إشارات الإعجاز
— 118 —

المسألة الثالثة

اعلم أن كمال الكلام وجمالَه وحُلَّتَه البيانية بأسلوبه. وأسلوبُه صورةُ الحقائق وقالبُ المعاني المتّخذ من قطعَات الاستعارة التمثيلية. وكأن تلك القطعاتِ "سيِمُوطُوغْرَاف" [٭]: الكتابة المتحركة، أصلها: سينماطوغراف ثم اختصرت إلى سينما. خياليّ؛ كإراءة لفظِ "الثمرة" جنتَها وحديقتَها، ولفظِ "بارَزَ" معركةَ الحرب.
ثم إن التمثيلات مؤسسةٌ على سرّ المناسبات بين الأشياء، والانعكاسات في نظام الكائنات، وإخطارِ أمور أمورًا؛ كإخطار رؤيةِ الهلال في الثريا في ذهن أبناء النخلة غصنَها الأبيض بالقدم المتقوس بتدلي العنقود. [٭]: لعل الأستاذ يقصد قول قيس بن خطيم:
وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى كعنقود ملاحيّه حين نوّرا
أو قول ابن المعتز:
وأرى الثريا في السماء كأنها قدم تبدت من ثياب حداد وفي التنزيل:
﴿ حَتى عادَ كالعُرجُون القديم ﴾
(يس:٣٩)
ثم إنَّ فائدة أسلوبِ التمثيل كما في الآيات المذكورة هي أنّ المتكلم بواسطة الاستعارة التمثيلية يُظهر العروقَ العميقة، ويُوصل المعاني المتفرقة. وإذا وضع بيد السامع طرفًا أمكنَ له أن يجرّ الباقي إلى نفسه، وينتقل إليه بواسطة الاتّصال. فبرؤية بعضٍ يتدرج شيئًا فشيئًا -ولو مع ظُلمة- إلى تمامه. فمن سمِع من الجوهريِّ ما قال في وصف الكلام البليغ: "الكلام البليغ ما ثقبَته الفكرةُ".. ومن الخمّار ما قال فيه: "ما طُبخَ في مراجل العلم".. ومن الجمَّال ما قال فيه: "ما أخذتَ بخطامِه وأنَخْتَهُ في مَبْرك المعنى" ينتقل إلى تمام المقصد بملاحظة الصنعة.
ثم إنَّ الحكمة في تشكل الأسلوب هي أن المتكلم بإرادته ينادي ويوقِظ المعانيَ الساكنة في زوايا القلب كأنها حفاةٌ عراةٌ. فيخرجون ويدخلون الخيالَ، فيلبَسون ما يجدون من الصور الحاضرة بسبب الصنعةِ أو التوغل أو الألفة أو الاحتياج، ولا أقل من لفِّ منديلٍ من تلك الصنعة برأسه، أو الانصباغ بلونٍ ما. وما تجدُه في ديباجة الكتب من براعةِ الاستهلال مِنْ أظهرِ أمثلة هذه المسألة.
— 119 —
ثم إن أسلوب الكلام قد يكون باعتبار خيالِ المخاطَب كما في أساليب القرآن فلا تنسَ.
ثم إن مراتب الأسلوب متفاوتةٌ، فبعضها أرقُّ من النسيم إذا سرى يُرمَز إليه بهيئات الكلام، وبعضها أخفى من دسائس الحرب لا يشمّه إلّا ذو دهاء في الحرب؛ كاستشمام الزمخشري(٭) مِن
﴿ مَنْ يُحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾
(يس:٧٨) أسلوبَ "مَن يبرزُ إلى الميدان".
وإن شئت فتأمّل في الآيات المذكورة ترَ فيها مصداقَ هذه المسائل بألطف وجهٍ.
وإن شئت زُرِ الإمامَ البوصيريَّ(٭) وانظر كيف كتب "رَجَتَتَهُ" [٭]: وصفة طبية. بأسلوب الحكيم في قوله:
وَاسْتَفْرغِ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قَدِ امْتَلأتْ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَةَ النَّدَمِ
ورَمز إلى الأسلوب بلفظ الحِمية. أو استمع هدهدَ سليمان كيف أومأ إلى هندسته [٭]: ومعرفته الماء تحت الأرض. (الكشاف). بقوله:
﴿ الّا يَسْجُدُوا للّٰه الَّذِي يُخْرِج الْخَبْءَ في السَّموَاتِ والارضِ ﴾
(النمل:٢٥).