السيرة الذاتية
— 768 —

جوانب من مرحلة "إسبارطة"

المحاكم والدعاوى:
قبل صدور قرار محكمة "أفيون" برفع الحظر عن رسائل النور، وقعت حادثة "ملاطية" المذكورة، فبدأت سلسلةٌ من التحرِّيات في عددٍ من الولايات والأقضية، ورُفِعَت الدعاوى ضد رسائل النور وطلابها في عدة أماكن كی"مرسين" و"ريزه" و"ديار بكر"، كانت نتيجتها في نهاية المطاف: البراءة.
وفي هذه الأجواء المشحونة ضدَّ النوريين تَحرَّكَ مقام الادعاء العام بی"إسبارطة"، وأعدَّ لائحة ادعاءٍ بحق ما يزيد على ثمانين طالبًا من طلاب النور، ورفعها إلى قاضي التحقيق.
ومن جهةٍ أخرى شرعتْ أجهزة الأمن تَبُثُّ عناصرها بين طلاب النور وتراقب تحركاتهم؛ كما جرت تحرِّياتٌ واستجواباتٌ في أماكن شتى كأنقرة وإسطنبول و"أضا بازار" و"سافران بولو" و"قره بوك" و"دينار" و"إينه بولو" و"وان"، غير أن الجهات المعنية لم تعثر بعد كل هذا التحري والتقصِّي على أيِّ تصرُّفٍ منهم يضرُّ الوطن أو الشعب ولو بمقدار ذرَّة، بل تَبيَّن على العكس من ذلك أن طلاب النور مبعثُ فخرٍ واعتزازٍ لكل فردٍ من أبناء الوطن، فهم أناسٌ يؤدُّون خدماتٍ إيمانيةً وعلميةً ووطنيةً، ويقومون بفعالياتٍ وأنشطةٍ أخلاقيةٍ، ولا غاية لهم سوى قراءةِ رسائل النور وإقرائِها ونشرِها، وبناءً على هذا توصلت الجهات القضائية إلى قناعةٍ عامةٍ تقول: إننا لم نعثر على جرمٍ لدى طلاب النور، ولم يُلحَظ منهم أيُّ نشاطٍ أو تصرُّفٍ تترتب عليه مسؤوليةٌ ما.
والحقيقة أن هذه الموجة من التحقيقات كان لها أثرٌ إيجابيٌّ على رسائل النور، إذ كانت وسيلةً لإظهار حقَّانيتها على الملأ، وقد صدر القرار ببراءتها في نهاية المطاف.
— 769 —
وعلى صعيدٍ آخر، قام طلاب النور النشطاء في كلٍّ من "أورفا" و"ديار بكر" بإنشاء مدارس نورية، وشرعوا بإقراء دروس العلم من رسائل النور لشتى طبقات المجتمع خصوصًا فئتَي الشباب والطلاب، وبذلك أعادوا لطلاب العلم مكانتهم المرموقة التي تشتد إليها الحاجة في هذا الزمان، وأدَّوا خدمةً إيمانيةً جليلةً في المناطق الشرقية؛ وفي هذه الأثناء رُفِعَت دعوى ضد أحد طلاب النور النشطاء كان يؤدي خدمةً إيمانيةً وقرآنيةً في "ديار بكر"، إلا أن القضية انتهت بصدور البراءة مما كان له أثرٌ طيبٌ في نفوس أهل الإيمان.
أما القضية التي كانت مرفوعةً ضد الرسائل بمحكمة "أفيون" فقد بُتَّ بها في العام ١٩٥٦ م، فبعد أن قامت الهيئة الاستشارية في رئاسة الشؤون الدينية بالتمحيص في رسائل النور والتدقيق فيها، أصدرت تقريرًا يفيد بأنها مؤلَّفاتٌ تخدُم الإيمان والأخلاق؛ وبناءً على هذا أصدرت محكمة "أفيون" قرارًا قطعيًّا ببراءة الرسائل والسماح بها؛ تلاه قرارٌ أصدره قاضي التحقيق بی"إسبارطة" ينص على منع محاكمة رسائل النور، وبذلك اجتازت الرسائل كل العقبات القضائية التي مَرَّت بها لتنال سماحًا كليًّا وعامًّا، وتَلْقى حسن القبول على أوسع نطاق.
نشر الأنوار:
بالتوازي مع خدمة الأنوار التي كانت تجري على قدمٍ وساقٍ في أماكن شتى من الأناضول، اضطلعت المدارس النورية في كلٍّ من أنقرة وإسطنبول و"ديار بكر" و"أورفا" بخِدْماتٍ لم يقتصر تأثيرها على المحيط القريب، بل امتد إلى دائرةٍ واسعة النطاق؛ ولأن هذه الخدمات كانت قرآنيةً محضةً لا تَتْبع لشخصٍ أو فئةٍ أو جماعة، فقد نهض بها أشخاصٌ كثيرون لا يُحصَرون، وأدَّوها بطرُقٍ ووجوهٍ شتى؛ وتسابقتْ لأداء هذه الخدمةِ القدسيةِ ونشرِ الأنوارِ المحمديةِ جموعٌ من الطلبة المخلصين والمؤمنين الصادقين لا تُعرَف أسماؤهم ولا تحصى أعدادهم.
— 770 —
وفي أنقرة عمل الطلاب الجامعيون وغيرُهم من الأشخاص من ذوي الحسِّ العالي بالمسؤولية على طبع رسائل النور ونشرها وإيصالها إلى شتى الفئات، لا سيما المتعطشين للاستفادة منها ممن لا يجيدون قراءة سوى الحرف اللاتيني؛ وقد حمل الشباب وطلاب المدارس على عاتقهم مهمة نشر مجموعات الرسائل كاملةً وبذلوا في سبيل ذلك تضحياتٍ جمة، وكان ذلك مبعث سعادةٍ للوطن وأبنائه، إذْ بادر هؤلاء بالأمر طواعيةً لا يبتغون من ورائه منفعةً ولا مصلحةً سوى مرضاة اللّٰه تعالى، وقد أبانوا بهذا عن أصالتهم وانتمائهم الحقيقي لأجدادهم الأبطال الأماجد.
٭ ٭ ٭