السيرة الذاتية
— 775 —

رسائل النور والبلدان الخارجية

نظرة عامة لفتوحات رسائل النور خارج البلاد
تمتاز رسائل النور بأنها تسلك سبيل الإقناع من خلال مخاطبة العقل والقلب بأسلوبٍ رصينٍ يناسب معطيات العلم في العصر الحديث، ولهذا لم يقتصر انتشارها على تركيا وحدَها، بل نالت قبولًا واسعًا خارجها، وأبلغُ دليلٍ على هذا تداولُها وانتشارُها في عددٍ من بلاد العالَم الإسلامي قبل أن تُطبَع في تركيا نفسِها بالحرف اللاتيني، فلقد عرفتْها مبكِّرًا بلادٌ إسلاميةٌ عدةٌ وفي مقدمتها العراق وباكستان، وتولَّتْ ترجمتَها وطباعتها بالعربية والأوردية والهندية والإنكليزية، وأقبلت عليها شريحةٌ واسِعةٌ من القراء.
وغنيٌّ عن القول إن بديع الزمان شخصيةٌ متميزةٌ نالت شهرةً واسعةً قُرابة خمسين عامًا ولم تكن مقصورةً على محيطه القريب، فلقد كان لمكانته العلمية وقوةِ عارضته منذ أن كان فتًى دورٌ كبيرٌ في لفت الأنظار إليه سواءٌ في الداخل أو في الخارج، ولقد عرفه الأزهر - وهو مركزُ العلم في العالَم الإسلامي - عن طريق علمائه وشيوخه كالشيخ العلامة "بَخيت المطيعي" وغيره، بينما ذاعت شهرته بين الناس باعتباره عالِمًا واسع الاطلاع على العلوم الحديثة، وعرَّفتْ به مقالاتٌ نُشِرت في مصر ووَصَفَتْه
— 776 —
حينَها بی "بديع الزمان"؛ وسبق له قبل نحو خمسين عامًا أن ألقى خطبةً فريدةً في الجامع الأموي بدمشق حضرها جمعٌ غفيرٌ يبلغ العشرة آلاف وفيهم نحو مئةٍ من أهل العلم، وقد بيَّن في هذه الخطبة أسباب تخلف العالَم الإسلامي، ووضَّح السبيل لنهضته، وأكَّد على ضرورة اتحاده، وكان لهذه الخطبة أثرٌ بالغ في العالم الإسلامي إذ تلقَّاها الناس بإعجابٍ وتقدير، وكانت سببًا في ذيوع اسمه في مجالس العلم؛ وفضلًا عن هذا فإن ثمة الكثير ممن عرفوا سيرته واطلعوا على جهاده ونضاله، وقرؤوا مؤلفاته، فعقدوا معه أواصر صلةٍ معنويةٍ لا تنفصم.
وقد حصل ذات مرةٍ أن بعث إليه بعض طلاب الأزهر بسؤالٍ يتعلق بحديثٍ مُشكِل، فتولى طلابه الأمر نظرًا لاعتلال صحته حينها، وأرسلوا بجوابٍ سَبَق أن كتبه الأستاذ ردًّا على ما قد يرِدُ على هذا الحديث من إشكالات، وأردفوه بفقراتٍ جمعوها من رسائل النور تتعلق بالموضوع نفسه، فكان جوابًا بليغًا شافيًا قوبل بكل استحسان.
وحين زار معاون وزير المعارف الباكستاني تركيا - وهو اليوم عميد جامعة السِّنْد، السيد "علي أكبر شاه" - التقى بالأستاذ بديع الزمان، وألقى كلمةً قبل مغادرته البلادَ تحدث فيها للشباب عن الأستاذ ومؤلفاته، وبعد عودته إلى بلده كَلَّفَ بترجمتها إلى الأوردية، وقرر بعضها في الجامعات الرسمية، وتولَّت الصحف والمجلات المنشورة بالعربية والإنكليزية بباكستان التعريفَ بالأستاذ النُّورْسِيّ وكُتُبه، وتحدثتْ عن الدور الكبير الذي اضطلعت به رسائل النور في بعث الإسلام في تركيا، وعرَّفت بالأستاذ كأحدِ أبرز القادة المعنويين في العالَم الإسلامي، وأبرزت العديدُ من المقالات جهادَه ونضالَه بكل تقدير.
يعرف رسائلَ النور اليوم بأنها سدًّا قرآنيًّا يصدُّ الهجمات التي يتعرض لها المسلمين والعالَم الإسلامي.
وعلى صعيدٍ آخر فقد لقيت رسائل النور قبولًا طيبًا في أوروبا وأمريكا وإفريقيا، وحَظِيَتْ بقرَّاء ومهتمِّين في بلادٍ عدةٍ خصوصًا في ألمانيا وفنلندا، ونظرًا لأهميتها وُضِعت نسخةٌ منها بمسجد جامعة برلين التقنية، وعُقِد مؤتمرٌ حولها في قسم اللاهوت
— 777 —
بكلية الدراسات الشرقية، ويعترف الكثيرون بدورها في تحقيق فتوحاتٍ للدعوة إلى الإسلام بألمانيا.
وفي اليونان افتُتِحت مدرسةٌ دينيةٌ بمدينة "گومولجينا" يشرف عليها الحافظ "علي أفندي"، تُقرأ فيها دروس الرسائل ويتخرج فيها مئاتٌ من طلاب النور.
كما نُشِرَت في فنلندا على يد رئيس الجماعة المسلمة هناك، وأسلم بفضلها كثيرٌ من الفنلنديين.
ويوجد الكثير من قراء الرسائل في اليابان وكوريا، فقد أدخل عددٌ من طلاب النور الأتراك رسائلَ النور إلى كوريا أثناء اشتراك بلادهم في الحرب الكورية، فأُهدِي بعضُها إلى الجامعات اليابانية، وأُهدي البعض الآخر للمكتبات العامة بكوريا، وقد استفاد منها المسلمون في كلا البلدين.
ولم يُحرَم مسلمو الهند وأندونيسيا من رسائل النور، فقد سبق لأحد طلاب النور أن أهدى نسخةً منها إلى أحد علماء الهند في موسم الحج، فتلقاها بتقديرٍ وإجلال، وأخذ على نفسه العهد بترجمتها إلى اللغة الهندية.
وأُهديت كذلك بعض الرسائل إلى مسجد واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية، وأُتيحت الإفادة منها لعموم المسلمين هناك، وقد أرسل سكرتير المركز الثقافي الإسلامي بواشنطن برقية شكرٍ وتقدير لطالب النور الذي أرسلها إليه من العراق.
فهذه نماذج مما بلغَنا عن فتوحات رسائل النور خارج البلاد، وسنشهد عما قريبٍ بإذن اللّٰه تعالى وجهًا من وجوه إعجاز القرآن الكريم في المصحف الشريف المكتوب وفق الرسم العثماني وهو الآن قيد الطباعة، ولا ريب عندنا أنه سيلقى اهتمامًا كبيرًا في العالَم عامةً والعالَم الإسلامي خاصة.
أليس فيما سبق بيانُه دليلٌ على مدى الفراغ الهائل الذي تسدُّه رسائل النور؟! إن البشرية اليوم بحاجةٍ إلى القرآن الكريم، وهي بالتالي محتاجةٌ إلى رسائل النور التي تُبرهن وتُبيِّن إعجازَه المعنويَّ في هذا الزمان.
— 778 —
ونَعرِض فيما يلي بعض المقالات التي نُشِرت في الصحف والمجلات خارج البلاد، وتحدثت عن بديع الزمان ورسائل النور، كما نَعرِض بعض الرسائل التي وصلت إلى الأستاذ وطلابه بهذا الخصوص.
٭ ٭ ٭