— 43 —
مقدمة
اعلم أن من أساس البلاغة الذي به يبرُق حُسن الكلام تجاوب الهيئات وتداعي القيود وتآخذها على المقصد الأصلي، وإمداد كلٍّ بقدْرِ الطاقة للمقصد، الذي هو كمجمَع الأودية أو الحوض المتشرب من الجوانب، بأن تكون مصداقًا وتمثالًا لما قيل:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ
[٭]: لم ينسب إلى قائله: انظر تفسير الألوسي ٨/٤١٧؛ البحر المديد لابن عجيبة ٤/١١٣؛ البرهان للزركشي ٢/١٦٠.
مثلًا: تأمَّل في آيةِ
﴿ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ ﴾
[٭]: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ ليقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين) (الأنبياء:٤٦). المسوقةِ للتهويل، المستفادِ من التقليل بسرّ انعكاس الضدّ من الضد. أفلا ترى التشكيك في إنْ كيف يمدّ التقليل، والمسّ بدل الإصابة في "مسّت" كيف يشير إلى القلّة والتروّح فقط، والمرّتيّة والتحقير في جوهرِ وصيغةِ وتنوينِ نَفْحَةٌ كيف تلوِّح بالقلّة، والبعضية في من كيف تومئ إليها، وتبديل النَكال بالی عَذَابِ كيف يرمز إليها، والشفقةُ المستفادة من الی"ربّ" كيف تشير إليها، وقِس؟! فكلٌّ يُمد المقصدَ بجهته الخاصة. وقِس على هذه الآية أخواتِها.
وبالخاصة
الییم ٭ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين
لأنَّ هذه الآية ذُكرت لمَدح القرآن وإثبات الكمال له.
ولقد تجاوبَ وتآخذ على هذا المقصد: القَسَم بی الم على وجه، وإشارة ذلك ومحسوسيته وبُعديته، والألف واللام في الكتاب ، وتوجيه إثباته بی لاريب فيه. فكلٌّ كما يُمد المقصدَ ويلقي إليه حصتَه يرمز ويشفّ من تحته عن ما يستند إليه من الدليل وإنْ دقّ.
فإن شئت تأمل في القَسَم بی الم إذ إنه كما يؤكّد، كذلك يُشعر بالتعظيم الموجّه للنظر الموجب لانكشاف ما تحته من اللطائف المذكورة ليبرهن على الدعوى المرموز إليها.
— 44 —
وانظر الإشارة في ذلك المختصة بالرجوع إلى الذات مع الصفات لتعلَم أنها كما تفيد التعظيم -لأنها إما إشارة إلى المشار إليه بی الم أو المبشَّر به في التوراة والإنجيل - كذلك تلوّح بدليلها؛ إذ ما أعظم ما أُقسمَ به! وما أكمل ما بشَّر به التوراة والإنجيل! ثم أمعِن النظر في الإشارة الحسية إلى الأمر المعقول لترى أنها كما تفيد التعظيم والأهمية؛ كذلك تشير إلى أن القرآن كالمغناطيس المنجذِب إليه الأذهان، والمتزاحم عليه الأنظارُ المجْبِر لخيالِ كلٍّ على الإشتغال به. فتظاهرَ بدرجة -تراه العيون من خلفها إذا راجعت الخيال- يرمز بلسان الحال إلى وثوقِه بصدقه وتبرّيه عن الضعف والحيلة الداعيَين إلى التستر.. ثم تفكّر في البُعدية المستفادة من ذلك ؛ إذ إنها كما تفيد علوّ الرتبة المفيد لكماله؛ كذلك تومئ إلى دليله بأنه بعيدٌ عن ما سلك عليه أمثالُه. فإما تحت كلٍّ وهو باطل بالاتفاق، فهو فوق الكلِّ.
ثم تدبّر في "الی" الكتاب لأنها كما تفيد الحصرَ العرفي المفيد للكمال؛ تفتح بابَ الموازنة وتلمِّح بها إلى أن القرآن كما جمَع محاسن الكتب قد زاد عليها فهو أكملُها..
ثم قف على التعبير بی الكتاب كيف يلوّح بأن الكتاب لا يكون من مصنوع الأمّيّ الذي ليس من أهل القراءة والكتابة.
أما لاريب فيه ففيه وجهان:
إرجاع الضميرِ إلى الحُكم، أو إلى الكتاب:
فعلى الأول -كما عليه المفتاح- [٭]: "مفتاح العلوم" للعلامة سراج الدين أبي يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي (ت ٦٢٦هی/١٢٢٨م). من أعلام البلاغة، ويعدّ كتابه هذا أوسع ما كتب في البيان في زمانه، وله شروح كثيرة.وضع علوم البلاغة في قالبها العلمي. مولده ووفاته بخوارزم. يكون بمعنى يقينًا، وبلا شك، فيكون جهةً وتحقيقًا لإثبات كماله.
وعلى الثاني -كما عليه الكشاف- [٭]: "الكشاف عن حقائق التنزيل" للإمام العلامة أبي القاسم جار اللّٰه محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي المتوفي سنة ٥٣٨هی. يكون تأكيدًا لثبوت كماله.
وعلى الكل يناجي من تحت لاريب بی وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله (البقرة:٢٣) ويرمز إلى دليله الخاص..
والاستغراق في لا بسبب إعدام الريوب الموجودة ينشد:
— 45 —
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
[٭]: للمتنبي في ديوانه ٤/٢٤٦.
ويشير إلى أن المحلّ ليس بقابلٍ لتولّد الشكوك؛ إذ أقام على الثغور أماراتٍ تتنادى من الجوانب وتطرد الريوب المتهاجمة عليه.
وفي ظرفيةِ فيه والتعبيرِ بی"فِي" بدلَ أخواتها إشارةٌ إلى إنفاذ النظر في الباطن. وإلى أن حقائقه تطرد وتطيّر الأوهامَ المتوضعة على سطحه بالنظر الظاهر.
فيا مَن آنس قيمةَ التركيب من جانب التحليل، وأدرَك فرقَ الكلِّ عن كلٍّ! انظُر نظرة واحدة إلى تلك القيود والهيئات لترى كيف يلقي كلٌّ حصته إلى المقصد المشترك مع دليله الخاص، وكيف يفور نورُ البلاغة من الجوانب.
اعلم أنه لم يُربَط بين جُمَل
الییم.. ذلك الكتاب.. لاريب فيه.. هدى للمتقين
بحلقات العطف لشدة الاتصال والتعانق بينها، وأخذِ كلٍّ بحَجز سابقتها وذيل لاحقتها. فإن كلَّ واحدة كما أنها دليلٌ لكلٍّ بجهة؛ كذلك نتيجةٌ لكلِّ واحدة بجهة أخرى. ولقد انتقش الإعجاز على هذه الآية بنسج اثني عشر من خطوط المناسبات المتشابكة المتداخلة..
إن شئت التفصيل تأمل في هذا: الم فإنها تومئ بالمآل إلى: "هذا متحدًّى به، ومَن يبرز إلى الميدان؟" ثم تلوِّح بأنه معجز.
وتفكَّر في ذلك الكتاب فإنها تصرِّح بأنه ازداد على أخواته وطمَّ عليها، ثم تلمِّح بأنه مستثنى ممتاز لا يماثَل.
ثم تدبر في لاريب فيه فإنها كما تُفصح عن أنه ليس محلًا للشك تعلن بأنه منوّر بنور اليقين.
ثم انظُر في هدى للمتقين إذ إنها كما تهدي إليك أنه يُري الطريق المستقيم؛ تفيدك أنه قد تجسم من نور الهداية.
فكلٌّ منها باعتبار المعنى الأول برهانٌ لرفقائها وباعتبار المعنى الثاني نتيجةٌ لكل منها.
— 46 —
ونذكر على وجه المثال ثلاثًا من الروابط الثنتي عشرة لتقيس عليها البواقي:
فی الم أي هذا يتحدّى كلَّ معارض، فهو أكملُ الكتب، فهو يقيني؛ إذ كمالُ الكتاب باليقين، فهو مجسَّم الهداية للبشر..
ثم ذلك الكتاب أي هو ازداد على أمثاله فهو معجز -أو- أي هو ممتاز ومستثنى؛ إذ لا شك فيه؛ إذ إنه يُري السبيل السويّ للمتقين..
ثم هدى للمتقين أي يرشد إلى الطريق المستقيم، فهو يقيني، فهو ممتاز، فهو معجِز.. وعليك باستنباط البواقي.
أما هدى للمتقين فاعلم أن منبع حُسن هذا الكلام من أربع نقط:
الأولى: حذفُ المبتدأ، إذ فيه إشارة إلى أن حُكمَ الاتحاد مسلَّمٌ. كأنَّ ذات المبتدأ في نفس الخبر. حتى كأنه لا تغايرَ بينهما في الذهن أيضًا.
والثانية: تبديل اسم الفاعل بالمصدر، إذ فيه رمز إلى أن نور الهداية تجسَّمَ فصار نفسَ جوهر القرآن؛ كما يتجسم لونُ الحُمرة فيصير قرْمِزًا. [٭]: قِرمز: بالكسر، صبغ أرمني أحمر، يقال: إنه من عصارة دود في آجامهم. (كتاب العين ٥/٢٥٥) (لسان العرب).
والثالثة: تنكير هدى إذ فيه إيماءٌ إلى نهاية دقة هداية القرآن حتى لايُكْتنه كُنْهها، وإلى غاية وسعتها حتى لا يُحاط بها علمًا. إذ المنكورية إما بالدقة والخفاء، وإما بالوسعة الفائتة عن الإحاطة. ومن هنا قد يكون التنكيرُ للتحقير وقد يكون للتعظيم.
والرابعة: الإيجاز في للمتقين بدل "الناس الذين يصيرون متقين به" أوجز بالمجاز الأوْل [٭]: أي المجاز المرسل. إشارة إلى ثمرة الهداية وتأثيرها، ورمزًا إلى البرهان "الإِنِّيّ" [٭]: البرهان الإنّيّ واللِّمِّيّ: إصطلاحان يرد شرحهما، فالإنّي -بتشديد النون- مصدر صناعي مأخوذ من "إن" المشبهة بالفعل التي تدل على الثبوت والوجود. أما اللمّي، فهو مصدر صناعي مأخوذ من كلمة "لِمَ" للعلية. وفي (التعريفات للجرجاني) الاستدلال من العلة إلى المعلول برهان لمّيّ ومن المعلول إلى العلّة برهان إنّيّ. على وجود الهداية. فإن السامع في عصر يستدل بسابقه كما يستدل به لاحقُه.
- إن قلت: كيف تتولد البلاغة الخارجة عن طوق البشر بسبب هذه النقط القليلة المعدودة؟
— 47 —
قيل لك: إنَّ في التعاون والاجتماع سرًا عجيبًا. لأنه إذا اجتمع حُسنُ ثلاثة أشياء صار كخمسة، وخمسةٌ كعشرة، وعشرةٌ كأربعين بسر الانعكاس. إذ في كل شيء نوع من الانعكاس ودرجة من التمثل. كما إذا جمعتَ بين مرآتين تتراءى فيهما مرايا كثيرة، أو نوَّرتَهما بالمصباح يزداد ضياءُ كل بانعكاس الأشعة؛ فكذلك اجتماع النكت والنقط. ومن هذا السر والحكمة ترى كلَّ صاحب كمال وصاحب جمال يرى من نفسه ميلًا فطريًا إلى أن ينضمّ إلى مثيله ويأخذ بيد نظيره ليزداد حُسنًا إلى حُسنه. حتى إن الحَجر مع حَجَريته إذا خرج من يد المعقِّد الباني في السقف المحدَّب يميل ويُخضع رأسَه ليُماسّ رأسَ أخيه ليتماسكا عن السقوط. فالإنسانُ الذي لا يدرك سرّ التعاون لهو أجمد من الحجر؛ إذ من الحجر من يتقوس لمعاونة أخيه!
- إن قلت: من شأن الهداية والبلاغة البيان والوضوح وحفظ الأذهان عن التشتت، فما بال المفسرين في أمثال هذه الآية اختلفوا اختلافًا مشتتًا، وأظهروا احتمالات مختلفة، وبيّنوا وجوه تراكيب متباينة، وكيف يعرف الحق من بينها؟
قيل لك: قد يكون الكلُّ حقًا بالنسبة إلى سامعٍ فسامعٍ؛ إذ القرآن ما نزل لأهل عصرٍ فقط بل لأهل جميع الأعصار، ولا لطبقة فقط بل لجميع طبقات الإنسان، ولا لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر. ولكلٍّ فيه حصةٌ ونصيب من الفهم. والحال أن فهمَ نوع البشر يختلف درجة درجة.. وذوقَه يتفاوت جهة جهة.. وميلَه يتشتت جانبًا جانبًا.. واستحسانَه يتفرق وجهًا وجهًا.. ولذتَه تتنوع نوعًا نوعًا.. وطبيعتَه تتباين قسمًا قسمًا. فكم من أشياء يستحسنها نظرُ طائفة دون طائفة، وتستلذُّها طبقةٌ ولا تتنیزل إليها طبقة. وقِس!
فلأجل هذا السر والحكمة أكْثَرَ القرآنُ من حذف الخاص للتعميم ليقدِّر كلٌّ مقتضى ذوقه واستحسانه.
ولقد نظّم القرآن جُمَله ووضعها في مكان ينفتح من جهاته وجوه محتملة لمراعاة الأفهام المختلفة ليأخذ كلُّ فهمٍ حصته. وقس! فإذن يجوز أن يكون الوجوهُ بتمامها مرادةً بشرط أن لا تردّها علومُ العربية، وبشرط أن تستحسنها البلاغةُ، وبشرط أن يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة.
فظهر من هذه النكتة أن من وجوه إعجاز القرآن نظمَه وسبكَه في أسلوب ينطبق على أفهام عصر فعصر.. وطبقة فطبقة.
— 48 —
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغِيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلوةَ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ٣ ﴾
﴿ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
اعلم أن وجه نظم المحصَّل مع المحصِّل انصبابُ مدحِ القرآن إلى مدح المؤمنين وانسجامه به؛ إذ إنه نتيجةٌ له، وبرهانٌ إنّيّ عليه، وثمرةُ هدايته، وشاهدٌ عليه. وبسبب تضمّن التشويق إشارةٌ إلى جهة حصّة هذه الآية من الهداية، وإلى أنها مثال لها.
أما وجه اَلَّذِينَ مع للمتقين فتشييعُ التخلية بالتحلية التي هي رفيقتُها أبدًا؛ إذ التزيين بعد التنیزيه، ألا ترى أن التقوى هي التخلّي عن السيئات. وقد ذكرها القرآن بمراتبها الثلاث، وهي: ترك الشرك، ثم ترك المعاصي، ثم ترك ما سوى اللّٰه. والتحلية فعلُ الحسنات: إما بالقلب أو القالب أو المال. فشمس الأعمال القلبية: "الإيمان". والفهرستةُ الجامعة للأعمال القالبية: "الصلاة"، التي هي عماد الدين. وقطب الأعمال المالية: "الزكاة"، إذ هي قنطرة الإسلام.
اعلم أن
﴿ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
مع أنه إذا نظرتَ إلى مقتضى الحال إيجاز، إلَّا أنه إذا وازنتَ بينه وبين مرادفه وهو "المؤمنون" تظنّه إطنابًا؛ فأبدَل "ال" بی اَلَّذِينَ الذي من شأنه الإشارة إلى الذات بالصلة فقط، [٭]: لأن "الذين" من الأسماء المبهمة، لذا فإن صلته هي التي تميّزه وتعينه. (ت: ٤٣). كأنه لا صفة له إلّا هي، للتشويق على الإيمان، والتعظيم له؛ والرمز إلى أن الإيمان هو المنار على الذات؛ قد تضاءلت تحته سائرُ الصفات.. وأبدلَ "مؤمنون" بی يُؤْمِنُونَ؛ لتصوير وإظهارِ تلك الحالة المستحسَنة في نظر الخيال، وللإشارة إلى تجدُّده بالاستمرار وتجلّيه بترادف الدلائل الآفاقية والأنفسية، فكلما ازدادت ظهورًا ازدادوا إيمانًا.
بِالْغَيْبِ
أي بالقلب، أي بالإخلاص بلا نفاق. ومع الغائِبِيَّة.. وبالغائب.. وبعالم الغيب.
واعلم أن الايمان هو النور الحاصل بالتصديق بجميع ما جاء به النبي عليه السلام تفصيلا في ضروريات الدين وإجمالًا في غيرها.
— 49 —
- إن قلت: لا يقتدر على التعبير عن حقائق الإيمان من العوام من المائة إلّا واحد؟
قيل لك: إن عدم التعبير ليس عَلَمًا على عدم الوجود؛ فكما أن اللسان كثيرًا ما يتقاصر عن أن يترجم عن دقائق ما في تصورات العقل؛ كذلك قد لا يتراءى بل يتغامض عن العقل سرائرُ ما في الوجدان، فكيف يترجم عن كلِّ ما فيه؟ ألا ترى ذكاءَ السكاكي ذلك الإمام الداهي قد تقاصر عن اجتناء دقائق ما أبرزته سجيّة امرئ القيس،(٭) أو بدويّ آخر؟ فبناءً على ذلك، الاستدلالُ على وجود الإيمان في العامي يثبت بالاستفسار والاستيضاح منه، بأن تستفسر من العاميّ بالسؤال المردّد بين النفي والإثبات هكذا: أيها العامي! أيمكن في عقلك أن يكون الصانع الذي كان العالمُ بجهاته الست في قبضة تصرفه أن يتمكّن [٭]: يتحيز في مكان. في جهة من جهاته أو لا؟ فإن قال: "لا"، فنفي الجهة ثابتٌ في وجدانه، وذلك كافٍ. وقس على هذا..
ثم إن الإيمان -كما فسّره السعد-(٭) نورٌ يقذفه اللّٰه تعالى في قلب من يشاء من عباده، أي بعد صرف الجزء الاختياري. فالإيمان نورٌ لوجدان البشر وشعاع من شمس الأزل [٭]: تعبير مألوف بحق اللّٰه جلّ جلاله، في الأدب التركي والفارسي بخلاف الأدب العربي. ويُقصد منه المنور لكل شيء. يضيء دفعةً ملكوتيةَ الوجدان بتمامها. فينشر أُنسيةً له مع كل الكائنات.. ويؤسس مناسبةً بين الوجدان وبين كل شيء.. ويُلقي في القلب قوةً معنوية يقتدر بها الإنسانُ أن يصارع جميعَ الحوادث والمصيبات.. ويعطيه وُسْعةً يقتدر بها أنْ يبتلع الماضي والمستقبل. وكما أن الايمان شعاعٌ من شمس الأزل؛ كذلك لمعة من السعادة الأبدية أي الحشر. فينمو بضياء تلك اللمعة بذورُ كلِّ الآمال، ونواةُ كلِّ الاستعدادات المودَعة في الوجدان، فتنبت ممتدةً إلى الأبد، فتنقلب نواةُ الاستعداد كشجرة طوبى.
﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ ﴾
اعلم أن وجه النظم أظهرُ من الشمس في رابعة النهار. وأن في تخصيص "الصلاة" من بين حسنات القالب إشارةً إلى أنها فهرستةُ كل الحسنات وأنموذجها ومَعْكسها. كالفاتحةِ للقرآن، والإنسانِ للعالم. لاشتمالها على نوع صومٍ وحج وزكاة وغيرها، ولاشتمالها على أنواع عبادات المخلوقات، الفطرية والاختيارية من الملائكة الراكعين الساجدين القائمين، ومن الحجر الساجد، والشجر القائم، والحيوان الراكع..
— 50 —
ثم إنه أقام يُقِيمُونَ مقام "المقيمين" لإحضار تلك الحركة الحياتية الواسعة والإنتباه الروحاني الإلهي في العالم الإسلامي إلى نظر السامع. ووضع تلك الوضعية المستحسَنة والحالة المنتظمة من نواحي نوع البشر نصبَ عين الخيال، ليهيّج ويوقظ ميَلان السامع للتأسِّي؛ إذ مَنْ تأمل في تأثير النداء بالآلة المعروفة [٭]: البوق العسكري. في نفرات العسكر المنتشرين المغمورين بين الناس وتحريك النداء لهم دفعة، وإلقاء انتباه فيهم، وإفراغهم في وضع مستحسن، وجمعهم تحت نظام مستملَح يرى في نفسه اشتياقًا لأن ينساب إليهم. فهكذا الأذان المحمَّدي بين الإنسان في صحراء العالم - وللّٰه المَثَلُ الاعْلَى -..
وإنما لم يقتصر في مسافة الإيجاز على "يصلّون" بل أتمّها بی يُقِيمُونَ الصَّلوةَ للإشارة إلى أهمية مراعاة معاني "الإقامة" في الصلاة من تعديلِ الأركان، والمداومةِ، والمحافظة، والجدِّ، وترويجها في سوق العالم. تأمل!
ثم إن الصلاة نسبةٌ عالية، ومناسبةٌ غالية، وخدمة نزيهة بين العبد وسلطان الأزل، فمن شأن تلك النسبة أن يعشقَها كلُّ روح.. وأركانُها متضمنةٌ للأسرار التي شرحها أمثال "الفتوحات المكية"، [٭]: كتاب لمحي الدين بن عربي. فمن شأن تلك الأسرار أن يحبَّها كلُّ وجدان.. وإنها دعوةُ صانع الأزل إلى سرادق حضوره خمسَ دعوات في اليوم والليلة لمناجاته التي هي في حُكم المعراج. فمن شأنها أن يشتاقَها كلُّ قلب.. وفيها إدامةُ تصوّرِ عظمةِ الصانع في القلوب وتوجيه العقول إليها لتأسيس إطاعة قانون العدالة الإلهية، وامتثالِ النظام الرباني. والإنسان يحتاج إلى تلك الإدامة من حيث هو إنسان لأنه مدنيّ بالطبع.. فيا ويلَ من تركها! ويا خسارةَ من تكاسل فيها! ويا جهالةَ مَن لم يعرف قيمتها! فسُحقًا وبُعدًا وأُفًّا وتُفًّا [٭]: الأف والتف: وسخ الأذن والأظفار، ثم استعملا عند كل شيء يُضجر منه (الزاهر للأنباري). لنفسِ مَن لم يستحسنها.
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
وجه النظم: أنه كما أن الصلاة عماد الدين وبها قوامُه؛ كذلك الزكاةُ قنطرة الإسلام، وبها التعاون بين أهله.
— 51 —
ثم إن من شروطِ أن تقع الصدقة موقعها اللائق: أن لا يُسرف المتصدق فيقعُد ملومًا.. وأن لا يأخذ من هذا ويعطيَ لذاك؛ بل من مال نفسه.. وأن لا يمنّ فيستكثر.. وأن لا يخاف من الفقر.. وأن لا يقتصر على المال، بل بالعلم والفكر والفعل أيضًا.. وأن لا يصرف الآخذُ في السفاهة، بل في النفقة والحاجة الضرورية.
فلإِحسان هذه النُكت، وإحساس هذه الشروط تصدَّق القرآنُ على الأفهام بإيثارِ
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
على "يتصدقون" أو "يزكّون" وغيرهما؛ إذ أشار بی"من" التبعيض إلى ردِّ الإسراف.. وبتقديم مِمَّا إلى كونه من مال نفسه.. وبی
رَزَقْنَا
إلى قطع المنّة. أي إن اللّٰه هو المعطي وأنت واسطة.. وبالإسناد إلى "نا" إلى: "لَاتَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْلَالًا".. [٭]: أصل الحديث: عن عبد اللّٰه بن مسعود رضي اللّٰه عنه، قال: دخل النبي (ص) على بلال وعنده صُبرة من تمر، فقال: "ما هذا يا بلال؟" قال: اُعدُّ ذلك لأضيافك. قال: "أما تخشى أن يكون لك دُخان في نار جهنم؟! أنفق بلال! ولا تخشَ من ذي العرش اقلالًا".
قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه البزار بإسناد حسن والطبراني في الكبير وذكر فيه زيادة. والحديث أورده الهيثمي في المجمع وقال: إسناده حسن، وحسّنه الحافظ ابن حجر. والحديث صحيح بطرقه (صحيح الجامع الصغير رقم ١٥٠٨ وصحيح الترغيب برقم ٩١٢، والمشكاة برقم ١٨٨٥) ومع هذا ضعفه العراقي رحمه اللّٰه تعالى.
وبالإطلاق إلى تعميم التصدق للعلم والفكر وغيرهما. وبمادة يُنْفِقُونَ إلى شرط صرف الآخذ في النفقة والحاجات الضرورية.
ثم إن في الحديث الصحيح: "الزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسلام" [٭]: أورده الهيثمي في المجمع (٣/٦٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون إلّا "بقية مدلس" وهو ثقة، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (١/٥١٧) وقال: رواه الطبراني... وفيه ابن لهيعة، والبيهقي وفيه بقية بن الوليد. والحديث ضعفه محقق الجامع الصغير برقم ٣١٩١ في ضعيف الجامع الصغير. أي الزكاة جسر يغيث المسلمُ أخاه المسلمَ بالعبور عليها؛ إذ هي الواسطةُ للتعاون المأمور به، بل هي الصراط في نظام الهيئة الاجتماعية لنوع البشر، وهي الرابطةُ لجريان مادة الحياة بينهم، بل هي الترياقُ للسموم الواقعة في ترقيات البشر.
نعم، في "وجوب الزكاة" و"حُرمةِ الربا" حكمةٌ عظيمة، ومصلحة عالية، ورحمة واسعة؛ إذ لو أمعنتَ النظر في صحيفة العالم نظرًا تاريخيًا وتأملتَ في مساوي جمعية البشر لرأيت أُسَّ أساس جميع اختلالاتها وفسادها، ومنبعَ كلِّ الأخلاق الرذيلة في الهيئة الاجتماعية كلمتين فقط:
إحداهیما: "إنْ شَبِعْتُ فلا عليَّ أن يموتَ غيرِي من الجُوعِ"
— 52 —
والثیانية: "اكْتَسِبْ أنْتَ لآكُلَ أنَا، واتْعَبْ أنتَ لأستريحَ أنَا"
فالكلمة الأولى الغدّارة النَهِمَة الشنعاء هي التي زلزلت العالم الإنسانيَّ فأشرف على الخراب. والقاطعُ لعِرق تلك الكلمة ليس إلّا "الزكاة".
والكلمة الثانية الظالمة الحريصة الشوهاء هي التي هارت بترقِّيات البشر فأوشك أن تنهار بها في نار الهَرْج والمَرْج. والمستأصِلُ والدواءُ لتلك الكلمة ليس إلّا "حُرمة الربا". فتأمل!
اعلم أن شرط انتظام الهيئة الاجتماعية أن لا تتجافى طبقاتُ الإنسان، وأن لا تتباعد طبقةُ الخواص عن طبقة العوام، والأغنياءُ عن الفقراء بدرجةٍ ينقطع خيطُ الصلة بينهم. مع أن بإهمال وجوب الزكاة وحرمة الربا انفرجت المسافةُ بين الطبقات، وتباعدت طبقاتُ الخواص عن العوام بدرجة لا صلة بينهما. ولا يفور من الطبقة السفلى إلى العليا إلّا أصداء [٭]: والصَّدى: ذكرُ البُومِ والهامُ، والجمعُ أصداءٌ. وقيل: أنيسُك أصداءُ القُبور تَصيحُ. (لسان العرب) الاختلال، وصياحُ الحسد، وأنينُ الحقد والنفرة بدلًا عن الاحترام والإطاعة والتحبب. ولا يفيضُ من العليا على السفلى بدلَ المرحمة والإحسان والتلطيف إلّا نارُ الظلم والتحكم، ورعدُ التحقير. فأسفًا! لأجل هذا قد صارت "مزيةُ الخواص" التي هي سببُ التواضع والترحّم سببًا للتكبّر والغرور. وصار "عجزُ الفقراء" و"فقرُ العوام" اللذان هما سبباَ المرحمةِ عليهم والإحسان إليهم سببًا لأسارتهم وسَفالتهم.. وإن شئت شاهدًا فعليك بفسادِ ورذالةِ حالة العالم المدنيّ، فلك فيه شواهدُ كثيرة.
ولا ملجأ للمصالحة بين الطبقات والتقريب بينها إلّا جعل الزكاة -التي هي ركن من أركان الإسلامية- دستورًا عاليًا واسعًا في تدوير الهيئة الاجتماعية.
— 53 —
﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ اِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤ ﴾
اعلم أن القرآن أرسلَ النظمَ أي لم يعيّن بوضعِ أمارةٍ وجهًا من وجوه التراكيب في كثير من أمثال هذه الآية، لسرٍّ لطيف، هو منشأ الإيجاز الذي هو منشأ الإعجاز، وهو:
أنَّ البلاغة هي مطابقةُ مقتضى الحال. والحال أن المخاطَبين بالقرآن على طبقات متفاوتة، وفي أعصار مختلفة. فلمراعاة هذه الطبقات، ولمجاورة هذه الأعصار، ليستفيد مخاطَبُ كلِّ نوعٍ ما قُدِّرَ له من حصته، حَذَف القرآنُ في كثيرٍ للتعميم والتوزيع، وأطلق في كثيرٍ للتشميل والتقسيم، وأرسَل النظمَ في كثيرٍ لتكثير الوجوه، وتضمينِ الاحتمالات المستحسَنة في نظر البلاغة والمقبولةِ عند العِلم العربي ليفيض على كلِّ ذهنٍ بمقدار ذوقه. فتأمل!
ثم إن وجه نظم هذه الآية بسابقتها التخصيصُ بعد التعميم. ليعلن على رؤوس الأشهاد شرفَ مَنْ آمن من أهل الكتاب، وليردّ يدَ استغناء أهله في أفواههم، وليأخذ يدَ أمثال "عبد اللّٰه بن سلام"، (٭) ويشوِّق غيرَه لأن يأتمّ به.. وأيضا التنصيصُ على قسْمَي المتقين [٭]: المذكورين في هذه الآية والتي سبقتها. (ت:٥٠). للتصريح بشمول هداية القرآن لكافة الأُمم، والتلويحُ لعموم رسالة محمد عليه السلام لقاطبة المِلل.. وأيضا التفصيلُ بعد الإجمال لشرح أركان الإيمان المندمجة في صَدَفِ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إذ دلَّ على الكتب والقيامة صراحة، وعلى الرسل والملائكة ضمنًا.
ثم إن القرآن لم يوجز هنا بنحو "والمؤمنين بالقرآن" لترصيع هذا المعنى بلطائفَ وتزيين ذيوله بنكَت،
﴿ والذين يؤمنون بما أُنزل اليك ﴾
إذ في الذين رمزٌ إلى أن وصفَ الإيمان هو مناطُ الحكم وأن الذات مع سائر الصفات تابعةٌ له ومغمورة تحتَه. [٭]: حتى كأن لا صفیة لهم مميیزة الّا الإيمان. (ت:٥٢).
— 54 —
وفي يُؤْمِنُونَ بدلَ "المؤمنين" الدالِّ على الثبوت في زمان ما، تلويحٌ إلى تجدد الإيمان بتواتر النیزول وتكرّر الظهور مستمرًا.
وفي "مَا" الإبهامِ، إيماء إلى أن الإيمان مجمَلًا قد يكفي، وإلى تشميل الإيمان للوحي الظاهر والباطن وهو الحديث.
وفي أُنزل باعتبار مادته إشارةٌ إلى أن الإيمان بالقرآن هو الإيمان بنیزوله من عند اللّٰه. كما أن الإيمان باللّٰه هو الإيمان بوجوده، وباليوم الآخر هو الإيمان بمجيئه. وبالنظر إلى صيغته الماضَوية -مع أنه لم يتم النیزول إذ ذاك- إشارةٌ إلى تحقُّقِه المُنیزَّلِ بمنیزلة الواقع مع أن مضارعِيَّةَ يُؤْمِنُونَ تتلافى ما في ماضويته. [٭]: أي ماضوية (أُنزل)، بمعنى أن الذي لم يتم نزوله، إن لم يكن داخلًا ضمن شمولية (أُنزل) فهو ضمن شمولية (يُؤْمِنُونَ) . (ت:٥٢). بل لأجل هذا التنیزيل ترى في أساليب التنیزيل كثيرًا ما يبتلع الزمانُ الماضي المستقبلَ ويتَزَيَّا المضارعُ بزيّ الماضي، إذ فيه بلاغة لطيفة.
لأن مَن سمع الماضيَ فيما لم يمضِ بالنسبة إليه اهتزّ ذهنُه، وتيقّظ أنه ليس وحدَه، وتذكّر أن خلفَه غيرَه من الصفوف بمسافات. حتى كأن الأعصارَ مدارجُ والأجيالَ صفوفٌ قاعدون خلفَها، وتَنبَّهَ أن الخطابَ والنداءَ الموجّه إليه بدرجة من الشدة والعلوّ يسمعه كلُّ الأجيال. وهو خُطبةٌ إلهية أنصتَ لها كلُّ الصفوف في كل الأعصار. فالماضي حقيقةٌ في الكثير -في أكثر الأزمان- ومجازٌ في القليل -في أقلّها- [٭]: فالماضي حقيقة ثابتة لدى كثير من الناس في أغلب الأزمان، بينما يكون مجازًا لدى القليلين في أقل الأزمان. ومراعاةُ الأكثر أوفَى لحق البلاغة.
وفي إليك بدلَ "عليك" رمز إلى أن الرسالة وظيفةٌ كُلِّف بها النبي عليه السلام وتحمَّلها بجزئه الاختياري.. وإيماءٌ إلى علوّه بخدمة جبرائيل بالتقديم إليه؛ إذ في "عَلى" شمُّ اضطرارٍ وعلوِّ واسطةِ النیزول.. وفي خطابِ إليك بدل "إلى نحو محمد" تلويحٌ إلى أن محمدًا عليه السلام ما هو إلّا مخاطَب والكلامُ كلام اللّٰه.. وأيضا معنى الخطاب تأكيد وتصوير لمعنى النیزول؛ الذي هو الوحي، الذي هو القرآن، الذي هو خطابُ اللّٰه معه، الذي هو الخاصة النافذة في الكل. فكشف هذا الجزءُ الحجابَ عن حصته من تلك الخاصة. فظهر أن هذا الكلام بالنظر إلى اشتماله على هذه اللطائف المذكورة في نهاية الإيجاز.
— 55 —
﴿ وما اُنزل من قبْلِك ﴾
اعلم أن أمثال هذه التوصيفات تتضمن تشويقًا، يتضمن أحكامًا إنشائية. كآمِنوا كذا وكذا.. ولا تفرقوا..
ثم إن في هذا النظم والربط أربعَ لطائف:
إحداها: عطفُ المدلول على الدليل. أي "ياأيها الناس إذا آمنتم بالقرآن فآمنوا بالكتب السابقة أيضًا، إذ القرآن مصدِّقٌ لها وشاهد عليها" بدليل مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (البقرة:٩٧).
والثانية: عطفُ الدليل على المدلول، أي "يا أهل الكتاب إذا آمنتم بالأنبياء السابقين والكتب السالفة لزم عليكم أن تؤمنوا بالقرآن وبمحمد عليه السلام، لأنهم قد بشّروا به. ولأن مدارَ صدقهم ونزولِها، ومناطَ نبوتهم يوجد بحقيقته وبروحه في القرآن بوجه أكمل وفي محمد عليه السلام بالوجه الأظهر. فيكون القرآنُ كلامَ اللّٰه بالقياس الأوْلَوِيّ، ومحمَّدٌ عليه الصلاة والسلام رسولَه بالطريق الأولى".
والثالثة: أنَّ فيه إشارة إلى أن مآل القرآن -أعني الإسلامية الناشئة في زمان السعادة- كشجرةٍ أصلُها ثابت في أعماق الماضي، منتشرةُ العروق، متشربةٌ عن منابع حياتها وقوّتها، وفرعُها في سماء الاستقبال ناشرةٌ، أغصانُها مثمرةٌ. أي أخذت الإسلامية بقَرنَي الماضي والاستقبال.
والرابعة: أنَّ فيه إشارةً إلى تشويق أهل الكتاب على الإيمان وتأنيسِهم، والتسهيلِ عليهم. كأنه يقول: "لا يَشقَّنَّ عليكم الدخولُ في هذا السلك، إذ لا تخرجون عن قشركم بالمرّة، بل إنما تكمّلون معتقداتكم، وتبنون على ما هو مؤسَّس لديكم"إذ القرآن معدِّلٌ ومكمِّلٌ في الأُصول والعقائد، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة وأُصولِ الشرائع السالفة. إلّا أنه مؤسِّس في التفرعات التي تتحول بتأثير تغيّر الزمان والمكان؛ فكما تتحول الأدويةُ والألبسةُ في الفصول الأربعة، وطرزُ التربية والتعليم في طبقات عمر الشخص؛ كذلك تقتضي الحكمةُ والمصلحة تبدل الأحكام الفرعية في مراتبِ عمرِ نوعِ البشر. فكم من حُكمٍ فرعيٍّ كان مصلحةً في زمان،
— 56 —
ودواءً في وقتِ طفوليةِ النوع، لا يبقى مصلحةً في آخَرَ، ودواءً عند شبابية النوع. ولهذا السرّ نَسخَ القرآنُ بعض الفروع. أي بيّن انقضاءَ أوقات تلك الفروع ودخولَ وقت آخر.
وفي من قبْلِك لطائف:
اعلم أنه ما من كلمة في التنیزيل يأبى عنها مكانُها، أو لم يرضَ بها، أو كان غيرُها أولى به. بل ما من كلمة من التنیزيل إلا وهي كدُرٍّ مُرصَّعٍ مرصوص متماسك بروابط المناسبات؛ فإن شئتَ مثالًا تأمل في من قبْلِك كيف ترى اللطائف المتطايرة من جوانب هذه الآية تَوَضَّعتْ على هذه الكلمة الفذة.
فإن من قبْلِك تشرّبتْ وتلوّنت -فتُرشِّح وتُرمز بخمس لطائف- المناسباتِ المنعكسة من المقاصد الخمسة المندمجة في مسألة النبوة المسوقةِ لها هذه الآيةَ.
أما المقاصد المندمجة فهي أن محمدًا عليه السلام نبيٌّ، وأنه أكمل الأنبياء، وأنه خاتم الأنبياء، وأنه مُرسل لكافة الأقوام، وأن شريعتَه ناسخةٌ لجميع الشرائع، وجامعةٌ لمحاسنها.
أما وجه انعكاس المقصد الأول في تلك الكلمة، فهو أن من قبْلِك إنما يقال إذا اتّحد المسلك وكان الطريق واحدًا. فكأن هذه الكلمة تترشح بأن الحججَ على نبوة مَن قبله وصِدقِ كُتبهم، حُجةٌ بمجموعها بتنقيح المناط [٭]: تنقيح المناط: اصطلاح أصولي في مباحث العلة: فتنقيح المناط: تهذيب العلة مما علق بها من الأوصاف التي لا مدخل لها في العلية. أما تحقيق المناط: فهو الاجتهاد في تحقيق العلة الثابتة بالنص أو بالإجماع أو بأي مسلك آخر، في واقعة غير التي ورد فيها النص. وتحقيق المناط بالقياس الأوْلَوِي على نبوة محمد عليه السلام ونزولِ كتابه. فكأن جميعَ معجزاتهم معجزةٌ فذّة على صدق محمد عليه السلام.
وأما وجه انعكاس المقصد الثاني، وهو الأكملية فيها، فهو أن من قبْلِك بناءً على ملاحظة عادةِ "أن السلطان يخرج في أُخريات الناس".. وعلى قاعدة التكمّل في نوع البشر المقتضية لأكملية المربِّي الثاني عن المربِّي الأول.. وعلى أغلبية مهارةِ وزيادةِ الخَلَف على السَّلَف، تلوّح بأن محمدًا عليه السلام سلطانُ الأنبياء، أكملُ من كلّهم. كما أن القرآنَ أجمعُ وأجملُ [٭]: وأشمل. (ش.) من كُتبهم.
— 57 —
وأما وجه تشرّبها من المقصد الثالث وهو "الخاتمية" فهو أنَّ من قبْلِك بسر قاعدة: "إن الواحد إذا تكثَّر تسلْسَلَ لا يسكن، وإن الكثير إذا اتّحد استقرّ لا ينقطع"، وبإشمام المفهوم المخالف تُلمّح بأنه عليه السلام خاتم الأنبياء.
وأما وجه انصباغها من المقصد الرابع وهو "عموم الدعوة" فهو أن من قبْلِك المفيدةَ "أنك خَلَفُهم وكلٌّ منهم سلَفُك" بسر قاعدة: "إنَّ الخلف يأخذ تمامَ وظيفة السلف ويقوم مقامَه" تشير بأنه إذا كان كلٌّ منهم سلفَك فأنت نائبُ الكل، ورسولُ جميع الأُمم.
نعم، لا يكون إلّا كذلك! إذ الفطرةُ حاكمة له، والحكمةُ قاضية به؛ لأنه كانت أُمم العالَم الإنساني قبل زمان السعادة في غاية التباعد والاختلاف مادةً ومعنًى، واستعدادًا وتربيةً؛ ما كفَت لهم التربيةُ الواحدة وما شملت الدعوةُ المفردة. ثم لمّا انتبه العالمُ الإنساني بزمان السعادة بعده، وتمايلَ إلى الاتحاد بمداولة الأفكار، ومبادلةِ الطبائع، واختلاطِ الأقوام، وتحرّى البعضُ عن حال البعض حتى تمخّض الزمانُ بكثرة طرق المخابرة والمناقلة؛ فصارت الكرةُ كمملكة، وهي كولاية، وهي كبلدة، واتصل الرحم بين أهل الدنيا؛ كَفَت الدعوةُ الواحدة والنبوةُ الفريدة للكافة.
وأما وجه إشمامها بالمقصد الخامس فهو أنَّ
من قبْلِك
المومية من "مِن" إلى "إلى"، ومن "إلى" إلى الإغناء، [٭]: أي إن "مِن" يفيد معنى الابتداء، والابتداء لابد له من انتهاء -أي "إلى"- والانتهاء يدل على عدم الحاجة أو الإغناء. (ت: ٥٦). أي "انتهت الرسالة بقدومك إذ أغْنَتْ شريعتُك"، ترمز بأن شريعتَه عليه السلام ناسخةٌ بالانتهاء وجامعةٌ بالإغناء.
واعلم أن الأمارة لنظر البلاغة على تشرّب هذه الكلمة لهؤلاء اللطائف هي أن هذه المقاصد الخمسة كالأنهار الجارية تحت هذه الآيات، حتى يفورُ هذا بكماله في آية.. وينبع ذاك بتمامه في أُخرى.. ويتجلى ذلك بشَرَاشيره [٭]: بشراشيره: بأجمعه. في آخرة. فأدنى ترشُّح على السطح يومي بتماسّ عروق الكلمة بها. وأيضا تتسنبل هذه المعاني في آيات مسوقةٍ لها.
— 58 —
﴿ وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾
اعلم أن مآل هذه الآية هو المقصدُ الرابع من المقاصد الأربعة المشهورة وهو "مسألة الحشر".
ثم إنّا قد استفدنا من نظم القرآن عشرةَ براهين عليها، ذكرناها في كتاب آخر [٭]: هذه البراهين مذكورة في رسالة "لاسيما" ورسالة "نقطة من معرفة اللّٰه" من المثنوى العربى النورى، ومفصّلة في الكلمة التاسعة والعشرين، وموضحة بنور تجليات الأسماء الحسنى في الكلمة العاشرة (الحشر). فناسبَ تلخيصُها هنا. وهي:
أنَّ الحشر حقٌّ؛ لأن في الكائنات نظامًا أكملَ قصديًّا..
وأنّ في الخلقة حكمةً تامة..
وأنْ لا عبثية في العالم..
وأنْ لا إسراف في الفطرة.. والمزكّي لهؤلاء الشواهد الاستقراء التام بجميع الفنون التي كلٌّ منها شاهدُ صدق على نظامِ نوعِ موضوعِه..
وأيضا إن في كثير من الأنواع مثل اليوم والسنة وغيرهما قيامةً مكررةً نوعية..
وأيضا جوهرُ استعداد البشر يرمز إلى الحشر..
وأيضا عدمُ تناهي آمال البشر وميولِه يشير إليه..
وأيضا رحمةُ الصانع الحكيم تلوّح به..
وأيضا لسانُ الرسول الصادق عليه السلام يصرّح به..
وأيضا بيانُ القرآن المعجِز في أمثال:
﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ اَطْوَارًا ﴾
(نوح:١٤)
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
(فصلت:٤٦) يشهد له. تلك عشرةٌ كاملةٌ، مفاتيحُ للسعادة الأبدية وأبوابٌ لتلك الجنة.
أما بيان البرهان الأول: فهو أنه لو لم تنجرَّ الكائناتُ إلى السعادة الأبدية لصار ذلك النظام الذي أتقن فيه صانعُه إتقانًا حَيَّرَ فيه العقولَ صورةً ضعيفةً خادعة، وجميعُ المعنويات
— 59 —
والروابط والنسب في النظام هباءً منثورًا. فليس نظامُ ذلك النظام إلّا اتصالَه بالسعادة، أي إن النكت والمعنويات في ذلك النظام إنما تتسنبل في عالم الآخرة. وإلّا لانطَفأ جميعُ المعنويات، وتقطّع مجموعُ الروابط، وتمزّقَ كل النسب، وتفتَتَ هذا النظام؛ مع أن القوة المندمجة في النظام تنادي بأعلى صوتها: أن ليس من شأنها الانقضاضُ والانحلال.
وأما البرهان الثاني: فهو أن تمثالَ العناية الأزلية الذي هو الحكمةُ التامة، التي هي رعايةُ المصالح والحِكَم في كل نوع، بل في كل جزئي -بشهادة كلِّ الفنون- يبشّر بقدوم السعادة الأبدية. وإلّا لَزِم إنكار هذه الحِكم والفوائد التي أجبرتنا البداهةُ على الإقرار بها؛ إذ حينئذ تكون الفائدةُ لا فائدة.. والحكمةُ غير حكمةٍ.. والمصلحةُ عدم مصلحة. وإن هذا إلّا سفسطة.
وأما البرهان الثالث المفسّر للثاني: فهو أن الفن يشهد أيضًا أن الصانع اختار في كل شيء الطريقَ الأقصر، والجهةَ الأقرب، والصورةَ الأخف والأحسن. فيدلّ على أن لا عبثية. فيدلّ على أنه جدّيّ حقيقي. وما هو إلا بمجيء السعادة الأبدية. وإلّا لتنیزل هذا الوجود منیزلةَ العدم الصرف. وتحول كلُّ شيء عبثًا محضًا.. سبحانك ماخلَقْتَ هذا عَبَثًا.
أما البرهان الرابع الموضِّح للثالث: فهو أن لا إسراف في الفطرة بشهادة الفنون. فإن تقاصر ذِهْنُك عن إدراك حِكَم الإنسان الأكبر وهو "العالم" فأمعِن النظر في العالم الأصغر وهو "الإنسان". فإن فن منافع الأعضاء قد شرح وأثبت أن في جسد الإنسان -تقريبًا- ستمائة عظم كلٌّ لمنفعة.. وستةَ آلاف عصب هي مجارٍ للدم كلٌّ لفائدة.. ومائةَ وأربعة وعشرين ألفَ مسامةٍ وكوّة للحجيرات التي تعمل في كلٍّ منها خمسُ قوى من الجاذبة والدافعة والممسكة والمصوّرة والمولّدة كلٌّ منها لمصلحة. وإذا كان العالَمُ الأصغر كذا فكيف يكون الإنسان الأكبر أنقصَ منه؟ وإذا كان الجسد الذي لا أهمية له بالنسبة إلى لبِّه بتلك الدرجة من عدم الإسراف، فكيف يُتصوَّر إهمالُ جوهر الروح؟ وإسرافُ كلِّ آثاره من المعنويات والآمال والأفكار؟ إذ لولا السعادةُ الأبدية لتقلصت كلُّ المعنويات وصارت إسرافًا. فباللّٰه عليك، أيُمكن في العقل أن يكون لك جوهرةٌ قيمتُها الدنيا، فتهتم بصدَفها وغلافها حتى لا تخلي
— 60 —
أن يصل الغبار إليه، ثم تأخذ الجوهرةَ فتكسّرها شذرًا مذرًا [٭]: شذرًا مذرًا: أي ذهبوا في كل وجه، فالمراد المبالغة في الكسر والتجزئة. (ش). والذي في المعاجم شذرَ مذرَ. وتمحو آثارَها؟ كلا ثم كلا! ما تهتم بالغلاف إلّا لأجل ما فيه.. وأيضًا إذا أفهمتْك قوةُ البِنية في شخص وصحةُ أعضائه واستعداده استمرارَ بقائه وتَكمُّله؛ أفلا تُفهّمك الحقيقةُ الثابتة الجارية في روح الكائنات، والقوةُ الكاملة المومية بالاستمرار في الانتظام، والكمالُ المنجرّ إلى التكمل في النظام مجيءَ السعادة الأبدية من باب الحشر الجسماني؟ إذ هي المخلّصةُ للانتظام عن الاختلال، والواسطةُ للتكمل وانكشاف تلك القوة المؤبَّدة.
وأما البرهان الخامس والحدسُ المُرمِز إلى المقصد: فهو أن وجودَ نوعِ قياماتٍ مكرّرةٍ نوعيةٍ في كثير من الأنواع يشير إلى القيامة العظمى. وإن شئتَ تمثُّلَ الرمزِ في مثالٍ، فانظر في ساعتك الأُسبوعية، فكما أن فيها دواليبَ مختلفةً دوّارة متحركة محركة للإبر والأمْيالِ العادّةِ واحدةٌ منها للثواني، وهي مقدمة ومخبِرة لحركة إبرة الدقائق، وهي مُعدّة ومُعلِنة لحركة مِيل الساعات، وهي محصّلة ومُؤْذنة لحركة الإبرة التي تَعُدّ أيام الأُسبوع. فإتمام دورة السابقة يشير بأن أُختَها اللاحقة تتم دورَها؛ كذلك إن للّٰه تعالى ساعةً كبرى دواليبُها الأفلاكُ تعدّ أميالُها الأيامَ والسنين وعمرَ البشر وبقاءَ الدنيا، نظير الثواني والدقائق والساعات والأيام في ساعتك. فمجيءُ الصبح بعد كل ليلة، والربيعِ بعد كل شتاء -بناء على حركة تلك الساعة- يشير إشارةً خفية ويرمز رمزًا دقيقًا بتولّد صبحِ ربيع الحشر من تلك الساعة الكبرى.
- إن قلت: القيامةُ النوعية لا تُحشَر الأشخاصُ بأعيانهم فكيف ترمز بالقيامة الكبرى لِعَوْد الأشخاص هناك بأعيانهم؟
قيل لك: إنَّ شخصَ الإنسان كنوعِ غيره، إذ نورُ الفكر أعطَى لآمال البشر وروحه وُسْعةً وإنبساطًا بدرجة وسِعَت الأزمنةَ الثلاثة، لو ابتلع الماضيَ والمستقبل مع الحال لم تمتلئ آمالُه؛ لأن نور الفكر صيّر ماهيتَه عُلْوية، وقيمتَه عمومية، ونظرَه كليًا، وكمالَه غير محصور، ولذتَه دائمية، وألمَه مستمرًا. أما فردُ النوع الآخر فماهيتُه جزئية، وقيمتُه شخصية، ونظرُه محدود، وكمالُه محصور، ولذتُه آنيّة، وألمُه دفعيّ، فوجودُ نوعِ قيامة في الأنواع، كيف لا يشير بالقيامة الشخصية العمومية للإنسان؟
— 61 —
وأما البرهان السادس الملوّح: فهو عدمُ تناهي استعدادات البشر؛ نعم، إن تصوراتِ البشر وأفكارَه التي لا تتناهى، المتولدةَ من آماله الغير المتناهية، الحاصلةِ من ميوله الغيرِ المضبوطةِ، الناشئةِ من قابلياته الغير المحدودة، المستترةِ في استعداداته الغير المحصورة، المزروعةِ في جوهر روحه الذي كرّمه اللّٰه تعالى؛ كلٌّ منها يشير في ما وراءَ الحشر الجسماني بإصبع الشهادةِ إلى السعادة الأبدية وتمد نظرَها إليه. فتأمل!
وأما البرهان السابع المبشر: فهو أن رحمةَ الرحمن الرحيم تبشّر بقدوم أعظم الرحمة، أعني السعادة الأبدية؛ إذ بها تصيرُ الرحمةُ رحمةً، والنعمةُ نعمةً. وبها تخلص الكائناتُ من النياحات المرتفعة من المأتم العموميّ المتولد من الفراق الأبديّ المصيّر للنِعم نِقمًا. إذ لو لم يجئ روحُ النِعَم أعني السعادة الأبدية، لتحوّل جميعُ النعم نِقمًا؛ ولَلزم المكابرةُ في إنكار الرحمة الثابتة بشهادة عموم الكائنات بالبداهة وبالضرورة..
فيا أيها الحبيب الشفيق(٭) العاشق! انظُر إلى ألطفِ آثار رحمة اللّٰه، أعني المحبةَ والشفقة والعشق؛ ثم راجعْ وجدانَك، لكن بعد فرض تعقّب الفراقِ الأبدي والهجران اللايزالي عليها، كيف ترى الوجدانَ يستغيث.. والخيالَ يصرخ.. والروحَ يضجر من انقلاب تلك المحبة والشفقة -اللتين هما أحسنُ وألطفُ أنواع الرحمة والنعمة- أعظمَ مصيبةٍ عليك وأشدَّ بلاءٍ فيك؟ أفيمكن في العقل أن تساعد تلك الرحمةُ الضرورية لهجوم الفراق الأبدي والهجرانِ اللايزاليّ على المحبة والشفقة؟ لا! بل من شأن تلك الرحمة أن تسلِّط الفراقَ الأبدي على الهجران اللايزاليّ، والهجرانَ اللايزاليّ على الفراق الأبدي، والعدمَ عليهما.
وأما البرهان الثامن المصرّح: فهو لسانُ محمد عليه السلام الصادق المصدوق، ولقد فتح كلامُه أبوابَ السعادة الأبدية، على أن إجماع الأنبياء من آدمهم إلى خاتمهم عليهم السلام على هذه الحقيقة حُجةٌ حقيقيةٌ قطعية على هذا المدّعَى. ولِأمرٍ مّا اتفقوا.
وأما البرهان التاسع: فهو إخبار القرآن المعجِز؛ إذ التنیزيلُ المصدَّق إعجازُه بسبعة أوجه [٭]: تفصيل هذه الأوجه في الكلمة الخامسة والعشرين (المعجزات القرآنية). في ثلاثةَ عشرَ عصرًا دعواه عينُ برهانها. [٭]: أي برهان الدعوى. (ب) فإخباره كشَّافٌ للحشر الجسماني ومفتاحٌ له.
— 62 —
وأما البرهان العاشر، المشتمل على ألوفٍ من البراهين التي تضمّنَها كثيرٌ من الآيات مثل
﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ اَطْوَارًا ﴾
المشيرِ إلى "قياس تمثيلي"، و
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
المشيرِ إلى "دليل عَدْليّ"، وغيرهما، فلقد فتح القرآن في أكثر الآيات كُوّاتٍ [٭]: الكوة: الخرق في الحائط. ج: كواء وكوى وكوات. ناظرة إلى الحشر.
أما القياس التمثيلي المشار إليه بالآية الأُولى: فانظر في وجود الإنسان فإنه ينتقل من طَور إلى طور؛ من النطفة إلى العلَقة.. ومنها إلى المضغة.. ومنها إلى العظم واللحم.. ومنه إلى الخلق الجديد. ولكلٍّ من تلك الأطوار قوانينُ مخصوصة، ونظاماتٌ معيّنة، وحركاتٌ مطّردة يشفّ كلٌّ منها عن قصدٍ وإرادةٍ واختيارٍ.. ثم تأمل في بقائه فإن هذا الوجود يجدّد لباسَه في كل سنة، ومن شأنه التحللُ والتركّب، أي انقضاضُ الحجيرات وتعميرُها ببدل ما يتحلل من المادة اللطيفة الموزّعة على نسبة مناسبة الأعضاء التي يُحضِرها صانعُها بقانون مخصوص. ثم تأمل في أطوار تلك المادةِ اللطيفة الحاملةِ لأرزاق الأجزاء. كيف تنتشر في أقطار البدَن انتشارًا تحيّر فيه العقولُ. وكيف تنقسم بقانون التقسيم المعيّن على مقدار حاجات الأعضاء؛ بعد أن تلخّصت تلك المادةُ بنظام ثابت، ودستور معين، وحركة عجيبة من أربع مصفاتات، وانطبخت في أربعة مطابخ بعد أربعةِ انقلابات عجيبة؛ المأخوذةِ تلك المادة من القُوتِ المحصَّل من المواليد المنتشرة في عالم العناصر بدستورٍ منتظم؛ ونظام مخصوص، وقانون معين. وكلٌّ من القوانين والنظامات في تلك الأطوار يشفّ عن سائقٍ وقصدٍ وحكمةٍ. كيف لا، ولو تأملتَ من قافلة تلك المادة اللطيفة في ذرةٍ مثلًا، مُستَّرةً في عنصر الهواء تصير بالآخرة جزءًا من سواد عين "الحبيب"، لعَلِمتَ أن تلك الذرةَ وهي في الهواء معيّنةٌ كأنها موظفةٌ مأمورة بالذهاب إلى مكانها الذي عُيّن لها؛ إذ لو نظرت إليها بنظرِ فنّيّ تيقنتَ أن ليست حركتُها "اتفاقية عمياء" "بتصادف أعمى"، بل تلك الذرةُ ما دخلت في مرتبةٍ إلَّا تبعَت نظاماتِها المخصوصة، وما تدرّجَتْ إلى طورٍ إلَّا عَمِلت بقوانينه المعيّنة، وما سافرت إلى طبقة إلَّا وهي تُساق بحركة عجيبة منتظمة، فتمرّ على تلك الأطوار حتى تصل إلى موضعها. مع أنها لا تنحرف قطعًا مقدار ذرة عن هدف مقصدها.
والحاصل: أن من تأمل في النشأة الأولى لم يبقَ له تردّدٌ في النشأة الأخرى، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "عَجبًا لمن يَرى النشأةَ الأُولَى كيفَ ينكر النشأة الأخرى". [٭]: القضاعي، مسند الشهاب ١/٣٤٧، رقم ٥٩٥؛ ابن الجوزي، صفوة الصفوة ٢/٩٥.
— 63 —
نعم، كما أن جمعَ نفراتِ عسكرِ فرقةٍ أُذِنَ لهم بالاستراحة والانتشار إذا دُعوا بالآلة المعروفة -يتسللون عن كل طرَف ومكمَن، فيجتمعون متّحدين تحت لوائهم- يكون أسهلَ وأسهلَ من جلبهم أول الأمر إلى الانتظام تحت السلاح؛ كذلك إن جمعَ الذرات التي حصَلت بينها المؤانسةُ والمناسبة بالامتزاج في وجودٍ واحدٍ إذا نوديتْ بصُور إسرافيل فينساب الكلُّ من كل فجٍّ عميق مُلبِّيةً لأمر خالقها، يكون أسهلَ وأمكن في العقل من إنشائها وتركيبها أول المرة.
أما بالنسبة إلى القدرة فأعظمُ الأشياء كأصغرِها.
ثم الظاهر أن المُعاد يُعاد بأجزائه الأصلية والفضولية معًا. كما يشير إليه كبرُ أجسام أهل الحشر [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "ضرس الكافر -أو ناب الكافر- مثل أُحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث". رواه مسلم (٤/٢١٨٩). وكراهةُ قصّ الأظفار والأشعار ونحوها للجُنُب، وسُنِّیيَّةُ دفنِها. [٭]: "ادفنوا ماءكم وأشعاركم وأظفاركم، لا تلعب بها السحرة" مسند الفردوس ١/١٠٢. وانظر الفتح الكبير ٢/٣٧٥ وكنز العمال ١٧٢٤٥ وجمع الجوامع رقم ٨٨٥. والتحقيق أن عَجب الذَّنَب يكفي أن يكون بذرًا ومادةً لتشكّله. [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "كل ابن آدم يأكله التراب إلّا عجب الذنب، منه خُلق ومنه يركّب". رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه. والعجب: أصل الذنب.
وأما الدليل الذي لوّح به:
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
: فاعلم أنّا كثيرًا ما نرى الظالمَ الفاجر الغدّار في غاية التنعّم، ويمرّ عمُره في غاية الطيب والراحة، ثم نرى المظلومَ الفقير المتديّن الحَسَنَ الخُلقِ ينقضي عمرُه في غاية الزحمة [٭]: التعب والمشقة والضيق. والذلّةِ والمظلومية، ثم يجيء الموتُ فيساوي بينهما. وهذه المساواةُ بلا نهايةٍ تُرى ظُلمًا. والعدالةُ والحكمة الإلهيتان اللتان شهِدت عليهما الكائناتُ منیزّهتان عن الظلم؛ فلابد من مجمَعٍ آخر ليرى الأولُ جزاءَه والثاني ثوابَه فيتجلى العدالةُ الإلهية.
وقِس على هاتين الآيتين نظائرهما. هذا..
أما وجهُ النظم في أجزاء
﴿ وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾
فاعلم أن مناط النكت: "الواو"، ثم تقديمُ بِالآخِرَةِ ثم الألف واللام فيها، ثم التعبير بهذا العنوان، ثم ذِكر هُمْ ، ثم ذِكر يُوقِنُونَ بدلَ "يؤمنون".
— 64 —
أما "الواو" ففيها التخصيص بعد التعميم، للتنصيص على هذا الركن من الإيمان، إذ هو أحد القطبين اللذين تدور عليهما الكتبُ السماوية.
وأما تقديمُ بِالآخِرَةِ ففيه حصرٌ، وفي الحصر تعريضٌ بأن أهلَ الكتاب بناءً على قولهم:
﴿ لن تمسَّنا النارُ اِلّا أيّامًا مَعْدُودة ﴾
(البقرة:٨٠) ونفيِهم اللذائذ الجسمانية، آخرتُهم آخرةٌ مجازية اسمية، ما هي بحقيقة الآخرة.
وأما الألف واللام فللعَهد، أي إشارةٌ إلى المعهود بالدوران على ألسنة كلِّ الكتب السماوية.. وفي العهد لمحٌ إلى أنها حقٌّ وإشارة إلى الحقيقة المعهودة الحاضرة بين أهداب العقول بسبب الدلائل الفطرية المذكورة.. وفي العهد حينئذ رمزٌ إلى أنها حقيقة.. وأما التعبير بعنوان "الآخِرَةِ" الناعتة للنشأة فلتوجيه الذهن إلى النشأة الأولى، لينتقل إلى إمكان النشأة الأخرى.
وأما هُمْ ففيه حصرٌ، وفي الحصر تعريض بأن إيمان من لم يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب ليس بيقين، بل إنما يظنونه يقينًا.
وأما ذكر يُوقِنُونَ بدل "يؤمنون" مع أن الإيمان هو التصديقُ مع اليقين، فليضع الإصبع على مناط الغرض قصدًا لإطارة الشكوكِ؛ إذ القيامةُ محشرُ الريوب.. وأيضا بالتنصيص ينسدّ طُرق التعلل بی"إنا مؤمنون فليؤمن مَن لم يؤمن".
— 65 —
﴿ اُولئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَاُولئِكَ هُم المُفْلِحُونَ ٥ ﴾
﴿ اُولئِك عَلَى هُدًى مِنْ رَبٍّهِمْ ﴾
اعلم أن المظان التي تتلمّع فيها النُّكَتُ: هي نظمُها مع سابقها، ثم المحسوسيةُ في اُولئِك ، ثم البُعْدية فيها، ثم العلوّ في على ، ثم التنكير في هُدًى ، ثم لفظ مِنْ ، ثم التربية في رَبٍّهِمْ
أما النظم، فاعلم أن هذه [٭]: أنَّ هذه الآية (ش.) مرتبطةٌ بسابقها بخطوطِ مناسبات. منها الاستأناف، أي [٭]: أي إنها جواب. جوابٌ لثلاثة أسئلة مقدَّرة:
منها: السؤالُ عن المثال، كأن السامعَ بعدما سمِع أن القرآن من شأنه الهدايةُ لأشخاص من شأنهم -بسبب الهداية- الاتّصاف بأوصافٍ، أحبَّ أن يراهم وهم بالفعل تلبّسوا بتلك الأوصاف متكئين على أرائك الهداية. فأجاب مُريئًا للسامع بقوله:
﴿ اُولئِك عَلَى هُدًى مِنْ رَبٍّهِمْ ﴾
ومنها: السؤال عن العلّة، كأن السائل يقول: ما بالُ هؤلاء استحقوا الهداية واختصّوا بها؟ فأجاب: بأن هؤلاء الذين امتزجت واجتمعت فيهم تلك الأوصافُ -إن تأملتَ- لجديرون بنور الهداية.
-فإن قلت: التفصيلُ السابق أجلى للعلّة من الإجمال في اُولئِك؟
قيل لك: قد يكون الإجمال أوضحَ من التفصيل لاسيما إذا كان المطلوبُ متولدًا من المجموع؛ إذ بسبب جزئيةِ ذهن السامع، والتدرّجِ في أجزاء التفصيل، وتداخلِ النسيان بينها، وتجلِّي العلّةِ من مزج الأجزاء قد لا يُتفَطّن لتولد العلّةِ. فالإجمال في اُولئِك لأجل الامتزاج أجلى للعلّية.
— 66 —
ومنها: السؤالُ عن نتيجة الهداية وثمرتِها، والنعمةِ واللذة فيها؛ كأن السامع يقول: ما اللذةُ والنعمة؟ فأجاب بأن فيها سعادةَ الدارين. أي إنَّ نتيجة الهدايةِ نفسُها، وثمرتَها عينُها، إذ هي بذاتها نعمةٌ عظمى ولذةٌ وجدانية، بل جنةُ الروح؛ كما أن الضلالةَ جهنمُها. ثم بعد ذلك تثمر الفلاحَ في الآخرة.
وأما المحسوسية في اُولئِك فإشارةٌ إلى أن ذكر الأوصاف الكثيرة سببٌ للتجسّم في الذهن، والحضور في العقل، والمحسوسيةِ للخيال. فمن العهد [٭]: حيث ذكرت أوصافهم فأصبحت معهودة. (ت: ٦٥). الذِكْريّ ينفتح بابٌ إلى العهد الخارجيّ، ومن العهد الخارجي ينتقل إلى امتيازهم، وينظر إلى تلألئهم في نوع البشر كأنه مَن رفعَ رأسَه وفتح عينيه لا يتراءى له إلَّا هؤلاء.
وأما البُعدية في اُولئِك مع قُربيتهم في الجملة، فللإشارة إلى تعالِي رتبتِهم؛ إذ الناظر إلى البُعَداء لا يرى إلَّا أطولَهم قامةً، مع أن حقيقة البُعد الزماني والمكاني أقضى لحقّ البلاغة؛ إذ هذه الآية كما أن عصرَ السعادة لسانٌ ذاكر لها وهي تَنیزل، كذلك كلٌّ من الأعصار الاستقبالية كأنه لسانٌ ذاكرٌ لها، وهي شابةٌ طريةٌ كأنها إذ ذاك نزلَت لا أنها نزلت ثم حُكِيت. فأوائلُ الصفوف المشار إليهم بی اُولئِك يتراءَون من بُعْدٍ. ولأجل الرؤيةِ مع بُعدهم يُعلَم عظمتُهم وعلوُّ رتبتهم.
وأما لفظ على فاعلم أن سرّ المناسبة بين الأشياء صيَّر أكثرَ الأمور كالمرايا التي تتراءى في أنفسها؛ هذه في تلك، وتلك في هذه. فكما أن قطعةَ زجاجةٍ تريك صحراءَ واسعة؛ كذلك كثيرًا ما تذكِّرك كلمةٌ فذة خيالًا طويلًا، وتمثِّل نُصبَ عينيك هيئةُ كلمةٍ حكايةً عجيبةً. ويجول بذهنك كلامٌ في عالم المثال المثالي. كما أن لفظ "بارَزَ" يفتح لك معركة الحرب، ولفظ "ثمرة" في الآية يفتح لك باب الجنة، وقِس! فعلى هذا لفظُ على للذهن كالكُوَّة إلى أُسلوبٍ تمثيلي، هو أنَّ هدايةَ القرآن بُراقٌ إلهيّ أهداه للمؤمنين ليَسلكوا-وهم عليه- في الطريق المستقيم سائرين إلى عرش الكمالات.
وأما التنكير في هُدًى فيشير إلى أنه غير هُدًى للمتقين إذ المنكَّر المكرّر غيرُ
— 67 —
الأول في الأغلب؛ [٭]: حيث إن النكرة إذا كررت بصورة معرفة، فتلك المعرفة هي عين تلك النكرة، أما إذا ذكرت النكرة نكرة فلا تكون عين النكرة في الأغلب. (ت: ٦٧). فذاك مصدرٌ وهذا حاصلٌ بالمصدر.. وهو صفة محسوسة قارَّة [٭]: قارة: ثابتة. كثمرة الأول.
وأما لفظ مِنْ فيشير إلى أن الخلق والتوفيق في اهتدائهم -المكسوبِ لهم- من اللّٰه. [٭]: إذ الاهتداء، أي سلوك طريق الصواب، هو ضمن اختيارهم وداخل كسبهم، مع أن الهداية التي هي صفة ثابتة، فهي من اللّٰه تعالى. (ت: ٦٧).
وأما لفظ الی"رب" فيشير إلى أن الهداية من شأن الربوبية؛ فكما يربّيهم بالرزق يغذّيهم بالهداية.
﴿ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
اعلم أن مظانّ تحري النُكت هي: عطفُ "الواو"، ثم تكرار اُولئِك ، ثم "ضمير الفصل"، ثم الألف واللام، ثم إطلاق "مفلحون" وعدمُ تعيين وجه الفلاح.
أما العطف فمبنيٌّ على المناسبة؛ إذ كما أن اُولئِك الأولَ إشارة إلى ثمرة الهداية من السعادة العاجلة؛ فهذا إشارةٌ إلى ثمرتها من السعادة الآجلة. ثم إنه مع أن كلًّا منهما ثمرةٌ لكلِّ ما مرَّ، إلّا أن الأولى أنّ اُولئِك الأول يرتبط عِرْقُه بی الذين الأولِ، الظاهر أنهم المؤمنون من الأميين، ويأخذ قوتَه من أركان الإسلامية، وينظر إلى ما قبل وَبِالاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. و اُولئِك الثاني ينظر برمز خفي إلى الذين الثاني، الظاهر أنهم مؤمنو أهل الكتاب. ويكون مأخذُه أركان الإيمان واليقين بالآخرة. فتأمل!
وأما تكرار اُولئِك فإشارةٌ إلى استقلال كلٍّ من هاتين الثمرتين في العلّة الغائية للهداية والسببية لتميّزهم ومدحِهم، إلّا أن الأولى أن يكون اُولئِك الثاني إشارةً إلى الأول مع حكمه كما تقول: ذلك عالمٌ وذلك مكرَّم.
وأما ضميرُ الفصل فمع أنه تأكيدُ الحصر الذي فيه تعريضٌ بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبيّ عليه السلام، فيه نكتةٌ لطيفة وهي: أن توسُّط هُم بين المبتدأ والخبر من شأنه أن
— 68 —
يحوّل المبتدأ للخبر الواحد موضوعًا لأحكام كثيرةٍ يُذكَر البعضُ ويُحال الباقيةُ على الخيال؛ لأن هُم ينَبِّه الخيال على عدم التحديد ويشوّقه على تحرّي الأحكام المناسبة. فكما أنك تضع "زيدًا" بين عيني السامع فتأخذ تغزل منه الأحكام قائلا: هو عالمٌ، هو عامل، هو كذا وكذا. ثم تقول قس! كذلك لما قال اُولئِك ثم جاء هُم هيّج الخيالَ لأن يجتني ويثني بواسطة الضمير أحكامًا مناسبة لصفاتهم، كی: أولئك هم على هدى.. هم مفلحون.. هم فائزون من النار.. هم فائزون بالجنة.. هم ظافرون برؤية جمال اللّٰه تعالى...إلى آخره.
وأما الألف واللام فلتصوير الحقيقة. كأنه يقول: إن أحببتَ أن ترى حقيقةَ المفلحين، فانظر في مرآة اُولئِك لتمثّل لك..أو لتمييز ذواتهم، كأنه يقول: الذين سمعتَ أنهم من أهل الفلاح إن أردتَ أن تعرفهم فعليك بی اُولئِك فهم هم.. أو لظهور الحُكم وبداهته نظير "والدُه العبدُ" إذ كون والدِه عبدًا معلومٌ ظاهر..
وأما إطلاق "مفلحون" فللتعميم؛ إذ مخاطَب القرآن على طبقاتٍ، مطالِبُهم مختلفةٌ. فبعضُهم يطلب الفوزَ من النار.. وبعضٌ إنما يقصد الفوزَ بالجنة.. وبعضٌ إنما يتحرّى الرضاء الإلهي.. وبعضٌ ما يحبّ إلّا رؤيةَ جمالِه.. وهلمَّ جرًّا.. فأطلق هنا لتعمّ مائدةُ إحسانه فيجتني كلٌّ مشتهاه.
— 69 —
﴿ اِنًّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَاَنْذَرْتَهُمْ اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لايُؤْمِنُونَ ٦ ﴾
وجه النظم: %
اعلم أن للذات الأحديِّ في عالَم صفاته الأزلية تجلِّيَيْن جلاليٌّ وجماليّ. فبتجليهما في عالم صفات الأفعال يتظاهر اللطفُ والقهرُ والحُسن والهيبة. ثم بالانعطاف في عالَم الأفعال يتولد التحليةُ والتخلية والتزيينُ والتنیزيه. ثم بالانطباع في العالم الأُخروي من عالم الآثار يتجلى اللطفُ جَنَّةً ونورًا، والقهرُ جهنمَ ونارًا. ثم بالانعكاس في عالم الذِكر ينقسم الذكرُ إلى الحمد والتسبيح. ثم بتمثّلهما في عالَم الكلام يتنوع الكلام إلى الأمر والنهي. ثم بالارتسام في عالم الإرشاد يقسمانه إلى الترغيب والترهيب والتبشير والإنذار. ثم بتجليهما على الوجدان يتولد الرجاءُ والخوف.. وهكذا. ثم إن من شأن الإرشاد إدامةَ الموازنة بين الرجاء والخوف، ليدعوَ الرجاءُ إلى أن يسعى بصرف القوى، والخوفُ إلى أن لا يتجاوز بالاسترسال فلا ييأسَ من الرحمة فيقعد ملومًا، ولا يأمَنَ العذابَ فيتعسفَ ولا يباليَ. فلهذه الحكمة المتسلسلةِ ما رغّب القرآنُ إلّا وقد رهَّبَ، وما مدحَ الأبرارَ إلّا وقرَنَه بذمّ الفجار.
- إن قلت: فلِمَ لم يعطف هنا كما عطف في
﴿ اِنَّ الابْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٭ وَاِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾
(الانفطار:١٣-١٤) ؟
قيل لك: إنَّ حُسن العطف ينظر إلى حُسن المناسبة، وحُسن المناسبة يختلف باختلاف الغرض المَسوق له الكلامُ. ولما اختلف الغرضُ هنا وهنالك، لم يُستحسن العطفُ هنا؛ إذ مدحُ المؤمنين منجرّ ومقدمةٌ لمدح القرآن، ونتيجةٌ له، وسِيق له. وأما ذمُّ الكافرين فللترهيب لا يتصل بمدحِ القرآن.
ثم انظر إلى اللطائف المندمجة في نظم أجزاء هذه الآية:
فأولًا: استأنِس بی اِنًّ و الذين فإنهما أجْوَلُ وأسْيَرُ ما يصادفك في منازل التنیزيل. ولأمرٍ مّا أكثر القرآنُ من ذكرهما؛ إذ معهما من جوهر البلاغة نكتتان عامّتان غيرُ ما تختصّ كلَّ موقع.
— 70 —
أما اِنًّ فإن من شأنها أن تثقب السطح نافذةً إلى الحقيقة، وتوصل الحُكم إليها؛ كأنها عِرق الدعوى اتصلت بالحق. مثلًا: إنَّ هذا كذا.. أي الحُكمُ وهذه الدعوى ليست خيالية ولا مبتدعة ولا اعتبارية ولا مستحدَثة؛ بل هي من الحقائق الجارية الثابتة. وما يُقال من أن اِنًّ للتحقيق فعنوانٌ لهذه الحقيقة والخاصيّة. والنكتةُ الخصوصية هنا هي أن اِنًّ الذي شأنُه ردُّ الشّك والإنكار مع عدمِهما في المخاطَب للإشارة إلى شدّة حرص النبي عليه السلام على إيمانهم.
وأما الذين فاعلم أن "الذي" من شأنه الإشارةُ إلى الحقيقة الجديدة التي أحسّ بها العقلُ قبل العين، وأخذت في الانعقاد ولم تشتدَّ، بل تتولد من امتزاج أشياءٍ وتَآخُذِ أسبابٍ مع نوع غَرابة. ولهذا ترى من بين وسائط الإشارة والتصوير في الانقلاب المجدِّد للحقائق لفظَ "الذي" أسْيَرَ على الألسنة وأكثرَ دورانًا. فلما أن تجلّى مؤسِّسُ الحقائق وهو القرآن، اضمحل أنواعٌ ونُقِضت فصولُها وتشكلت أنواعٌ أُخر وتولدت حقائق أُخرى. أمَا ترى زمانَ الجاهلية كيف تشكلت الأنواعُ على الروابط الملّية وتولدت الحقائقُ الاجتماعية على العصبيات القومية فلما أنْ جاء القرآنُ قطع تلك الروابط وخرَّب تلك الحقائق فأسس بدلًا عنها أنواعًا، فصولُها الروابط الدينية؟ فتأمل! فلما أشرق القرآنُ على نوع البشر تزاهرَ بضيائه وأثمَر بنوره قلوبٌ، فتحصلت حقيقةٌ نورانية هي فصلُ نوع المؤمنين. ثم لخُبث بعض النفوس تعفّنت في مقابلة الضياء تلك النفوسُ فتولّدت حقيقةٌ سمّيّة هي خاصةُ نوعِ مَن كفر.. [٭]: فلأجل الإشارة إلى هذه الحقيقة الكفرية، ذكر "الذين". (ت: ٧٢).
وأيضًا بين الذين و الذين تناسب. [٭]: لأن كلًا منهما يدلان على حقيقة مضادة للأخرى. (ت: ٧٢).
اعلم أن الموصول كالألف واللام يُستعمل في خمسة معانٍ [٭]: وهي العهد الذهني، والعهد الخارجي، والجنس، والحقيقة، واستغراق الأفراد، واستغراق الصفات، أو الاستغراق الحقيقي، والاستغراق العرفي.(ب) أشهرُها العهدُ؛ فی الذين هنا إشارة إلى صناديد الكفر أمثال أبي جهل وأبي لهب وأُمية بن خلف وقد ماتوا على الكفر. فعلى هذا في الآية إخبارٌ عن الغيب. وأمثال هذا لمعاتٌ يتولد منها نوعٌ من الإعجاز من الأنواع الأربعة للإعجاز المعنوي.
— 71 —
وأما لفظ كفروا فاعلم أن الكفر ظلمةٌ تحصل من إنكار شيءٍ مما عُلِمَ ضرورةً مجيء الرسول عليه السلام به.
- إن قلت: إنَّ القرآن من الضروريات وقد اختُلف في معانيه؟
قيل لك: إنَّ في كل كلام من القرآن ثلاث قضايا:
إحداها: "هذا كلامُ اللّٰه".
والثانية: "معناه المراد حق". وإنكار كلٍّ من هاتين كفرٌ.
والثالثة: "معناه المراد هذا"؛ فإنْ كان مُحْكَمًا أو مفسّرًا فالإيمان به واجب بعد الاطلاع، والإنكار كفر. وإن كان ظاهرًا، أو نصًا يحتمل معنى آخر، فالإنكار بناءً على التأويل-دون التشهّي- ليس بكفر. [٭]: واختلاف المفسرين ليس إلّا في هذا القسم. (ت: ٧٣).
ومثل الآية الحديثُ المتواتر؛ إلَّا أن في إنكار القضية الأولى من الحديث تأملًا. [٭]: أي ثبوت صحته وتواتره. (ت: ٧٣).
- إن قلت: الكفرُ جهلٌ وفي التنیزيل:
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ اَبْنَاءهُمْ ﴾
(البقرة:١٤٦) فما التوفيق؟
قيل لك: إنَّ الكفر قسمان:
جهليّ، يُنكِر لأنه لا يعلم. والثاني: جحوديٌّ تمرّديّ، يَعرِفُ لكنْ لا يَقبل، يتيقّن لكن لا يعتقد، يصدِّق لكن لا يذعن وجدانُه. فتأمل!
- إن قلت: هل في قلب الشيطان معرفة؟
قيل لك: لا، إذ بحكم صنعته الفطرية يشتغل قلبُه دائمًا بالإضلالِ، ويتصور عقلُه دائمًا الكفرَ للتلقين فلا ينقطع هذا الشغلُ، ولا يزول ذلك التصوّر عن عقله حتى تتمكن فيه المعرفةُ.
- إن قلت: الكفر صفةُ القلب فكيف كان شدّ الزُنّار -وقد قيس عليه "الشَّوْقَة"- [٭]: القبعة. وقد بيّن الأستاذ رأيه في الشعاع الخامس حول لبس القبعة حينما فرض على الناس. كفرًا؟
— 72 —
قيل لك: إنَّ الشريعة تعتبر بالأمارات على الأمور الخفية حتى أقامت الأسباب الظاهرية [٭]: التي هي ليست عللًا. (ت: ٧٤). مقام العِلل. ففي شدِّ الزُنَّار المانع بعضُ نوعِه عن إتمام الركوع، وإلباس "الشَوْقَة" المانعة عن تمام السجود علامة الاستغناء عن العبودية، والتشبّه بالكَفرة المومِئ باستحسانِ مسلكِهم وملّيتهم. فما دام لم يُقطَع بانتفاء الأمر الخفي يُحكَم بالأمر الظاهر.
- إن قلت: إذا لم يُجْدِ الإنذارُ فلِمَ التكليفُ؟
قيل لك: لإلزام الحُجةِ عليهم. [٭]: إذ يمكنهم أن يقولوا لم نبلّغ بالتكليف ولا علم لنا به، ويكون هذا مدار نجاتهم من الجزاء. (ت:٧٤).
- إن قلت: الإخبار عن تمرّدهم يستلزم امتناع إيمانهم فيكون التكليفُ بالمحال؟
قيل لك: إن الإخبارَ وكذا العلمُ والإرادةُ لا تتعلق بكُفرهم مستقلًا مقطوعًا عن السبب، بل إنما تتعلق بكفرهم باختيارهم. كما يأتيك تفصيلُه. ومن هنا يُقال: "الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار".
- إن قلت: إيمانُهم بعدم إيمانهم [٭]: كما في "لا يؤمنون" وأمثالها من الآيات. (ت:٧٤).
محالٌ عقليّ يشبه "الجذرَ الأصمَّ الكلاميّ"؟ [٭]: مغلطة الجذر الأصم هي هذه: قيل إنَّ اجتماع النقيضين واقع، لأنه لو قال قائل كل كلامي في هذه الساعة كاذب والحال أنه لم يقل في تلك الساعة غير هذا الكلام، فلا يخلو من أن يكون هذا الكلام، صادقًا أو كاذبًا. وعلى التقديرين يلزم اجتماع النقيضين. أما إذا كان صادقًا فيلزم كذب كلامه في تلك الساعة، وهذا الكلام مما تكلم به في تلك الساعة ولم يتكلم بغيره؛ فيلزم كذب كلامه. والتقدير أنه صادق فيلزم اجتماع النقيضين وان كان كاذبًا يلزم أيضًا اجتماع النقيضين لأنه يلزم أن يكون بعض أفراد كلامه صادقًا في تلك الساعة لكن ما وجد عنه في تلك الساعة سوى هذا الكلام فيلزم صدقه، والمفروض كذبه فيلزم اجتماع النقيضين. وهذه المغلطة مشهورة تحير جميع العلماء في حلّها. (ب.)
قيل لك: إنهم ليسوا مكلّفين بالتفصيل حتى يلزم المحالُ.
ثم في إيراد كفروا فعلًا ماضيًا، إشارةٌ إلى أنهم اختاروا الكفر بعد تبيُّن الحقِّ فلذا لا يُفيدُ الإنذار.
وأما سواءٌ فمجازٌ عن: "إنذارُك كعدم الإنذار في عدم الفائدة أو في صحة الوقوع" أي لا موجبَ للإنذار ولا لعدمِه.
وأما عليهم ففيه إيماءٌ إلى أنهم أخلدوا إلى الأرض فلا يرفعون رؤوسَهم ولا
— 73 —
يصغون إلى كلام آمرهم.. وفيه أيضا رمزٌ إلى أنه ليس سواءً عليك، لأنَّ لك الخيرَ في التبليغ؛ إذ مَا عَلَى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ (المائدة:٩٩).
وأما
﴿ ءَاَنْذَرْتَهُمْ اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾
فالهمزةُ و"أمْ" هنا في حُكم "سواء حرفي"، تأكيد لی سواءٌ الأولِ. أو تأسيسٌ نظرًا إلى اقتسامهما المعنيين المذكورين للمساواة. [٭]: إذ المساواة تنشا إما من عدم الفائدة أو عدم وجود الموجب (ت: ص ٧٩).
- إن قلت: فلِمَ عبّر عن المساواة بصورة الاستفهام؟
قيل لك: إذا أردت أن تنبّه المخاطَب على عدم الفائدة في فعل نفسه بوجهٍ لطيف مُقنع، لابد أن تستفهم ليتوجّه ذهنُه إلى فعله فينتقل منه إلى النتيجة فيطمئن.. ثم العلاقة بين الاستفهام والمساواة تضمنه لها؛ إذ السائل يتساوى في علمه الوجودُ والعدم.. وأيضًا كثيرًا ما يكون الجوابُ هذه المساواةَ الضمنية.
- إن قلت: لِمَ عبّر عن الإنذار في ءَاَنْذَرْتَهُمْ بصورة الماضي؟
قيل لك: لينادي "يا محمد قد جرَّبْتَ" فقِس!
- إن قلت: لِمَ ذكر اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ مع أن عدم فائدة عدم الإنذار ظاهر؟
قيل لك: كما قد ينتج الإنذارُ إصرارًا، كذلك قد يُجدي السكوتُ إنصافَ المخاطب.
- إن قلت: لِمَ أنذر بالترهيب فقط مع أنه بشير نذير؟
قيل لك: إذ الترهيبُ هو المناسبُ للكفر، ولأن دفعَ المضارّ أولى من جَلب المنافع وأشدُّ تأثيرًا، ولأن الترهيبَ هنا يهزّ عِطْفَ الخيالَ ويوقظُه لأن يتلقى ويجتني بعد قوله لايؤمنون "أبشّرتَهم أم لم تبشرهم".
ثم اعلم كما أن لكل حُكمٍ معنى حرفيًا ومقصدًا خفيًا؛ كذلك لهذا الكلامِ معانٍ طيارةٌ ومقصد سيق له، هو تخفيفُ الزحمة، وتهوينُ الشدة عن النبي عليه السلام، وتسليتُه بتأسّيه بالرسل السالفين. إذ خوطبَ أكثرُهم بمثل هذا الخطاب، حتى قال نوح بعده:
﴿ لا تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرينَ دَيَّارًا ﴾
(نوح:٢٦)..
— 74 —
ثم لأن آياتِ القرآن كالمرايا المتناظرة، وقصصَ الأنبياء كالهالة للقمر تنظر إلى حال النبي عليه السلام؛ كان كأن هذا الكلامَ يقول: هذا قانونٌ فطريٌّ إلهيّ يجب الانقياد له.
واعلم بعد هذا التحليل؛
أن مجموع هذه الآية إلى ولهم عذابٌ عظيم سيقت مشيرةً بعقودها إلى تقبيح الكفر وترذيله، والتنفيرِ منه والنهي الضمني عنه، وتذليلِ أهله، والتسجيل عليهم، والترهيب عنه، وتهديدهم.. مناديةً [٭]: بالنصب، عطف على قوله: مشيرةً. وكذا مصرحة. بكلماتها بأن في الكفر مصائبَ عظيمةً، وفواتَ نِعَمٍ جسيمةٍ، وتولّدَ آلامٍ شديدة، وزوالَ لذائذَ عالية.. مصرّحةً بجُمَلها بأن الكفرَ أخبثُ الأشياء وأضرُّها.
إذ أشار بلفظ كفروا بدلَ "لم يؤمنوا" إلى أنهم بعدم الإيمان وقعوا في ظُلمة الكفر الذي هو مصيبةٌ تفسد جوهرَ الروح وأيضًا هو معدِن الآلام.
وبلفظ لايؤمنون بدلَ "لا يتركون الكفر" إلى أنهم مع تلك الخسارة سقط من أيديهم الإيمان الذي هو منبعُ جميع السعادات.
وبلفظ ختم اللّٰه على قلوبهم إلى أن القلبَ والوجدان -الذي حياتُه وفرحُه وسروره وكمالاته بتجلي الحقائق الإلهية بنور الإيمان- بعدما كفروا صار كالبناء المُوحِش الغير المعمور المشحون بالمضرات والحشرات، فأُقْفِلَ وأُمْهِرَ [٭]: أي ختم على بابه. والمُهر-بالضم- هو الختم الذي يطبع ويوقع به. والكلمة أعجمية استعملها تفننًا. وله من الحسن مقام. (ش). على بابه ليُجتَنبَ، وتُرك مفوّضًا للعقارب والأفاعي.
وبلفظ وعلى سمعهم إلى فوات نعمةٍ عظيمة سمعية بسبب الكفر؛ إذ السمعُ من شأنه -إذا استقر خلفَ صِماخه نورُ الإيمان واستندَ إليه- الاحتساسُ بنداءِ كل العالم وفَهْمُ أذكارِها، وسَمْعُ صياح الكائنات وتفهُّمُ تسبيحاتِها.. حتى إن السمعَ ليَسمعُ من ترنّمات هبوب الريح، ومن نَعَرات رعدِ الغَيم، ومن نغَمات أمواج البحر، ومن صرَخات دقدقةِ الحجَر، ومن هزَجات نزولِ المطر، ومن سجَعات غناءِ الطير كلامًا ربانيًا، ويفهَم تسبيحًا عُلويًا، كأن الكائناتِ موسيقيةٌ عظيمة له، تُهيّجُ في قلبه حُزنًا علويًا وعِشقًا روحانيًا، فيحزَنُ بتذكّر الأحباب والأنيس، فيكون الحزنُ لذةً؛ لا بعدَم الأحباب فيكونَ غمًّا.. وإذا أظلمَ ذلك
— 75 —
السمعُ بالكفر صار أصمَّ من تلك الأصوات اللذيذة، ولا يسمع من الكائنات إلّا نياحات المأتم ونعيات الموت، فلا يُلقي في القلب إلّا غمَّ اليُتمَة أي عدمِ الأحباب، ووحشةَ الغُربة أي عدمِ المالك والمتعهّد. فبناءً على هذا السر أحلّ الشرعُ بعضَ الأصوات وهو ما هيّج عشقًا علويًا وحُزنًا عاشقيًا، وحرّم بعضَها وهو ما أنتج اشتهاءً نفسيًا وحزنًا يُتميًا، وما لم يُرِكَ الشرعُ فمَيِّزْه بتأثيره في روحك ووجدانك.
وبكلمة وَعلى ابصارهم غشاوة إلى زوال نعمةٍ جسيمة بسبب الكفر؛ إذ البصرُ من شأنه -إذا استضاء نورُه واتصل بنور الإيمان الساكنِ خلفَ شُبيكتِه ممدًّا ومحرّكًا له- كان كلُّ الكائنات كجنة مزيَّنة بالزهر والحُور، ويصير نورُ العين نحلًا تطير عليها فتجتني من تلك الأزاهير عصارةَ العِبرة والفكرة والأُنسية والاستيناس والتحبّب والتهنئة، فتأخذ حَميلتَها فتتخذ في الوجدان شهدَ الكمالات.. وإذا أظلمَ -العياذ باللّٰه- ذلك البصرُ بالكفر طُمِسَ، وصارت الدنيا في نظره سجنًا، وتستّرت عنه الحقائق وتوحّشت عليه الكائناتُ وتُلقي إلى قلبه آلامًا تحيط بوجدانه من الرأس إلى القدم..
وبلفظ ولهم عذاب عظيم إلى ثمرةِ شجرة زقّوم الكفر في العالم الأخروي من عذاب جهنم ومن نَكالِ الغضَب الإلهي. هذا.
وأما لايؤمنون فتأكيدٌ لی سواءٌ ينص على جهة المساواة.
— 76 —
﴿ خَتَمَ اللّٰه عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى اَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ٧ ﴾
مقدمة
اعلم أنه لزمنا أن نقف هنا حتى نستمع لما يتكلّم به المتكلمون؛ إذ تحت هذه الآية حربٌ عظيمة بين أهل الاعتزال وأهل الجبر وأهل السنة والجماعة. ومثل هذه الحرب تستوقف النُظّار. فناسَبَ أن نذكر أساساتٍ لتستفيد منها:
إنَّ مذهب أهل السنة والجماعة هو الصراطُ المستقيم، وما عداه إما إفراطٌ أو تفريط. [٭]: في "الكلمة السادسة والعشرين" (رسالة القدر) تفصيل جميع الفقرات التالية.
منها: أنه قد تحقق: "أنْ لا مُؤَثِّرَ فِي الْكَوْنِ إِلّا اللّٰه" فإذن لا تفويض. [٭]: كما يقول أهل الاعتزال من أن العبد خالق لأفعاله. (ت: ٧٩).
ومنها: "أن اللّٰه حكيم" فلا يكون الثوابُ والعقاب عبَثين، فحينئذ لا اضطرارَ. فكما أن التوحيدَ يدفع في صدر الاعتزال؛ كذلك التنیزيهُ يضرب على فمِ الجبر.
ومنها: أن لكل شيء جهتين: جهة مِلْكية هي قد تكون حسنةً وقد تكون قبيحةً تتوارد عليها الأشكالُ كظهر المرآة. وجهةٌ مَلَكوتية تنظر إلى الخالق. وتلك شفافةٌ في كل شيء كوجهِ المرآة. فخَلقُ القبيح ليس قبيحًا؛ إذ الخَلق من جهة الملكوتية حَسنٌ، ولأن خلقَه لتكميل المحاسن فيحسُن بالغير. فلا تُصغِ إلى سفسطة الاعتزال!
ومنها: أن الحاصل بالمصدر [٭]: كالألم والموت الحاصلين بالضرب والقتل. (ت: ٧٩). أمرٌ قارٌ مخلوق جامد لا يُشتق منه الصفاتُ. [٭]: أي لا يشتق من الجامد اسم الفاعل كما هو معلوم في علم الصرف. (ت: ٨٠). وأما المصدر فمكسوبٌ نسبيّ اعتباريّ يُشتق منه الصفات. فلا يكون خالقُ القتل قاتلًا.. فَذَرْ أهل الاعتزالِ في خوضهم يَلْعَبُون!
— 77 —
ومنها: أن الفعل الظاهريّ في الأغلب نتيجةٌ لأفعال متسلسلةٍ منتهيةٍ إلى ميَلان النفسِ الذي يسمّى بی"الجزء الاختياري". فتدور المنازعاتُ على هذا الأساس.
ومنها: أن الإرادة الكلية الإلهية ناظرةٌ بعادته تعالى إلى الإرادةِ الجزئية للعبد، فلا اضطرارَ.
ومنها: أن العلمَ تابعٌ للمعلوم، فلا يتبعُه المعلومُ حتى يدور. فلا يُتعلل في العمل بإحالة مقاييسه على القدَر.
ومنها: أن خلقَ الحاصل بالمصدر متوقفٌ على كسب المصدرِ بجريان عادة اللّٰه تعالى باشتراطه به. والنواةُ في كسب المصدر والعُقدة الحياتية فيه هي الميَلان، فبحَلّه تنحلّ عُقدة المسألة.
ومنها: أن الترجُّحَ بلا مُرجِّح محالٌ دون الترجيحِ بلا مرجِّحٍ، فلا يُعلّلُ أفعالُه تعالى بالأغراض؛ بل اختيارُه تعالى هو المرجِّح.
ومنها: أن الأمر الموجود لابد له من مؤثر وإلا لزَم الترجّح بلا مرجِّح وهو محال كما مرَّ. وأما الأمرُ الاعتباري [٭]: هو الذي لا وجود له إلّا في عقل المعتبر مادام معتبرًا. (التعريفات). فتخصُّصُه بلا مخصّصٍّ لا يلزم منه المحالُ.
ومنها: أن الموجود يجبُ أن يجبَ ثم يوجَدَ. [٭]: أي لا يأتي إلى الوجود شيء ما لم يكن وجوده واجبًا. فعند تعلق الإرادتين الجزئية والكلية في شيء يكون وجود الشيء واجبًا، فيوجد حالًا. (ت: ٨٠). وأما الأمر الاعتباري فالترجُّح بلا انتهاء إلى حدّ الوجوبِ كافٍ، فلا يلزمُ ممكنٌ بلا مؤثر.
ومنها: أن العلم بوجود شيءٍ لا يستلزم العلمَ بماهيتِه، وعدمَ العلم بالماهية لا يستلزم العدمَ. فعدمُ التعبير عن كُنهِ الاختيار لا يُنافي قطعيةَ وجودِه.
وإذا تفطنتَ لهذه الأساسات فاستمع لما يُتلى عليك:
فنحن معاشرَ أهل السنة والجماعة نقول: يا أهل الاعتزال! إن العبد ليس خالقًا للحاصل بالمصدر كالحاصلِ من المصدر، [٭]: أي ليس خالقًا للأثر الحاصل بالمصدر، وهو الذي يطلق عليه الكسب. (ت: ٨١). بل هو مصدرُ المصدرِ فقط؛ [٭]: فليس بيد العبد إلّا الكسب. (ت: ٨١). إذ "لا مؤثر في الكون إلا اللّٰه"،
— 78 —
والتوحيد هكذا يقتضي. ثم نقول: يا أهل الجبر! ليس العبدُ مضطرًا بل له جزءٌ اختياري لأن اللّٰه حكيم. وهكذا يقتضي التنیزيه.
- فإن قلتم: كلّما يُشرّح الجزءُ الاختياري بالتحليل لا يظهر منه إلا الجبرُ.
قيل لكم:
أولًا: إنَّ الوجدان والفطرة يشهدان أن بين الأمر الاختياري والاضطراري أمرًا خفيًا فارقًا، وجودُه قطعي. فلا علينا أن لا نعبِّر عنه.
وثانيًا: نقول إن المَيَلان إن كان أمرًا موجودًا -كما عليه الأشاعرة- فالتصرّفُ فيه أمر اعتباري بيد العبد؛ [٭]: أي تحويل ذلك الميلان من فعل إلى آخر. (ت: ٨١). وإن كان المَيلان أمرًا اعتباريًا -كما عليه الماتريدية- فذلك الأمر الاعتباري ثبوتُه وتخصصُه لا يستلزم العلةَ التامة الموجِبة [٭]: بحيث لا تبقى الحاجة إلى الإرادة الكلية. (ت: ٨١). والعلة التامة: هي جملة ما يتوقف عليه وجود الشيء. (التعريفات). فيجوز التخلّف. [٭]: إذ كثيرًا لا يقع الفعل بوقوع الميلان. (ت: ٨١).
فتأمل!
والحاصل: أنَّ الحاصل بالمصدر موقوفٌ عادة على [٭]: على عادة اللّٰه الجارية. (ت: ٨١). المصدر الذي أساسُه المَيَلانُ الذي هو -أو التصرف فيه- ليس موجودًا حتى يلزمَ [٭]: فيحتاج إلى مؤثر. (ت: ٨١). مِن تخصّصِه مرةً هذا ومرةً ذاك ممكنٌ بلا مؤثر، أو ترجّحٌ بلا مُرجّح.. ولا معدومًا أيضًا حتى لا يصلُح أن يكون شرطًا لخَلق الحاصل بالمصدر أو سببًا للثواب والعقاب.
- إن قلت: العلمُ الأزلي والإرادةُ الأزلية ينحيان على الاختيار بالقَلع؟ [٭]: أي يزيلان الاختيار ويقضيان عليه.
قيل لك: إنَّ العلم بفعلٍ باختيارٍ لا ينافي الاختيارَ.. [٭]: لأن المؤثر هو القدرة وليس العلم الذي هو تابع للمعلوم. (ت:٨٢).
وأيضًا إن العلمَ الأزلي محيطٌ كالسماء، [٭]: أي يحيط بالأسباب و المسببات معا. لا مبدأٌ للسلسلة، كرأسِ زمانِ الماضي حتى تسند إليه المسبّباتُ متغافلًا عن الأسباب موهمًا خروجُها..
— 79 —
وأيضًا إن العلم تابعٌ للمعلوم، أي على أيّ كيفية يكون المعلومُ، كذلك يحيط به العلمُ، فلا يستند مقاييسُ المعلوم إلى أساساتِ القدَر..
وأيضًا إن الإرادةَ لا تتعلق بالمسبَّب فقط مرةً وبالسبب مرةً أخرى حتى لا تبقى فائدةٌ في الاختيار والسبب؛ بل تتعلق تعلقًا واحدًا بالمسبَّب وبسَببه.
وعلى هذا السرّ لو قتل شخصٌ شخصًا بالبندقة مثلًا، ثم فرضنا عدمَ السبب والرمي هل يموت ذلك الشخص في ذلك الآن أم لا؟ فأهلُ الجبر يقولون: لو لم يُقتَل لمات أيضًا لتعدد التعلّق، والانقطاع بين السبب والمسبَّب.. وأهلُ الاعتزال يقولون: لم يمت، لجواز تخلّف المرادِ عن الإرادة عندهم.. وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: نتوقفُ ونسكتُ؛ إذ فرضُ عدم السبب يستلزم فرضَ عدم تعلّقِ الإرادة والعلمِ بالمسبَّب أيضًا، إذ التعلق واحد. فهذا الفرضُ المحال جازَ أن يستلزم محالًا. فتأمل!