السيرة الذاتية
— 771 —

ذهاب الأستاذ إلى "بارلا"

كان الأستاذ قد غادر "بارلا" قبل عشرين سنة ولم يعُد لزيارتها منذ ذلك الحين؛ والحق أن علاقة الأستاذ بی"بارلا" أوثق من علاقته بمسقط رأسه "نُورْس"، ففي "بارلا" بدأت حياتُه المعنوية بتأليف رسائل النور، ومن "بارلا" انتشرت "الكلمات" و"المكتوبات" و"اللمعات" التي تُمثِّل أنوار هداية القرآن الحكيم، وبهذا الاعتبار تُعدُّ "بارلا" أول مركزٍ لمدارس رسائل النور.
وبالرغم من أن حياة الأستاذ بها كانت مريرةً قضاها في أجواء نفيٍ وعزلةٍ ومراقبةٍ وتشديد، إلا أنه يمكن اعتبارها في الوقت نفسه أجمل لحظات حياته وأمتعها، إذ هي المرحلة التي أُلِّفت فيها حقائق رسائل النور.
وفي هذه المرة ذهب الأستاذ إليها بمحض إرادته ورغبته غيرَ منفيٍّ ولا مسجون.. توجه إليها في يومٍ ربيعيٍّ جميل، واستقبله هناك عددٌ من خُلَّص طلابه فيها، وما إن أصبح على مقربةٍ من المدرسة النورية التي أقام بها ثماني سنوات حتى انهمر الدمع من عينيه ولم يتمالك نفسه، وبَدَت شجرة الدَّلب الضخمة وكأنها ترحب بمَقدَمه.. وعادت الذكرى إلى ما قبل سنين طويلةٍ خَلَتْ.. إلى لحظةِ ترحيله منها بعد إقامةٍ دامت ثماني سنوات.. يومها وقفت شجرة الدَّلب نفسُها حزينةً تودِّعه بأغصانها الممتدة كأذرعٍ في لحظةِ فِراق.. وها هي اليوم تستقبله فرحةً مسرورةً بعد طول غياب.. بدت هذه الشجرة المباركة وكأنها مستغرقةٌ في سجدة شكرٍ لخالقها.. اقترب الأستاذ منها وعانقها وهو لا يتمالك دموعه.. وطلب من التلاميذ والأهالي أن يتركوه وحدَه.. وبعد ذلك دخل إلى غرفته في المدرسة النورية، وبقي فيها قرابة الساعتين وصوتُ نشيجه يُسمَع من الخارج.
أجل، إن هذا الرجل مَظهرٌ من مظاهر الرحمة الإلٰهية التي لا تتناهى، فقد نُفِي ذات يومٍ من شرقي الأناضول إلى "إسبارطة"، ومنها إلى قرية "بارلا" الواقعة
— 772 —
بين الجبال، حيث كان يُراد له أن يموت ويطويَه النسيان؛ لكنْ تشهد سيرة هذا البطل المقدام وسنواتُ حياته السالفة بأنه رجلٌ حَمَلَ حقائقَ القرآن الحكيم بين جنبيه وجعلها قضيتَه، وآمن أنه لا سبيل لسعادة الفرد والمجتمع إلا بحقائق الإسلام، فبرز داعيًا لها منافحًا عنها في ميدان العلم والدلائل العقلية.
لقد عاصر ثلاثة عهودٍ من تاريخ هذه البلاد، فلم يطأطئ رأسه لحاكمٍ مهما بلغ من تجبُّره، ولم يَحِد عن دعوته؛ أثخنته الجراح في المعارك، ودُسَّ له السُّمّ، لكنه لم يمت ولم تَنَل من عزيمته أمواجُ المصاعب والمصائب العاتية.
ولم تُفلِح التيارات والمذاهب التي يموج بها عصرنا الحالي، والتي اكتسحت شعوبًا وأقوامًا، وغيَّرت عقلياتٍ ومفاهيم، لم تُفلِح في تحويل هذا الرجل عن دربه الذي انتهجه في الدعوة إلى الإيمان والقرآن، بل هو على يقينٍ جازمٍ تَرفُدُه الشجاعة الإيمانية التي تَعمُر كيانَه من أنه سيأتي اليوم الذي يتبنى فيه الشعب الحقيقة التي دعاه إليها، وأن سعيدًا لن يبقى واحدًا، بل سيكون غدًا ألفُ سعيدٍ وسعيد، بل عشراتٌ بل مئاتُ الآلاف، وستزدهر فتوحاتُ الدعوة إلى الحقائق الإيمانية التي بثَّها في الناس، وأن مشعل الهداية الذي تَسلَّمه من القرآن سيُبدِّد الظلمات التي تُلبِّد آفاق العالَم الإسلامي، وستَنتعِشُ من جديدٍ روحُ الإيمان التي ظَنَّ كثيرون أنها تعيش لحظات الاحتضار، وستَنفخ الروح في الأرواح، وستُحيي الأمةَ التي خَيَّم عليها الموت معنًى، وسيعود الإسلام سيِّدَ الدنيا من جديد.
لقد نُفي هذا الرجل الجليل الذي يحمل هذه الحقيقة القدسية ويدعو إليها، والذي هو اليوم مبعثُ فخرٍ واعتزازٍ لبني الإنسان.. نُفي وقتَها إلى هذه البلدة الصغيرة النائية بتدبيرٍ من أعداء الدين، خشية أن يتدخَّل فعليًّا ضد النظام السياسي المُقام حديثًا في الأناضول، ولكن شَتّان شَتّان بين حال هذا الرجل وبين ما خَشِيَه القوم منه.. فلقد ترك السياسةَ وولاها ظهرَه، ولم يتدخل في دنيا أهل الدنيا، بل توجَّه إلى حقيقةٍ ستُنير المستقبل بعد حين، فعكف على تأليفها ونشرها، ولم يكن له من وليٍّ ولا معينٍ سوى مَن بيده مقاليد الكائنات وأزِمَّة الحادثات، وكفى به وليًّا ونصيرًا؛ وها هو اليوم بعد
— 773 —
ثلاثين سنة يعود إلى "بارلا" من جديدٍ، وفي هذه العودة يشاهد ويتأمل جليلَ ما أولاه ربُّه من عنايةٍ وإكرامٍ بالخدمة الإيمانية التي آتت أُكُلها، فتفيض عيناه بالدمع فرحًا، ويَخِرُّ للّٰه ساجدًا شُكرًا.
يقيم الأستاذ اليوم في "إسبارطة"، ويتردَّدُ بين حينٍ وآخر إلى "أميرداغ" و"بارلا" اللتَين تربطه بهما صلةٌ معنويةٌ وثيقة، إذْ هما من مراكز تأليف ونشر رسائل النور؛ وهو يعاني من شدة الوهن والمرض لمناهزته التسعين وتعرُّضه للتسميم مراتٍ كثيرةً في السابق، وهو فوق هذا مرهف الإحساس، يتأثر بما يصيب العالم الإنساني عامةً، والعالَم الإسلامي خاصةً، لا سيما حيث تنتشر رسائل النور.
ومع أن دعواتِ طلابه ونشرَ الأنوار الإيمانية تُمثِّل له دواءً لمرضه، إلا أنه ربما عانى في بعض الأحيان من مرضٍ شديدٍ لِسَعَةِ شفقته، فلا يستطيع البقاء حيث هو، بل يحتاج لتبديل الأجواء ليجدِّد نشاطَه ويستعيدَ شيئًا من عافيته.
وبعد انتشار رسائل النور في الآفاق، وتزايد عدد طلابها وتوزُّعهم في كلِّ جهة، قلَّل الأستاذ من زيارات الناس له إلى حدٍّ كبير، فلم يَعُد يستقبل الزوار، بل كثيرًا ما يقول: "إن قراءة رسائل النور أنفع من مجالستي بعشرة أضعاف"؛ بل قلَّما يتحدث إلى طلابه الذين يلازمونه إلا عند الضرورة.
ويُردِّد الأستاذ أنه قد شارف على النهاية، وأنه ينتظر أجلَه، ولا يدري إن كان يُتمُّ الشهرَ أو لا، ويُبدي شكره وامتنانه لنشر الأنوار، ويُقدِّر كل خطوةٍ تخطوها الدولة أو أبناء المجتمع في سبيل خدمة الإسلام ونشر السعادة، ويدعو لكلِّ من يسير في طريق الحق ويحيي شعائر الإسلام، ويرجو السلامة والسعادة المادية والمعنوية للعالَم الإسلامي، ويشعر ببالغ الامتنان والفرح للجهود التي تُبذَل لهذا المقصِد سواءٌ في داخل البلاد أو خارجها.
يَعُدُّ الأستاذ رسائلَ النور معجزةً من معجزات القرآن في هذا الزمان، ويؤكد أن ما تنطوي عليه من الحقائق القرآنية هي التي تحفظ هذا الوطن من مخاطر الشيوعية،
— 774 —
وأنها ستكون رابط الأُخُوَّة والاتحاد بين أبناء هذا البلد وأبناء العالَم الإسلامي، وينبِّه إلى أن سعادتنا الدنيوية والأخروية مرهونةٌ بتمسُّكنا بهذه الحقائق؛ وهو على قناعةٍ بضرورة نشرها في البلاد الإسلامية دون الاقتصار على أرض الأناضول فحسب، ويؤكد أن نشرها مقدَّمٌ على الانخراط في الأنشطة والفعاليات السياسية، وأن ذلك سيكون أجدى وأعمَّ نفعًا.
٭ ٭ ٭