السيرة الذاتية
— 759 —

هذا الدفاع تلاه الأستاذ النُّورْسِيّ في محكمة إسطنبول

وقرَّرت المحكمة براءته على إثر ذلك
لقد قام أعداؤنا العاملون في الخفاء بتحريض القضاء علينا من جديد في شهر رمضان المبارك هذا، وثمة منظمةٌ شيوعيةٌ سِريَّةٌ لها يدٌ في الأمر.
فأولًا وفي عملٍ يخالف القانون كليًّا أرسَلوا إليَّ مجموعةً مسلحةً مؤلَّفةً من رقيبٍ أول وثلاثة عناصر من الشرطة، وذلك حين كنتُ مُختلِيًا بنفسي بين الحقول والجبال، فأخذوني بالقوة إلى المخفر بدعوى أنني لا أرتدي القبعة الإفرنجية!!
وأنا أقول لكلِّ المحاكم التي تَنشُد العدالة:
لقد كان الواجب توجيه تهمة مخالفة القانون حقًّا لمن خرجوا على قوانين الإسلام من خمسة وجوه، ومارسوا الظلم باسم القانون من خمسة وجوه، وهم الذين ما فَتِئوا منذ سنتين يذيقونني العذاب النفسي متذرِّعين بحججٍ باطلة وتلاعباتٍ قانونيةٍ مُشينة!! ألا لا جَرَم أن لهم في محكمة الجزاء الكبرى عذابًا يَلقَونه.
أجل، كيف يوجَّه الاتهام لرجلٍ ظلَّ منزويًا خمسًا وثلاثين سنة، لم يخالط فيها الناس في الأسواق ولا المجتمعات، فيقال له:إنك لا ترتدي القبعة الإفرنجية؟! أيُّ قانونٍ في الدنيا يسمح بهذا؟!
لقد مضى على هذا الرجل ثمانٍ وعشرون سنةً قضاها في خمس ولاياتٍ، وأُحيل فيها على خمس محاكم، فما تدخلتْ إدارةٌ ولا شرطةٌ من هذه الولايات، ولا محكمةٌ من هذه المحاكم، بخصوص ما يضع على رأسه، وها هو اليوم ماثلٌ في محكمة إسطنبول العادلة، وأمام ما يزيد على مئة عنصرٍ من عناصر الشرطة فيها؛ وقد سبق أن أقام في هذه المدينة وتجول في أماكن شتى منها شهرين اثنين، فما تعرض له شرطيٌّ واحدٌ بهذا الخصوص!!
— 760 —
وفضلًا عن أن محكمة التمييز قَضَتْ بأن القبعات الصوفية غيرُ محظورة، فإنه لا يُجبَر على ارتداء القبعة الإفرنجية أيٌّ من النساء أو أفراد الجيش أو الموظفين أو سواهم ممن يحسرون عن رؤوسهم، ولا مصلحةَ تترتب على ارتدائها، ولا مساءلةَ لمن يرتدي قبعةً سواها!!
ثم إن هذا الرجل ليس له وظيفةٌ رسميةٌ حتى يكون له لباسٌ رسمي، بل هو منزوٍ لا يخالط الناس لا سيما في شهر رمضان المبارك، إذِ امتنع عن اللقاء بأخص أصحابه لئلا يستذكر الدنيا أو يَشغَل روحَه بشيءٍ من هذه القضايا المزعجة التي تُعدُّ مخالِفةً للقانون، حتى إنه برغم شدة مرضه لم يتعاط دواءً ولم يستدعِ طبيبًا لئلا يشغل قلبَه وروحَه بشؤون بدنه!!
إلا أنه برغم هذا كلِّه يُطالَب بارتداء القبعة الإفرنجية تشبُّهًا بالرهبانِ الأجانب، ويُهَدَّد بالإحالة إلى القضاء إن هو خالَف!! فما أشنعه من تصرُّفٍ يشمئزُّ منه مَن له ذرَّةُ ضمير!!
ومما يتصل بهذا الموضوع أن الشخص الذي طالبه بارتداء القبعة قال له: إنما أنا عبدٌ مأمور.
وهل يجوز أصلًا أن يؤمَر بامتثال قانونٍ جبريٍّ تعسفيٍّ حتى يقول القائل: إنما أنا عبدٌ مأمور؟!
كلا، فكما أن القرآن يدعو لطاعة أولي الأمر في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فإنه كذلك يدعو لعدم التشبُّه باليهود والنصارى؛ فهو يأمر بطاعة أولي الأمر شريطة ألا تنافيَ طاعةَ اللّٰه ورسوله، فعندئذٍ يمكن للمرء أن يقول: أنا عبدٌ مأمور، والحال أن قضيتنا هذه فيها وجوهٌ لا تحصى من المخالفة للقانون والمصادَمة لأعراف الإسلام وشرائعه، والانتهاك لقوانينه القدسية لصالح أمرٍ تعسفيّ، فهي تَنتهِك تعاليمَ الإسلام الآمرةَ بالرأفة بالمريض والعطف على الغريب وعدم التضييق على مَن يدعو إلى القرآن والإيمان في سبيل اللّٰه، وتَعمِدُ فوق هذا إلى رجلٍ منزوٍ قد ترك الدنيا فتأمره بارتداء قبعةٍ على شاكلة الرهبان الأجانب!!
— 761 —
وإن القيام بمثل هذه الإجراءات مع شخصٍ غريبٍ فقيرٍ مثلي، قد طعن في السن، واشتد به المرض، وبلغ بابَ القبر، وانزوى وترك الدنيا منذ خمسٍ وثلاثين سنةً لئلا يخالف السنة النبوية السَّنيَّة.. لا ريب أن هذا النوع من المعاملة إنما يُدار في كواليس الشيوعية، ويوجَّه لضرب الوطن والشعب والإسلام والدين خدمةً لمصالح الفوضوية الهدَّامة، ويستهدف في الوقت نفسه التيار الديمقراطي والنواب المتديِّنين الذين حملوا على عاتقهم مهمة خدمة الدين والوطن والتصدي لمخططات التخريب الخارجية؛ وإنني في دفاعي هذا أَلفِتُ انتباههم لئلا يتركوني وحيدًا في التصدي لهذا المخطط الخبيث.
حاشية:
إن رجلًا نذر نفسه للدفاع عن الإسلام، ووهب حياته لخدمة القرآن، وحافظ على عزة الإسلام فلم يقف للقائد الروسي الذي تعمَّد المرور من أمامه عدة مرات، ولم يرضخ لتهديده له بالإعدام؛ وجابَهَ معتزًّا بإسلامه قائدَ الجيش الإنكليزي الذي احتل إسطنبول ومَن مالأه من المشايخ الذين أفتوا له فلم يكترث لتهديده إياه بالقتل، بل أعلنها مدويةً في المنشورات أن ابصقوا في وجوه هؤلاء الظَّلَمةِ الأوغاد؛ وخاطب مصطفى كمال وسط حشدٍ من خمسين نائبًا غير مبالٍ بحدَّته ونَزَقِه فقال له: "إن تارك الصلاة خائن"؛ وأبى أن يداهن أو يتملَّق رجال المحكمة العسكرية، بل رد على استجواباتهم المتوعِّدة قائلًا: أنا مستعدٌّ للتضحية بروحي فداءً لمسألةٍ واحدةٍ من مسائل الشريعة؛ واختار العزلة ثمانيًا وعشرين سنةً لئلا يتشبه بالكفرة.. إن رجلًا هذه حاله لو كُلِّف بأمرٍ لا قانونية له ولا مصلحة فيه فقيل له: "عليك أن تتشبه برهبان اليهود والنصارى، وترتدي القبعة الإفرنجية مثلَهم، وتخالف إجماع علماء المسلمين، وإلا نزل بك العقاب" فلا جرم أن من ضحى بكل شيءٍ فداءً للحقيقة القرآنية سيرفض ارتداء هذه القبعة حتى ولو كلَّفه الأمرُ التضحيةَ لا بروحه فحسب، بل بمئة روحٍ له لو وُجِدت، وحتى لو كان التهديد لا بالسجن والتعذيب فحسب، بل بالتقطيع إِرَبًا والتعذيب حرقًا؛ وحسبكم بسيرة الرجل شاهدًا بهذا.
— 762 —
فيا ترى ما السر الذي يجعل هذا الرجل الذي يتحلَّى بمثل هذه التضحية والقوة المعنوية الهائلة، يتحمَّل أشدَّ الظلم والطغيان الذي يَلقاه من أعداء الدين والوطن العاملين في الخفاء، ولماذا لا يقابل السيئة بمثلها ولا يردُّ عليها بسلوكٍ عمليٍّ ملموس؟
دعوني أعلنها لكم ولكل مَن له ضميرٌ ووجدان: إن سرَّ ذلك هو مخافتُه من إلحاق الضرر بتسعين بالمئة من الأبرياء بجريرة عشرةٍ بالمئة من الزنادقة الكفرة، والتزامُه بالحفاظ على الأمن والاستقرار في هذا البلد، وإقامتُه الرقيبَ المعنويَّ في قلب كلِّ فردٍ من خلال دروس رسائل النور، فهذا ما علَّمه إياه القرآنُ الحكيم؛ وإلا فإن بمقدوره الانتقام في يومٍ واحدٍ من أعدائه الذين ظلموه طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنة؛ لكنه حفاظًا على الأمن والاستقرار وحقوق الأبرياء لا ينتقم ممن طعنوا في شخصه ونالوا من كرامته وشرفه، بل يقول: إنني لأجل الأمة الإسلامية لا أُضحِّي بحياتي الدنيوية فحسب، بل بحياتي الأُخروية إن لزم الأمر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 763 —
حضرة أستاذنا المبارك الشفيق الموقَّر..
لقد عَشِيَت الأبصار وامتلأت القلوب بالشرور والآثام في هذا العصر العجيب المغرِق في الكفر والمادية، ولا شيء يجلو هذه الأبصار وينير تلك القلوب المظلِمة الموحشة سوى رسائل النور التي هي أحقُّ وأصدق ما ترشَّح من منهل القرآن في هذا الزمان، ولهذا فإن أليق اسمٍ يسمى به هذا العصر هو عصر النور.

.......

لقد أتت رسائلُ النور إلى جِراح الإنسان التي لا تندمل، فداوتْها بدوائها الأُخرويِّ الناجع، ولقد أدَّيتم بهذه الرسائل الرائعة - وما زلتم تؤدُّون - وظيفةَ المنقذ لآلاف الشباب المثقف، ونحن شهاداتٌ حيةٌ على أولئك الذين أخرجتْهم رسائل النور من التِّيه وأنقذت إيمانهم.
لقد برزت الرسائل في هذا الزمن العصيب فنقضت بنيان المادية من أساسه، وتصدَّت بالعلم والوعي لأباطيل الشيوعية والماسونية فأحالتْها أنقاضًا وأطلالًا، وقدمتْ لقُرَّائها - وهم المحظوظون حقًّا في هذا الزمان - ماءَ الحياة الذي لا تضاهيه قيمةٌ في الدنيا ولا في الكون بأسره، أعني الإيمانَ الذي هو تذكرة السفر إلى عالَم البقاء.
أستاذَنا العزيز المبارَك.. لقد قدَّمتم إلينا هديةً نفيسةً لا تُقدَّر بثمن، ومهما قابلناكم عليها بالمحبة والاحترام فإننا مقصِّرون، وإن الرابطة التي تربط بيننا وبينكم هي رابطةٌ أبدية لا تَقدر أيَّةُ قوةٍ على حلِّها.
أُقبِّل أياديكم المباركة، وأرجو منكم الدعاء.
باسم طلاب النور الجامعيين
أحمد أطاق
من كلية العلوم السياسية
٭ ٭ ٭
— 764 —
هذه رسالةٌ نُشِرت في صحيفة الجهاد الأكبر "بيوك جهاد" بی"صامسون"، فاتخذها المُغرِضون ذريعةً لرفع دعوى ضد الأستاذ في محكمتها التي قضتْ ببراءته في نهاية المطاف.
إلى أستاذنا بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ داعية الإسلام تاجِ أهل الإيمان وترجمان رسائل النور..
لقد قلتم قبل سنواتٍ: إن رسائل النور ليست مُلكي، بل هي بضاعةُ القرآن وفيضٌ منه، ولن تستطيع أية قوةٍ أن تنتزعها من أرض الأناضول أو تقطع صلتها بها، لأن الرسائل موصولةٌ بالقرآن العظيم، والقرآن موصولٌ بالعرش الأعظم، فمن له أن يَطول تلك العروةَ الوثقى فيَفصِمَها؟!
ولقد تَحقَّق اليوم ما سبق أن أعلنتم عنه قبل سنين، إذْ قضتْ محكمة "أفيون" - في عهد الديمقراطيين المتديِّنين هذه المرة - برفع الحظر عن رسائل النور، وبردِّ جميع الرسائل والمراسلات والكتب المصادَرة لعدم تشكيلها أيَّةَ مادةٍ جُرمية.
وإننا نَعُدُّ قرار البراءة هذا تصديقًا صريحًا لما أعلنتم عنه، ودليلًا ساطعًا على أن خدمتكم السامية التي تقومون بها إنما هي محضُ خدمةٍ قرآنيةٍ يُبتغى بها وجهُ اللّٰه وحدَه، كما نعدُّه فاتحة خيرٍ لسعادة العالَم الإسلامي عامةً، ولهذا الشعب المسلم خاصةً.
وإننا ننتهز هذه المناسبة لنقدم أحرَّ التهاني والتبريكات لمن كان يَرقُب مثلَ هذه الانتصارات بكل شوقٍ، ألا وهو أستاذنا الحبيب كبيرُ أسرة النور، ورُبَّانُ بحر الحقائق، ومرشدُ الإنسان في عصرٍ لَجَّتْ فيه الإنسانية في الطغيان، كما نعبِّر عن الشكر والتقدير للديمقراطيين المتديِّنين وأعضاء هيئة المحكمة العادلة الذين انتصروا لأهل الإيمان وساندوهم.
لقد جاهدتم - أستاذَنا العزيز - على مدى سنين طويلةٍ لإعلاء راية الحقيقة القرآنية، وبذلتم في سبيلها الغالي والنفيس، حتى تَحقَّق لها - بفضل اللّٰه - ما تَحقَّق من فتحٍ وظهورٍ وازدهارٍ على امتداد أرجاء هذا البلد، وعَمَرَتْ قلوبَ أهل الإيمان بالأنس والسرور، وهذا دليلٌ ساطعٌ كالشمس في رابعة النهار يُثبِت سُموَّ وعِظَم هذه الدعوة القدسية التي نهضتم بخدمتها ووفِّقتم فيها أيَّما توفيق.
— 765 —
إن الصبر والثبات الذي تحلَّيتم به أمام المشاقِّ والعقبات التي واجهتموها على امتداد ثلاثين سنة، وما قمتم به من جهادٍ وخدمةٍ فريدةٍ في سبيل نشر رسائل النور التي أفاضها القرآن على قلبكم، ستكون أنموذجًا يُحتذى لأجيال المستقبل ومجاهدي الإسلام الأبطال.
لقد بدَّدتم بأشعة النور الساطعةِ من شمس القرآن ظلماتِ الجهل والضلال، وأنَرْتُم بها قلوب الملايين، فكانت لكم مآثرُ وأيادٍ بيضاء خالدةٌ بين أهل الإيمان، وستبقى خدمتكم وتضحياتكم ماثلةً على مَرِّ الزمان، لا ينساها التاريخ، ولا تنساها هذه الأرض، ولا ينساها هذا الوطن ولا أبناؤه؛ بل حتى عند انتقالكم إلى عالَم الخلود ستكون خدمتكم نواةً تنبثق منها شجرةُ نورٍ باسقةٌ ممتدَّةُ الأغصان وارفةُ الظلال، تتدلى منها قطوفُ رسائل النور المتألِّقة، وتلتقي في ظلها الجماعات العظيمة، فتستأنف هذه الخدمة بأبهى صورةٍ وأسطعها، وتُديمها إلى أن يَرث اللّٰه الأرض ومن عليها.
بلى، فأستاذُنا الحبيب هو رائد هدايةٍ لهذا العصر بما قيَّض اللّٰه له من منزلةِ الترجمان لرسائل النور، وبخدمة الإيمان التي أنارت آفاقَ العالَم الإسلامي، وهو دلَّال القرآن في القرن الهجري الرابع عشر، وهو البطل المضحِّي الذي تصدّى بنور القرآن لظلمات هذا الزمان العصيب، وهو الرجل المهيب الذي نشر مئات آلاف رسائل النور بأقلام مئات الآلاف من طلابها الأبرار، فأقام سدًّا قرآنيًّا مُحكمًا منيعًا في وجه الإلحاد والكفر المطلق.
إننا نشكركم من صميم قلوبنا على خدمتكم القدسية التي نشرت سحائب الرحمة والسعادة على العالم، وجادت بالسلامة والسُّلوان لبني الإنسان، وحملت طلائعَ البشرى لأهل الإيمان بعودة حاكمية الإسلام على أصقاع الأرض، وذلك هو يومُ العيد الأكبر والأنور.
نُقبِّل أياديَكم الكريمة، راجين لكم من المولى سبحانه العمرَ المديد المبارك.
طلاب النور بجامعة أنقرة
إسماعيل، صالح، عاطف أحمد، ضياء، محمد، عبد اللّٰه
٭ ٭ ٭
— 766 —
% إقامة الأستاذ النُّورْسِيّ في "إسبارطة"
في صيف العام ١٩٥٣ م غادر الأستاذ النُّورْسِيّ "أميرداغ" ليحُلَّ نزيلًا على "إسبارطة" حيث الكثير من طلابه المخلصين، وهي المدينة التي سبق أن وصفها في مراسلاته بأنها مباركةٌ حتى بترابها وأحجارها، وأنها كانت أقوى ركيزةٍ لإدامة حياته المعنوية التي تحقَّقتْ بظهور رسائل النور وانتشارها.
والحقيقة أن "إسبارطة" قد أثبتت أنها جديرةٌ حقًّا بهذه المزايا التي أثنى بها الأستاذ عليها، وقد شهدت لها بهذا وقائعُ سنواتٍ طويلة، فأول مكانٍ أُلِّفَتْ فيه رسائل النور وأول مدرسةٍ أُقيمت لها إنما كان في "بارلا" التي هي إحدى نواحي "إسبارطة"، وفيها أُلِّفت أجزاء رسائل النور الأساسية.
وحين كانت أجواء الرهبة والخوف تَعُمُّ البلاد، كان طلاب النور بی"إسبارطة" وما حولها يستنسخون وينشرون آلاف النسخ من رسائل النور كتابةً بأقلامهم، وحسبُنا مثالًا على هذا قرية "صاو"، فحين كان الأستاذ تحت الإقامة الجبرية بی"قسطموني" كان في هذه القرية وحدَها ألف قلمٍ لا يفتُر عن كتابة الرسائل ونسخها، وقد استمر هذا العمل سنين طويلة؛ وهكذا كانت الحال في سائر مراكز النور بی"إسبارطة" وما حولها، فكانت كل قريةٍ وكلُّ ناحيةٍ تقوم بخدمة الرسائل ونشرها بما يضاهي عمل ولايةٍ بأكملها. كما أن مصنعي "النور" و"الورد" وتلاميذ المدرسة النورية التي حولهما و"هيئة المباركين" كانوا جميعًا ضمن ولاية "إسبارطة" أيضًا.
يضاف إلى ما سبق أن معظم أفراد الرعيل الأول من طلاب النور، وسواهم من الكبار الذين كان كل واحدٍ منهم بمثابة قطبٍ في الخدمة القرآنية، وكانوا مبعث فخرٍ لطلاب النور، إنما كانوا من أبناء هذه المدينة ونواحيها.
ثم إنه قد عُرِف رجال القضاء والشرطة فيها بمعاملتهم المنصفة إجمالًا مع الرسائل وطلابها، وكثيرًا ما دعا الأستاذ لجهات القضاء فيها، وضرب بها المثل لسائر الولايات بهذا الخصوص.
— 767 —
فلأجل هذه الاعتبارات وأمثالها قدِم الأستاذ إليها على أمل أن يقضيَ بها بقية حياته، ويَلقى أجلَه فيها بين إخوانه الصادقين المباركين، ويُدفَن في ثراها، سواءٌ في "إسبارطة" نفسها، أو في "صاو" أو في "بارلا".
استأجر الأستاذ منزلًا بی"إسبارطة" وأقام فيه، وكان معه بضعةُ طلابٍ يلازمونه، وبهم أنشأ الأستاذ نظام المدرسة النورية المعهود.
٭ ٭ ٭
الأستاذ النُّورْسِيّ يضع أول مِلاطٍ في بناء المسجد المقام للوحدات العسكرية بی"إسبارطة".