— 701 —
بعض الرسائل المتبادلة بين بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ وطلابه بعد العام ١٩٥٠م
تهنئةٌ كُتِبت بمناسبة سماحِ الحزب الديمقراطي برفع الأذان باللغة العربية
إخواني الأعزاء الأوفياء..
نهنئكم بفرحٍ غامرٍ برفعِ الأذان المحمدي على عشرات آلافِ المآذن، ونعدُّه فاتحةَ أعيادٍ لكم ولهذا البلد وللعالَم الإسلامي، وبشارةً بسطوع الشعائر الإسلامية في هذه البلاد.
ونسأله تعالى أن يتقبل عبادتكم ودعاءكم في شهر رمضان المبارك الذي يُنيلُ عمرًا من العبادة ينوف على ثمانين سنة، ونَضرع إلى الرحمة الإلٰهية أن تجعل لنا كلَّ ليلةٍ من ليالي هذا الشهر الكريم بمثابةِ ليلةِ قدرٍ وتُنيلَكم ثوابها.
أرجو مساعدتكم المعنوية إذْ لا أقدر على تمام العمل في هذا الموسم المبارك لشدة ضعفي ومرضي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
رسالة بطل النور خسرو
باسمه سبحانه
إلى الإخوان المسلمين الأفاضل في مراكز العالم الإسلامي..
يسرنا أن ننقل إليكم أحرَّ التهاني والتبريكات، ونعلمكم أن الرسالة التي وصلتنا عن طريقكم من قِبَل عالِمٍ مجاهدٍ جليلٍ مباركٍ قد نقلناها بدورنا إلى العالِم الجليل المفسِّر صاحب التصانيف القيمة بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ.
— 702 —
وإن الأستاذ بديع الزمان في رسالته الجوابية إليكم يثني على جهودكم ثناءً بالغًا، ويخبركم أن النوريين الذين هم خَلَفُ أبطالِ القرآن والإيمان في بلاد الأناضول يشكلون مع إخوتهم المسلمين المتوجهين إلى الحقيقة القرآنية في البلاد العربية صفَّين متآخيين متوافقين مترافقين من بين صفوفٍ كثيرةٍ منضويةٍ في دائرة حزب القرآن، كما يعبِّر لكم عن سروره البالغ بعزمكم على ترجمة بعض رسائل النور إلى العربية ونشرها فضلًا عن علاقتكم الوثيقة بها، وقد كلفنا أن نبلغكم ضرورةَ أن تتبنى الجماعات الإسلامية رسائل النور وتتواصل مع تلاميذها بی"أورفا".
أيها الإخوة المنوَّرون أبناء العرب الأعزة النُّجباء.. إن جيوش الكفر التي ظلت تهاجم أجدادنا منذ ألفٍ وأربعمئة سنةٍ لتُمزِّق الأمة الإسلامية لم تنجح في تحقيق مرادها إلا بعد الحرب العالمية الأولى؛ لقد سعى الأعداء بشتى الدسائس والأكاذيب لفصم عُرى المحبة التي جمعت بين التُّرك والعرب في أُخوةٍ إسلاميةٍ صادقةٍ على مدى ألف عام، وغاظهم أن يروا هذه القلوب تهفو بشوقٍ مضطرمٍ لتلثم أعتابَ تلك الروضة المطهَّرة التي ضمت ذلك الجنابَ النبويَّ الشريف، فخرَ أهل الإسلام وبني الإنسان، ومدارَ الأكوان، ومظهرَ فيوضات الرحمٰن، وغصَّت نفوسهم أن تُبذل المُهجُ والأرواح في سبيلِ نيلِ عنايةٍ من ذلك الجناب الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
لقد سعى الأعداء جاهدين ليمحوا من ذاكرة المسلمين مفاخرَ ألفٍ وأربعمئة سنةٍ سَطَّرها أجدادهم المجاهدون والشهداء بأقلامِ سيوفهم الناصعة، ومِدادِ دمائهم الزكية، وخلَّدوها في جنبات الأرض وصفحات الزمان، وقلَّدوها أمانةً في عنق التاريخ؛ ولم يقف مسعى الأعداء عند هذا الحد، بل قيَّدوا هذين الأخوين - العرب والترك - بسلاسل المعاهدات الجائرة، وأذاقوهما أشد العذاب، منعًا لاتحادهما من جديد، لقد رسف المسلمون في قيود هؤلاء سنين طويلة، وتعالت أنَّاتهم، وذاقوا على أيدي القوم شتى أنواع الفظائع والمهانات.
ألا هيهات هيهات.. لم يدرِ هؤلاء الأعداء أن العناية الإلٰهية ستَصَحبنا من جديد.. ولم يعرفوا بل لم يروا النصرَ العظيم الذي يتحقق للمسلمين بتفسيرٍ جليلٍ
— 703 —
بديعٍ للقرآن كرسائل النور ومؤلِّفِه الجليل بديع الزمان؛ إنها مؤلفاتٌ قيِّمةٌ نفيسةٌ تثبت الوحدانية الإلٰهية والرسالة الأحمدية والحقائق الأُخروية ببراهين قويةٍ محقَّقةٍ، وبصورةٍ جليةٍ ساطعةٍ، بحيث لم يقدر على مواجهتها أو الاعتراض عليها عالِمٌ ولا فيلسوف.
نحن التُّرك نُكِنُّ في قلوبنا عميق المحبة والاحترام لكم أنتم العرب النُّجباء معدن آل البيت الأطهار، ولأجدادكم الصحابة الأبرار، وإنهما لمحبةٌ واحترامٌ لا يخبوان ولا يزولان، إذِ انعقدا للّٰه ولرسوله المصطفى (ص)؛ وإنا لأجلِ هذا النبي الكريم ودينه القويم مستعدون للتضحية بالنفس والنفيس.
إننا لَنضرع إلى اللّٰه تعالى آملين في لطفه وكرمه أن يتحقق في المستقبل القريب ما بشَّر به أستاذنا الحبيب من أن الأتراك والعرب سيَتَّحِدون من جديدٍ إخوةً حقيقيين، وعندها سترتد بذور الشر والإفساد التي بذرها أعداء المسلمين في وجوههم، وتتحطم القيود التي يئنُّ تحتها أربعمئة مليون مسلم، فيعودون بالحياة الإسلامية القدسية إلى مقدمة ركب البشرية، وينشرون الأمن والسِّلم في العالَم أجمع بإذن اللّٰه تعالى.
العبد الفقير إلى ربه خسرو
من تلاميذ رسائل النور
٭ ٭ ٭
رسالةٌ كتبها الأستاذ النُّورْسِيّ إلى رئيس الوزراء "عدنان مَنْدَرِس" الذي يعترف بالفضل للخدمة الجليلة التي أسدتها رسائل النور للوطن والشعب والدين.
باسمه سبحانه
لقد كنتُ - برغم مرضي الشديد وعدم علاقتي بالسياسة - أودُّ اللقاء ببطلٍ من أبطال الإسلام كی"عدنان مَنْدَرِس"، لكن بما أن الظروف والأوضاع لا تسمح بذلك، فقد كتبتُ هذه الرسالة لتحلَّ محلَّ اللقاء، وتتحدث بدلًا مني.
— 704 —
أتوجه للمتديِّنين أمثال "عدنان مَنْدَرِس" أحد أبطال الإسلام ببيانِ بعضِ الأسس بإيجازٍ بالغٍ.
الأول: إن أحد دساتير الإسلام الكثيرة هو ما عبَّرت عنه الآية القرآنية الكريمة: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.
وبمقتضى هذا الدستور الجليل لا يؤاخَذ المرء بجريرةِ غيره وإن كان قريبَه أو صديقَه؛ والحال أن السياسة الحالية، وبما فيها من منطق الولاء الحزبي، تَقبل الإضرار بأبرياء كُثْرٍ بسبب مجرمٍ واحد، فبينما يرتكب الجنايةَ مجرمٌ واحدٌ إذا بالأذى والقدح والتشنيع يطول أهلَه أو أصحابَه، وتغدو الجناية الواحدة مئة جناية، فيثير هذا نوازعَ حقدٍ وعداوةٍ رهيبةٍ، ويحمل المرءَ على إضمار مشاعر الحقد والضغينة والانتقام.
ولا ريب أن هذا سُمٌّ زعافٌ يدمِّر الحياة الاجتماعية بأكملها، ويُفسِح المجال واسعًا لتدخلات العدو الخارجي، ولقد تبين أن الأزمات والحوادث التي وقعت مؤخَّرًا في كلٍّ من مصر وإيران إنما نجمت عن هذا الأصل، على أنها إن قورِنتْ بأحوال بلدنا بقيت خفيفةً لا تتجاوز الواحد بالمئة، وإلا فلو وقعت مثل هذه الحوادث عندنا لا سمح اللّٰه لأكلت الأخضر واليابس.
وليس إزاء هذا الخطر المحدِق سوى حلٍّ وحيد، ألا وهو إرساءُ حجرِ أساسِ التآخي والانتماء الإسلامي، وإبقاء الجناية مقصورةً على مرتكبيها حمايةً للأبرياء.
ثم إن حجر أساس الأمن والاستقرار إنما يرسخ بهذا الدستور أيضًا، فلو وُجد في بيتٍ أو في سفينةٍ شخصٌ واحدٌ بريءٌ مقابل عشَرةِ مجرمين مثلًا، فإن العدالة الحقيقية ودستور الأمن والاستقرار يستلزمان عدم التعرض لهذا البيت أو السفينة إلى أن يُغادره البريء، وذلك حمايةً له ودرءًا للخطر عنه.
وانطلاقًا من هذا الدستور القرآني، فإن تهديد الأمن والاستقرار الداخلي بتعريض تسعين بريئًا للخطر بجريرة عشرة جناةٍ - كما كانت الحال بالأمس القريب - أمرٌ يستجلب الغضب الإلٰهي، وبما أن اللّٰه جل شأنه قد مكَّنَ لفريقٍ من المتدينين الحقيقيين
— 705 —
في هذا الزمان العصيب، فإن هذا إيذانٌ لهم بوجوب أن يتخذوا هذا الدستور القرآني درعًا ونقطةَ استنادٍ لهم، ويواجهوا به مَن كانوا بالأمس يعاملونهم بحقدٍ وضغينة.
أما الدستور الثاني من دساتير الإسلام فهو الحديث الشريف القائل: سيِّدُ القوم خادمُهم.
وهو ينص على أن المنصب لخدمة الناس، وليس أداةَ تحكُّمٍ لممارسة الحاكمية والأنانية عليهم؛ إلا أنه لنقص التربية الإسلامية في هذا الزمان، وضَعفِ العبودية للّٰه تعالى، قَوِيت الأنانية واشتد ساعدها، فلم يعد المنصب خدمةً، بل أصبح حاكميةً وتحكُّمًا استبداديًّا ومرتبةً للتكبُّر، فزال العدل وفسد من أساسه، وضاعت حقوق العباد، وصار إعمال القانون شكليًّا يشبه أداء الصلاة من غير وضوءٍ ولا استقبال قبلة؛ وكيف لمن لم يعرف حقوق اللّٰه أن يعرف حقوق العباد؟!
وثمة اليوم تياران رهيبان يعارضان هذين الدستورَين ويقفان في وجه شخصٍ كی"عدنان مَنْدَرِس" الذي قال: "سنعمل بما يوجبه علينا الدين والإسلام"؛ وثمة احتمالٌ كبيرٌ لأن يَشُنّا هجومهما عبر خداع الشعب برشاوٍ معنويةٍ هائلة، وعبر إفساح المجال للتدخل الأجنبي.
فأما التيار الأول فقد سبق أن استباح دماء أربعين بريئًا بل قريةً بأكملها بجريرةِ مجرمٍ واحدٍ، خلافًا للدستور الأول الآنف الذكر، وهو تيارٌ على قدرٍ عظيمٍ من الاستبداد المطلق، يرشو الناس اليوم بما تصبو إليه كلُّ نفسٍ مِن تصوير المنصب على أنه حاكمية، وبهذا يشنُّ هجومه على أنصار الحرية المتديِّنين.
وأما التيار الآخَر فمستعدٌّ للتخلي عن الانتماء القدسي للإسلام، وهضمِ حقوقِ مئةِ بريءٍ بجريرة مجرمٍ واحدٍ كما هي حال التيار الأول؛ وهو وإن رفع في الظاهر شعار القومية، إلا أنه في الحقيقة عنصريُّ النزعة، يناوئ الديمقراطيين المتديِّنين المناصرين للحرية، ويناوئ سائرَ عناصر هذا الوطن الذين يشكلون سبعين بالمئة منه، بل يناوئ حتى الأتراكَ المساكين والحكومةَ والسياسةَ التي يتَّبعها الحزب الديمقراطي، ويقيم أُخوَّةً عنصريةً بين الأشخاص ذوي الأنانية المتفلتين من كلِّ عقال، فيرشوهم بهذه
— 706 —
الأُخوَّة التي تلبي رغبات نفوسهم، ويخدِّر أحاسيسهم عما تنطوي عليه من مخاطر شديدةٍ تفوق منافعَها ألف مرة، والتي منها: تحويل الإخوة الحقيقيين إلى أعداء.
فمثلًا إن ثمة أربعمئة مليون أخٍ حقيقيٍّ تجمعهم أُخوَّة الإسلام، ويتبادلون فيما بينهم عونًا معنويًّا كلَّ يومٍ بالدعاء العام الذي يردِّدون فيه: اللّٰهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات؛ إلا أن العنصرية المذكورة آنفًا تحمل صاحبها على ترك هؤلاء الأربعمئة مليون أخٍ مبارك لأجل أربعمئةٍ من المتحللين المتفلتين، ولمجرد منفعةٍ دنيويةٍ جزئيةٍ محدودة؛ وفي هذا عظيمُ الخطر على الوطن والحكومة والديمقراطيين المتديِّنين والأتراك، بل لا يفعل هذا مَن كان تركيًّا بحقٍّ، فإن التركي الأصيل لا يُقدِم على ارتكاب خطأٍ كهذا.
إن هذين التيارين يعملان على إسقاط الديمقراطيين المتديِّنين، بل يدفعان الآخرين لفعل الأمر نفسه مستفيدين من كل ما هو متاحٌ، وهذا أمرٌ يشهد به الواقع بلا امتراء؛ وإنه بإزاء هذا العمل الهدام، وهاتين القوتَين اللتَين تعارضانكم، وأولئك الأعداء في الداخل والخارج، ليس أمامكم سوى حلٍّ وحيدٍ هو أَوجبُ وأَلزمُ ما تواجهونهم به، ألا وهو الاعتصام بقوةِ الحقيقة القرآنية الراسخة التي تحدَّتْ بأربعين صحابيًّا أربعين دولةً فغلبتْها، والتي لها في كل قرنٍ أربعمئةِ مليون تلميذٍ على امتداد ألفٍ وأربعمئة سنة؛ أجل، الاعتصامُ بقوةِ هذه الحقيقة القرآنية، وبما تنطوي عليه من منافعِ السعادة الأبدية الدنيوية والأخروية، واتخاذُها نقطة استنادٍ لكم في مواجهتهم؛ وإلا فإن أعداءكم المتربصين بكم في الداخل والخارج سيجعلون من جنايةٍ واحدةٍ ترتكبونها آلافَ الجنايات، ثم يُلحقون بها جنايات السابقين، فيُحمِّلون جميع ذلك على عاتقكم كما حمَّلوه على غيركم، وعندئذٍ سيبلغ الخطر عليكم وعلى الوطن والشعب مبلغًا لا يمكن تلافيه.
سأدعو لكم أنا وإخواني النوريين في مقابل ما ستقومون به من خدمات، وما ستعملون به من الدستورَين المذكورَين، قائلين: وفقكم اللّٰه في خدمتكم لدين الإسلام، وحفظكم من تلكم المخاطر.
— 707 —
وأما الدستور الثالث فهو هذا الحديث الشريف الذي يُرسي دستورًا من دساتير الحياة الاجتماعية في الإسلام: المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشُدُّ بعضُه بعضًا.
أي إنه لا بد لمواجهة الأعداء في الخارج من نسيان العداوات والتساند التام في الداخل، ولقد وعت الجماعات منافع هذا الدستور حتى أشدُّها بدائيةً، فترى أفرادها متى دهمهم عدوٌّ خارجيٌّ تناسَوا ما بينهم من عداوةٍ مع أن فيهم مَن قتل أبا الآخَر أو أخاه، وتساندوا لصدِّ العدوان الخارجي.
لكننا وبكلِّ أسفٍ نرى في الداخل مَن استولى عليه فكرُ التحزُّبِ النابعُ من الأنانية والمراءاة والغرور والسياسة الغدارة، فتجده يستمطر الرحمة على مَن يواليه ولو كان الشيطانَ نفسَه، ويلعن معارضيه ولو كانوا الملائكةَ؛ حتى إني قبل خمسٍ وثلاثين سنةً رأيتُ عالمًا صالحًا اغتاب عالمًا صالحًا جليلًا يخالف فكره السياسي وانتقده لدرجة التكفير، بينما أثنى بحرارةٍ على زنديقٍ يحارب الإسلام لمجرَّد أنه يوافق فكره ويؤيده، فتركتُ السياسة من حينها وفررتُ منها فراري من الشيطان.
وبينما يرتكب أحدهم جنايةً كبرى بحق شهر رمضان المبارك، والشعائرِ الإسلامية، والشعبِ المتدين، تجد معارضيه في حالةٍ من الفرح والرضا عما اقترف، مع أن الرضا بالكفر كفرٌ مثله، وكذا الرضا بالضلالة والفسق والظلم؛ ولقد رأيت أن سرَّ هذا الموقف العجيب هو أن المعارضين يريدون أن يُبرروا للرأي العام جناياتهم التي ارتكبوها، ويريدون أن يُظهِروا أن الجناة الآخَرين أشدُّ كفرًا وجنايةً منهم.
إن النتائج المترتبة على هذا النوع من المظالم ليست وخيمةً فحسب، بل إنها تدمر الأخلاق الاجتماعية، وتعدُّ بمثابة اغتيالٍ رهيبٍ لهذا الوطن والشعب وحاكمية الإسلام.
كنت سأكتب المزيد، لكنني أكتفي ببيان هذه النقاط الأساسية الثلاث لأنصار الحرية المتديِّنين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 708 —
نورِدُ هنا حاشيةً على ما كتبناه سابقًا إلى "عدنان مَنْدَرِس" من حقيقةٍ تتعلق بحياتنا الاجتماعية.
حاشية: بخصوص القضية التيجانية التي وقعت نتيجةً لقوانين العهد السابق التعسفية التي لا موجب لها، ونتيجةً لسوء تنفيذها كذلك، بل لعلها وقعت بتحريضٍ من رجال ذلك العهد، فإني أرى أن ثمة حلًّا وحيدًا يُجنِّب تحميل القضية على عاتق الديمقراطيين المتديِّنين، ويحفظ سمعتهم ومكانتهم في نظر العالَم الإسلامي، وهو حلٌّ يُكمِل ما بدؤوا به من نشر الأذان المحمدي الذي ضاعف قوتهم عشرة أضعاف، وذلك بأن يعيدوا لمسجد "أيا صوفيا" مكانته القدسية التي تمتع بها على مدى خمسة قرون، ويعلنوا رفع الحظر رسميًّا عن رسائل النور التي كان لها أثرٌ طيبٌ في العالم الإسلامي، والتي أكسبتْ أبناء هذا الوطن حُسنَ توجُّه الشعوب المسلمة، ولم تعثر فيها المحاكم على أي محتوًى خطيرٍ طَوالَ ثمانية وعشرين سنة، وقضتْ خمسُ محاكم ببراءتها؛ فبهذا يتجنب الديمقراطيون التبِعاتِ السيئة لهذه القضية، وأعتقد أنهم متى فعلوا هذا فإنهم سينالون توجُّه العالَم الإسلامي من جهة، وسيعجز القوم عن تحميلهم أوزار الآخرين من جهةٍ أخرى.
برغم أني تركت السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، إلا أني التفتُّ إليها لمدة ساعتين، وكتبتُ هذا الكلام مراعاةً لخواطر الديمقراطيين المتديِّنين خصوصًا منهم "عدنان مَنْدَرِس".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭