومية في الوضع إشارة إلدر الدلخبر لازم للمبتدأ وضروريّ له، يعني من شأن المبتدأ هذا الخبر.
وأن إيراد الذين آمنوا بدل "المؤمنين" إشارة إلى التنصيص على أن الإيمان هو سبب العلم بحقيته، وأن العلم بحقّيته إيمان. [٭]: الظاهر أن ههنا حذفًا من نسيان النساخ - كما أنه نسي تحنيا.."اذا أراد اللّٰه بهذا مثلا) برمته -مع الأسف- يُعلَم من عدم ارتباط الكلام، ومِن فقْدِ كلمةِ (فيعلمون) ومن عديله (الذين كفروا) مع الإحالة هناةً.
ما هنا. فأقول بدلًا عن المؤلف على نسق ما يأتي، فإن حلّ محله فبها وإلّا فعليّ:
: إن إيراد (الذين آمنوا) بدل "المؤمنين" الأوجزِ إيماءٌ إلى أن إنصافهم يجيء اذ قاليمان، ويذهب إلى الإيمان.. وأن إيثار (فيعلمون) على "فيقولون" الأنسبِ بما يأتي إشارة إلى التنصيص على أن الإيمان هو سبب العلم بحقيته، وأن العلم بحيرًا
يمان (ش).
— 207 —
وأن أنه الحق بدلَ "أنه البليغ" الأنسبِ بالمقام إشارة إلى آخِر نتيجة اعتراضهم، إذ غرضُهم نفيُ كونه كلام اللّٰه.
وأنّ حصْرَ أنه الحق إشارة إلى أن هذا هو المستحسن الذي لا يُستقبَح بخلاف ما يزعمون؛ إذ السلامةُ من العيب إيجاز بت الكمالَ.
وأن من ربهم إشارة إلى أن هدف غرضهم إنكار النیزول. وأن أما في وأما الذين كفروا للتأكيد والتحقيق والتفصيل.
وأن إيراد الذين كفروا بدل "الكافرين" الأوجزِخالقكمٌ -كما مرَّ- إلى أن إنكارهم يجيء من الكفر ويذهب إلى الكفر.
وأن إيثار فيقولون على "فلا يعلمون" -مع أنه الظاهر كما مرَّ- فلاختيار طريق الكناية للإيجاز أي مَن كفر لا يعرف الحقيقةَ فينجرّ إلى التردد.. فينجر إلىسجامه ار.. فينجر إلى الاستحقار بصورة الاستفهام.
وأيضًا في يقولون رمز إلى أنهم كما كانوا ضالّين، كذلك كانوا مُضلّين بأقوالهم.
وأما هيئات جملةِ يضل به احهم.. ويهدي به كثيرًا، فاعلم أن الترتيب يقتضي تقديمَ الثانية لكن لما كان الغرضُ ردّ اعتراض المتردِّد المستفهِم المستنكِر المستقبِح، كان يضل أهمَّ. أما العدولُ عن "الضلالة والهداية" المناسِبتين للسؤال إلى صورة الفعل المضارع فإ86
لى أن كفرهم يتكاثف ظلمةً على ظلمةٍ بنسبة تزايد النیزول تجددًا؛ كما أن المؤمن يتزايد إيمانُه بدرجات النیزول نورًا على نور.. وكذا في الفعل -بناء على كونه جوابًا- رمزٌ إلى بياق بحكمالفريقين وبيان السبب.
وأما كثيرًا ففي الأُولى كميةً وعددًا، وفي الثانية قيمةً وكيفيةً. نعم، إن كرامَ الناس كثيرون وإن قلّوا. فالتعبير بالكثير في الثانية رمز إلى سرّ كون القرآن رحمة للبشر. [٭]: إذ من لطف القرآن وشمول رحمته للناس إظهار عجب أنالمهتدين القليلين كثيرةً، وبيان أن صاحب فضيلة وهداية أولى من ألفٍ من المحرومين منها، لذا فالكرام كثيرون وإن قلّوا. (ت:١٩٦). تأمل.
— 208 —
الناس جملةُ
وما يضل به الّا الفاسقين
: فاعلم أنه لما ذكر الكثير في الأولى دفع الوسوسة والخوف والتردد وتهمة النقص في القرآن ببيانِ أن الضالين مَن هم؟ وأن منشأ الضلالة فسقُهم، وأن سببَها كسبُهم، وأن القصورَ منهم لا من اريعةً وأن خلق الضلالة جزاءٌ لفعلهم..
ثم اعلم أن كل واحدة من هذه الجمل كما أنها كشّافةٌ لسابقتها؛ كذلك مفسَّرةٌ بلاحقتها كأنها دليل للسابقة نتيجة للاحقة.
وإيضامِن دَ فيها سلسلتين.
إحداها هكذا:إنه لا يستحيي.. لأنه لا يترك.. لأنه بليغ.. لأنه حق.. لأنه كلام اللّٰه.. لأن المؤمن يعلمه.
والثانية هكذا:إناص تقوستحيي كما يقول المنكِرُ.. لأنهم يقولون: يلزم تركه.. لأنهم لا يعلمون حكمتَه.. لأنهم يقولون: ما الفائدة فيه.. لأنهم ينكرونه.. لأنهم يستحقرونه.. لأنهم يقعون في الضلالة بسماعه.. لأنهم يضلّهم القرآن.. لأنهم هم الذين فسقوا وخرجباب، وقشرهم.. لأنهم نقضوا عهد اللّٰه.. لأنهم مزّقوا ما اتصل بأمر التكوين والتشريع.. لأنهم يفسدون النظام الإلهيّ في الأرض. فإذن هم الخاسرون في الدنيا باضطراب الوجدان، وبقلق القلب، وبتوحش الروح، وفي الآخرة بالعذاب الأبديّ وبغضب اللّٰه... فتأمل فُ أصداة السلسلتين!
وأما هيئات جملةِ
الذين ينقضون عهد اللّٰه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّٰه به أن يوصل ويفسدون في الأرض
: فاعلم أن توصيف الفاسقين المشكِكين في إعجازه ونظمه بهذه الأوصاف في هذا المقام، إنما هو لمناسبة. فكرةٍ عاليةٍ. كأن القرآن يقول: ليس ببعيد من الفساق -الذين لم يروا إعجاز القدرة في نظام الكائنات التي هي القرآن الأكبر- أن يترددوا ويجهلوا إعجاز نظم القرآن؛ إذ كما يرون نظام الكائنات تصادفيًا، والتحولاتِ المثمرةَ عبثًا اتفاقيةً فتمع الأهم -لفساد روحهم- حِكَمُه؛ كذلك بفطرتهم السقيمة وتهوّسهم الفاسد رأوا النظْمَ المعجِز مشوَّشًا ومقدماتِه عقيمةً وثمراتِه مُرّةً.
— 209 —
أما جملةُ
ينقضون عهد اللّلناس -لأن النقض لغةً تفريق خيوط الحبل وتمزيقُها- إشارةٌ إلى أسلوب عال، كأن عهده تعالى حبل نوراني فُتِلَ بالحكمة والعناية والمشيئة فامتد من الأزل إلى أن اتصل بالأبد، فتجلّى في الكائهذه إلورة النظام العمومي، وأَرسلتْ تلك السلسلةُ سلاسلَها إلى الأنواع وامتدّ أَعْجُبُها [٭]: أعجُبها: جمع عَجْب، والعَجْبُ بالفتح: أصل الذَنَبِ. (الصحاح في اللغة). إلى نوع البشر فأورثَت وأثمَرت في روح البشر بذورَ استعداداتٍ وقابلياتٍ تُسقَعرب).اهر بالجزء الاختياريّ المعدَّل بالأمر التشريعيّ، أي الدلائل النقلية. فوفاءُ العهد: صرف الاستعدادات فيما وُضعَت له؛ ونقضُ العهد خلافُه وتفريقُه، كالإيمان ببعض الأنبياء وتكذيب بق لتشكبولِ بعض الأحكام وردِّ بعض، واستحسانِ بعض الآيات واستنكار بعض. فإنه يخل بالنظام والنظم والانتظام.
وأما جملة:
ويقطعون ما أمر اللّٰه به أن يوصل
: فاعلم أن ، ومن أمر عام للأمر التشريعيِّ والأمر التكوينيِّ المندمج في القوانين الفطرية والعادات الإلهية. فالقطعُ لِما أُمر بوصله شرعًا كقطع صلة الرحم، وقطع قلوب المؤمنين بعضٍ عن بعض. وعلى هذا القياس. وتكوينًا كقطع العمل عن العلمة مخاطِ العلم عن الذكاء، وقطع الذكاء عن الاستعداد، وقطعِ معرفة اللّٰه عن العقل، وقطعِ السعي عن القوة، وقطعِ الجهاد عن الجسارة وهكذا.. إذ إعطاءُ القوةِ أمرٌ معنوي تكويني بالسعي، وإعطاءُ الذكاء أمر معنويّ بالعلم.. إلى آخره.
وأما جملة:
ويفسدون فيلمٌ لا
: فاعلم أن من فسدَ وتورّط في الوحَل يطلب أن يكون له رفقاءُ متورطون ليتخفف عنه دهشةُ الحال بسرِ "إذا عمّت البلية طابت"، وكذا إذا وقع في قلب أحدٍ اختلالٌ، يتخرّب في قلبه الكمالاتُ وتتساقط الحسياتُ العالية، فيتولد فيه ميلُ التخريب فينتج تعامي في التخريب فيتحرى لذتَه في الإفساد والاختلال.
- فإن قلت: كيف يؤثر إفسادُ فاسق في عموم الأرض المشار إليه بلفظ "في الأرض"؟
قيل لك: الذي فيه نظام ففيه موازنة، حتى إن النظام مبنيٌ على الموازنة، فتداخل شيء حقير بين دواليب ماكينة البشر به، وإن لم يُحَس. والميزان الذي في كفتيه جبلان يتأثر بوضع جوزة على كفة.
— 210 —
وأما جملة:
أولئك هم الخاسرون:
فاعلم أن حق العبارة "هم خاسرون في عدم الهداية به" فلفظ أولئك ولفظ هم والتعريفُ والإطلاقُ لنكتصُل شيما أولئك فلأن وضعَه لإِحضار محسوسٍ، فالإِحضار المستفاد منه إشارة إلى أن السامع إذا سمع حالَهم الخبيثة، من شأنه أن يحصل له حدّةٌ عليهم ونفرةٌ منهم. فلتطمين نفرته وتشفّي حدّتِه يطلب ، محركتحضَروا إلى خياله ليشاهدهم وقت اتصافهم بالعاقبة الوخيمة.. والمحسوسيةُ إشارة إلى أن أوصافَهم الرذيلة تكثّرت بدرجة تُجسّمُهم محسوسين نصبَ ثالثنفرة. فمن الإِشارة إيماء إلى علة الحكم بالخسارة.. والبُعدية إشارة إلى أنهم قد بعدوا عن طريق الحق بدرجة لا يرجعون، فيستحقون الذم والتشنيع بخلاف من كان في معرض النين منومسافة الرجوع.
و هم إشارة إلى أن الخسارة منحصرةٌ عليهم حتى إن خسارات المؤمنين لبعض اللذائذ الدنيوية ليست خسارة. وكذا خسارات أهل الدنيا في تجاراتهم ليست خسارة بالنسبة إلى خساراتهم.
و"الألف واللام" إشارةهذَا كصوير الحقيقة أي مَن أراد أن يرى حقيقة الخاسرين فلينظر إليهم.. وكذا إيماء إلى أن مسلكَهم محضُ خسارة لا كالخسارات الأُخر التي فيها وجوهٌ من النفع لكن الضرَّ أكثر. فالتعريف إما للكمال أو للبداهة من الوير الحقيقة.
وإطلاق الخسارة إشارة -بإعانة المقام الخطابيّ- إلى عموم أنواع الخسارات، أي خسروا في وفاء العهد بالنقض، وفي صلة الرحم بالقطيعة، وفي الإصلاح بالإفساد، وفي الإيمان بالكفر، وبالشقاواب حكما السعادة الأبدية.
* * *
— 211 —
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّٰه وَكُنْتُمْ اَمْوَاتًا فَاَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨
اعلم أى مع ع الآية أيضًا الوجوهَ الثلاثة النظمية:
أما نظمُ مآلها بسابقها، فاعلم أن اللّٰه تعالى لما دعا الناس إلى عبادته والاعتقادِ به، وذكر أصولَ العقائد والأحكام مشيرًا إلى دلائلها إجهي شرٌ عاد في هذه الآية مع لواحقها الثلاث إلى سرد الدلائل عليها بتعداد النِعم المتضمنة للدلائل.
ثم إنَّ أعظمَ النِعم "الحياة" المشار إليها بهذه الآية، ثم "البقاءُ" أي كران عاحياة بتنظيم السماوات والأرض المشار إليه بالآية الثانية، ثم تفضيلُ البشر وتكريمُه على الكائنات بالآية الثالثة، ثم تعليمُه العلم بالرابعة.. فهذه النعمفي كل إلى "صورة النعمة" دليل العناية والغاية، وكذا دليل العبادة؛ إذ شُكر المُنعِم واجبٌ وكفران النعم حرام في العقول. ونظرًا إلى "الحقيقة" دليل اختراعيّ على وجود المبدأ والمعاد.. وكذا إن هذه الآية كما تنظر إلى سابقتها كذلك :
يا لى الأسبق من بحث الكافرين والمنافقين فأشار بهذا الاستفهام الإنكاريّ التعجبيّ إلى تقريعهم وتشنيعهم وتهديدهم وترهيبهم.
وأما نظم الجمل، فاعلم أن هنا التفاتا من الغَيبة إلى الخطاب؛ إذ حكى عنهم أوّلا ثم خاطبَهم، لنكتة معلولاتحادالبلاغة وهي أنه إذا ذُكر مساوئ شخص شيئا فشيئا تزيد الحدّة عليه، إلى أن يلجئ المتكلم -لو كان إنسانا- إلى المشافهة والمخاطبة معه.. وكذا إذا ذكرت محاسن أحدٍ درجةً درجةً يتقوى ميلُ المكالمة معه إلى أن يُلجئ المتكلمِ الشولتوجه إليه والخطابِ معه. فلنیزول القرآن على أسلوب العرب التفَتَ فقال: كيف تكفرون مخاطِبًا لهم.
ثم اعلم أنه لما كان المقصد هنا سردَ البراهين على الأصول السابقة من الإيمان والعبادة، وردِّ الكفرتجاذبن كفران النعمة، ثم إن أوضحَ الدلائل هو الدليل المستفاد من سلسلة أحوال البشر، وإن أكمل النِعم هي النعمُ المتدلّية في أنابيب تلك السلسلة والمندمجة في عقدهاك أن ا:
— 212 —
وَكُنْتُمْ اَمْوَاتًا فَاَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
إشارةً إلى تلك السلسلة العجيبة المترتبة ذات العُقد الخمس التي تدلّت من أنابيبها عناقيد النِّعم. فلنمه "إن ه مسائل لحلّ تلك العُقد:
المسألة الأولى:في
وكنتم أمواتا
اعلم أن الإنسان باعتبار جسده بينما كان ذرّاتٍ جامدةً منتشرةً في العالم، إذ تراها دخلت]: هو ن مخصوص ونظام معيّن تحت انتظام.. ثم بينما تراها متسترة ساكتة في عالم العناصر، إذ تراها انتقلت متسلّلة بدستور معيّن وانتظام يومئ إلى قصد وحكمة إلى عالم المواليد.. [٭]: عالم المعادن والنباتات والحيوانات. ثم بينما امُ المتفرقةً ساكنة في ذلك العالم، إذ تراها تحزّبت بطرز عجيب وصارت نطفةً.. ثم بانقلابات متسلسلة علقةً.. فمضغةً.. فلحمًا وعظامًا وهلمَّ جرّا.. فكلٌّ من هذه الأطوار وإن كان مكمَّلًا بالنسبة إلى سابقه إلَّا أنه ميّاء في ت. [٭]: بالنسبة إلى لاحقه.
- فإن قلت: الموت عدمُ الحياة وزوالُها ولا حياة فيها حتى تزول؟
قيل لك: اختار المجاز لإعداد الذهن لقبول العقدة الثالثة و الصانة.
المسألة الثانية:في فأحياكم
اعلم أن أعجبَ معجزات القدرة وأدقَّها الحياةُ.. وكذا هي أعظمُ كلِّ النعم وأظهر كل البراهين على المبدأ والمعاد.
ن مديدجه أدقّيتها وغموضها فهو أن أدنى أنواع الحياة حياةُ النبات، وأن أوّل درجاتها تنبّهُ العقدة الحياتية في الحبَّة. وهذا التنبّه -مع شدة ظهوره وعمومه والألفة به من زمان آدم إلى الآن- قد بقي مستورًا عن نظر حكمة قبل أ
وأما وجه كونها أعظم النعم، فهو أن الجسم الذي لا حياة فيه ليس له مناسبةٌ إلّا مع مكانه المشخص وما به يختلط، فيكون يتيمًا منفردًا ولو كان جبلًا. لكن إذا رأيت جسما ولو صغيرا كالنحل مثعللًا. فيه الحياةُ، حصل له دفعةً مناسباتٌ مع عموم الكائنات وتجارةٌ مع الأنواع، حتى يحقُّ له أن يقول: "مكاني الكائناتُ وهي كمِلكي". إذ إذا انتقل إلى اًا من #213
الحيوانية تراه يجول بحواسه ويتصرّف بها في أطراف الكائنات، فيحصل بينَه وبين أنواعها اختصاصٌ ومبادلة ومحبة.. ولاسيما إذا ترفّع إلى طبقة الإنسانيلسلسلة بنور العقل يجول في عوالم. فكما يتصرّف في العالم الجسماني يجول في العالم الروحاني، ويطوف في العالم المثالي. وكما يسافر هو إلى تلك العوالم؛ كذلك تسافر هي إليه بالتمثل في مرآة روحه، حتى يستحق أن يقول: "إنّحدّس ملم مخلوقٌ لأجلي بفضل اللّٰه تعالى".. فتتنوع حياتُه وتنبسط إلى الحياة المادية والمعنوية والجسمانية والروحانية التي يشتمل كلٌّ منها على طبقات.م ذلك أن يقال: كما أن الضياء سببٌ لظهور الألوان والأجسام؛ كذا إن الحياة كشافةٌ لكافة الموجودات وسببٌ لظهورها، وإن الحياة هي التي تُصيِّر ذرّةً كعالم. وإن الحياة هي الوسيلة لإِحسان مجموع العالم لذي حياة برأسه مع علمعرفةزاحمة والانقسام إلّا في أقل قليل بين البشر.
وأما وجه كونها أظهر الدلائل على الصانع وكذا على الحشر، فاعلم أن انتقال بعضِ ذراتٍ جامدةٍ وانقلابَها دفعةً إلى هيئةٍ ووضعيةٍ تُخالِفُ الوضعية الأولى -بلا توسط سبب معقول- برهان أيُّ برهان. حتى كن يلزياة لكونها أشرفَ الحقائق وأنزهَها، لا خسّةَ فيها بوجهٍ ولا رَيْن عليها، لا في جهة المُلك ولا في جهة الملكوت، فكلا وجهَيها لطيفان، حتى إن حياة أخسِّ حيوانٍ جزئيّ أيضًا عاليةٌ. لآية االسر لم يتوسط بينها وبين يد القدرة سببٌ ظاهريّ؛ إذ مباشرتُها لا تنافي عزةَ القدرة، مع أن وضعَ الأسباب الظاهرية -كما مرَّ- لِمحافظة عزة القدرة في مباشرة الأمور الخسيسة في ظاهر النظر.
وأما وجه كونها أظهرَ الدلائل على المبدأ والمعاد فقد سمعتءٍ أظَا، فلنلخص لك وهو: أن مَنْ نظر في هذه الحياة وتدرّج بنظره إلى الأطوار المترتبة إلى أبسط صوَر الجسم يرى أجزاءً منتثرة في عالم الذرات. ثم يبصرها قد تلبّس في عالم العناصر صورًا أُخرى. ثم يصايار قاي عالم المواليد في وضعية أخرى.. ثم يلاقيها في نطفة ثم في علَقة ثم في مضغة. ثم يراها -دفعةً، بانقلاب عجيب- قد لَبست صورةً، ويرى في هذه الانقلابات حركاتٍ منتظمة على دساتير معينة يتراءى منها: أن كل ذرة كانت معيّنة في أول الأطرمز إلنها موظفة للذهاب إلى الموضع المناسب من جسد الحي، فيتفطن الذهن أنها بقصدٍ تُساقُ، وبحكمة تُرسَلُ، وكانت الحياة الثانية في نظره أهونَ وأسهل وأمكَن بدرجاتٍ، فيقنَع بها قلبُه بالطريق الأَوما يترذه الجملة كالدليل للاحقتها، والكلُّ معًا برهانٌ على الإنكار المستفاد من كيف
— 214 —
المسألة الثالثة:
ثم يميتكم
اعلم أن آيةَ خلق الموت والحياة (الملك:٢) تدل على أن ا النمليس إعدامًا وعدمًا صِرفًا، بل تصرُّفٌ، وتبديلُ موضعٍ، وإطلاقٌ للروح من المحبس. [٭]: المكتوب الأول يوضح هذا الأمر توضيحا كافيا. وكذا إنّ ما وجد في نوع البشر إلى الآن من أسنة ١٤ غير معدودة، ونَجَمَ مِن إشارات غير محدودة، ألقت إلى الأذهان قناعةً وحدسًا بأن الإنسان بعد الموت يبقى بجهةٍ، وأن الباقيَ منه هو الروح. فوجودُ هذه الخاصة الذاتية في فردٍ يكون دليلًا على وجودها في تمام النوع للذاتية قيل لهنا تكون الموجبةُ الشخصية مستلزمةً للموجبة الكلية، فحينئذ يكون الموت معجزةَ القدرة كالحياة، لا أنه عدمٌ علتُه عَدَمُ شرائط الحياة.
- فإن قلت: كيف يكون الموت نعمةً حتى
— 216 —
اعلم أن الخالق -جلّت قدرتُه- مزج الأضدادَ في عالم الكون والفساد لِ القاتدقيقة، ووضعَ أسبابًا ظاهرية ووسائط، إظهارا لعزته، فترتبت سلسلةُ العِلل والمعلولات. ثم لمّا تصفّت الكائنات وتميّزت وتحزّبت في الحشر، ارتفعت الأسبابُ وأُسقطت الوسا. ثم إرتفع الحجابُ وكُشف الغطاء، فيرى كلُّ شيء صانعَه ويعرف مالكه الحقيقي.
تذييللخلاصة نظم الجمل:
اعلم أنه تعالى لمّا أنكر كفرَهم الواقع بطريق الاستفهام الاستخباريِ الفككيف ودعا الناس إلى التعجب منه؛ برهن عليه بما بعد الواو الحالية؛ أي بإراءة أربعة انقلابات عظيمة كلُّها، وكلّ منها شاهد على وجوب الإيمان. ثم إن كل انقلاب منها مشتمل على أطوار ومراتب، ومقدمة ومُعِدّة للانقلاب الذي يمع كلامن الطور الأول من الانقلاب الأول إلى الطور الآخر من الانقلاب الآخر يتجدد أصلُ جسد الحي دائما، فيُلقِي قشرًا ويَلبس الأكملَ، ثم يخلعه ويلبس صورة أعلى، ثم يلقيها أيضًا فيلبس صورة أحسن، وهلم جرا.من الم دائمًا في استبدالِ صورةٍ بأخرى كاملةٍ إلى أن يصل إلى أعلى الأعالي فيستقرَّ بتقرر السعادة الأبدية، وكلُّها بنظام معيّن وقانون منتظم. فأشار إلى أول الانقلابات بقوله: وكنتم أمواتا وهذا مشتمل على أطوار،ٍ آخرُ الأطوار ينتج عُلويافأحياكم الدالِ على الانقلاب الثاني الذي هو أعجب حقائق العالم المشتمل على أطوارٍ آخرُها تنتهي بانقلابِ ثم يميتكم المشتملِ أيضا على أطواره البرزخية التي تتم بانقلابِ ثم يحييكم المشتملِ على أطورق. وأقبرية ثم الحشرية المختومة بقوله: ثم إليه ترجعون. فمَن أمعن في هذه الانقلابات كيف يتجاسر على الإنكار؟
ولنشرع في نظم هيئاتِ جملةٍ جملةٍ:
أما الجمدُونَ ولى أعني:
كيف تكفرون باللّٰه وكنتم أمواتا
فالاستفهام فيها لتوجيه ذهنهم إلى قباحتهم ليروا بأنفسهم فينصفوا فيقرّوا.
و كيف إشارة إلى الاستدلال على عدم الكفر [٭]: أي بطلانه بإنكار الحال. منلم بما المصدر إلى الفاعل. والباء متعلق بالاستدلال.علما بأن "كيف" للسؤال عن الحال. بإنكار الحال اللازم.
والخطاب في تكفرون إيماءٌ كما مرّ إلى شدة الغضب. ولم يقل "لا تؤمنون"
— 217 —
إشارةً إلى شدّة تمردهم؛ إذ يتركون الإيمان الذي عليه الدلاترويجَبلون الكفر الذي على بطلانه البراهينُ.
وواو الحالية في وكنتم تشير إلى مقدّر، إذ الجملتان ماضيتان والأُخريان مستقبلتان كلاهما لا يوافق قاعدة مقارنة الحال لعامل ذي الحال، فإذَن التقدي أن معلحال أنكم تعلمون". [٭]: إنكم تعلمون أنكم كنتم أمواتا. (ش).
- فإن قلت: إنهم وإن علموا بالموت والحياةِ الأُولى لكنهم لا يعلمون أنهما من اللّٰه، وكذلك لا يقرّون بالحياة الثانية ولا يصدّقون بالرجوع إليه تعالى؟واها- ل لك: من البلاغة تنیزيل الجاهل منیزلة العالم عند ظهور دلائل إزالة الجهل، فلما كان التفكرُ في أطوار الموت الأول والحياة الأُولى ملجِئا إلى الإقرار بالصانع وكان العلمُ بها مقنعًا للذى وتتزوع الحياة الثانية.. كانوا كأنهم عالمون بهذه السلسلة.
والخطاب في وكنتم إشارة إلى أن لهم في عالم الذرات أيضا وجودا وتعينا، لا أن الذرات كيفما اتفقت صارت أجسادَهم المعينة بالتصادف.
وإيثار أمواتًا على "جماد" [٭]: على جمادات. (التفاخو "ذرات" إيماءٌ إلى مآلِ: لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (الإنسان:١).
وأما جملة:
فأحياكم
- فإن قلت: الفاء للتعقيب والاتصال مع تخلل تلك الأطجذبَ اوسّط مسافة طويلة إلى الحياة؟
قيل لك: الفاء للإشارة إلى منشأ دليل الصانع، وهو أن انقلابها من الجمادية إلى الحيوانية دفعةً من غير توسطِ سببٍ معقولٍ، يُلجئ الذهن إلات لتررار بالصانع. وكذا إن الأطوار في حالة الموات ناقصة غير ثابتة شأنها التعقيب.
— 218 —
وإيثار أَحْيَاكُمْ على "صرتم أحياء" للتصريح، أي صها وشاياء ولا يمكن ذلك بغير قدرة الصانع. فأنتج: إن اللّٰه تعالى هو الذي أحيا.
وأما جملةُ ثم يميتكم بدلَ "تموتون"، فإشارة كما مرَّ إلى أن الموت تصرف عظيم للقدرة نواع ا القَدَر؛ ألا ترى أن من استوفى عمرَه الطبيعيّ ثم انتهى إلى الأجل أقلُّ قليل، فيتيقظ الذهنُ إلى أن الموت ليس نتيجة طبيعية. فالموت انحلال الجسد لا فناءُ الرومعروفةطلاقه.
وأما جملة ثم يحييكم فی ثم إشارة إلى توسط عالم البرزخ ذي العجائب. وأما جملة ثم إليه ترجعون فی ثم إشارة إلى توسط الغطاء العظيم. و ترجعون إشارة إلى كشف الغطاء وطردِ الأسباب وإسقاطِ الوسائط.
- فإن قلت: الرجوع إئة ذمّّٰه تعالى يقتضي أن يكون المجيء منه أوّلًا، ومن هنا توهّمَ بعضٌ الاتصالَ واشتبه بعضُ أهل التصوف.
قيل لك: إن في الدنيا وجودا وبقاءً وكذا في الآخرة وجودٌ وبقاء. فالوجود في الدنيا يصدر من يد القدرة بلا واسطة، وأما البقاء المحفوف بالتحليل والت جمعِ والتصرفِ والتحول في عالم الكون والفساد فيتداخل بينه العِلل وتتوسط الأسباب للحكمة المذكورة سابقًا. وأما في الآخرة فالوجود وكذا البقاءُ بلوازمه وتركيباته يظهر بالذات من يد القدرة ويَعرف كلُّ شيء مالكَه الحقيقي. فإذا تأملت فيالرابعلمت معنى الرجوع.
* * *
— 219 —
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى اِلَى السَّماءِ فَسَوّيییهُنَّ سَبْعَ سَموَاتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢٩
اعلم أن لهالمديدية أيضًا الوجوه الثلاثة النظمية؛
أما نظم المجموع بالسابق فهو أن في الآية الأولى إنكارَ الكفر والكفرانِ بالدلائل الأنفسية، وهي أطوار البشر، وفي هذه الآية إشارة إلى الدلائل الآفاقية.. وكذا في الأولى إشارة إلى نعمة الوجود والحياة، وفي ذ النوآية إلى نعمة البقاء.. وكذا في تلك دليل على الصانع ومقدمة للحشر، وفي هذه إشارة إلى تحقيق المعاد وإزالة الشبه. كأنهم يقولون: أين للإنسان هذه القيمة؟ وكيف له تلك الأهمية؟ وما موقعه عند اللّٰ الإخليقيم القيامة لأجله؟ فقال القرآن بإشارات هذه الآية: إن للإنسان قيمة عالية، بدليل أن السماوات والأرض مسخّرة لاستفادته، وكذا إن له أهمية عظيمة بدليل أن اللّٰه لم يخلق الإنسان للخلق، بل خلق الخلق له، وإن له عند خالقه لَموقأما اليل أن اللّٰه تعالى لم يوجد العالم لذاته، بل أوجده للبشر وأوجد البشر لعبادته. فأنتج أن الإنسان مستثنًى وممتازٌ لا كالحيوانات، فيليق أن يكون مَظهرًا لجوهرةِ ثم إليه ترجعون
وأما نظم جملةٍ جملةٍ،
فاعلم أن لفظَ جميعًا في الجملة الأولى، ووا بإنثم في الثانية، ولفظَ سبع في الثالثة تقتضي تحقيقًا. فلنتكلم عليها في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى
إن قلت: إن هذه الآية تدل على أن جميع ما في الأرض لاستفادة البشر فكيف يُتصور استفادة "زيد" مثلا من كل جزء من أجزاء الأرضويل وايب وعلي" [٭]: هما من طلبة الأستاذ المؤلف في مدرسة خورخور كيف يستفيدان من حجر في قعر جبل في وسط جزيرة في البحر المحيط الكبير؟ وكيف يكون مالُ "زيد" لاستفادة
— 220 —
"عمرو"؟ مع أن الآية بإشارات أخواتها تشير أن لكل فردٍ الجميعَ لا التوزيع. وكذا كيفلمقام الشمس والقمر وغيرهما مع تلك العظمة لی"زيد وعمرو" والعلة الغائية فيها الفائدة الجزئية لهما؟ وكيف تكون المضرات لاستفادة البشر مع أنه لا مجازفة في القرآن ولا تليق المبالغة ببلاغته الحقيقية؟
قيل لك: تأمل في ست يتشخصيتطايرْ عنك الأوهام:
الأولى:أن خاصية الحياة كما مرَّ تصيّر الجزءَ كلًا والجزئي كليًا والمنفردَ جماعة والمقيّدَ مطلقًا والفردَ عالَمًا، فيصير الأنواع كقوم ذي الحياة والدنيا بيته، ويكون له مناسبة مع كل شيء.
والثانية:أن في العالم -كلرعد وت- نظاما ثابتا، واتساقا مُحكَما، ودساتير عالية، وقوانين أساسية مستمرة، فيكون العالَم كساعة أو ماكينة منتظمة. فكما أن كل دولاب منها بل كلَّ سنٍّ من كل دولاب بل كل جزء من كل سنٍّ له دخلٌ -ولو جزئيًا- في نظام الماكلبشر..كذا له تأثير في فائدة الماكينة ونتيجتِها بواسطة نظامها؛ كذلك لوجوده دَخلٌ في فائدة أهل الحياة الذين سيّدُهم ورئيسُهم البشرُ.
والثالثة:أنه -كما قرع سمعَك فيما مضى- لا مزاحمةَ في وجه: ليسستفادة، فكما أن الشمس بتمامها لیزيد وأن ضياءها روضةٌ وميدان لنظره؛ كذلك بتمامها مُلك لیعمرو وجنة له. فیزيد مثلًا لو كان في العالَم وحده كيف تكون استفادته؛ كذلك إذا كان مع كل الن لها. ينقُص منها شيء إلَّا فيما يعود إلى الغارَيْن. [٭]: الغاران: فمُ الإنسان وفرجُه، وقيل: هما البطن والفرج؛ ومنه قيل: المرء يسعى لِغارَيْه؛ وقال: أَلم تر أنَّ الدهْرَ يومٌ وليلة، وأنَّ الفتَى يَسْعَىْ لِغارَيْه دائبا؟ (لسان الإشارة
والرابعة:أن الكائنات ليس لها وجه رقيق فقط، بل فيها وجوه عمومية مختلفة، طَبَقًا على طبق. ولفوائدها جهات كثيرة عمومية متداخلة، وطرق الاستفادة متعددة متنوعة؛ مثلًا: إذا كان لك روضة، تستفيد منها بجهة ويستفيد الناس ى خرطوخرى، كالاستلذاذ بالقوة الباصرة. ولا جرم أن استفادة الإنسان تحصل بحواسه الخمس الظاهرة وبحواسه الباطنة وبجسمه وبروحه وكذا بعقله وقلبه وكذا في دنياه وفي آخرتهالبشر من جهة العِبرة وقس عليها.. فلا مانع من استفادته بوجه من هذه الوجوه من كل ما في الأرض بل العالم.
— 221 —
والخامسة:أنه:
إن قلت: هذه الآيات مختصار أُخر تشير إلى أن هذه الدنيا العظيمة مخلوقة لأجل البشر وجُعل استفادته علّة غائية لها. والحال أن زُحلَ الأكبرَ من الأرض ليست فائدتها بالنسبة إلى البشر إلّا نوعَ زينة وضياء ضعيف فكيف يكون علة غائية؟
قيل لك: إن المستفيد يفنى في جهة استلها: سوينحصر ذهنُه في طريقها وينسى ما عداها وينظر إلى كل شيء لنفسه ويحصر العلة الغائية على ما يتعلق به. فإذن لا مجازفة في الكلام الموجَّه إلى ذلك الشخص في مقام الامتنان بأن يقال: إن زَحَل -الذي أبدعه خالك المسلوفِ حِكَمٍ، وفي كل حكمة ألوفُ جهاتٍ، وفي كل جهة ألوفُ مستفيدٍ- العلةُ الغائية في إبداعه جهة استفادة ذلك الشخص.
والسادسة:-وقد نبهتُ عليه- أن الإنسان وإن كان صغيرًا فهو كبير، فنفعُه الجزئيّ كليّ، فلا عبثية.
المن اللّلثانيةفي ثم
اعلم أن هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل السماء، وأن آيةَ
والأرضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحيییهَا
(النازعات:٣٠) تدل على أن خلق السماء قبل الأرض، وأن آية:
كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْناه وتغي(الأنبياء:٣٠) تدل على أنهما خُلقتا معا وانشقتا من مادة.
واعلم ثانيا: أن نقليات الشرع تدل على أن اللّٰه تعالى خَلَق أوّلًا جوهرةً -أي مادة- ثم تجلى عليها فجعل قسما منها بخارا وقسما مائعا. ثم تكاثف المائع بتجلِّيه فأزالكتابم خَلق الأرضَ أو سبع كُرات من الأرضين من ذلك الزبد، فحصل لكل أرض منها سماء من الهواء النسيميّ. ثم بسَط المادة البخارية فسوّى منها سماوات زَرَع فيها النجومَ فانعقدت الذة فأت مشتملة على نويات النجوم. وإن فَرَضيات الحكمة الجديدة ونظرياتها تحكم بأن المنظومة الشمسية أي مع سمائها التي تسْبَح فيها كانت جوهرا بسيطا ثم انقلب إلى نوعِ بخابالفعلتحصّل من البخار مائعٌ ناريّ، ثم تصلّب -بالتبرد- منه قسمٌ، ثم ترامى ذلك المائع الناري بالتحرك شراراتٍ وقطعاتٍ انفصلت فتكاثفت فصارت سيّاراتٍ، منها أرضنا هذه.
— 222 —
فإذا سمعت هذا يجوز لك التطبيق بين هذين المسلكين، لأنه يمكن أن تكون آيةُ كَانقوا الَتْقًا فَفَتَقْناهُمَا إشارةً إلى أن الأرض مع المنظومة الشمسية كانت كعجين عَجَنَتْه يدُ القدرة من جوهر بسيط أعني "مادّة الأثِير" التي هي كالماء السيّال بالنسبة إلى الموجودات فتنفذ جاريةً بينها. وآية وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (هود:٧) إشاع الصغ هذه المادة التي هي كالماء. و"الأثير" بعد خلقه، هو المركز لأوّل تجلِّي الصانع بالإيجاد، أي فخَلق "الأثيرَ"، ثم صيّره جواهرَ فردةً، ثم جعل البعض كثيفًا، ثم خلق من الكثيف سبع كرات مسكونة، منها أرضنا. ثم إن الأرض بالنظرُ مَا ثافتها وتصلبها قبل الكل، وتعجيلها في لبس القشر وصيرورتِها من زمان مديدٍ مَنشأَ الحياة مع بقاء كثير من الأجرام السماوية إلى الآن مائعةً نارية.. تكون خلقتُها وتشكلُها من هذه الجهة قبل خلق السوأن لا ولما كان تكمُّلُ منافعِها ودَحْوُها (أي بسطها وتمهيدها لتعيّش نوع البشر) بعد تسوية السماوات وتنظيمها تكون السماوات أسبقَ من هذه الجهة مع الاجتماع في المبدأ. فالآيات الثلاث تنظر إلى النقاط الثلاث.
الجواب الثاني:إن المقنورانيالقرآن ليس درس تاريخ الخِلقة، بل نزل لتدريس معرفة الصانع. ففيه مقامان؛ ففي مقام بيان النعمة واللطف والمرحمة وظهورِ الدليل تكون الأرض أقدمَ، وفي مقام دلائل العظمة والعزة والقدرة تكون خرافاتات أسبق.. ثم إن ثم كما تكون للتراخي الذاتيّ تجيء للتراخي الرُّتْبي، فی ثم استوى أي ثم اعلموا وتفكروا أنه استوى. [٭]: أي للتراخي التفكري. بمعنى أن خلق السماوات مع أنه أسبق إلّا أن اللغور فيه يأتى بالمرتبة الثانية. ومع أن خلق الأرض بعد السماوات إلّا أن التفكر فيه أسبق، أي يلزم التفكر في خلق الأرض قبل السماوات. (ت: ٢١٦).
المسألة ه أشعةةفي سبع
اعلم أن الحكمة العتيقة قائلةٌ بأن السماوات تسعة، وتصوَّرَها أهلُها بصورة عجيبة، واستولى فكرُهم على نوع البشر في أعصار، حتى اضطر كثير من المفسرين إلى إمالة ظواهرقدْرِ ت إلى مذهبهم. وأما الحكمة الجديدة فقائلة بأن النجوم معلَّقة في الفضاء والخلو، كأنها منكِرة لوجود السماء. فكما أفرطت إحداهما فرّطت الأخرى. وأما الشّريعة فحاكمةٌ بأن
— 223 —
الصانع جلّ جلاله خلق سبع سماوات وخبيثُ،نجوم فيها كالسِّماك تسبح. والحديث يدل على أن "السماء موج مكفوف". [٭]: جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/٣٧٠) والترمذي برقم (٣٢٩٨) وفي تحفة الأحوذي برقم (٣٣٥٢) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وعزاه صاحب التحف
ثم اد وابن أبي حاتم والبزار وفي مجمع الزوائد (٨/١٣٢): جزء من حديث رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو جعفر الرازي، وثّقه أبو حاتم وغيره وضعّفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وانظر فيه كذلك (٧/١٢١) وتفسير ابن كثير -الح صادقي وتحقيق هذا المذهب الحق في ست مقدمات.
الأولى:إنه قد ثبت فنًّا وحكمةً أن الفضاء الوسيع مملوء من الأثير.
والثانية:إن رابطة قوانين الأجرام العلوية وناشر قوى أمثال اه، فإذوالحرارة وناقلها مادة موجودة في الفضاء مالئة له.
والثالثة:إنَّ مادة الأثير-مع بقائها أثيرًا- لها كسائر المواد تشكلات مختلفة، وتنوعات متغايرة كتشكل البخار واوا أَنالجَمَد.
والرابعة:إنه لو أُمعن النظر في الأجرام العلوية يُرى في طبقاتها تخالُف. ألا ترى أن نهر السماء المسمى بی"كَهْكَشان" [٭]: درب التبانة. المرئيّ في صورة لطخة سحابية إنما هو ملايينَ نجومٍ أخذت في الانعقاد. فصولة جزاأثير التي تنعقد تلك النجوم فيها تخالف طبقة الثوابت البتة، وهي أيضًا تخالف طبقات المنظومة الشمسية بالحدس الصادق... وهكذا إلى سبع منظومات.
والخامسة:إنه قد ثبت حدسًا واستقراءً أنه إذا وقع التشكيل والتنظيم والتسوية في مادقلصت كلد منها طبقات مختلفة كالمعدن يتولد منه الرماد والفحم والألماس.. وكالنار تتميز جمرًا ولهبًا ودخانًا، وكمزج مولّد الماء مع مولّد الحموضة [٭]: الهيدروجين والأوكسجين. يتشكل منه ماء وجمد وبخار.
والسادسة:إن هذه الأم المسدل على تعدد السماوات. والشارع الصادق قال هي سبعة، فهي سبعة على أن السبع والسبعين والسبعمائة في أساليب العرب لمعنى الكثرة.
والحاصل:إن الصانع جل جلالء أداءمن "مادة الأثير" سبع سماوات فسوّاها ونظّمها بنظام عجيب دقيق وزرع فيها النجوم وخالف بين طبقاتها.
— 224 —
)/Uم أنك إذا تفكرت في وُسْعة خطابات القرآن ومعانيه ومراعاته لأفهام عامة الطبقات من أدنى العوام إلى أخص الخواص، ترى أمرًا عجيبًا.رزت بج: من الناس مَن يفهم من سبع سموات طبقاتِ الهواء النسيمية.. ومنهم مَن يفهم منه الكرات النسيمية المحيطة بأرضنا هذه وأخواتها ذوات ذوي الحياة.. ومنهم مَن يفهم منه السيّارات السبع المرئية للجمهور.. ومنهم مَن يفهم منه طبقات سبعة أثيرية في المنظوالمعنىمسية.. ومنهم مَن يفهم منه سبع منظومات شموسية أولاها منظومة شمسنا هذه.. ومنهم من يفهم منه انقسام الأثير في التشكل إلى طبقات سبعة كما مر آنفًا.. ومنهم مَن يرى جميع ما يُرى مما زُيّن بمصابيح الشموس والنجوم الثوابت سماء واجيئوا ي السماء الدنيا وفوقها ست سماوات أُخر لا ترى.. ومنهم مَن لا يرى انحصار سبعِ سَمَاوَاتٍ في عالم الشهادة فقط، بل يتصورها في طبقات الخِلقة في العوالم الدنيوية والأُخرلى أبعلغيبية.. فكلٌّ يستفيض بقدر استعداده من فيض القرآن ويأخذ حصته من مائدته فيشتمل على كل هذه المفاهيم.
واعلم أن الجملة الأولى أعني
هو - لم يلق لكم ما في الأرض جميعًا
نظمها بخمسة أوجه:
الأول:أن الآية الأولى إشارة إلى نعمة الحياة والوجود، وهذه تشير إلى نعمة البقاء وأسبابه.
والهذه إلأنه لمّا أثبتت الأولى للبشر أعلى المراتب أعني الرجوع إليه تعالى، تنبه ذهنُ السامع للسؤال بی"أين لهذا الإنسان الذليل استعدادٌ لهذه المرتبة العالية إلّا أن يكون بفضله تعالى وجذبه؟شديد فن هذه الجملة تقول -مجيبةً عن ذلك السؤال-: إن للإنسان عند خالقه الذي سخّر له جميع الدنيا لموقعًا عظيمًا.
والثالث:أنه لما أشارت الأولى إلى وجلبلاء شر والقيامة للبشر، ذهب السامع إلى سؤالِ: ما أهمية البشر حتى تقوم القيامة لأجله ويخرب العالم لسعادته؟ فكأن هذه الجملة تجيبه بی"أن من هُيّئَ جميع ما في الأرض لاستفادته وسُخّر له الأنواع، له أهمية عظيمة تشير إلى أنه هو النتيجة للخلقة".
قر خلفبع:أن الأولى أشارت بی إليه ترجعون إلى رفع الوسائط وانحصار
— 225 —
المرجعية فيه تعالى، والحال أن للبشر في الدنيا مراجعَ كثيرة، فهذه الجملة تقول أيضًا: إن الأسباب والوسائن شأنه عن يد القدرة، وإن المرجع الحقيقي في الدنيا إنما هو اللّٰه تعالى وإنما توسطت الأسبابُ لحِكَم، فإنه تعالى هو الذي خلق للإنسان كل ما يحتاج إليه.
والخامس:أن الأولى لما أشارت إلى السعادة الأبدية، أشارت رأَيَاى سابقةِ فضلٍ يستلزم تلك السعادةَ ذلك الفضلُ. أي من أُحسن إليه جميع ما في الأرض لحقيقٌ بأن يُعطى له السعادة الأبدية.
وجملةُ ثم استوى الى لإنسان نظمُها بأربعة أوجه.
الأول:أن السماء رفيقة الأرض لا يَتصورُ الأرضَ أحدٌ إلّا ويخطر في ذهنه السماء.
والثاني:أن تنظيم السماء هو المكمِّل لوجه استفادة البشر مما في الأرض.على حُلثالث:أن الجملة الأُولى أشارت إلى دلائل الإحسان والفضل، وهذه تشير إلى دلائل العظمة والقدرة.
والرابع:أن هذه الجملة تشير إلى أن فائدة كن كونلا تنحصر على الأرض؛ بل السماء أيضًا مسخرة لاستفادته.
ونظم جملةِ فسوّيهن سبع سموات بثلاثة أوجه:
الأول:أن ربطها بالأُولى كربطِ فيكون مع كن
والثانيختصُّ كربط تعلّق القدرة بتعلق الإرادة.
والثالث:أنه كربط النتيجة بالمقدمة.
ونظم جملة:وهو بكل شيء عليم بوجهين:
أحدهما:أنها دليل لِمّيّ على التنظيم السابق كما أن التنظيم السابق دليل إنّيّ عليها؛ إذ الاتساق و أن الام يدلان على وجود العلم الكامل كما أن العلم يفيد الانتظام.
والآخر:أن الجملة الأولى تدل على القدرة الكاملة وهذه على العلم الشامل.
— 226 —
أما نظم هيئاتِ جملةٍ جملةٍ؛ ففي الجملة الأولى الصَمِيمف، وتعريف الجزئين، وتعريف الخبر، ولامُ لكم ، وتقديم لكم ، ولفظ في ، ولفظ جميعًا
أما الاستيناف فإشارة إلى أسئلة مقدّرة وأجوبة قد نبهتُ عليها في الأوجه الخمسة لنظم الجملة الأولى..
وأما تعريف الجزئين [٭]: "لإسلامبتدأ، و"الذي" مع صلته: خبر. (ت: ٢٢١). فإشارة إلى التوحيد والحصر الذي هو دليل على الحصر في تقديم إليه في ثم إليه ترجعون
وأما تعريف الخبر فإشارة إلى ظهور إغناء. [٭]: حيث إن الأصل في الخبر أن يكون نكرة، إلّا أن مجيئه معرفةً إشارة إلى ظهور الحكم، وهو: أن اللّٰه خالق الأرض بما فيها. وهو أمر معلوم ظاهر. (ت: ٢٢١).
وأما لام الغرورهم لكم فإشارة إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة، وإنما تَعرِضُ الحرمةُ للعصمة؛ كیمالِ الغير. أو للحرمة؛ كلحم الآدميّ. أو للضرر؛ كالسم. أو للاستقذار؛ كبلغم القيقةً؛و للنجاسة؛ كالميتة.. وكذا رمز إلى وجود النفع في كل شيء، وأن للبشر -ولو بجهة من الجهات- استفادةً ولو بنوع من الأنواع ولو في أحقر الأشياء ولا أقل من نظر العبرة، و القرآماء إلى أنه كَم من خزائنَ للرحمة مكنوزةٍ في جوف الأرض تنتظر أبناء المستقبل.
وأما تقديم لكم فإشارة إلى أن جهة استفادة البشر أقدم الغايات وأولاها وأولها.
وأما مَا المفيدة للعموم ف انك الى تحرِّي النفع في كل شيء..
وأما في الأرض بدلَ "على الأرض" مثلًا، فإشارة إلى وجود أكثر المنافع في بطن الأرض، وكذا تشجيع على تحرِّي ما في جوفها.. ويدل تدرج البشر في الاستفادة من معادن الأرجملةٍ:دها على أنه يمكن أن يكون في ضمنها مواد وعناصر تخفِّف عن كاهل أبناء الاستقبال ضغطَ تكاليف الحياة من الغذاء وغيره.
وأما جميعًا فلردّ الأوها٢.
#2بثية بعض الأشياء.
وأما ثم في الجملة الثانية فإشارة إلى سلسلة من أفعاله تعالى وشؤونه بعد خلق الأرض إلى تنظيم السماء.. وكذا رمز إلى تراخي رتبة التنظيم في نفع البشر عن خلقة الأرض.. وكذا إيماء إلى تأخره عنها.
— 227 —
ن الكراستوى ففيه إيجاز، أي أراد أن يسوّي.. وكذا فيه مجاز أي كمن يسدد قصده إلى شيء لا ينثني يمنةً ويسرةً.
و الى السماء أي إلى مادتها وجهتها.سألة اما فاء فسوّيهن فبالنظر إلى جهة التفريع، نظيرَ ترتُّبِ فيكون على كن ، وتعلقِ القدرة على تعلق الإرادة، والقضاءِ على القدر. وأما بالقلمتشابى جهة التعقيب فإيماء إلى تقديرِ: "ونوّعها ونظّمها ودبّر الأمر بينها فسوّيهن" الخ.
وأما "سَوَّى" أي خلقها منتظمة مستوية متساوية في أنْ أعطى كلًّا ما يناسب استعداده ويساوي قابليته. وأما هُنَّ فإيماء إلى تنوع مواد السماوات.
بل قدسبع فيتضمن الكثرة والمناسبة مع الصفات السبع ومع الأدوار السبعة في تشكلات الأرض.
و سموات أي اللاتي هن رياض لأزاهير الدراري وبحار لسِماك السّيارات ومزرعة لحبّات النجوم.
أما جملةُ وهو بكل شيء عليم فواو العطف المقتضجاذب اناسبة إشارة إلى " وهو على كل شيء قدير (هود:٤) فهو الخالق لهذه الأجرام العظيمة، وهو بكل شيء عليم فهو النَظّام المتقن للصنعة فيها".
وباء الإلصاق الألفإلى عدم انفكاك العلم عن المعلوم.
وأما "كل" فهو العام الذي لم يخص منه البعض. وقد خص قاعدة: "وما من عام إلّا وقد خُصَّ منه البعض" [٭]: لتوضيح القاعدة أكثر انظر : التقرير والتحبير ١/ ٤٣٦ ابن أمير حاج. وإلّا لكانت هذه ا في زة بحيث إذا صَدَقت كذّبت نفسها نظيرَ "الجذر الأصم الكلاميّ"
ولفظ شيء يعم الشائيّ والمشيءَ وما ليس بهذا ولا بذاك كالممتنع.
و عليمء بمرآت ثبت له لازمًا منه العلم.
* * *
— 228 —
وَاذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ اِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا اَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّمَأتجعلنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ اِنِّي اَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ ٣٠
مقدمة
اعلم أن التصديق بوجود الملائكة أحد أركان الإيمان. ولنا هنا مقامات. [٭]: الكلمة التاسعة والعشرون فيها تفصيل واف لهذا البحث.
ااء ٭ تالأول
إن من نظر إلى الأرض وقد امتلأت بذوي الأرواح مع حقارتها، وتأمَّلَ في انتظام العالم وإتقانه، تحدّسَ بوجود سكان في هذه البروج العالية؛ فَمَثَلُ مَنْ لم يصدّق بوجوي هذه ائكة كَمَثَل رجل ذهب إلى بلدة عظيمة وصادف دارًا صغيرة عتيقة ملوّثة بالمزخرفات مشحونة بالناس، ورأى عرصاتها مملوءة من ذوي الأرواح ولحياتهم شرائط مخصوصة كالنباتات والسِّماك. ثم رأى أُلوفًاُرسل بقصور العالية الجديدة قد تخلّلت بينها ميادين النیزهة، فيعتقد خلوَّها عن السكان لعدم جريان شرائط حياة هذه الدار في تلك القصور. ومَثَل المعتقِد بوجودهم كَمَثَل مَنْ إذا رأى هذا البيت الصغير وقد امتلأ من ذوي الأرواح،أنه اتانتظام البلدة، جزم بأن لتلك القصور المزيَّنة أيضا سكانا يناسبونها وتوافِقُهم، ولهم شرائط حياة مخصوصة. فعدم مشاهدتهم -لبُعدهم وترفّعهم- لا يدل على عدمهم. فامتلاءُ الأرض من ذوي الحياة ينتج بالطريق الأولَى وبالقياس الأولَويّ المؤسَّسِ على القي وأن وفيّ المبنيِّ على الانتظام المطرد، امتلاءَ هذه الفضاء الوسيعة ببروجها ونجومها وسماواتها من ذوي الأرواح الذين يدعوهم الشرع بالملائكة، المنطويةِ على أجناس مختلفة فتأمل!
المقام الثاني
اعلم -كما مرَّ- أن انت هذههي الكشافة للموجودات بل هي النتيجة لها، فإذن كيف تخلو هذه الفضاء الوسيعة من ساكنيها وتلك السماوات من عامريها؟ ولقد أجمع العقلاء إجماعًا معنويًا -وال التلفوا في طرق التعبير- على وجود معنى الملائكة وحقيقتهم، حتى
— 229 —
إن المشّائيين عبّروا عنهم بالماهيات المجرَّدة الروحانية للأنواع، والإشْراقيين عبّروا عنها بالعقول وأربابِ الأنواع، وأهلَ الأديان بمَلَك الجبال وملَك :الحص وملك الأمطار مثلا. حتى إن الماديين الذين عقولُهم في عيونهم لم يتيسر لهم إنكار معنى الملائكة، بل نظروا إليهم في القوات السارية في نواميس الفطرة.
فإن قلت: أفلا يكفي لارتباط الكائنات وحيوشدُّ عذه النواميسُ وتلك القوانين الجارية في الخلقة؟
- قيل لك: ما تلك النواميس الجارية والقوانين السارية إلا أمور اعتبارية بل وهمية لا يتعين لها وجود ولا والوج لها هُويّة إلا بممثِّلاتها ومَعاكسها، ومَنْ هو آخذ برأس خيوطها وإن هي إلّا الملائكة..
وأيضًا قد اتفق الحكماء والعقلُ والنقل على عدم انحصار الوجود في عالم الشهادة الظاهرِ الجامد الغير المواف محاورل الأرواح. فعالم الغيب المشتمل على عوالمَ -الموافقُ للأرواح كالماء للسِماك- مشحون بها، [٭]: أي بالملائكة. مَظهرٌ لحياة عالم الشهادة.. فإذا شهدتْ لك هذه الأمور الأربعياسي، وجود معنى الملائكة فأحسنُ صوَر وجودهم التي ترضى بها العقولُ السليمة ما هو إلّا ما شرحه الشرع من أنّهم عباد مكرمون لا يخالفون ما يؤمَرون، وكذا أنهم أجسام لطيفة الحجة ة ينقسمون إلى أنواع مختلفة.
المقام الثالث
اعلم أن مسألة الملائكة من المسائل التي يتحقق الكلُّ بثبوت جزء واحد، ويُعلَم النوع برؤية أحد الأشخاص، إذ مَن أنكر أنكر الكلَّ.
ثم كما أنه محال عندك -أيقظك اللّٰه- أحة. بِع أهلُ كلِّ الأديان في كل الأَعصار من آدم إلى الآن على وجود الملائكة وثبوت المحاورة معهم وثبوت مشاهدتهم والرواية عنهم كمباحثة الناس طائفة عن طائفة، بدون رؤية فرد بل أفراد منهم وبدون ضروللحث عد شخص بل أشخاص منهم، وبدون الإحساس بالضرورة بوجودهم؛ كذلك محال أن يقوم وَهْمٌ كذلك في عقائد البشر ويستمر هكذا ويبقى في الانقلابات بدون حقيقة يَتَسَنْبَل عليها وبدون مبادئ ضرورية مولِّدة لذلك الاعتقاد الارة ذ. فإذن ليس سندَ هذا الإجماع إلّا حدسٌ تولَّد من
— 230 —
تفاريق أمارات حصلت من واقعاتِ مشاهدات نشأت من مبادئ ضرورية. وليس سببَ هذا الاعتقاد العمومي إلا مبادئُ ضرورية تولدت من رؤيتهم ومشاهدتهم في كَرّات تفيد قوة التواترم حيث وي. وإلّا رُفعَ الأمن من يقينيات معلومات البشر. فإذا تحقق وجود واحد من الروحانية في زمان مّا، تحقق وجود هذا النوع. وإذا تحقق هذا النوع، كان كما ذكره الشرعُ وبيّنه القرآن.
ثم إن نظم مآل هذه الآية بسابقها من أربعة وجوه:
الأول:أنه لما كا والسع الآيات في تعداد النعم العظام، وأشارت الأولى إلى أعظمها -من كون البشر نتيجة للخلقة وكون جميع ما في الأرض مسخرا له يتصرف فيها على ما يشاء- أشارت هذه إلى أن البشر خليفة الأرض وحاكمها.
والثاني:أي عصر الآية بيان وتفصيل وإيضاح وتحقيق وبرهان وتأكيد لما في الآية الأولى من أن أَزِمّة سلاسلِ ما في الأرض في يد البشر.
والثالث:أن تلك لما بيّنت بناء المسكنَين من الأرض والسماء أشارت تهُ منى ساكنيهما من البشر والملَك، وأنها رمزت إلى سلسلة الخلقة، وأومأت هذه إلى سلسلة ذوي الأرواح.
والرابع:أنها لما صرّحت بأن البشر هو المقصود من الخلقة وأن له عند خالقه لموقعا عظيما، اختلج في ذهن السامع أنه كيف يكون للبشر هذه القيمة مع كثرة شويتسلّفساده؟ وهل تستلزم الحكمة وجودَه للعبادة والتقديس له تعالى؟ فأشارت هذه إلى أن تلك الشرور والمفاسد تُغتَفَر في جنب السرِّ المُودع فيه، وأن اللّٰه غني عن عبادته، إذ له تعالى من الملائكة المسبِّحين والمقدِّسينوي روا يُحصر، بل لحكمة في علم علّام الغيوب.
وأما نظم الجمل بعضها مع بعض فهو: أن الآية تنصبُّ -بناءً على اقتضاءِ إذ رديفا لها، وعطفِه على وهو بكل شيء عليم - إلى تقديرِ [٭]: وذلك لعدم وج التي قة بين الآيتين. (ت:٢٢٨). "إذ خلق ما خلق منتظما متقَنا هكذا واذ قال ربك للملئكة ... الخ".. وأنه تعالى لمّا خاطب مع الملائكة -ليستفسروا سرّ الحكمة ولتعليم طحركتكممشاورة قائلًا:
إني جاعل في الأرض خليفة
- توجَّهَ ذهنُ السامع بسرّ المقاولة إلى "ما قالوا؟"، وبسرّ الاستفسار عن حكمته مع التعجب إلى:
— 231 —
أتجعل فيها ، جسد استخلافهم عن الجن المفسِدين مع توديع القوة الغضبية والشهوية فيهم أيضا إلى من يفسد فيها بتجاوز القوة الثانية: ويسفك الدماء بتجاوز القوة الأولى.. ثم بعد تمام السِداد الاستفسار والتعجب ينتظر ذهنُ السامع لجوابه تعالى. فقال: قال اني اعلم مالا تعلمون أي فالأشياء ليست منحصرةً في معلوماتكم، فعدمُ علمِكم ليس تاريخ على العدم، وإني حكيم، لي فيهم حكمةٌ يُغتَفر في جنبها فسادُهم وسفكُهم.
أما نظم هيئات جملة جملة، فاعلم أن الواو في:
واذ قال ربك للملئكة اني جاعل في الأرض خليفة
وكذا في:
و٤٠؛ ال ربك للملئكة اني خالق بشرًا من صلصال
(الحجر:٢٨) في آية أخرى -بسر المناسبة العطفية- إشارة إلى "إذ، وإذ" كما مرَّ. وكذا -بسر أن الوحي يتضمن "ذَكِّرهم بذلك"- إشالحمدى "واذكر لهم إذ..." الخ.
وأن إذ المفيدَ للزمان الماضي لتسيير الأذهان في الأزمنة المتسلسلة الماضوية ورفْعٍ وجلبٍ وإحضار لها إلى ذلك الزمان تعمير فكأن "إذ" المفيدة للماضي تأخذ بالأذهان إلى الأزمنة المتسلسلة الماضية، أو تأخذ بها وتجلبها وتحضرها إلى هذا الزمان. (ت:٢٢٩). لتنظرَه فتجتنيَ ما وقع فيه.مرور ان ربك إشارة إلى الحجة على الملائكة، أي ربّاك وكمّلك وجعَلك مرشدًا للبشر لإزالة فسادهم أي "أنت الحسنة الكبرى التي ترجّحتْ وغطّتْ على تلك المفاسد".
وأن للملئكة إشارة في هذه المقاولة الكائنة على صورة المشاورة إلى أن لسكان ذين صدات -أعني الملائكة- مزيدَ ارتباط وعلاقة، وزيادةَ مناسبة مع سكان الأرض -أعني البشر-، فإن من أولئك موكلين وحَفَظة وكَتَبَة على هؤلاء، فحقُّهمبلِّغٌمام بشأنهم.
وأن "إنّ" بناء على كونها لردّ التردد المستفاد من أتجعل إشارة إلى عظمة المسألة وأهميتها.
وأن ياء المتكلم وحده هنا مع نَا للمتكلم مع الغير في قلنا في الآيات الآتية إشارة إلى أنْ لا واسطة في إيجاده وخلقه كما توجد في خطابتفاصيلمه. ومما يدل على هذه النكت آيةُ
انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك اللّٰه
(النساء:١٠٥)؛ فقال: انزلنا بنون العظمة لوجود الواسطة ع الصغحي، وقال: أريك اللّٰه مفردا لعدم الواسطة في إلهام المعنى.
— 232 —
وأن إيثار جاعل على "خالق" إشارةٌ إلى أن مدار الشبهة والاستفسار الجعلُ [٭]: أي جعل البشر وتخصيصه لعمارة الأرض. (ت:٢٣٠). والتخصيص لعمارة الأرض لا الخلقُ والإيجاد، لأكانت قود خيرٌ محض والخلق فعلُه الذاتيّ لا يُسأل عنه.. وأن إيثار في في في الأرض على "على" -مع أن البشر على الأرض- لا يخلو من الإيماء إلى أن البشر كالروح المنفوخ فيالمقتضلأرض؛ فمتى خرج البشر خَرِبت الأرضُ وماتت.
وأن خليفة إشارة إلى أنه قد وُجد قبل تهيُّؤِ الأرض لشرائطِ حياةِ الإنسان مخلوقٌ مُدْرِك ساعدت شرائطَ حياته الأدوارُ الأوّليةُ للأرض. وهذا هو الأوفق لقضية الحكمة. والمشهور أن تكبر كمخلوق المُدْرِك كان نوعا من الجن، فأفسدوا فاستُخلفوا بالإنسان.
أما هيئات جملةِ:
قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء
فاعلم أن استيناف قالوا إشارة إلى أن توجيه خطابه تعالى إلى الملائكة يلجئ السامع إلى السؤال ب فَما يتلقّون جيرانهم بيتَ بيتَ وأَيَرضون بهم قُرَناءَ وما رأيهم فيهم؟" فقال: قالوا
وأن وجه كونه جزاء لی إذ هو أن حكم اللّٰه تعالى بجعل البشر خليفة في الأرض -التي وكّل عليها الملائكة- مع أنه لا مشوأما جتعالى ولا وزير يستلزم إظهار كيفية تلقيهم لهم.
وأن صورة القول إشارة إلى أسلوب المقاولة على صورة المشاورة لتعليم الناس مع تنیزهه تعالى عنها.
وأن استفهام ا يجدي فَلِتحقق الجعل بإخباره تعالى تمتنع حقيقتُه فيتولد منه التعجب الناشئ عن خفاء السبب، فيتولد منه الاستفسار، أي ما حكمةُ الجعل؟ فاستُفهم عن المسبَّب بدلًا عن السبب وليس للإنكار، لعصمتهم. ام عامإن القصد من استفهام الملائكة ليس اعتراضا على الجعل، إذ تحقق بإخباره تعالى، ولأنهم لا يعصون اللّٰه ما أمرهم، وإنما هو استفسار عن حكمة الجعل، وذلك لخفاء السبب عنهم. (ت: ٢٣٢). وأن الجعل رمز إلى أن شؤون البشر ونِسَارية إاعتبارية ووضعياتِه ليست من لوازم الطبيعة، ولا من ضروريات الفطرة بل كلٌّ منها بجعل الجاعل.
وأن فيها مع فيها مع قصر المسافة فللتنصيص والإيماء إلى معنَى: ما
— 233 —
حكمة ج وهو اشر روحًا منفوخًا في جسد الأرض لحياتها مع وجود الفساد والإماتة من حيث الأحياء؟
وأن التعبير بی مَن إشارة إلى أنه لا يعنيهم شخصيةُ البأمرهم.ما يثقل عليهم عصيانُ مخلوقٍ للّٰه تعالى.
وأن إيراد يفسد بدل "يعصي" إشارة إلى أن العصيان ينجرّ إلى فساد نظام العالم.
وأن صورة المضارع إشارة إلى أن المستنكَر تجدُّد العصيان واستمراره. وقد علموا ذلك؛ إما بإعلامه تع انتهىو بمطالعة اللوح، أو بمعرفة فطرتهم من عدم تحديد القوى المودعة فيهم. فبتجاوز الشهوية يحصل الفساد، وبتعدي الغضبية ينشأ السفك والظلم.
و فيها أي مع أنها كانت مسجدًا أُسس على التقوى.. وأن موقع مز إلى" الجمعُ بين الرذيلتين بمناسبة انجرار الفساد إلى سفك الدم.
وأن إيثار يَسْفِكُ على "يقتل" لأن السفك هو القتل بظلم، ومن القتل ما هو جهاد في سبيل اللّٰه، وكذا قتل ال بمعنىلامة الجماعة، كقتل الذئب لسلامة الغنم.
وأما الدماء فتأكيد لما في السفك من الدم لتشديد شناعة القتل.
وأما هيئاتُ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
فواو الحال إشارة إلى استشعارهم الاعتراضَ علي ولكنأما يكفيكم حكمةُ عبادة البشر وتقديسه له تعالى؟" ونحن أي معاشر الملائكة المعصومين من المعاصي.. واسمية الجملة إشارةٌ إلى أن التسبيح كالسجية لهم واللازم لفطرتهمجودِ ا له.
أما نسبح بحمدك فكلمةٌ جامعة أي نُعلنُك في الكائنات بأنواع العبادات.. ونعتقد تنیزّهك عمّا لا يليق بجنابك بتوصيفك بأوصاف الجلال، وما هو إ؛ و ا نعمِك المحمود عليها. ونقول: "سُبحَان اللّٰه وبحَمده". ونحمدك ونصفك بأوصاف الجلال والجمال. ونقدس لك أي نقدّسك، أو نطهّر أنفسنا وأفعالَنا من الذنوب و وذاقَ من
— 234 —
الالتفات إلى غيرك.
فالواو للجمع بين الفضيلتين، أي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فيكون حِذاء الواو الأول.
وأما هيئات:
قال اني اعلم مالا تعلمونجيزيًاستينافها إشارة إلى السؤال بی"ماذا قال اللّٰه تعالى مجيبًا لاستفسارهم، وكيف بَيَّنَ السبب مزيلًا لتعجّبهم، وما الحكمة في ترجيح البشر عليهم؟" فقال: قال مشيرًا إلى جوابٍ إجماليٍّ ثم فصّل بعضَ التفصيل باالى:
لتالية.
و"إن" في اني اعلم للتحقيق وردِّ التردد والشبهة، وهو إنما يكون في حكمٍ نظريٍ ليس بمسلَّم مع بداهةِ ومسلّميةِ علمِ اللّٰه تعالى بما لا يعلم الخلقُ، وحاشاهم عن التردد في هتهم.
ينئذ يكون إنَّ منارًا على سلسلةِ جُمَل لخّصها القرآنُ وأجملَها وأوجزَها بطريق بيانيّ مسلوك. أي إن في البشر مصالحَ وخيرًا كثيرًا تُغمَر في جنبها معاصيه التي المقا قليل، فالحكمةُ تنافي تركَ ذلك لهذا.
وإن في البشر لسرًا أهّله للخلافة غفلتْ عنه الملائكة وقد علّمه خالقُه.. وإن فيه حكمةً رجّحته عليهم لا يعلمونها ويعلمُها مَن خلق. وأيضًا قد يتوجه معنى إنَّ إلى الحكم الضمني المستفاد من واحد إما فدِ مدخولها أي لا تعلمون بالتحقيق.
وأيضًا اعلم مالا تعلمون من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم، أي يوجد ما لا تعلمون، إذ علمُه تعالى لازم لكل شيء، فنفيُ العلم دتكونانى عدم المعلوم، كما قال تعالى: بما لا يعلم (يونس:١٨) أي لا يمكن ولا يوجد، ووجود العلم دليل على وجود المعلوم..
ثم إنه قد ذكر في تحقيق هذا الجواب الإجمالي أن اللّٰه عليم حكيم، لا تخلو أفعالُه ت القاطن حِكم ومصالحَ، فالموجوداتُ ليست محصورةً في معلومات الخلق. فعدمُ العلم لا يدل على العدم، وأن اللّٰه تعالى لمّا خلق الخير المحض أعني الملائكة، والشر المحض أعني الشياطين، وما لا خير عليه ولا شر أعني البهائم، اقتضت لقرآن،لفيّاض المطلق وجودَ القسم الرابع الجامع بين الخير والشر. إن انقادت القوةُ الشهوية والغضبية للقوة العقلية فاق البشرُ على الملائكة بسبب المجاهدة، وإن انعكست القضية صار أنزلَ من البهائم لعدم العذر.
* * *طاعة.
وَعَلَّمَ ادَمَ الاْسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلئِكَةِ فَقالَ اَنْبِؤُنِي بِأَسْماءِ هَؤُلاءِ اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ٣١ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا اِلَّا مَا عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ اللنا علمُ الْحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يا ادَمُ اَنْبِئْهُمْ بِاَسْمائِهِمْ فَلَمَّا اَنْبَاَهُمْ بِاَسْمائِهِمْ قَالَ اَلَمْ اَقُلْ لَكُمْ اِنِّي اَعْلَمُ غَيْبَ السَّموَاتِ وَالاْرْضِ وَاَعْلَمُ مَا تَبْ إيماءوَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣
مقدمة
اعلم أن هذه معجزة آدم تُحُدِّيت بها الملائكةُ، بل معجزةُ نوع البشر في دعوى الخلافة. إن في القصَصَ لعِبرًا.
ثم إني نظرًا إلى
ولا رطب ون سواد الا في كتاب مبين
(الأنعام:٥٩) ومستندًا إلى أن التنیزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه كذلك يعلّمك بإشارته ورموزه، لَأفهمُ من إشاراتِ (٭): فإن كنت في ريب فيما استخرجه من لطائف نظم التنزيل، فأقول:
قد استشرنا ابن الفارض تفاؤلًا فأجاب بی:
كأود علاام الكاتبين تنزّلوا على قلبه وحيًا بما في صحيفة (حبيب) أستاذيةِ إعجازِ القرآن في قَصَص الأنبياء ومعجزاتهم
التشويقَ والتشجيعَ للبشر على التوسل للوصول إلى أشباهها؛ كأن القرآن بتلك القصص يضع إصبعه على الخطوط ال جرم ف ونظائرِ نتائج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يُبنى على مؤسسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل، وكأن القرآن يمسح ظهرَ البشر بيد التشويق والتشجيع قائلا ل بلندنَ واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى بعض تلك الخوارق!
أفلا ترى أن الساعة والسفينة أولُ ما أهدتْهما للبشر يدُ المعجزة. [٭]: المقام الثاني من "الكلمة العشرين" فيه تفالتهلكف لهذا البحث.
وإن شئت فانظر إلى
وعلّم آدم الاسماء كلها
، وإلى
ولقد اتينا داودَ منّا فضلا يا جبالُ أوّبي معه والطير وألنّا له الحديد
(سبأ:١٠)، وإلى
ولسليمن الريح غُدوّها شهر ورواحها شهر وأسَل) . (ت عَينَ القطر
(سبأ:١٢) "أي النحاس"، وإلى
اضرب بعصاكَ الحجَرَ فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عينا
(البقرة:٦٠)، وإلى
وتبرئُ الاكمهَ والأبرصَ بإذني
— 236 —
(المائدة:١١٠)! ثم تأمل فيما مخّضه تلاحقُ أفكارِكاظة.. واستنبَطه من ألوفِ فنونٍ، ناطقٌ كلٌّ منها بخواصِّ وصفاتِ وأسماء نوعٍ من أنواع الكائنات، حتى صار البشر مظهرَ
وعلّم آدم الاسماء كلها
.. ثم فيما استخرجه فكرُ البشر من عجائب الالتهدين السكّة الحديدية والآلة البرقية وغيرهما بواسطة تليين الحديد وإذابةِ النحاس حتى صار مظهرَ
وألنّا له الحديدَ
الذي هو أُمّ صنائعه..
وفيما أفرخه أذهانُ البشر من الطيّارات التي تسير في يوم شهرًا حتى كاد أن يصير مظهرَ
غُدُوها شهرٌ ورَواحُهارَخات .. وفيما ترقَّى إليه سعيُ البشر من اختراع الآلات والعصِيِّ التي تضرب في الأرض الرملة اليابسة فتفور منها عينٌ نضّاخة وتصير الرملة روضةً حتى أوشك أن يصير مظهلعبد، رب بعصاك الحجر..
وفيما أنتجه تجارب البشر من خوارق الطب التي طفق أن تبرئ الأكمه والأبرص والمزمن بإذن اللّٰه.. ترَ [٭]: جواب "فانظر". مناسیییبة تامة تصحح لك أن تقول: تلك مقائسها، وذكرُها يشییير إليها ويشجع عليها.
وكذا انظر إلى قوله تعالىا النصنارُ كوني بردًا وسلاما
(الأنبياء:٦٩)
وإلى
لولا ان رَا برهانَ ربه
(يوسف:٢٤) أي صورةَ يعقوب عاضًا على إصبعه في روايةٍ، وإلى
اني لأَجِد ريحَ يوسف
(يوسف:٩٤
ياجبالُ أوّبي معه
وإلى
عُلِّمنا منطق الطير
(النمل:١٦) وإلى
أنا اتيك به قبل ان يرتدّ اليك طرفُك
(النمل:٤٠) وأمثالِها، ثم تأمل فيما كشفه البشر من مرتبة النار التي لا تحرق ومن الوسائط ارَعْدنع الإِحراق، وفيما اخترعه من الوسائل التي تجلب الصور والأصوات من مسافات بعيدة وتُحضرها إليك قبل أن يرتدَّ إليك طرفُك، وفيما أبدعه فكرُ البشر من الآلات الناطقة بما تتكلم، وفي استخدامه لأنواع الطيور والحمامات، وقس عليها، لترى بين هذين ال
شادملاءمةً يحق بها أن يقال: في هذه رموز إلى تلك.
وكذا تأمل في خاصية المعجزة الكبرى التي هي خاصية الناطقية؛ التي هي خاصية الإنسانية، وهي الأدب والبلا" بين تدبّر في أن أعلى ما يربِّي روحَ البشر، وألطف ما يصفِّي وجدانَه، وأحسن ما يزيِّن فكره، وأبسط ما يوسِع قلبه إنما هو نوع من الأدبيات. ولأمرٍ مّا ترى
— 237 —
هذِ و ع أبسط الفنون وأوسعَها مجالًا وأنفذها وأشدها تأثيرًا وألصقها بقلوب البشر حتى كأنه سلطانها. فتأمل!
ثم إن لهذه الآية أيضًا الوجوه الثلاثة النظمية:
أما نظم مآلها بسابقتها فمنهم فاأربعة:
الأول:أن التنیزيل لما ذكر في الآية الأولى في بيان حكمة خلقة الإنسان ما هو أوّلُ الأجوبة وأَولاها وأعمُّها للكل وأيسرُها وأسهلُها إقناعًا وأجملُها إجمالًا وأوجزُها، بيّن بهذه الآية جوابًا تفصيليًا يطمئن
وأوام والخواص.
والثاني:أنه لمّا صرّح في تلك بمسألة الخلافة للبشر، برهن بهذه على تلك الدعوى بمعجزة ذلك النوع في مقابلة الملائكة.
والثالث:أنه لما أشار بتلك إلى ترجح البشر على الملَك رمز بهذه إلى لِمّيّة الرجحانى أعناالرابع:أنه لما لوّح بها إلى مظهرية هذا النوع للخلافة الكبرى في الأرض لمّح بهذه احتجاجًا عليها إلى أن الإنسان هو النسخة الجامعة والمظهر الأتمّ لكل التجليات لتنوع استعداداته وتكثّر طرق استفاداته وعلمه فيحيط بالكائنات بحواسه النطلق فظاهرة والباطنة لاسيما بوجدانه الذي لا قعر له. أفلا تراه يعلم أمثال حلاوة العسل بوجهين بل بوجوه خلاف المَلَك فتأمل!
أما نظم الجمل بعضها مع بعض ففطريّ في غاية السلاسة: فالأولى: تحقيق لمضمونِ
اني أعلم ما لا تعلمون
وتفصيلٌ لمَا أجمل فيها وتفصادقًاا أبهم.. وكذا إن خلافة اللّٰه تعالى في أرضه لإجراء أحكامه وتطبيق قوانينه تتوقف على علم تام.. وكذا إن انصباب الكلام في الآية الأولى ينجرّ إلى: "فخلقه وسوّاه ونفخ فيه من روحه وربّاه ثم علّم الأسماء وأعده للخلافة.. ثم لمّا اصطفاه على الملائكة وى مستوبعلم الأسماء في مسألة الرجحان واستحقاق الخلافة اقتضى مقامُ التحدِّي عرْضَ الأشياء عليهم وطلبَ المعارضة منهم.. ثم لمّا أحسّوا بالعجز منمصدر أم أَقرّوا بحكمته تعالى واطمأنوا". ولهذا قال:
ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين
— 238 —
قالوا
أي متبرئين مما دسّه في استفسارهم أَنانيةُ إبليس
سبحانك لا علم لنا الا ما علمتناليب النت العليم الحكيم
[٭]: لقد جاءت إلى لساني -دون اختيارٍ مني- هذه الآية الكريمة في ختام معظم "الكلمات" و"المكتوبات" من "رسائل النور"، والآن فقط أدركت أن تفسيري هذا قد اختُتم أيضًا بهُها "اية الكريمة. فجميع "الكلمات" إذن ما هي إلّا تفسير حقيقي لهذه الآية الكريمة، وجدول رقراق ينساب من بحرها ثم يصب فيه في خاتمة المطاف، حتى لكأن كل "كلمة" من "الكلمات" تنبع من هذه الآية الكريمة. فأنالسلام م أستكمل منذ ذلك الوقت تفسير هذه الآية كي أَشرع في الجزء الثاني من التفسير. سعيد النورسي (ت:٢٤٤)
ثم لمّا ظهر عجزُهم لعدم جامعية استعدادهم اقتضى المقامُ بيانَ اقتدارِ آدم حتى يتم التحدِّي فقال:
يا آدم أنبئهم باسمائهم
.. ثم لما امتثل شعاع رُّ الحكمة فيه اقتضى المقامُ استحضارَ الجواب الإجمالي السابق وجعلَه كالنتيجة لهذا التفصيل فقال:
ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلميل كالدون وما كنتم تكتمون
واعلم أنه قد تَشفّ وتُحسّ صورةُ المقاولة عن تولّد أنانية إبليس فيما بين الملائكة وتُشعر بتداخل اعتراضِ طائفةٍ بين استفسارهم.
أما نظم هيئات جملة جملة:
فجملةُ وعلّم آدم الاسماء كلها أي صوَّره بفطرة تضمنت مبادئ أن بالغ،كمالات، وخلَقَه باستعدادٍ زرَع فيه أنواعَ المعالي، وجهّزه بالحواس العشر وبوجدان تتمثل فيه الموجودات، وأعدّه بهذه الثلاث لتعلُّم حقائق الأشياء بأنواعها، ثم علّمه ا٩٦١-١٩ كلها. الواو فيها إشارة إلى الجمل المطوية تحت إيجازه كما مرَّ. و عَلَّم فيه إشارة إلى تنويه العلم ورفعة درجته وأنه هو المحور للخلافة.. وكذا رر لا ي أن الأسماء توقيفية. ويؤيده وجود المناسبة المرجحة للوضع -في الأغلب- بين الأسماء والمسمّيات.. وكذا إيماء إلى أن المعجزة فعلُ اللّٰه بلا واسطة خلافا للفلاسفة الذين يقولون: "إن الخوارق أفعال للأرواح الخارقة".
و آدم أي الشخص الأرضي الذي ألم الغلّٰه تعالى خلافته وسمّاه آدم فالتصريح بالعلم لتنويهه وتشهيره وإحضاره بصورته.
و الأسماء سمات الأشياء من الصفات والخواص والأسماء، أو اللغات التي
— 239 —
اقتسمها بنو آدم. وفيه إيماء بدليلِكلّه نم إلى أن الاسم عينُ المسمّى [٭]: أي إذا أريد بالاسم ذات الشيء. (ب). كما عليه أهل السنة.
و كلها تنصيص على منشأ التميز ومدار الإعجاز. وجملةُ
ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين
فی ثم إشارة بسر التراخي وهي الع المقام إلى "وقال: هو أكرم منكم وأحق بالخلافة".
وأما عرضهم أي أظهر أنواع الأشياء مبسوطة للبيع لأنظارهم كعرض المتاع على المشتري، وعرضِ الصفوف على الأمير. ففيه إشارلى فيهأن الموجودات مالٌ للمُدْرِك يشتريها بالعلم، ويأخذها بالاسم، ويتملكها بتمثل الصورة.
وأما هُمْ الدالُّ على الذكور العقلاء فسِرُّ ما فيه من التغليبين والمجاز ما يرمز إليه لان سكرَرض. [٭]: حيث هناك تغليب الذكور على الإناث، وتغليب العقلاء على غيرهم. أما المجاز فهو في رجوع "هم" إلى أنواع الجمادات. (ت:٢٤٣). إذ يتخيل -مِن إرساله صور طوائفِ الموجودات َلَامُصفًا صفًا على الأنظار- كونُها قبائل من العقلاء يجيئون إليهم.
وأما على فإيماء إلى أن ما يُعرض عليهم هي الصور المرتسمة في اللوح الأعلى.
تمت بوفاء
[٭]: كتبت هذه الجملة بخط المؤلف في الن العبلمطبوعة سنة ١٩١٨.
— 240 —
باسمه سبحانه
كلمة لستة من طلاب النور
لقد درسنا على أستاذنا الفاضل قسمًا من تفسيره الموسوم "إشارات الإعجاز" الذي ألّفه قبل أربعين ي نظر ناء الحرب العالمية الأولى، حينما كان يؤدي فريضة الجهاد في الخط الأمامي لساحة القتال وأحيانًا كان على صهوة جواده.
ونحن مع قصر فهمنا بدقائق اللغة العربية وأسرار البلاغة، فقد أدركنا عندما قرأنا هدا التفسير على يد وكذلكنا الفاضل أنه تفسير بديع وخارق للعادة، فرأينا من الأنسب أن نذكر النقاط الأربع الآتية حول بيان هذا التفسير للإعجاز النظمي فحسب من وجوه الإعجاز للقرآن:
النقطة الأولى:إن معاني القرآن معانٍ شاملة كلية وعامة لا تقتصر على طائفة معينه أو على معناختيار، بل يقدم أطيب الأغذية طرًا وألذها طعمًا إلى ألوف الطبقات المتباينة من الجن والإنس، فيوفّي حاجة أفكارهم ويُشبع عقولهم ويغذى قلوبهم وينمّي أرواحهم، كل بما يليق به؛ وذلك لأنه وحي سماوي وخطاب صمداني يخاطب اللّٰه سبحانه جميعَ طبقات د. ولمالمصطفّين خلف الأعصار، فيجيب عن أسئلةِ واستفساراتِ جميع الطوائف ويلبي حاجاتهم كلها؛ فلا غرو أنه كلام رب العالمين، صادر من أرفع مراتب الربوبية المطلقة.
ة تراهقطة الثانية:إن ألفاظ القرآن التي هي بمثابة الأصداف لنفائسِ لآلئِ المعاني الكلية الشاملة، والتي نزلت من صفة الكلام الأزلي وخاطبتْ جميعَ الأعصار وجميعَ البشرية، لا ريب أنها كلية جامعة. وقد لمسنا في هذا التفسير قسمًا من الإعجاز -القطعي الثبوط: فهوكل حرف من حروف ذلك الكتاب الحكيم والتي يثمر كل منها عشر حسنات أو مائةً أو ألفًا أو ألوفًا بل في الأوقات المباركة -كليلة القدر- ثلاثين ألف ثمرة من ثمرات الجنة.
#2٩).
النقطة الثالثة:إنَّ الحسن والجمال اللذين يلمعان في مجموع الشيء، لا يُتحريان في كل جزء من أجزائه، ولا يعدّ نقصًا ما لم يشاهَد ذلك الجمال في الجزء. ومع هذا فإن الإعجاز النظمي الذي اقتضتفي جميع سور القرآن وفي آياته نراه بنمط آخر عندما ندقق ونحلل هيئاتِ وكيفياتِ كلماته وجمله. وهذا التفسير المؤلَّف بالعربية يبين منبعًا من المنابع السبعة لإعجاز الكتاب الحكيم، ألا وهو الجزالة الخارقة في ألفاظه مبينًا أدق فروعه وأخفى أسرارِلايابس شك أنه لا يعد إسرافًا -بل هو حقيقة- اهتمام "إشارات الإعجاز" بكل حرف من حروف القرآن العظيم التي يثمر كل منها عشرًا من الحسنات بل يرتقى الثواب إلى ثلاثين ألفًا في بعض النقل:
.
النقطة الرابعة:إن معاني القرآن الحكيم لها جامعية واسعة وكلية شاملة، وذلك لصدوره من الكلام الأزلي وخطابِه جميعَ الطبقات البشرية في جميع الأعصار. لذا لا تنحصر تلك المعاني على مسألة واحدة كما هي في الإنسان، بل فيا لعين الباصرة تنظر إلى أوسع المدى. فيضم الكلامُ الأزلي ضمن نظره المحيط جميعَ الأزمان وجميع البشرية بطوائفها كافة.
فبناءً على ما أسلفناه نقوهذه الجميع الوجوه التي أوردها المفسرون في كتبهم التي تفوق العد، وما استنبطوه من المعاني المشتمل عليها الكتاب الكريم صراحة أو إشارة أو رمزًا أو إيماءً أو واليها أو تلميحًا مرادةٌ ومقصودة بالذات من الكتاب الكريم، شريطةَ أن لا تردّها العلومُ العربية وأن تستحسنها البلاغة وأن يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة.
طاهري، زبير، صونغور، ضياء، جيلان، بايرام.
— 242 —
وبه ثقتي
كلمة ثناء
الحمد للّٰه رب العالمين ومنهااة والسلام على سيد الخلق محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فقد كان رائدنا العظيم الأستاذ المناضل العلامة "بديع الزمان النورسي" منذ أن انفتحت أمام عينيه آفاقٌ شاسعة من دنيا العلم والعرفان وخاض عباب الكتاب العزيز يتطلع دائمًا -كمجامعة الأستاذ في إفادة المرام- إلى انتهاض لجنة مؤلَّفة من كبار العلماء المتخصصين، كل في ناحية من نواحي العلم، تقوم تلك اللجنة بدراسات طويلة في شتى نواحي الكتاب الكريم حتى يتحصل ويتولد من مجهوداتهم الكثيرة ودراساتهم الطويلة تفسيرٌ جامع للتتأثر لمبين، يستجيب لحاجات القرن العشرين، واستمر لديه ذلك التطلع والترقب إلى بداية زمن الحرب العالمية الأولى.
فلما انفلقت قنبلة الحرب بين شعبنا التركي وبين الشعب الروسي أيسَ الأستاذ من تحقق ذلكعًا بد بعضَ الإياس فاضطر أن يكتب ما يلُوح له من إشارات إعجاز القرآن. فأخذ يقيد ويصنف ويرتب ما يسنح له في شرح آي الذكر الحكيم. فجاء منه هذا القسم من التفسير، وهو رغم أنه وليد فكرٍ واحد إلا ار
#26يد في بابه لم ينسج للآن على منواله أيُّ تفسير. لأنه يستجلي ويكشف الإعجاز المكنون في نظم الكتاب المجيد بطريقة عجيبة مخترَعة لم نرها ولم نصادفها فيما عثرنا عليه من مشهور التفاسير المتداولة كتفسير "أبي السعود" و"الفخر الرازي" و"البيضاوي" وتفسير ليس ثاذ المرحوم "الشيح طنطاوي جوهري" الذي أفاض وأسهب فيه وبيّن كثيرًا من العلوم المختلفة التي تشير إليها الآيات الكونية.
وإن كنتَ في ريب مما نق كتاب ِّد الطرْفَ أوّلًا في تحليله المنوط بآيةِ
ومن الناس من يقول امنا باللّٰه وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين
أو المنوط بآيةِ
ختم اللّٰه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة..
الخ أو بآيةِ
ومما رزقناهم ينفقون
أو بأي آية أخراس لا 243
الآيات المشروحة في ذلك التفسير، وبعد ذلك طالِعْ في عين هاتيك الآيات السالفة الذكر سائرَ التفاسير، ثم ليتكلمْ ضميرُك الحر المطلق من قيد التعصب.
خلاصة القول:إنَّ في عباراته عذوبة وحلاوة وطلاوة بديعة وتدقيقً وعاداًا جدًّا في تحليل آي الوحي المنیزّل. إنه يبيّن جهة مناسبة الآيات بعضها ببعض، وتناسب الجمل وتناسقها، وكيفية تجاوب هيآت الجمل وحروفها حول المعنى المراد معتمدًا في ذلك على أدق قواعد علم البلاغة وعلى أصول النحو لئهم ف وقوانين المنطق ودساتير علم أصول الدين وسائر ما له علاقة بذلك من مختلف العلوم. حتى إنه ليبحث عن أخفى مناسبات البلاغة الذي لا يُكشف -عادةً- بالمجهر المعنوي المركز في الدماغ البشري.
وأعانبساطالكل أنه وجد ذلك التدقيق البالغ والبحث العميق حينما كان ينصب ويتقاطر على المؤلف من جهاته الأربع شآبيبُ رصاصِ بنادقِ الجيوش السوفيتية، فكان الأستاذ يناضل ويطلق بندقيته في صدور اإنه يع من جهةٍ، ويضع في مصنع دماغه قنبلة إعجاز القرآن الذرية ليحطم بها بنيان الكفر والضلال من جهة أخرى.
فيا سبحان اللّٰه من ذكاء إلهي خارق، مجهز ببطولة عجيبة وثبات قلب زائد! إن ذلك الوقت العصيب والموقف الرهيب لم الترجمالمؤلف ولم يُذهِل فكره الثاقب عن الجولان في مناحي إعجاز القرآن المبين. وها نحن تلامذة "رسائل النور" يسرنا أن نضع هذا الكتاب بين يدي الإنسانيين من وجوه ليدرَس دراسة مجردة عن الأغراض بعيدة عن الأهواء والتعصب الذميم. إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
واللّٰه أسأل أن بدلَ ه الناس ويهديهم سواء السبيل.
الشيخ صدر الدين يوكسل البدليسي
ذي الحجة ١٣٧٨هی
— 244 —
قالوا عن القرآن
الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل
[٭]: الدكتور عماد الدين خليل: أستاذ التاريخ الإسلامي ومناهج البحث في ماء إشالموصل في العراق. ولد عام ١٩٣٩ في الموصل في شمالي العراق. درس في الموصل وبغداد والقاهرة حيث حصل على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي في عام ١٩٦٨م من جامعة عين شمس. عمل محاضرًا في أكثر من جامعة عرر الأدعربية وإسلامية. شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية والثقافية في عدد من البلدان. ألّف أكثر من أربعين كتابًا في مجال التاريخ وفلسفته والمنهج والفكر والأدب الإسلامي تنظيرًا ونقدًا وإبداعًا.
#245 سفسطةل أحمد
[٭]: إبراهيم خليل أحمد: قس مبشر من مواليد الإسكندرية عام ١٩١٩، يحمل شهادات عالية في علم اللاهوت من كلية اللاهوت المصرية، ومن جامعة برنستون الأمريكية. عمل أستاذًا بكلية اللاهوت بأسيوط. كما أرسل عام ١٩٥٤ إلى أسوع الأفتيرًا عامًا للإرسالية الألمانية السويسرية. وكانت مهمته الحقيقية التنصير والعمل ضد الإسلام. لكن تعمقه في دراسة الإسلام قاده إلى الإيمان بهذا الدين وأشهر إسلامه رسميًا عام ١٩٥٩. كتب العديد من المؤلفات، أبرزها ولا ريب "محمد في التهو جارالإنجيل والقرآن"، "المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي"، و"تاريخ بنى إسرائيل".
١) "يرتبط هذا النبي (ص) بإعجاز أبد الدهر بما يخبرنا به المسيح عليه السلام في قوله عنه: "ويخبركم بأمور آتية"، هذا الإعجاز هو القرآن الكريم أدعَى الرسول الباقية ما بقي الزمان. فالقرآن الكريم يسبق العلم الحديث في كل مناحيه: من طب، وفلك، وجغرافيا، وجيولوجيا، وقانون، واجتماع، وتاريخ.. ففي أيامنا هذه استطاع العلم أن يرى ما سبق إليه معجزةن بالبيان والتعريف..." [٭]: محمد في التوراة والإنجيل والقرآن، ص٤٧-٤٨.
٢) "أعتقد يقينًا أني لو كنت إنسانًا وجوديًا... لا يؤمن برسال مقدمةلرسالات السماوية وجاءني نفر من الناس وحدثني بما سبق به القرآن العلم الحديث -في كل مناحيه- لآمنت برب العزة والجبروت، خالق السماوات والأرض ولن أشرك به أحدًا..." [٭]: نفسه، ص ٤٨.
٣) "في هذا الظلام الدامس -أيها المسيحي- ينیزل يَجْعن الكريم على رسول اللّٰه ليكشف لك عن اللّٰه عز وجل..." [٭]: نفسه، ص .١٧٢
٤) "للمسلم أن يعتزّ بقرآنه؛ فهو كالماء، فيه حياة لكل من نهل منه" [٭]:لجماعة ص ٣٢.
آرنولد
[٭]: سير توماس آرنولد (١٨٦٤-١٩٣٠): من كبار المستشرقين البريطانيين. صاحب فكرة كتاب "تراث الإسلام" الذي أسهم فيه عدد من مشاهير البحث والاستشراق الغربي. وقد أشرف أرنولد على : تنسيقه وإخراجه، تعلم في كمبردج وقئق أحو سنوات في الهند أستاذًا للفلسفة في كلية عليكرة الإسلامية. وهو أول من جلس على كرسي الأستاذية في قسم الدراسات العربية في مدرسة اللغات الشرقيةية الك. وصفه المستشرق البريطاني المعروف "جب" بأنه "عالم دقيق فيما يكتب"، وأنه أقام طويلًا في الهند وتعرف إلى مسلميها، وأنه متعاطف مع الإسلام، وكل هذه أمور ترفع أقواله فوق مستوى الشض وموا "دراسات في حضارة الإسلام ص ٢٤٤" ذاع صيته بكتابيه: "الدعوة إلى الإسلام" الذي ترجم إلى أكثر من لغة، و"الخلافة". كما أنه نشر عدة كتب قيمة والن الإسلامي.
"..(إننا) نجد حتى من بين المسيحيين مثل الفار (الإسباني) الذي عُرف بتعصبه
— 246 —
على الإسلام، يقرر أن القرآن قد صيغ في مثل هذا الأسلوب البليغ الجميل، حتى إن المسيحيين لم يسعهم إلا قراءته المستلاب به.." [٭]: الدعوة إلى الإسلام (بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية)، ص ١٦٢.
إيرفنج
[٭]: واشنجتون إيرفنج: مستشرق أمريكي، أولى اهتمامًا كبيرًا لتاريخ المسلمين في الأندلس. من آثاره: "سيرة النبي الع أماذيلة بخاتمة لقواعد الإسلام ومصادرها الدينية (١٨٤٩)، و"فتح غرناطة" (١٨٥٩)، غيرها.
١) "كانت التوراة في يوم ما هي مرشد الإنسان وأساس سلوكه. حتى إذا ظهر المسيح عليه السلام اسبقوه مسيحيون تعاليم الإنجيل، ثم حلّ القرآن مكانهما، فقد كان القرآن أكثر شمولًا وتفصيلًا من الكتابين السابقين، كما صحح القرآن ما قد أدخل على هذين الكتابين من تغيير وتبديل. حوى القرآن كل شيء، وحوى جميع القوانين، إذ إنه خاتم الكتب السماوية.." ي؛ إذ حياة محمد، ص ٧٢.
٢) "يدعو القرآن إلى الرحمة والصفاء وإلى مذاهب أخلاقية سامية" [٭]: نفسه، ص ٣٠٤.
بروز
[٭]: د. ميلر بروز: رئيس قسم لغات الشرقالصريحى وآدابه وأستاذ الفقه الديني الإنجيلي في جامعة (بيل) وعمل أستاذًا بجامعة براون، وأستاذًا زائرًا بالجامعة الأمريكية في بيروت، ومديرًا للمدرسة الام جعل للبحوث الشرقية بالقدس، ومن مؤلفاته: ، ١٩٣١.
١٩٤١. ، ١٩٤١.
١) "إنه ليس هناك شيء، لا ديني في تزايد سيطرة الإنسان على القوى الطبيعية، هنان موضعفي القرآن يمكن أن يستنتج منها أنه لعل من أهداف خلق المجموعة الشمسية لفت نظر الإنسان لكي يدرس علم الفلك ويستخدمه في حياته:
هو الذي خلق الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحسابأو يصد:٥). وكثيرًا ما يشير القرآن إلى إخضاع الطبيعة للإنسان باعتباره إحدى الآيات التي تبعث على الشكر والإيمان:
وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون ٭ لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم الحكم.تويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين
— 247 —
(الزخرف:١٢-١٣). ويذكر القرآن -لا تسخير الحيوان واستخدامه فحسب- ولكن يذكر السفن أيضًا.. فإذا كان الجمل والسفينة من نعم اللّٰه العظيمة، أفلا يصدق هذا أكثر على سكة هذا ال والسيارة والطائرة؟" [٭]: الثقافة الإسلامية، ص ٥١.
٢) ".. إن أعظم نتائج العلم يمكن أن تستخدم في أغراض هدمية أو بنائية. وربما كان هذا هو المقصود بما ورد في القرآن خاصًا باستم في ظلحديد:
وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس
(الحديد:٢٥). وأظهرُ مثالٍ من هذا الآن بالضرورة هو استخدام النشاط الذري - الذي نشطت بحوثه- لضرورة حربية.." [٭]: اه فإن الإسلامية، ص ٥٤.
بلاشير
[٭]: بلاشير: ولد بالقرب من باريس، وتلقى دروسه الثانوية في الدار البيضاء، وتخرج بالعربية في كلية الاداب بالجزائر (١٩٢٢)، وعين أستاذًا لها في معهد مولاي يوسف بالرباط، ثم انتدب مديرلبقاء هد الدراسات المغربية العليا بالرباط (١٩٢٤-١٩٣٥)، واستدعته مدرسة اللغات الشرقية بباريس أستاذًا لكرسي الأدب العربي (١٩٣٥-١٩٥١)، ونال الدكتوراه (١٩٣٦)، وعين أستاذًا محاضرًا في السوربون (١٩٣٨)، ومشرى كون ى مجلة (المعرفة)، التي ظهرت في باريس باللغتين العربية والفرنسية، من آثاره: "دراسات عديدة عن تاريخ الأدب العربي في أشهر المجلات الإستشراقية"ضُها كب "تاريخ الأدب العربي" (باريس ١٩٥٢)، وترجمة جديدة للقرآن الكريم في ثلاثة أجزاء (باريس ١٩٤٧-١٩٥٢)، وغيرها.
١) ".. إن الفضل بعد اللّٰه يعود إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي اللّٰه عنه لإسهامه يقع سنة ٦٥٥هی في إبعاد المخاطر الناشئة عن وجود نسخ عديدة من القرآن، وإليه وحده يدين المسلمون بفضل تثبيت نص كتابهم المنزل، على مدى الأجيال القادمة". [٭]: تاريخ الأدب العربي ٢/٢٢.
٢) "لائة الني أنه إذا كان ثمة شيء تعجز الترجمة عن أدائه فإنما هو الإعجاز البياني واللفظي والجرس الإيقاعي في الآيات المنزلة في ذلك العهد.. إن خصوم محمد عليه الصلاة والسلام قد أخطأوا عندما لم يشاؤوا ة متخيا في هذا إلّا أغاني سحرية وتعويذية، وبالرغم من أننا على علم -أستقرائيًا فقط- بتنبؤات الكهان، فمن الجائز لنا الاعتقاد مع ذلك بخطل هذا الحكم وتهافته، فإن للآيات التي أعاد الرسول عليه الصلاة والسلام ذكرها في هذه السور اندفاعًا وألل شيء.جلالةً تخلِّف وراءها بعيدًا أقوالَ فصحاءِ البشر كما يمكن استحضارها من خلال النصوص الموضوعة التي وصلتنا". [٭]: نفسه، ٢/٣١.
— 248 —
٣) ".. إن القرآن ليس معجزةّشِفة اه وتعليمه فقط، إنه أيضًا -ويمكنه أن يكون قبل أي شيء آخر- تحفة أدبية رائعة تسمو على جميع ما أقرّته الإنسانية وبجّلته من التحف.. إن الخليفة المقبل عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه المعارض الفظ في البداية للدين الجدرين عل غدا من أشد المتحمسين لنصرة الدين عقب سماعه لمقطع من القرآن. وسنورد الحديث فيما بعدُ عن مقدار الافتتان الشفهي بالنص القرآني بعد أن رتّله المؤمنون" [٭]: القرآن الكريم، ص ١٠٢-١٠٣.لى الل) ".. الإعجاز هو المعجزة المصدقة لدعوة محمد (ص) الذي لم يرتفع في أحاديثه الدنيوية إلى مستوى الجلال القرآني.." [٭]: نفسه، ص ١٠٤.
٥) ".. في جميع المجالات التي أطللنا عليها من علم قواعد اللغة والمعجمية وعلم جملة:، أثارت الواقعة القرآنية وغذت نشاطات علمية هي أقرب إلى حالة حضارية منها إلى المتطلبات التي فرضها إخراج الشريعة الإسلامية. وهناك مجالات أخرى تدخل فيها "الواقعة القرآنية" كعامل أساسي.. ولا تكون فاعليتها هنا فاعلية عنصر منبه فقط، بل فاعلية ع: وهي دع تتوطد قوته بنوعيته الذاتية.." [٭]: نفسه، ص ١٠٤-١٠٥.
بوازار
[٭]: مارسيل بوازار: مفكر، وقانوني فرنسي معاصر، أولى اهتمامًا كبيرًا لمسألة العلاقات الدوليشرنا إق الإنسان وكتب عددًا من الأبحاث للمؤتمرات والدوريات المعنية بهاتين المسألتين. يعتبر كتابه "إنسانية الإسلام"، الذي انبثق عن الاهتمام نفسه، علاقة مضيئة في مجال عموميّات الغربية للإسلام، بما تميز به من موضوعية، وعمق، وحرص على اعتماد المراجع التي لا يأسرها التحيز والهوى. فضلًا عن الكتابات الإسلامية نفسها.
١) "لابدّ عند تعريف النصّ القدسي في الإسلام من ذكدوم الين، الأول إنه كتاب منزل أزلي غير مخلوق، والثاني أنه "قرآن" أي كلام حي في قلب الجماعة.. وهو بين اللّٰه والإنسانية "الوسيط" الذي يجعل أيّ تنظيم كهنوتى غيرَ ذي جدوى، لأنه مرضيّ به مرجعًا اصليًا، وينبوع إلهام أساسي.. ومازال حتى أيامنا ذكر فموذجًا رفيعًا للأدب العربي تستحيل محاكاته. إنه لا يمثل النموذج المحتذى للعمل الأدبي الأمثل وحسب، بل يمثل كذلك مصدر الأدب العربي والإسلامي اميّزه دعه، لأن الدين أوحى به هو في أساس عدد كبير من المناهج الفكرية التي سوف يشتهر بها الكتاب.." [٭]: إنسانية الإسلام، ص ٥٢-٥٣.
— 249 —
٢) "لقد أثبت التنیزيل برفضه الفصل بين الروحين مثلهني أنه دين ونظام اجتماعي.. ومن البدهي أن التنزيل والسبيل الذي ظن إمكان استخدامه فيه قد طبعا المجتمع بعمق.." [٭]: نفسه، ص ٢٠٦-٢٠٧.
٣) "..إن القرآن لم يقدَّر قط لإصلاح أخلاق عرب الجاهلية، إنه على العل الكبل الشريعة الخالدة والكاملة والمطابقة للحقائق البشرية، والحاجات الاجتماعية في كل الأزمنة" [٭]: نفسه، ص ١٠٩.
٤) ".. يخلق الروح القرآني مناخَ عيش ينتهي به الأمر إلى مناغمة التعبيرات الذهنية والمساواة بين العقليات والنظم الاجتماعية بأسخَ الا تفترض التصريفات السياسية والطوابع الأيديولوجية التي تسند إلى الدول. ولا يكفي قط ما يتردد عن درجة تأثير القرآن الكبرى في (الذهنية الإسلامية) المعاصرة، فهو ما يزال مصدر الإلهام الفردي والجماعي الرئيسي، كما أنه مرير سلمسلمين وملاذهم الأخير" [٭]: نفسه، ص٣٤٣.
٥) "..(إن) الأدوات التي يوفرها التنزيل القرآني قادرة ولا ريب على بناء مجتمع حديث.." [٭]: نفسه، ص٣٤٥.
بوتر
[٭]: ديبورا بوتر: ولدت عام ١٩٥٤، بمدينة ترافيرز، في ولاية متشيغانر في زيكية، وتخرجت من فرع الصحافة بجامعة متشيغان، اعتنقت الإسلام عام ١٩٨٠، بعد زواجها من أحد الدعاة الإسلاميين العاملين في أمريكا، بعد اقتناع عميق بأنه٭]: المة من دين غير الإسلام يمكن أن يستجيب لمطالب الإنسان ذكرًا كان أم أنثى.
١) ".. عندما أكملتُ القرآن الكريم غمرني شعور بأن هذا الحق الذي يينَ آملى الإجابات الشافية حول مسائل الخلق وغيرها. وأنه يقدم لنا الأحداث بطريقة منطقية نجدها متناقضة مع بعضها في غيره من الكتب الدينية. أما القرآن فيتحدث الكماي نسق رائع وأسلوب قاطع لا يدع مجالًا للشك بأن هذه هي الحقيقة وأن هذا الكلام هو من عند اللّٰه لا محالة". [٭]: رجال ونساء أسلموا ٨/١٠٠.
٢) ".. إن المضمون الإلهي للقرآن الكريم هو المسسةً عم النهوض بالإنسان وهدايته إلى معرفة الخلق، هذه المعرفة التي تنطبق على كل عصر.." [٭]: نفسه ٨/١١٣.
— 250 —
٣) ".. كيف استطاع محمد (ص) الرجل الأمي الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التيالإعلا القرآن الكريم، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابدّ إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام اللّٰه عزّ وجلّ" [٭]: نة القر١٠٩.
بوكاي
[٭]: د. موريس بوكاي: الطبيب والعالم الفرنسي المعروف. كان كتابه "القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم" من أكثر المؤلفات التي عالجت موضوعًا كهذا، أصالة واستيعابًا وعمقًا. ويبدو أن عمله في هذا الكتاب القيم منحه قناعات مطلقة رةُ التاب اللّٰه، وبالتالي صدق الدين الذي جاء به. دعي أكثر من مرة لحضور ملتقى الفكر الإسلامي الذي ينعقد في الجزائر صيف كل عام، وهناك أتيح له أن يطّلع أكثرات الإلإسلام فكرًا وحياةً.
١) "لقد قمت أولًا بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة باحثًا عن درجة اتفاق نصّ القرآن ومعطيات الرُ
#67حديث. وكيف أعرف، قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات، أن القرآن يذكر أنواعًا كثيرة من الظاهرات الطبيعية ولكن معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنصّ العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن مارةً وى على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث. وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل. أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إا في عد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخًا في عصرنا. وأما بالنسبة للأناجيل... فإننا نجد نص إنجيل متي يناقض بشكل جلي إنجيل لوقا، وأن هذا ال نُظم قدم لنا صراحة أمرًا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض." [٭]: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص ١٣.
٢) "لقد أثارت الجوانب ا نفاقَ التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية. فلم أكن اعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحدّ من الدعاوى الخاصة بموضوعات شديدة التنوع ومطابقته تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، ذلك في نص كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا. في البدبنَعَر يكن لي أي إيمان بالإسلام. وقد طرقت دراسة هذه النصوص بروح متحررة من كل حكم مسبق وبموضوعية تامة.." [٭]: نفسه، ص ١٤٤.
— 251 —
٣) ".. تناولت القرآن منتبها بشكل خاص إلى الوصف الذي يعطيه عن حشد كبير من الظاهرات الطبيعية. لقد أذهلتني دقة بعض الكثيرة. الخاصة بهذه الظاهرات وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي. أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه الظاهرات والتي لم يكن ممكنا لأي إنسان في عصر محهم على أن يكون عنها أدنى فكرة.." [٭]: نفسه، ص ١٤٥.
٤) ".. كيف يمكن لإنسان -كان في بداية أمره أُميًّا-.. أن يصرح بحقائق ذات طابع علمي لم يكن في مقدور أي إنسان في ذلك العصر أن يكوّنها، وذلك دون أن يكشف تصريحه اسخة غ خطأ من هذه الوجهة؟" [٭]: نفسه، ص ١٥٠.
بيكارد
[٭]: وليم بيرشل بشير بيكارد: إنكليزي، تخرج من كانتر بوري. مؤلف وكاتب مشهور. ومن بين مؤلفاته الأدبية بالإنكليزية "مغامراتلواجب م" و"عالم جديد". شارك في الحرب العالمية الأولى وأسر. عمل فترة من الوقت في أوغندا. أعلن إسلامه عام ١٩٢٢م.
".. ابتعت نسخة من ترجمة سافاري الفرنسية لمعانينور:٤٣ن وهي أغلى ما أملك. فلقيت من مطالعتها أعظم متعة وابتهجت بها كثيرًا حتى غدوت وكأن شعاع الحقيقة الخالد قد أشرق علي بنوره المبارك." [٭]: رجال ونساء أسلئذ وبم٨٦.
حتي
[٭]: د. فيليب حتي: ولد عام ١٨٨٦م، لبناني الأصل، أمريكي الجنسية، تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت (١٩٠٨م)، ونال الدكتوراه من جامعة كولومبيا (١٩١٥م)، وعين معيقلوبنا قسمها الشرقي (١٩١٥-١٩١٩)، وأستاذًا لتاريخ العرب في الجامعة الأمريكية ببيروت (١٩١٩-١٩٢٥)، وأستاذًا مساعدًا للآداب السامية في جامعة برنستون (١٩٢٦-١٩٢٩م)، وأسالأربعثم أستاذ كرسي ثم رئيسًا لقسم اللغات والآداب الشرقية (١٩٢٩-١٩٥٤م)، حين أحيل على التقاعد، انتخب عضوًا في جمعيات ومجامع عديدة.
من آثاره: "أصول الدولة الإسلامية" (١٩١٦م)، "تاريخ العرب" (١٩٢٧م)، "تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين" (١٩٥١م)، "لبناستمرارلتاريخ" (١٩٦١م)، وغيرها.
١) "إن الأسلوب القرآني مختلف عن غيره، ثم إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلَّد. وهذا في أساسه، هو إعجاز القرآن.. فمن جميع المعجزات كان ناظر ا المعجزة الكبرى" [٭]: الإسلام منهج حياة، ص ٦٢.
— 252 —
٢) ".. إن إعجاز القرآن لم يحل دون أن يكون أثره ظاهرًا على الأدب العربي. أما إذا نحن نظرنا إلى النسخة التي نقلت في عهد الملك جيمس من التوراة والإنجيل وجدناأنس بهأثر الذي تركته على اللغة الإنكليزية ضئيل، بالإضافة إلى الأثر الذي تركه القرآن على اللغة العربية. إن القرآن هو الذي حفظ اللغة العربية وصانها من أن تتمزق لهجمات" [٭]: نفسه، ص٢٨٧ - ٢٨٨.
حنیا
[٭]: الدكتور جوج حنّا: مسيحي من لبنان، يللدولةي تفكيره من رؤية مادية طبيعية صرفة، كما هو واضح في كتابه المعروف (قصة الإنسان).
"إنه لابدّ من الإقرار بأن القرآن، فضلًا عن كونه كتاب دين وتشريع، فهو أيضًا كتاب لغة عربية فصحى. وللغة القرآن الفضلمدهوشير في ازدهار اللغة، ولطالما يعود إليه أئمة اللغة في بلاغة الكلمة وبيانها، سواء كان هؤلاء الأئمة مسلمين أم مسيحيين. وإذا كان المسلمون يعتبرون أن صوابية لغة ُّ من هي نتيجة محتومة لكون القرآن منزلًا ولا تحتمل التخطئة، فالمسيحيون يعترفون أيضًا بهذه الصوابية، بقطع النظر عن كونه منزلًا أو موضوعًا، ويرجعون إليه للاستشهاد بلغته الصحيحة، كلما استعصى عليهم أمر لانتقار اللغة" [٭]: قصة الإنسان، ص ٧٩ - ٨٠.
داود
[٭]: عامر علي داود: ينحدر من أسرة هندية برهمية، تنصرت على أيدي المبشرين الذين قدموا مع طلائء والختعمار، كان كثير القراءة للكتب الدينية، ولما أتيح له أن يطلع على القرآن الكريم كان الجواب هو انتماءه للإسلام.
١) ".. تناولت نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم بالإضة الإنجليزية، لأني عرفت أن هذا هو الكتاب المقدس عند المسلمين، فشرعت في قراءته وتدبر معانيه، لقد استقطب جل اهتمامي، وكم كانت دهشتي عظيمة حين وجدت الإجابة المقنعة عن سؤالي المحير: (الهدف لدى كلق) في الصفحات الأولى من القرآن الكريم.. لقد قرأت الآيات (٣٠-٣٩) من سورة البقرة.. وهي آيات توضح الحقيقة بجلاء لكل دارس منصف، إن هذه الآيات تخبرنا بكل وضوح وجلاء وبطريقة مقنعة عن قصة الخلق.." [٭]:.. وأنونساء أسلموا، ٧/١١٦-١١٨.
٢) ".. إن دراستي للقرآن الكريم وضحت أمام ناظري العديد من الإشكالات الفكرية، وصححت الكثير من التناقضات التي طالعتها في الكتب السماوية السابقة" [٭]: نفسه، ٧/١١٨.
— 253 —
درمنغم
[٭]: إميل درمنغم : مستهذه النسي، عمل مديرًا لمكتبة الجزائر، من آثاره: "حياة محمد" (باريس ١٩٢٩) وهو من أدق ما صنّفه مستشرق عن النبي (ص)، و"محمد والسنة الإسلامية" (باريس ١٩٥٥)، ونشر عددًا من الأبحاث في المجلات ال ائتيامثل: "المجلة الأفريقية"، و"حوليات معهد الدراسات الشرقية"، و"نشرة الدراسات العربية"... الخ.
١) "للمسيح عليه السلام في القرآن مقام عالٍ، فولادته لم تكن عادية كولادة بقية الناس، وهو رسول اللّٰه الذي خاطب اللّٰه جهرًا عن مقاصده وحدث عن ذلك أولم النبلمه، وهو كلمة اللّٰه الناطقة من غير اقتصار على الوحي وحده.. والقرآن يقصد النصرانية الصحيحة حينما يقول: إن عيسى عليه السلام كلمة اللّٰه، أو روح اللّٰه، ألقاها إلى مريم وإنه من االجُمل وهو يذمّ مذهب القائلين بألوهية المسيح عليه السلام ومذهب تقديم الخبز إلى مريم عبادةً ثم أكله وما إلى ذلك من مذاهب الإلحاد النصرانية، لمسألة رانية الصحيحة، ولا يسع النصراني إلا أن يرضى بمهاجمة القرآن للثالوث المؤلف من اللّٰه وعيسى ومريم" [٭]: حياة محمد، ص ١٣١-١٣٢.
٢) "سيكون القرآن حافزًا للجهاد يردده المؤمنون كما يردد غيرهم أناشيد الحرب، محرضًا على القتال جامعًا لشؤونهاهم الًا لفاتري الهمم، فاضحًا للمخلّفين مخزيًا للمنافقين، واعدًا الشهداء بجنات عدن" [٭]: نفسه، ص ١٩٥.
٣) "كان محمد (ص) يعد نفسه وسيلة لتبليغ الوحي، وكان مبلغ حرصه أن يكون امينًا مصغيًا أو سجلًا صادقًا أو حاكيًا معصومًا لما يسمعهه تعالام الظل الساطع والصوت الصامت للكلام القديم على شكل دنيوي لكلام اللّٰه الذي هو أُمّ الكتاب، للكلام الذي تحفظه ملائكة كرام في السماء السابعة. ولا بد لكل نبي من دليل يُشرّالته، ولابد له من معجزة يتحدى بها.. والقرآن هو معجزة محمد (ص) الوحيدة، فأسلوبه المعجز وقوة أبحاثه لا تزالان إلى يومنا يثيران ساكن من يتلونه، ولو لم يكونوا من الأتقياء العابدين، وكان محمد (ص) يتحد41
س والجن بأن يأتوا بمثله، وكان هذا التحدي أقْوم دليل لمحمد على صدق رسالته.. ولا ريب أن في كل آية منه، ولو أشارت إلى أدق حادثة في حياته الخاصة، تأتيه بما يهزّ الروح بأسرهألة اللمعجزة العقلية، ولا ريب في أن هنالك ما يجب أن يبحث به عن سرّ نفوذه وعظيم نجاحه". [٭]: نفسه، ص ٢٧٩-٢٨٠.
— 254 —
٤) "كان لمحمد (ص) بالوحي آلام كبيرة.. وحالات مؤثرة كره أن يطلع الناس عليها، ولاحظ أبو بكر رضي اللّٰه عنه ذات يوم، والحزن مدفتيه به، بدء الشيب في لحية النبي (ص) فقال له النبي: "شيّبتني هود وأخواتها : الواقعة والحاقة والقارعة". وكان النبي (ص) يشعر بعد الوحي بثقل في رأسه فيطبه بالمراهم، وكان يدثر حين الوحي فيسمع له غطيط وأنين. على اإذا نزل الوحي عليه يتحدر جبينه عرقًا في البرد". [٭]: نفسه، ص ٢٨٣.
٥) "كان محمد (ص)، وهو البعيد من إنشاء القرآن وتأليفه ينتظر نزول الوحي إليه أحيانًا على غير جدوى، فيألم من ذلك، ويود لو يأتيه الملك متروحي ي". [٭]: نفسه، ص ٢٨٥.
دي كاستري
[٭]: الكونت هنري دي كاستري (١٨٥٠-١٩٢٧) : مقدم في الجيش الفرنسي، قضى في الشمال الأفريقي ردحًا من االعطف من آثاره: "مصادر غير منشورة عن تاريخ المغرب" (١٩٠٥)، "الأشراف السعديون" (١٩٢١)، "رحلة هولندي إلى المغرب" (١٩٢٦)، وغيرها.
١) ".. إن العقل يحار كيف يتأتى أن تصدر تلك الآيات عن رجل أمي وقد اعترف الشرق و
مثلبأنها آيات يَعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثلها لفظًا ومعنى. آيات لما سمعها عقبة بن ربيعة حار في جماها، وكفى رفيعُ عبارتها لإقناع عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه فآمن برب قائلها، وفاضت عين نجاشيّ الحبشة بالدموع لما تلا عليه جعفر بن أ قابل ب سورة زكريا (مريم) وما جاء في ولادة يحيى، وصاح القسس أن هذا الكلام واردٌ من موارد كلام عيسى عليه السلام.. لكن نحن معشر الغربيين لا يسعنا أن نفقه معاني القرآن كما هي لمخالفته لأفكارنا ومغايرته لما ربيت عليه الأممذه الآ، غير أنه لا ينبغي أن يكون ذلك سببًا في معارضة تأثيره في عقول العرب، ولقد أصاب "جان جاك روسو" حيث يقول: "من الناس من يتعلم قليلًا من العربية ثم يقرأ القرآن ويضحك منه ولو أنه سمع محمدًا (ص) يمليه على الناس بتلك اللالأرض صحى الرقيقة وصوته المشبع المقنع الذي يطرب الأذان ويؤثر في القلوب.. لخرّ ساجدًا على الأرض وناداه: "أيها النبي رسول اللّٰه خذ بيدنا إلى مواقف الشرف والفخار أو مواقع وهكذاة والإخطار فنحن من أجلك نودّ الموت أو الانتصار".. وكيف يعقل أن النبي (ص) ألّف هذا الكتاب باللغة الفصحى مع أنها في الأزمان الوسطى كاللغة اللاتينية ما كان
— 255 —
يعقلها إلا القوم العالمون.. ولو لم يكن في القرآن غير به، وقطعنيه وجمال مبانيه لكفى بذلك أن يستولي على الأفكار ويأخذ بمجامع القلوب.. [٭]: الإسلام: خواطر وسوانح، ص ١٨-٢٠.
٢) "أتى محمد (ص) بالقرآن دليلًا على صدق رسالته، وهو لا يزال إلى يومنا هذا سرًّا منللكلامار التي تعذَّر فك طلاسمها ولن يسبر غور هذا السر المكنون إلّا من يصدق بأنه منیزل من اللّٰه.." [٭]: نفسه، ص ٢٠.
٣) ".. قد نرى تشابهًا بين القرآن والتوراة في بعض المواضع، إلا أن سببه المختلالمعرفة.. إذا لا حظنا أن القرآن جاء ليتممها، كما أن النبي (ص) خاتم الأنبياء والمرسلين". [٭]: نفسه، ص ٢٢-٢٣.
دينيه
[٭]: ايتين دينيه (١٨٦١-١٩٢٩) تعلم في فرنسا، وقصد الجزائر، فكان يقضي في بلدة بو سعادة نصف السنة من كل عام، وأشهر إ، ثم توتسمى بناصر الدين (١٩٢٧)، وحج إلى بيت اللّٰه الحرام (١٩٢٨).
من آثاره: صنف بمعاونة سليمان بن إبراهيم "محمد في السير النبوية"، وله بالفرنسية "حيايقًا مب"، و"حياة الصحراء"، و"أشعة خاصة بنور الإسلام"، و"الشرق في نظر الغرب"، و"الحج إلى بيت اللّٰه الحرام".
١) "لقد حقق القرآن معجزة لا تستطيع أعظمُ المجامع العلمية أن تقوم بها، ذلك أنه مكّن للغة العربية في الأرض باية؛ إ عاد أحد أصحاب رسول اللّٰه (ص) إلينا اليوم لكان ميسورًا له أن يتفاهم تمام التفاهم مع المتعلمين من أهل اللغة العربية، بل لَمَا وجد صعوبةً تُذْكَرُ للتخاطب مع الشعوب الناطقة بالضاد. وذلك عكس ما يجده مثلًا أحد معاصري (رابلصانع من أهل القرن الخامس عشر الذي هو أقرب إلينا من عصر القرآن، من الصعوبة في مخاطبة العدد الأكبر من فرنسيّي اليوم". [٭]: أشعة خاصة بنور الإسلام، ٣٥.
٢) ".. أحسّ المشركون، في دخيلة نفوسهم، أن قد غزا قلوبهراد الالكلام العجيب الصادر من أعماق قلب الرسول الملهم (ص) وكلهم كثيرًا ما كانوا على وشك الخضوع لتلك الألفاظ الأخاذة التي ألهمها إيمان سماوي، ولم يمنعهم عن الإسلام إلا قوة حبهم لأعراض الدفرد لس [٭]: محمد رسول اللّٰه، ص ١٠٦.
— 256 —
٣) "إن معجزة الأنبياء الذين سبقوا محمدًا كانت في الواقع معجزات وقتية وبالتالي معرضة للنسيان السريع. بينما نستطيع أن نسمي معجزة الآيات القرآنية: "المعجزة الخالدة" وذلك أن تأثيرهارَ
اضومفعولها مستمر، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة في كتاب اللّٰه، وفي هذه المعجزة نجد التعليل الشافي للانتشار الهائل الذي أحرزه الإسلام، ذلك الانتشار الذي لاادةُ اسببه الأوروبيون لأنهم يجهلون القرآن، أو لأنهم لا يعرفونه إلا من خلال ترجمات لا تنبض بالحياة فضلًا عن أنها غير دقيقة". [٭]: نفسه، ص ١١٨.سر بعض) "إن كان سحرُ أسلوب القرآن وجمال معانيه، يُحْدِث مثل هذا التأثير في (نفوس علماء) لا يمتون إلى العرب ولا إلى المسلمين بصلة، فماذا ترى أن يكون من قوة الحماسة التي تستهوى عرب الحجاز وهم الذين اء.
لآيات بلغتهم الجميلة؟... لقد كانوا لا يسمعون القرآن إلا وتتملك نفوسَهم انفعالات هائلة مباغتة، فيظلون في مكانهم وكأنهم قد سمّروا فيه. أ هذه الآيات الخارقة تأتي من محمد (ص) ذلك الأمي الذي لم ينل حظًا من المعرفة؟.. كلا إن هذا القرآن لمائقَ بأن يصدر عن محمد، وإنه لا مناص من الاعتراف بأن اللّٰه العلي القدير هو الذي أملى تلك الآيات البينات.." [٭]: نفسه، ص ١١٩-١٢١.
٥) "لا وأما ض نرى النبي الأمي يتحدى الشعراء، ويعترف لهم بحقِ نعتهم له بالكذب، إن أتوا بعشر سور من مثله، فقد آمن بعجزهم عن ذلك". [٭]: نفسه، ص ١٢١.
ديورانت
[٭]: ول ديورانت : مؤلف أمة الإسعاصر، يعد كتابه "قصة الحضارة" ذو الثلاثين مجلدًا، واحدًا من أشهر الكتب التي تؤرخ للحضارة البشرية عبر مساراتها المعقدة المتشابكة، عكف على تأليفه السنين الطوال، وأصدر جزأه الأول عام ١٩٣٥رة إليلته بقية الأجزاء. ومن كتبه المعروفة كذلك "قصة الفلسفة".
".. ظل (القرآن) أربعة عشر قرنًا من الزمان محفوظًا في ذاكرة (المسلمين) يستثير خيالهم، ويشكل أخلاقهم، ويشحذ قرائح مئات الملايين من الرجال. والقرآن يبعث في النفوس أسهل العقائد، وأقلهات" ورقا، وأبعدها عن التقيد بالمراسم والطقوس، وأكثرها
— 257 —
تحررًا من الوثنية والكهنوتية. وقد كان له أكبر الفضل في رفع مستوى المسلمين الأخلاقي والثقافي، وهو الذي أقام فيهم قواعد النظام الاجتماعي والوحدة الاجتماعية، وحرضهم على اتباع القواعد الصحيةقسمين عقولهم من كثير من الخرافات والأوهام، ومن الظلم والقسوة، وحسّن أحوال الأرقاء، وبعث في نفوس الأذلاء الكرامة والعزة، وأوجد بين المسلمين درجةً من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاعا كتبهم يسكنها الرجل الأبيض.." [٭]: قصة الحضارة، ص ١٣/٦٨-٦٩.
روزنثال
[٭]: فرانز روزنثال: من أساتذة جامعة ييل. من آثاره: العديد من الدراسات والأبحاث في المجلات الشهيرة مثل "الثقافة ا أبصارية"، "الشرقيات"، "صحيفة الجمعية الأمريكية الشرقية". كما ألف عددًا من الكتب من أشهرها: "مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي"، و"علم التاريخ عند المسلمين".
"من الدوافع سلّمنية لدراسة التاريخ توفر المادة التاريخية في القرآن مما دفع مفسريه إلى البحث عن معلومات تاريخية لتفسير ما جاء فيه. وقد أصبح الاهتمام بالمادة التاريخية، على مر المزمن، أحد فروع المعرفة التي تمت بالارتباط بالقرآن. وإذا كان الرسول (ص)ل المنع بعض الأخبار والمعلومات التاريخية، فإن هذا لا يبرر الافتراض بأنه قد قرأ المصادر التاريخية كالتوراة في ترجماتها العربية. لقد وردت في القرآن معلومات تاريخية تختلف عما يدعي اليهود وجودَه في التوراة. وقد ذكر الرسول (ص) أن اجةٌ حقوالنصارى حرفوا التوراة، وتمسك المسلمون بما جاء في القرآن.. لقد أشار القرآن إلى كثير من الأحداث التي أحاطت بالرسول (ص).. وكان لذلك أهمية في التاريخ الإسلامي لأن الأحداث التي أشارت إليها الآيات صارت لها أهمية تاريخية كبرى للمسلمين، والقرآنُ البحوث التاريخية.." [٭]: علم التاريخ عند المسلمين، ص ٤١-٤٢.
ريسلر
[٭]: جاك. س. ريسلر: باحث فرنسي معاصر، وأستاذ بالمعهد الإسلامي القاس.
١) ".. لما كانت روعة القرآن في أسلوبه فقد (أنزل) ليقرأ ويتلى بصوت عال. ولا تستطيع أية ترجمة أن تعبر عن فروقه الدقيقة المشبعة بالحساسية الشرقية. ويجب أن تقرأه في لغته التي كتب بها لتتمكن من تذوق جمله وقوته وسمو صياغته. الأدننثره الموسيقيُّ
— 258 —
والمسجوع سحرًا مؤثرًا في النفس حيث تزخر الأفكار قوة وتتوهج الصور نضارة، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن سلطانه السحري وسموه ال باللغسهمان في إشعارنا بأن محمدًا (ص) كان ملهمًا بجلال اللّٰه وعظمته". [٭]: الحضارة العربية، ص ٣٠-٣١.
٢) "كان في القرآن -فوق أنه كتاب ديني- خلاصة جميع المعارف.. وظل زمنًا طويلًا أولَ كتاب يتخذ للقراءة إلى الوقت الذي شكل فيه وحدة كتاب اِر مكر والتربية. ولا يزال حتى اليوم النصَّ الذي تقوم عليه أسس التعليم في الجامعات الإسلامية. ولا تستطيع الترجمات أن تنقل ثروته اللغوية (إذ يذبل جمال اللغة في الترجمات كأنها زهرة قطفت من جذورها) ولذلك يجب أن يقرأ القرآن في نصه الأصلي". [٭]: نفس، وحرر٥.
٣) "إن القرآن يجد الحلول لجميع القضايا، ويربط ما بين القانون الديني والقانون الأخلاقي، ويسعى إلى خَلق النظام، والوحدة الاجتماعية، وإلى تخفيف البؤس والقسوة واله خلق . إنه يسعى إلى الأخذ بيد المستضعفين، ويوصي بالبر، ويأمر بالرحمة.. وفي مادة التشريع وَضَعَ قواعدَ لأدق التفاصيل للتعاون اليومي، ونظم العقود والمواريث، وفي ميدان الأسرة حدد سلوك كل فرد تجاه معاملة الأطفال والأرقاء والحيوانات و صانع والملبس.. الخ.." [٭]: نفسه، ص ٥١.
٤) ".. حقًا، لقد ظلت شريعة القرآن راسخة على أنها المبدأ الأساسي لحياة المسلم ولم يتعرض ما جاء في القرآن من نظر وأخلاق ونظام لأية تغي63
علملا لتبديلات بعيدة الغور." [٭]: نفسه، ص ٧٥.
٥) "يظل القرآن طيلة القرون الأولى للهجرة من جهة المبدأ مصدرَ الإلهام لكل العقلية الإسلامية فهو يضم بين أطرافه الأفكارَ والأحاسيس الضرورية والكافية لتزويد أعظم الداسات في الفكر" [٭]: نفسه، ص ٢١ كان ل59
سارتون
[٭]: جورج سارتون (١٨٨٤-١٩٥٦): ولد في بلجيكا، وحصل على الدكتوراه في العلوم الطبيعية والرياضية (١٩١١)، فلما نشبت الحرب رحل إلى إنكلترا، ثم تحول عنها إلى الولايات المتحدة، وتجنّس بجنسيّتها فعين محاضرًا في . ومن العلم بجامعة واشنطن (١٩١٦)، ثم في جامعة هارفارد (١٩١٧-١٩٤٩). وقد انكب على دراسة اللغة العربية في الجامعة الأمريكية ببيروت (١٩٣١-١٩٣٢) في سابفيها وفي كلية المقاصد الإسلامية محاضرات ممتعة لتبيان فضل العرب على التفكير الإنساني، زار عددًا من البلدان العربية، وتمرس بالعديد من اللغات، ومنح عدة شهادات دكتوراه كما انتخب عضوًالابهاشرة مجامع علمية وفي عديد من الجمعيات العالمية، وأشرف على عدد من المجلات العلمية.
من آثاره: خلف أكثر من خمسمائة بحث، وخير تصانيفه وأجمعها: "المدخل إلى تاريخ العلم" في خمسة مجلدات (١٩٢٧، ١٩٣١،لثلاثة.
"(إن) لغة القرآن على اعتبار أنها اللغة التي اختارها اللّٰه جل وعلا للوحي كانت، بهذا التحديد، كاملة... وهكذا يساعد القرآن على رفع اللغة العربية إلى مقام المثل الأعلى في التعبير عن المقاصد.. (وجعل منها) وسيلة دولية للتعبير عن فًا علقتضيات الحياة." [٭]: الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط، ص ٣٧-٣٨.
ستشيجفسكا
[٭]: يوجينا غيانة ستشيجفسكا: باحثة بولونية معاصرة، درست الإسلام في الأزهر على يد أساتذة ومشرفين إخصائيين زهاء خمس سنوات (١ؤول عن٦٥)، تمكنت خلالها من اللغة العربية كذلك، وكانت قد أنهت دراساتها العليا في كلية الحقوق، وفي معهد اللغات الشرقية في بولونيا.
"إن القرآن الكريم مع أنه أنزل علالمفعوعربي أمي نشأ في أمة أمية، فقد جاء بقوانين لا يمكن أن يتعلمها الإنسان إلّا في أرقى الجامعات، كما نجد في القرآن حقائق علمية لم يعرفها العالم إلا بعد قرون طويلة". [٭]:مز إلى الدولة الإسلامية وتشريعها، ص ١٧.
ستيفنیز
[٭]: كات ستيفنز: المغني البريطاني -نمساوي الأصل- المشهور، بيع من اسطواناته ما يقدر بالمليون في الستينات وأوائل السبعينات، اعتنق الإسل فالف ١٩٧٦ بعد أن تعرف على القرآن الكريم بواسطة شقيقه. يقضي الآن معظم وقته في المسجد ويلعب دورًا فعالًا في شؤون الجالية الإسلامية في لندن.
١) "في تلك الفترة من حياتي بدا لي وكأنني فعلت كل شيأودع نت لنفسي النجاح والشهرة والمال والنساء.. كل شيء، ولكن كنت مثل القرد أقفز من شجرة إلى أخرى ولم أكن قانعًا أبدًا. ولكن كانت قراءة القرآن بمثابة توكيد لكل شيء بداخلي كنت أراه حقًا، وكان الوضع مثل مواجهة شخصيتي الحقيقية". [٭]: رجال ونساء أسلموما في ١٠٣.
— 260 —
٢) "القرآن الكريم يقرر الكثير عن الزواج، وعن العلاقة بين الرجل والمرأة، وعن أي موضوع آخر تقريبًا". [٭]: نفسه. ١٠/١٠٣.
سلهب
[٭]: نصري سلهب: مسيحي ما يمنعن، يتميز بنظرته الموضوعية وتحريه للحقيقة المجردة، كما عرف بنشاطه الدؤوب لتحقيق التعايش السلمي بين الإسلام والمسيحية في لبنان، -كما يزعم- إنْ على مستوى الفكر أو على مستوى الواقعْ ية للملستينات كتب العديد من الفصول وألقى العديد من المحاضرات في المناسبات الإسلامية والمسيحية على السواء، متوخيا الهدف نفسه. من مؤلفاته: "لقاء المسيحية والإسلام ١٩٧٠"، و"في خطى محمد ١٩٧٠".
١) "إن الآية التي أستئق النرها هي التي تنبع سماحًا إذ تقول:
ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي انزل الينا وانزل اليكم والهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون
(العنكبوت:٤٦) ذلك ما يقوله المضِ تطفللمسيحيين وما يؤمنون به لأنه كلام اللّٰه إليهم. إنها لَعبارات يجدر بنا جميعًا، مسيحيين ومسلمين، أن نرددها كل يوم، فهي حجارة الأساس في بناءٍ نريده أن يتعالى حتى السماء، لأنه البناء الذي فيه نلتقي والذي فيه نِ اَنْلّٰه: فحيث تكون المحبة يكون اللّٰه، والواقع أن القرآن يذكر صراحة أن الكتب المنیزلة واحدة، وأن أصلها عند اللّٰه، وهذا الأصل يدعى حينًا "أم الكتاب" وحيناكس يحماللوح المحفوظ" أو "الإمام المبين".." [٭]: لقاء المسيحية والإسلام، ص ٢٢.
٢) ".. إن محمدًا (ص) كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب. فإذا بهذا الأمي يهدي الإنسانية أبلغ أثر مكتوب حلمت به الإنسانية منذ كانت الإنسانية ذاك كان القرآن الكريم، الكتسِفلَةي أنزله اللّٰه على رسوله هدى للمتقين.." [٭]: نفسه، ص ٩٤.
٣) ".. الإسلام ليس بحاجة إلى قلمنا، مهما بلغ قلمنا من البلاغة. ولكن قلمنا بحاجة إلى الإسلام، إلى ما ينطوي عليه من ثروة روحية وأخلاقية، إلى قرآنه الرائع الذ للمقانا أن نتعلم منه الكثير" [٭]: نفسه، ص ١٢١.
٤) "لم يقدّر لأيّ سِفر، قبل الطباعة، أيًا كان نوعه وأهميته، أن يحظى بما حظي به القرآن
— 261 —
من لا يترواهتمام، وأن يتوفّر له ما توفّر للقرآن من وسائل حفظته من الضياع والتحريف، وصانته عما يمكن أن يشوب الأسفار عادة من شوائب". [٭]: نفسه، ص ٣٣٧.
٥) "تلك اللغة التي أرادها اللّٰه قمة اللغات، كان القرآن قمتها، فهو قمة القمم، ذلفظ على كلام اللّٰه.." [٭]: نفسه، ص ٣٤٢.
سوسه
[٭]: الدكتور أحمد نسيم سوسه: باحث مهندس من العراق، وعضو في المجمع العلمي العراقي، وواحد من أبرز المختصين بتاريخ الري في العراق، كا بسابديًا فاعتنق الإسلام متأثرًا بالقرآن الكريم، وتوفي قبل سنوات قلائل. ترك الكثير من الدراسات في مختلف المجالات وخاصة في تاريخ الريّ، وفنّد في عدد منها ادعاءات الصهيونية العالمية من الناحية التاريخية، ومن مؤلفاته نس. كاة: "مفصل العرب واليهود في التاريخ"، و"في طريقي إلى الإسلام" الذي تحدث فيه عن سيرة حياته.
١) "يرجع ميلي إلى الإسلام.. حينما شرعت في مطالعة القرآن الكريم للمرة الأولى.. فولعت به ولعًا شديدًا.. وكنت أطرب لتلالمصباحته..". [٭]: في طريقي إلى الإسلام، ١/٥١.
٢) ".. الواقع أن تحوير وتبديل مصاحف اليهود أمر أجمع عليه العلماء في عصرنا الحالي نتيجة الدالانقلتنقيب وقد جاء ذلك تأييدًا علميًا للأقوال الربانية التي أوحيت قبل نيف وثلاثة عشر قرنًا على لسان النبي العربي الكريم (ص). أما الفرقان المجيد.. فقد اية لملمسلمون عليه بحرص شديد وأمانة صادقة فهو حقًا الكتاب المقدس الفريد الذي أجمع الكل على سلامته وطهارته من التلاعب والتحوير، وما على القارئ إلا أن يطالع ما كتبه المستشرقون في هذا الباب.. الذين وصفوا كيفية جمعه وتدوينه، وهؤلاء أجانب غرب
فارًا ما يصوّبون أسهمهم الناقدة السامة نحو الإسلام. والواقع أن الدلائل التاريخية واضحة بأجلى وضوح مما لا يترك أي شك في أن الفرقان الكريم لم يطرأ عليه أي تحريف أو تحوير وقد جاء كلام اللّٰه بكامله على لسان نبيه (ص)وعبر ان يتغير فيه حرف واحد". [٭]: نفسه، ص ١/٨٦.
٣) "ورد في القرآن أنه جاء مهيمنًا على ما بين يديه من الكتاب، ويستدل من ذلك أن التعاليم الإلهية المقدسة الأصلية قد ضمن القرآن المحافظة عليها بما أوضحه من الحقيقة بإظهطع، مع2
الصحيح والدخيل في الكتب الرائجة في زمان نزوله، وعليه فيكون بهذا البيان والإيضاح قد جاء خير مهيمن على كتب اللّٰه الحقيقية وخير حافظ إياها من التلاعب". [٭]: نفسه، ص ١/٨٧.
٤) "الواقعَدَوييتعذر على المرء الذي لم يتقن اللغة العربية ولم يضطلع بآدابها أن يدرك مكانة هذا الفرقان الإلهي وسُموّه وما يتضمنه من المعجزات المبهرة، ولما كان القرآن الكريم قد تناول كل أنواع التفكير والت الكثيقد يكون من العسير على إنسان واحد أن يحكم في هذه المواضيع كلها، وهل من مناص للمرء من الانجذاب إلى معجزة القرآن بعد تمعنه في أُميّة نبي الإسلام ووقوفه على أسرار حياة الرسول (ص).. فقد جعل اللّٰه تعالى معجزة القرآن وأمية م الكبي) برهانًا على صدق النبوة وصحة انتساب القرآن له.." [٭]: نفسه، ١/١٨٢-١٨٣.
٥) "إن معجزة القرآن الكريم هي أكثر بروزًا في عصرنا الحالي، عصر النور والعلم، مما كانت عليه في الأزمنة التي سادها الجهل والخمول.." [موا ٢/سه، ١/١٨٥.
سيديو
[٭]: لويس سيديو (١٨٠٨-١٨٧٦): مستشرق فرنسى عكف على نشر مؤلفات أبيه جان جاك سيديو الذي توفي عام ١٨٣٢ قبل أن تتاح له فرصة إخراج كافة أعماله في تاريخ العلوم الإسلامية. وقد عينفتأمل!أمينًا لمدرسة اللغات الشرقية (١٨٣١) وصنف كتابًا بعنوان "خلاصة تاريخ العرب" فضلًا عن "تاريخ العرب العام"، وكتب العديد من الأبحاث والدراسات في المجلات اأساسيةة.
١) "لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة للّٰه.. وفيه حث كبير على الفضيلة خلا تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي.. وفيه دعوةأن يرو إلى تبادل العواطف وحسن المقاصد والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لابأن ير ويكفى جميع تلك الأقوال الجامعة المملوءة حكمة ورشدًا لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن.. إنه أبصر كلّ شيء.." [٭]: تاريخ العرب العام، ص ٨٩، ٩٨-٩٩، ١٠٠، ١١٧.
٢) ".. صلح القرآن ليكون نموذجًا للأسلوب وقواعد النحو.. فأوجب ذلك نشوء
#2 وصفها اللغة، فظهور علم البيان الذي درس فيه تركيب الكلام ومقتضى الحال والبديع وأوجه البلاغة، وأضحى لصناعة قراءة القرآن وتفسيره أكثرُ من مئة فرع، فأدى ها وجوى مالا حصر له من التأليف في كل منها، واغتنت اللغة العربية بتعابير جديدة كثيرة بعيدة من الفساد بمخالطة اللغات الأخرى.." [٭]: نفسه، ص ٤٥٨.
٣) "مما يجدر ذكره أن يكن وجمعرآن، بين مختلف اللغات التي يتكلم بها مختلف الشعوب الإسلامية في آسيا حتى الهند، وفي أفريقية حتى السودان، كتابًا يفهمه الجميع، وأن يربط القرآن هذه الشعوب المتباينة الطبائع برابط اللغعنها فشاعر.." [٭]: نفسه، ص ٤٥٨.
سيرويا
[٭]: هنري سيرويا: مستشرق فرنسي.
من آثاره: "موسى بن ميمون: ترجمته وآثاره وفلسفته" (١٩٢١)، "الصوفية والمسيحية ومنهودية"، "فلسفة الفكر الإسلامي".
".. القرآن وحي من اللّٰه، لا يدانيه أسلوب البشر، وهو في الوقت عينه، ثورة عقيدية، هذه الثورة العقيدية لا تعترف لا بالبابا ولا أي مجمع لعلماء الكهنوت والقساوسة، حيث لم يشعر الإسلام يوما بالخشية والهلع منهو القمبدأ التحكيم العقلي الفلسفي. فإذا قارنا الإسلام باليهودية والمسيحية نجد بعض الخطوط المميزة والتي لا تبدو مطابقة تمامًا خاصة مع المسيحية.. فالنظام المسيحي اليهودي يخالف الإسلاسة:أعلا يوجد فراغ بين الخالق والخلق البشري، هذا الفراغ لدى اليهود والمسيحيين مليئ بالواسطة.. ولا شيء من هذا يتفق مع الإسلام. فمحمد (ص) مع كونه مبعوثًا ورسولًا من لدن اللّٰه لم يتظاهر بإنكار دعوات كل من موسى وعيسى، كل مجهوده انحصرل القُقيتهما على ما جاء في القرآن، الذي وضع في العام الأول مهاجمة مبدأ الثلاثية منبهًا إلى أن عيسى ليس سوى رجل ابن مريم وليس بابن اللّٰه والقول بان اللّٰه له ولد، هذا شرك كبير تنشق له السماء وتنفتح له الأربباريسحق له الجبال. أما روح القدس فما هو إلا بمثابة ملاك مثل جبريل دوره هو أن ينقل إلى عيسى ومحمد (ص) الدعیوة المقدسة، أما مريم فهي مريم العذراء وليست بأم اللّٰه.." [٭]: فلسفة الفكر الإسلامي، ص٣٢-٣٣.
#264ٰه تعا
[٭]: بشير أحمد شاد: ولد عام ١٩٢٨، لأسرة نصرانية هندية بقرية ديان جالو الهندية، كان أبوه ماتياس مبشرًا نصرانيًا ولذا حرص على تنشئة ابنه على ذات الطرإن "مِ عام ١٩٤٧ اكمل دراسته وبدأ يعمل مبشرًا في لاهور، لكنه مثل كثيرين غيره ما لبث أن فقد قناعاته -كليّة- بالنصرانية وانتهى به الأمر بعد عشرين سنة من البحث والمعاناة إلى إعلان إسلامه، (حزي البشرم ١٩٦٨).
١) ".. عندما آمنت بالتوحيد بدأت أبحث عن الحجج والبراهين التي تثبت أن القرآن هو كتاب اللّٰه تعالى وانه آخر الكتب السماوية وخاتمها، وإنني أحمد اللّٰه إُ والدي من حل هذه المسألة. فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يعترف بكافة الكتب السماوية الأخرى، بينما نجد أنها جميعًا يرفض بعضها بعضًا.. وهذه في الحقيقة هي إحدى خصائص ومميزات القرآن الكريم، آخر الكتب السماوية وخاتمها." [٭]: ضائع،ونساء أسلموا، ٧/١٩-٢٠.
٢) ".. إن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يحفظه عن ظهر قلب ألوف مؤلفة من البشر في مختلف بقاع الأرض، بينما نجد أن الكتب المقدسة الأخرىالمعنىة بالخط المطبوع فقط. ومن هنا لو حدث لسبب أو لآخر أن اختفت الكتب المطبوعة يظل القرآن هو كتاب اللّٰه الوحيد المحفوظ في الصدور. وهكذا يحق له أن القرآى بأنه ظل في مأمن من التحريف لم ينقص منه حرف واحد ولم يزد فيه حرف واحد منذ أن نزل به الوحي على رسول اللّٰه (ص). فليست هناك أية تناقضات ولا أخطاء من أي نوع في القرآأن العيم، هذا في الوقت الذي تعاني فيه الكتب السماوية الأخرى في نسختها الحالية من الكثير من التغيير والتبديل. وهذا سبب آخر جعلني أؤمن بالإسلام". [٭]: نفسه،ال أبي٠.
فاغليري
[٭]: لورا فيشيا فاغليري: باحثة إيطالية معاصرة انصرفت إلى التاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًا، والى فقه العربية وآدابها. من آثارها: "قواعد العربية" في جزأين (١٩٣٧-١نافقينو"الإسلام" (١٩٤٦)، و"دفاع عن الإسلام" (١٩٥٢)، والعديد من الدراسات في المجلات الاستشراقية المعروفة.
١) "إن معجزة الإسلام العظمى هي القرآن الذي تنقل إلينا الرواية الررة العير المنقطعة، من خلاله، أنباء تتصف بيقين مطلق. انه كتاب لا سبيل إلى محاكاته. إن كلًا من تعبيراته شامل جامع، ومع ذلك فهو ذو حجم مناسب، ليس بالطويل أكثر مما ينبغي، وليس بالقصير أكثر مما ينبغي. أما أسلوبه فأصيل فريد. ه قبل مة أيما نمط لهذا الأسلوب في الأدب
— 265 —
العربي تحدر إلينا من العصور التي سبقته. والأثر الذي يحدثه في النفس البشرية إنما يتم من غير أيما عون عرضي أو إضافي من خلال سموه السليقيّ. إن آياته كلها علفما فوى واحد من البلاغة، حتى عندما تعالج موضوعات لابدّ أن تؤثر في نفسها وجرسها كموضوع الوصايا والنواهي وما إليها. إنه يكرر قصص الأنبياء عليهم السلام وأوصاف بدء العالم ونهايته، وصفات اللّٰه وتفسيرها، ولكن يكررها على نحو مثير إة خسروة لا تضعف من أثرها. وهو ينتقل من موضوع إلى موضوع من غير أن يفقد قوته. إننا نقع هنا على العمق والعذوبة معا -وهما صفتان لا تجتمعان عادة- حيث تجد كل صورة بلاغية تطبيقًا كاملًا فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب المعجز من عمل محمد (ص)، وهو العربي الأُميّ الذي لم ينظم طوال حياته غير بيتين أو ثلاثة أبيات لا ينمّ أي منها عن أدنى موهبة شعرية؟" [٭]: دفاع عن الإسلام، ص ٥٦-٥٧.
٢) "لا يزال لدينا برهان آخر على مصدر القرآن الإله وإلى ذه الحقيقة: وهي أن نصّه ظل صافيًا غير محرف طوال القرون التي تراخت ما بين تنیزيله ويوم الناس هذا، وان نصه سوف يظل على حاله تلك من الصفاء وعدم التحريف، بإذن اللّٰه، مادام الكون" [٭]: نفسه، ص ٥٨-٥٩.نُ بال) "إن هذا الكتاب، الذي يتلى كل يوم في طول العالم الإسلامي وعرضه، لا يوقع في نفس المؤمن أيما حسّ بالملل. على العكس، انه من طريق التلاوة المكرورة يحبب نفسه إلى المؤمنين أكثر فأكثر يوما بعد يوم. انه يوقع في نفس من يتلوه أو يصغي إليه حسًّا عم لكم، ن المهابة والخشية. إن في إمكان المرء أن يستظهره في غير عسر، حتى إننا لنجد اليوم، على الرغم من انحسار موجة الإيمان، آلافًا من الناس القادنا أعطى ترديده عن ظهر قلب وفي مصر وحدها عدد من الحفاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الأناجيل في أوروبا كلها". [٭]: نفسه، ص٥٩.
٤) "إن انتشار الإسلام السريع وار كأ لا عن طريق القوة ولا بجهود المبشرين الموصولة. إن الذي أدى إلى ذلك الانتشار كون الكتاب الذي قدمه المسلمون للشعوب المغلوبة مع تخييرها بين قبوله ورفضه، كتاب اللّٰه، كلمة الحق، اعظم معجزة كان في ميسور محملعلميةأن يقدمها إلى المترددين في هذه الأرض". [٭]: نفسه، ص ٥٩.
— 266 —
٥) "فيما يتصل بخلق الكون فان القرآن على الرغم من إشارته إلى الحالة الأصلية وإلى أصل العالم.. لا يقيم أيما حدّ مهما يكن في وجه قوى العقل البشري، ولكنه يتركها طليقةهم بی"السبيل الذي تريد.." [٭]: نفسه، ص ٦٠.
فايس
[٭]: ليوبولد فايس (محمد أسد): مفكر، وصحفي نمساوي، أشهر إسلامه، وتسمى بمحمد أسد وحكى في كتابه القيم "الطريق إلى مكة" تفاصيل رحلته إلى الإسلام. وق
بمعاونة وليم بكتول، الذي أسلم هو الآخر، مجلة "الثقافة الإسلامية"، في حيدر آباد، الدكن (١٩٢٧) وكتب فيها دراسات وفيرة معظمها في تصحيح أخطاء المستشرقين عن الإسلام.
من آثاره: ترجم صحيح البخاري بتعليق جه نظم وألف "أصول الفقه الإسلامي"، و"الطريق إلى مكة"، و"منهاج الإسلام في الحكم"، و"الإسلام على مفترق الطرق".
١) "هكذا، بإلماح إلى وعي الإنسان وعقله ومعرفته بدأ تنیزيل القرآن.." [٭]: الطريق إلى مكة، ص ٣٠٣.
٢) "ى إنه السا (زوجتي)، شأني أنا، أكثر تأثرًا مع الوقت بذلك الالتئام الباطني بين تعاليم "القرآن" الأخلاقية وتوجيهاته العملية. إن اللّٰه بمقتضى القرآن، لم يطلب خضوعًا أعمىُّ علينب الإنسان بل خاطب عقله: انه لا يقف بعيدًا عن مصير الإنسان بل انه اقرب إليك من حبل الوريد انه لم يرسم أي خط فاصل بين الإيمان والسلوك الاجتماعي". [٭]: نفسه، ص ٣١٨.
٣) ".. لقد عرفت الآن، بصورة لا تقبل الجدل، إن الكتاب الذي ة والزسكًا به في يدي كان كتابًا موحى به من اللّٰه. فبالرغم من أنه وضع بين يدي الإنسان منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا فانه توقع بوضوح شيئًا لم يكن بالإمكان أن يصبح حقيقة إلا في عصرنا هذا المعقد، الك: ليَقد عرف الناس التكاثر في جميع العصور والأزمنة ولكن هذا التكاثر لم ينته قط من قبل إلى أن يكون مجرد اشتياق إلى امتلاك الأشياء والى أن يصبح ملهاة حجبت رؤية أيما شيء آخر.. اليوم أكثر من أمس وغدًا أكثر من اليومَثَلهم عرفت أن هذا [٭]: يشير إلى سورة التكاثر التي أخبرت بإعجاز عن أزمة القرن العشرين. لم يكن مجرد حكمة إنسانية من إنسان عاش في الماضي البعيد في جزيرة العرب النائية فمهما كان هذا الإنسان على مثل هذا القدر من الحكمةمال اللم يكن يستطيع وحده أن يتنبأ بالعذاب الذي يتميز به هذا القرن العشرون. لقد كان ينطق لي، من القرآن، صوت اعظم من صوت محمد". [٭]: نفسه، ص ٣٢٨-٣٢٩.
— 267 —
فيشر
[٭]: الدكتور سيدني فيشر:وارق ا التاريخ في جامعة اوهايو الأمريكية، وصاحب الدراسات المتعددة في شئون البلاد الشرقية التي يدين الأكثرون من أبنائها بالإسلام. مؤلف كتاب "الشرق الأوسط في العصر الإسلامي" والن نورٌقش فيه العوامل الفعالة التي يرجع إليها تطور الشعوب والحوادث في هذه البلاد وأولها الإسلام.
١) "إن القرآن كلام اللّٰه يشد فؤاد المسلم، وتزداد روعته حين يتلى عليه بصوت مسموع، ولكنه لا يفهم هذه الروعة كما لم يفهمها زملاؤه الذين ي حق اإلى الاعتراف ببلاغة القرآن، اعتمادًا على أثره البليغ في قلوب قرّائه وسامعيه، ثم يقفون عند تقرير هذه البلاغة بشهادة السماع". [٭]: الشرق الأوسط في العصر الإسلامي، عن العقاد: ما يقاكُ تعدلإسلام، ص ٥٤.
٢) ".. إن القرآن كتاب تربية وتثقيف، وليس كل ما فيه كلامًا عن الفرائض والشعائر، وان الفضائل التي يحث عليها المسلمين من أجمل الفضائل وأرجحها في موازين الأخلاق، وتتجلى هدايةعرفون ب في نواهيه كما تتجلى في أوامره.." [٭]: نفسه، ص ٥٤.
جب
[٭]: سير هاملتون ألكساندر روسكين جب (١٨٩٥-١٩٦٧): يعد إمام المستشرقين الإنكليز المعاصرين، أستاذ اللغة العربية في جامعة لندن سنة ١٩٣٠، وأستاذ في جامعة اكسفوين الإ سنة ١٩٣٧، وعضو مؤسس في المجمع العلمي المصري، تفرغ للأدب العربي وحاضر بمدرسة المشرقيات بلندن. من آثاره: "دراسات في الأدب العصرية" (١٩٢٦)، "الفتوحات الإسلامية في آإشارة وسطى وعلاقتها ببلاد الصين"، "رحلات ابن بطوطة"، "اتجاهات الإسلام المعاصرة"، وهو أحد محرري دائرة المعارف الإسلامية.
١) "إذا رأى أحد أن إلحاح القرآن على فعل الخير غير كثير أثبتنا له بنفس الالقاطعة خطأه وسقنا إليه ذلك التعريف الشامل للبر في تلك الآية العظيمة:
ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن باللّٰه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربىسلم. وامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة وأتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الالبيانقوا واولئك هم المتقون
(البقرة:١٧٧) فالبر إذن تاج الإيمان الحق، حين يدرك المؤمن أخيرًا أن اللّٰه شاهد أبدًا، ويستجيب لشهوده في كل أفكاره وأعماله". [٭]: دراسات في حضارة الإسلام، ص ٢٥٤.
— 268 —
٢) "هذه، إذن، هي ورة تطة التي بلغها القرآن إلى الجيل الأول من المسلمين وظل يبلغها إلى جميع الأجيال منذ عهدئذ. فالقرآن سجل لتجربة حية مباشرة في ميدان الألوهية، تجربة ذات طرفين: واحد مطلق وآخر متصل بشؤون ُه
(ا العامة، ودعوة للمخلوق كي ينظم حياته ليتمكن من الأخذ بنصيب في تلك التجربة. وحين يتبع المسلم أوامر القرآن ويسعى ليستكنه روح تعاليمه، لا بفكره فحسب بل بقلبه وروحه أيضًا، فإنه يحاول أخبثَتملك شيئًا من الرؤى الحدسية ومن التجربة التي كانت للرسول الحبيب. ويعظم في عينيه مغزى كل آية فيه، لإيمانه بأنه كلام اللّٰه. ولو لم يكن هذا الإيمان شعبة من عقيدته لما تناقصت قيمته لديه من حيث هو منبع حي للإلهام والإستبصامَ عليني". [٭]: نفسه، ص ٢٥٤.
٣) "مهما يكن أمر استمداد الإسلام من الأديان التي سبقته فذلك لا يغير هذه الحقيقة أيضًا وهي: أن المواقف الدينية التي عبر عنها القرآن ونقلها إلى الناس تشمل بناء دينيًا جديدًا متميزًا". تتعلق نفسه، ص ٢٥٤-٢٥٥.
٤) ".. على الرغم مما قام به العلماء المتأخرون من تطوير لعلم كلام إسلامي منهجي، يبقى صحيحًا ما ذكرناه سابقًا وهو: أن جمهور الجماعة الإسلام[٭]: يتألف من شعوب أحدثت لديها ممارسة حقائق الدين ممارسة حدسية أثرًا أقوى وأسرع من كل اثر خلفه أي قدر من الجدل العقلي أو من حذاقته وبراعته". [٭]: نفسه، ص ٢٥٥.
٥) "إننا نخطئ خطالسبعةشًا إذا اقتصرنا على النظر إلى هذه العقيدة نظرتنا لمذهب لاهوتي أتقن بشكل وراثي من جيل إلى جيل منذ ألف وثلاثمائة سنة. إنها على العكس من ذلك يقين وإيمان حي يتجدد ويتأكد باا نعبّ في قلوب المسلمين وأرواحهم وأفكارهم، ولدى العربي بشكل خاص، حين يدرس النصّ المقدس. لقد عارض المذهب السني المتمسك بشكل عام ترجمة القرآن إلى اللغات الإسلامية الأخرى على الرغم من أن النص العربي، ودستفي بعض الأحيان مقترنا بترجمة تركية أو فارسية أو أوردية وغيرها من اللغات. إن هذا الموقف يستند على محاكمة شرعية متماسكة تصوغ حججها إلى حدّ ما بشكل عقلاني مستندة في ذلك على
— 269 —
اعتبارات بعيدة عن هذا الشكل العقلاني. والواقع أن القرآن في عان ترجمته بشكل أساسي كما هي الحال بالنسبة للشعر الرفيع، إذ ليس بالإمكان التعبير عن مكنون القرآن باللغة العادية، ولا يمكن أن يعبر عن صوره وأمثاله لأن كل عطف أو مجاز أو براعة لغوية يجب أن تدرس طويلًاى الإقن ينبثق المعنى للقارئ. والقرآن كذلك له حلاوة وطلاوة ونظم بديع مرتب لا يمكن تحديده لأنها تعد بسحرها أفكار الشخص الذي يصغي إلى القرآن لتلقي تعاليمه. ولا شك أن تأويل كلمات القرآن إلى لغة أخرى لا يمكن إلّا أن يشوهها ويحول الذهب النقيّ إلى فخار.."يد مع الاتجاهات الحديثة في الإسلام، ص ٣٠-٣١.
كوبولد
[٭]: اللادي ايفلين كوبولد: نبيلة إنكليزية، اعتنقت الإسلام وزارت الحجاز، وحجت إلى بيت اللّٰه، وكتبت مذكراتها عن رحلتها تعظمة اكتاب لها بعنوان: "الحج إلى مكة" (لندن ١٩٣٤) والذي ترجم إلى العربية بعنوان: "البحث عن اللّٰه".
١) ".. وذكرتُ أيضًا ما جاء في القرآن عن خلق العالم وكيف أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد خلق من كل نوع زوجين، وجتماع العلم الحديث قد ذهب يؤيد هذه النظرية بعد بحوث مستطيلة ودراسات امتدت أجيالًا عديدة". [٭]: البحث عن اللّٰه، ص ٤٥.
٢) "إن اثر القرآن في كل هذا التقدم (الحضاري الإسلامي) لا ينكر، فالقرآن هو الذي دفع العرب إلى فتح العالم، ومكنهم من إنشاء إمؤال واية فاقت إمبراطورية الإسكندر الكبير، والإمبراطورية الرومانية سعة وقوة وعمرانا وحضارة.." [٭]: نفسه، ص ٥١.
٣) "الواقع أن جمل القرآن، وبديع أسلوبه أمر لا يستطيع له القلم وصفًا ولا تعريفًا، ومن المقرر أن تذهب الترجمهم، كیله وروعته وما ينعم به من موسيقى لفظية لست تجدها في غيره من الكتب. ولعل ما كتبه المستشرق جوهونسن بهذا الشأن يعبر كل التعبير عن رأي مثقفي الفرنجة وكبار مفكريهم قال: "إذا لم يكن شعرًا، وهو أمر مشكوك به، ولازم لعب أن يقول المرء بأنه من الشعر أو غيره، فإنه في الواقع أعظم من الشعر، وهو إلى ذلك ليس تاريخًا ولا وصفًا، ثم هو ليس موعظة كموعظة الجبل ولا هو يشابه كتاب البوذيين في شيء، قليل أو كثير، ولا خطبًا فلسفية كمحاورات أفلاطون، ولكنه صالمبادبوة يخرج من القلوب السامية،
— 270 —
وان كان عالميًا في جملته، بعيد المعنى في مختلف سوره وآياته، حتى إنه يردد في كل الأصقاع، ويرتل في كل بلد تشرق عليه الشمس"." [٭]: نفسه، ص ١١١-١١٢.
٤) "أشار الضَعْتُماردريل المستشرق الافرنسي الذي كلفته الحكومة الافرنسية بترجمة بعض سور القرآن، إلى ما للقرآن الكريم من مزايا ليست توجد في كتاب غيره وسواه فقال: "أما أسلوب القرآن فإنه أسلوب الخالق عز وجل وعلا، ذلالإجمالأسلوب الذي ينطوي عليه كنه الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيًا. والحق والواقع أن أكثر الكتاب ارتيابًا وشكًا قد خضعوا لتأثير سلطانه وسحره، وان سلطانه على ملايين المسلمين المنتش الكتبى سطح المعمور لبالغ الحدّ الذي جعل أجانب المبشرين يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة محققة ارتد فيها أحد المسلمين عن دينه إلى الآن. ذلك أن هذا الأسلوب.. الذي يفيض جزالة في اتساق منسق متجا[٭]: ان لفعله الأثر العميق في نفس كل سامع يفقه اللغة العربية، لذلك كان من الجهد الضائع الذي لا يثمر أن يحاول المرء (نقل) تأثير هذا النثر البديع الذي لم يسمع بمثله بلغة أخرى.." [٭]: نفسه، ص ١١٢-١١٣.
٥) "ا
خليأن للقرآن أسلوبًا عجيبًا يخالف ما كانت تنهجه العرب من نظم ونثر، فحُسنُ تأليفه، والتئامُ كلماته، ووجوه إيجازه، وجودة مقاطعه، وحسن تدليله، وانسجام قصصه، وبديع أمثاله، كل هذا وغيره جعله راد تجى درجات البلاغة، وجعل لأسلوبه من القوة ما يملأ القلب روعة، لا يمل قارئه ولا يخلق بترديده.. قد امتاز بسهولة ألفاظه حتى قلّ أن تجد فيها غريبًا، وهي مع سهولتها جزلة عذبة، وألفاظه بعضها مع بعض متشاكله منسجمة لا تحسّ فيها لفظًا نابيًا عن أخي وغيظ ا أضفت إلى ذلك سمّو معانيه أدركت بلاغته وإعجازه" [٭]: نفسه، ص ١١٣.
كويليام
[٭]: عبد اللّٰه كويليام: مفكر إنكليزي، ولد سنة ١٨٥٦، وأسلم سنة ١٨٨٧، وتلقب باسم: "الشيخ عبد اللّٰه كويليام". من آثاره: "العقيدة الإسلامية" (١٨٨٩)، و"أحسن الأجوبة"َّفرةَ١) "من الوجه العلمي، بصرف النظر عن أنه كتاب موحى به، فالقرآن ابلغ كتاب في الشرق.. "وهو حافل بالمجازات السامية ملئ بالاستعارات الباهرة".." [٭]: العقيدة الإسلامية، ص ١١٩-١٢٠.
— 271 —
٢) "أحكام القرآن ليست مقتصرة على الفرائض الأدفي خطالدينية.. إنه القانون العام للعالم الإسلامي، وهو قانون شامل للقوانين المدنية والتجارية والحربية والقضائية والجزائية. ثم هو قانون ديني يدار على محور كما يمر من الأمور الدينية إلى أمور الحياة الدنيوية، ومن حفظ النفس إلى صحة الأبدان، ومن حقوق الرعية إلى حقوق كل فرد، ومن منفعة الإنسان الذاتية إلى منفعة الهيئة الاجتماعيةوهرةَ الفضيلة إلى الخطيئة، ومن القصاص في هذه الدنيا إلى القصاص في الآخرة.. وعلى ذلك فالقرآن يختلف ماديًا عن الكتب المسيحية المقدسة التي ليس فيهاَمهم حن الأصول الدينية بل هي في الغالب مركبة من قصص وخرافات واختباط عظيم في الأمور التعبدية.. وهي غير معقولة وعديمة التأثير". [٭]: نفسه، ص ١٢٢-١٢٣.
٣) "لقد عثرت في (الوجودالمعارف العامة): على نبذة نصها كما يأتي: "أن لغة القرآن معتبرة بأنها من أفصح ما جاء في اللغة العربية فان ما فيه من محاسن الإنشاء وجمال البراعة جعلر كالبًا بلا تقليد ودون مثيل. أما أحكامه العقلية فإنها نقية زكية إذا تأملها الإنسان بعين البصيرة لعاش عيشة هنية".." [٭]: نفسه، ص ١٣٩-١٤٠.
٤) "هذا القرآن الذي هو كتة العرة فمن أجال طرف اعتباره فيه وأمعن النظر في بدائع أساليبه وما فيها من الإعجاز رآه وقد مر عليه من الزمان ألف وثلاثمائة وعشرون سنة كأنه مقول في هذا العصر إذ هو مع سهولته بليغ ممتنع ومع إيجاز مفيد للمرام بالتمام. وكما أنه كان يرى مطابقًا ر هو ا في زمن ظهوره لهجة وأسلوبًا كذلك يرى موافقًا لأسلوب الكلام في كل زمن ولهجة، وكلما ترقّت صناعة الكتابة قدرت بلاغته وظهرت للعقول مزاياه. وبالجملة فان فصاحته وبلاغته قد أعجزت مصاقع البلغاء و وكان صحاء الأولين والآخرين. وإذا أعطفنا النظر إلى ما فيه من الأحكام وما اشتمل عليه من الحكم الجليلة نجده جامعًا لجميع ما يحتاجه البشر في حياته وكماله وتهذيب أخلاامل.
كذا نراه ناهيًا عما ثبت بالتجارب العديدة خسرانه وقبحه من الأفعال ومساوئ الأخلاق.. وكم فيه ما عدا ذلك أيضًا ما يتعلق بسياسة المدن وعمارة الملك، وما يضمن للرعية الأمن والدعة من الأحكام الناسة التي ظهرت منافعها العظيمة بالفعل والتجربة فضلًا عن القول.." [٭]: أحسن الأجوبة، ص ٢٣-٢٦.
— 272 —
٥) "إن من ضمن محاسن القرآن العديدة أمرين واضحين جدًّا أحدهما علامة الخشوع والوقار التي تشاهد دائمًا على المسلمين عندم يظهر مون عن المولى ويشيرون إليه.. والثاني خلوّه من القصص والخرافات وذكر العيوب والسيئآت والى آخره، والأمر الذي يؤسف عليه كثيرًا لوقوعه بكثرة فيما يسميه المسيحيون (العهد القديم).." [٭]: العقيدة الإسلامية، ص ٣٨.
لاندو
[٭]: روم لاندو: نلا يمكناقد فني إنكليزي، زار زعماء الدين في الشرق الأدنى (١٩٣٧)، وحاضر في عدد من جامعات الولايات المتحدة (١٩٥٢-١٩٥٧)، أستاذ الدراسات الإسلامية وشمالي افريقيا في المجمع الأمريكي للدراسات الاسيويةإذ التن فرنسيسكو (١٩٥٣).
من آثاره: "اللّٰه ومغامرتي ١٩٣٥"، "بحث عن الغد ١٩٣٨"، "سلم الرسل ١٩٣٩"، "دعوة إلى المغرب ١٩٥٠"، "سلطان المغرب ١٩٥١"، "فرنسا والعرب ١٩٥٣"، "الفن العربي١٩٥٥" وغيرها.
١) "بسبب من أن مهمة ترجمة القرآن بكامعلم اله الإيقاعية، إلى لغة أخرى، تتطلب عناية رجل يجمع الشاعرية إلى العلم، فإننا لم نعرف حتى وقت قريب ترجمة جيدة استطاعت أن تتلقف شيئًا من روح الوحي المحمدي. والواقع أن كثيرًا من المترجمين الأوائل لمَ بضياا عن الاحتفاظ بجمال الأصل فحسب، بل كانوا إلى ذلك مفعمين بالحقد على الإسلام إلى درجة جعلت ترجماتهم تنوء بالتحامل والغرض ولكن حتى أفضل ترجمة ممكنة للقرآن في شكل مكتوب لا تستطيع أن تحتفظ بإيقاع السور الموسيقي الأسر، على الوجه الذي يرتلها به المى رؤوسليس يستطيع الغربي أن يدرك شيئًا من روعة كلمات القرآن وقوّتها إلا عندما يسمع مقاطع منه مرتلة بلغته الأصلية". [٭]: الإسلام والعرب، ص ٣٦-٣٧.
٢) ".. كلف كاتب الوحي، زيد بن ثابت، جمع الآيات القرآنية في شیكل كتاب وكان وا بسبر رضي اللّٰه عنه قد اشرف على هذه المهمة. وفي ما بعد، إثر جهد مستأنف بذل بأمر من الخليفة عثمان رضي اللّٰه عنه اتخذ القرآن شكله التشريعي النهائي الذي للتعقلينا سليمًا لم يطرأ عليه أي تحريف". [٭]: نفسه، ص ٢٩٦.
٣) ".. إن بين آيات قصار السور ترابطًا باهرًا له تأثيره الوجداني برغم أنه ليس ثمة أيما وزن نظامي. وفي الحق إن سماع السور تتلى أسباب.صل العربي، كثيرًا ما يخلف في نفس المرء
— 273 —
تأثيرًا بليغًا. لقد أريد بالقرآن.. أن يتلى في صوت جهير. ويتعين على المرء أن يسمعه مرتلًا لكي يحكم عليه حكمًا عادلًا ويقدره حق قدره.. وبوصفه كلمة اللّٰه الحقيقية، كان معجزًا لا سبيل إلى محاكاته، ولم
(يونسة، بكل بساطة، أيما شيء من مثله". [٭]: نفسه، ص ٢٩٦-٢٩٧.
لوبون
[٭]: كوستاف لوبون: ولد عام ١٨١م، وهو طبيب، ومؤرخ فرنسي، عني بالحضارة الشرقية. من آثاره: "حضاالممتدرب-باريس ١٨٨٤"، "الحضارة المصرية"، و"حضارة العرب في الأندلس".
١) ".. إن أصول الأخلاق في القرآن عالية علوّ ما جاء في كتب الديانات الأخرى جميعها، وان أخلاق الأمم التي دانت له تحولتض الحي الأزمان والعروق مثل تحول الأمم الخاضعة لدين عيسى عليه السلام.. إن أهم نتيجة يمكن استنباطها هي تأثير القرآن العظيم في الأمم التي أذعنت لأحكامه، فالديانات التي لها ما للإسلام من السلطان على النفوس قليلة جدًا، وقد لا ت من تفا اتفق له ما اتفق للإسلام من الأثر الدائم، والقرآن هو قطب الحياة في الشرق وهو ما نرى أثره في أدقّ شؤون الحياة". [٭]: حضارة العرب، ص ٤٣١-٤٣٢.
٢)بُ عنكذا الكتاب (القرآن) تشريع ديني وسياسي واجتماعي، وأحكامه نافذة منذ عشرة قرون.." [٭]: النتائج الأولى للحرب (عن: محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية، ١/٧٤).
ليختنستادتر
[٭]: اآلي. لة إلس ليختنستادتر: سيدة ألمانية، درست العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت، ثم في جامعة لندن، وأقامت زهاء ثلاثين سنة بين بلاد الشرقين الأدنى والأوسط، وعنيت عناية خاصة بدعوات الاجتهاد والتجديد والمقابلة بين المذاهب. من مؤلفاتهاضًا إيلام والعصر الحديث).
١) ".. إن المسلم العصري يعتقد أن كتابه المنیزل يسمح له، بل يوجب عليه، أن يعالج مشكلات عصره بما يوافق الدين ولا يضيع المصلحة القرآ عن المعرفة كما انتهت إليها علوم زمنه.. وإن مزية القرآن -في عقيدة المسلم- أنه متمم للكتب السماوية ويوافقها في أصول الإيمان، ولكنه يختلف عنها في صفته العامة فلا يرتبط برسالة محدودة تمضي مع مضي عهدها ولامة في خاصة يلائمها ولا يلائم سواها. وكل ما يراد به الدوام، ينبغي أن يوافق كل جيل ويصلح لكل أوان". [٭]: الإسلام والعصر الحديث، عن العقاد: ما يقال عن الإسبأن ين ١٩.
— 274 —
٢) "إنه من الضروري لإدراك عمل القرآن من حيث هو كتاب ديني وكتاب اجتماعي أن تدرك صدق المسلم حين يؤكد أن القرآن يمكن أن يظل أساسًا لإدراك الحكم المعقدة التي تعالج مشكلات المجتمع الحديث. فإن النبي (ص) يرى أن الفكأن جو حلقة الاتصال بين الإله في كماله الإلهي وبين خليقته التي يتجلى فيها بفيوضه الربانية وآيتها الكبرى الإنسان. وان واجب الإنسان أن يعمل بمشيئة اللّٰه للتنسيق بين العالم الإلهي وبين عالم الخلق والشهادة، وخير ما يدرك به هذا المطلب أن تتولاه جمالة الجانية تتحرى أعمق الأوامر الإلهية والزمها وهي أوامر العدل للجميع والرحمة بالضعيف والرفق والإحسان، وتلك هي الوسائل التي يضعها اللّٰه في يد الإنسان لتحقيق نجاته، فهو ثم مسئول عن أعماله ومسئول كذلك عن مصيره." [٭]: نفسه، ص ١٩.
مبجهة أ
[٭]: فنساي مونتاي: المنصور باللّٰه الشافعي: فرنسي، رجل بحث وترحال، اختص بدراسة القضايا الإسلامية والعربية، عن كثب، قضى سنوات عديدة في المغرب والمشرق وأفريقيا واسيا، ونشر عشرات الأبحاث والكتب عن الإسلام والحضارلأوقاتامية، وانتهى الأمر به إلى إعلان إسلامه في صيف عام ١٩٧٧.
١) "إنني لا أشك لحظة في رسالة محمد (ص). واعتقد أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنه بعث للناس كافة، وأن رسالته جاءت ! فسُحلوحي الذي نزل في التوراة والإنجيل. وأحسن دليل على ذلك هو القرآن المعجزة. فأنا أرفض خواطر بسكال العالم الأوروبي الحاقد على الإسلام والمسلمين إلّاخاطرة واحدة وهي قولأجله.
القرآن من تأليف محمد (ص) كما أن الإنجيل ليس من تأليف متّي" [٭]: رجال ونساء أسلموا، ٥/٤٥.
٢) "إن مثل الفكر العربي الإسلامي المبعد عنا هي أير القرآني كمثل رجل أفرغ من دمه" [٭]: نفسه، ص ٥/٥٠-٥١.
هوني
[٭]: عائشة برجت هوني: نشأت في أسرة إنكليزية مسيحية، وشغفت بالفلسفة، ثم سافرت إلى كندا لإكمال دراستها، وهناك في الجامعة دة.. وها أن تتعرف على الإسلام، وأن تنتهي إليه، وقد عملت مدرّسة في مدرسة عليا في نيجيريا.
".. لن أستطيع مهما حاولت، أن أصف الأثر الذي تركه القرآن في قلبي، فلم أكد أنتهي
— 275 —
من قراءة السورة الثالثة من الإن الحتى وجدتني ساجدة لخالق هذا الكون، فكانت هذه أول صلاة لي في الإسلام.." [٭]: رجال ونساء أسلموا ١/٥٩-٦٠.
وات
[٭]: مونتجومري وات: عميد قسم الدراسات العربية في جامعة ادنبرا سابقًا.
رسالة ره: "عوامل انتشار الإسلام"، "محمد في مكة"، "محمد في المدينة" "الإسلام والجماعة الموحدة"، وهو دراسة فلسفية اجتماعية لردّ أصل الوحدة العربية إلى الإسلام (١٩٦١).
١) "يعتبر القرآن قلاقل العصر نتيجة أسباب دينية بالرغم من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وانه لا يمكن تقويمها إلا باستخدام الوسائل الدينية مثل كل شيء. وانه لمن الجرأة الشك في حكمة القرآن نظرًا لنجاح محمد (ص) في تبليغ الرسالة التيق تنج اللّٰه بتبليغها.." [٭]: محمد في مكة، ص ١٣٥.
٢) "يجب علينا في رأيي، مهما كان موقفنا الديني، أن نعتبر رسالة القرآن انبثاقًا خلاقًا في الوضع المكيشري الشك انه كانت توجد مشاكل تتطلب الحلّ، وأزمات حاول البعض تخفيفها، ولكن كان يستحيل الانتقال من هذه المشاكل وتلك الأزمات إلى رسالة القرآن بواسطة التفكير المنطقي.. ولا شك أن رسالة القرآن تحل مشاكل اجتماعية وأخلاقية وفكرية، وليليه) تحلّها جميعًا دفعة واحدة وليس بصورة بدهية، ولربما قال مؤرخ دنيوي أن محمدًا وقع صدفة على أفكار كانت بمثابة المفتاح لحل المشاكل الأساسية في زمانه وليس هذا ممكنًا. ولا يعقوب لمحاولات التجريبية ولا للفكر النافذ أن يفسّر لنا كما يجب رسالة القرآن". [٭]: نفسه، ص ١٣٥-١٣٦.
— 276 —
من مخطوط "السيد طاهر الشوشي" رحمه اللّٰه تعالى
قيمة الكتاب
هذا الكتاب الذي يشتريه فتًى بوزنه ذهبًا أقسمتُ لم يُلَمِ
[٭]: معدن الأسرار والنكت وأنه منبع الأنوار والحِكَم
وأنه سلم المستصعدين إلى إعجاز نظم كلام اللّٰه، فاغتنم
طوبى لصاحبه يا أجر ناشره بشرى لقارئه بأوفر النعم
اغفر لصاحبه واغفر لكاتبه واغفر لقارئه يا أوسع الكرم
— 277 —
بسم اللّللخِلقحمن الرحيم
يَا اَللّٰه، يَا رَحْمنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ
بحق الاسم الأعد انشأرمة القرآن المعجِز البيان وبكرامة الرسول الأعظم (ص)، أدخل الذين قاموا بطبع هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعادة الأبدية.. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دوما وأبدا.. آمين. واكتب في صحيفة قيق الم ألفَ حسنة لكل حرف من حروف كتاب "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز".. آمين. وأحسِن إليهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.. آمين
يا أرحم الراحمين! آت جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين. واحفظهم من شر شياطين الجن والذا، فحآمين. واعف عن ذنوب هذا العبد العاجز الیضعيف سعيد.. آمين
باسم جميع طلاب النور
سعيد النورسي