— 697 —
الخدمة النُّوريَّة بعد سجن "أفْيون"
كانت مجموعات رسائل النور تُنشَر بواسطة آلةِ نسخٍ "بإسبارطة"، بينما كان الأستاذ يُعنى كعادته بالتدقيق والتصحيح، إلا أنه بعد السجن توزعت الخدمة النورية على عدة مجالات، فلم تعد محصورةً في مجرد نشرها نَسخًا بخط اليد أو بآلة النسخ، بل يمكننا أن نصف ما بلغته الخدمة في تلك المرحلة بما يلي:
٭ اجتهد طلابُ النور في مختلف الولايات والنواحي والقرى في قراءة الأنوار وكتابتها وإقرائها ونشرها كلٌّ في محيطه.
٭أخذت رسائل النور شكل مجلداتٍ تُنسَخ بواسطة آلات النسخ في كلٍّ من "إسبارطة" و"إينَه بولو" وتُنشَر في شتى الأنحاء.
٭انتشرت الرسائل في كلٍّ من أنقرة وإسطنبول، وباتت تُقرَأ من شتى فئات المجتمع، خصوصًا المتعلمين وطلاب الجامعات والشباب والنساء والموظفين الحكوميين، وارتبط بها كثيرٌ من الناس وعقدوا معها أواصر علاقةٍ معنويةٍ وثيقة؛ ولقد تَخرَّج من هؤلاء أفواجٌ من خَدَمَةِ الإيمان المضحِّين المخلصين، وأشرقت أنوار الإيمان في هاتين المدينتين المركزيتين.
٭أُعيدت جميع النسخ المصادرة، وفُتحت قنوات التواصل بين الجهات الرسمية وبين رسائل النور وطلابها، وأعلِن في تقريرٍ رسميٍّ أن رسائل النور تعمل لتحقيق سعادة الوطن والشعب والأجيال المقبلة.
واتخذت الحكومة الجديدة موقفًا إيجابيًّا تجاه الرسائل، ونظرت إليها نظرةَ تقديرٍ باعتبارها نورًا ساميًا من أنوار القرآن في هذا العصر، وتكفلت بنشرها في تركيا والعالَم الإسلامي والعالَم عمومًا عبر أحدث وسائل الاتصال.
٭انتشرت رسائل النور في الولايات الشرقية.
— 698 —
كانت هذه إذًا هي المرحلة التي بلغتها الخدمة النورية، ووَقَف عليها بديع الزمان بعد الإفراج عنه من سجن "أفيون" ومجيئه إلى "أميرداغ"، وكان الأستاذ على متابعةٍ لما يصدر عن الحكومة من قراراتٍ تتعلق بالخدمة؛ كما كان يلتقي في "أميرداغ" بطلابه الخواص وبالعاملين في نشر الأنوار من أيام "بارلا"، فيُقدِّر ما يقومون به من خدماتٍ، ويُثني عليهم ويشجعهم.
ويمكن القول إنه منذ هذا الحين بدأت رسائل النور تشهد التوجه من طبقة المثقفين والعاملين في الدوائر الحكومية، وبرز إلى الميدان جيلٌ من الطلاب اتخذوا من خدمة النور غايةً لحياتهم، وقدموا بخدمتهم هذه أعظم نفعٍ للوطن والشعب والدين.
٭ ٭ ٭
كانت محكمة التمييز قد أبطلت قرار محكمة "أفيون" القاضي بمصادرة رسائل النور، وكان أحد الأسباب التي دعتها لذلك هو أن الرسائل التي قُدِّمت في لائحة القرار على أنها عنصر إدانةٍ لم يوضَّح ما إذا كانت هي نفس الرسائل التي برَّأتها محكمة "دَنِزْلي" أم سواها، فإنْ كانت هي نفس الرسائل التي صدر القرار ببراءتها وردِّها لأصحابها فإن قرار محكمة "أفيون" يُعدُّ باطلًا، ثم إنه من المخالف للقانون إعادة النظر في دعوَى سبق أن نالت صفة "القضية المُحكمة" بتصديقٍ من محكمة التمييز.
إلا أنه برغم قرار الإبطال الصادر من محكمة التمييز استمرت جلسات المحاكمة بی"أفيون"، ولم تتوقف إلا بعد أن تولى الحزب الديمقراطي مقاليد الأمور، حيث أصدر عفوًا عامًّا شمل قرارَ محكمة "أفيون"، وأغلق مِلَفُّه.
(حاشية): لكن هيئة المحكمة لم تصدر قرارًا ببراءة رسائل النور، بل أصدرت قرارًا بمصادرتها، وظل هذا القرار ساريًا حتى العام ١٩٥٦م؛ لقد أصدرت المحكمة قرار المصادرة مرتين، وأبطلته محكمة التمييز في كلِّ مرة، ثم رضخت محكمة "أفيون" لمحكمة التمييز وأصدرت قرار البراءة، إلا أن محكمة التمييز أبطلت القرار هذه المرة لوجود نقصٍ أصولًا، وطالبت بمراجعة الرسائل من قِبَل رئاسة الشؤون الدينية، فقامت الأخيرة بمراجعتها كاملةً عبر لجنةٍ من الخبراء، وأصدرت تقريرًا يُعَرِّف على نحوٍ ما بمكانة رسائل النور؛ واستنادًا إلى هذا التقرير أصدرت محكمة "أفيون" في حزيران ١٩٥٦م قرارًا بالإجماع يقضي ببراءة رسائل النور ورفْع الحظر عنها، واكتسب القرار صفة القطعية، وبدأ من حينها طبع مجلدات الرسائل في المطابع بما في ذلك مطابع العاصمة نفسها.
٭ ٭ ٭
— 699 —
كان رئيس الشؤون الدينية "أحمد حمدي" قد طلب من الأستاذ النُّورْسِيّ - قبل وقوع حادثة سجن "أفيون" - نسختين من مجموعة رسائل النور، إحداهما لمكتبة رئاسة الشؤون الدينية، والأخرى للاقتناء الشخصي، إلا أن حادثة السجن حالت دون إرسالهما، فلما أُفرِج عن الأستاذ وقدِم إلى "أميرداغ"، صحَّح نسختين من مجموعة رسائل النور أُعِدَّتا مسبقًا، وبعث بهما إليه مرفِقًا الرسالة التالية:
السيد أحمد حمدي المحترم..
أذكر لك حادثةً روحيةً جرت لي، وهي أنني منذ زمنٍ بعيدٍ لم تكن أفكاري توافق أفكارَك وأفكارَ مَن في مسلكك من المشايخ التاركين للعزائم الآخذين بالرُّخَص بناءً على الضرورات، فكنت أغضب منك ومنهم وأقول: لماذا يتركون العزائم ويتَّبِعون الرُّخَص؟ ولأجل هذا كنتُ أمتنع عن إرسال رسائل النور إليكم بشكلٍ مباشر.
ثم إنه قبل سنواتٍ قليلةٍ وَرَدَ إلى القلب شعورٌ بالأسف تجاهكم، وأُخطِرَ خاطرُ انتقادٍ يقول: إن هؤلاء الأفاضل من إخوانك في طلب العلم قديمًا - وفي مقدمتهم أحمد حمدي - قد واجهوا تخريباتٍ رهيبةً شديدةً آخذين بقاعدة اختيار أهون الشَّرَّين، وصرفوا جزءًا من وظيفتهم العلمية في سبيل الحفاظ على المقدسات، فخففوا الخطر الداهم إلى الربع، وعسى أن يكون هذا كفارةً لما وقع منهم من تقصيراتٍ وأخذٍ بالرُّخَص تحت الاضطرار.
أجل، هذا ما أُخطِرَه القلبُ بشدة، ومن حينها أخذت أنظر إليكم وإلى أمثالكم نظرَ الأُخُوَّة الحقيقية باعتباركم إخواني القدامى في طلب العلم ورفاقي في التحصيل؛ ولأجل هذا، فإني حين كنت قبل ثلاث سنواتٍ تحت احتمال أن يفضي تسممي الشديد
— 700 —
إلى وفاتي، نويت أن أقدم لكم نسخةً من مجموعة رسائل النور بناءً على طلبكم المُلِحِّ، عسى أن تكونوا أصحابها الحقيقيين من بعدي، وتكونوا حُماتها والمحافظين عليها، وتوجد الآن مجموعةٌ كتَبَها ثلاثةٌ من تلاميذ النور قبل خمس عشرة سنة، لكنها غير كاملةٍ ولا مدقَّقة، وقد صححتُها بعض الشيء لأجلكم وأنا تحت وطأة المرض، وهذه النسخة المكتوبة بأقلام هؤلاء الثلاثة الأفاضل تعدل عندي عشر نسخٍ سواها، وما كنتُ لأعطي هذه المجموعة لأحدٍ غيرك، وإن الثمن المعنوي الذي يترتب في مقابلها ثلاثة أشياء:
أولها: أن تجتهدوا ما أمكنكم في نسخ عشرين أو ثلاثين نسخةً منها، وتوزيعها على مديريات الشؤون الدينية في أنحاء البلاد، لأنَّ نشر مثل هذه المؤلفات في مواجهة تيارات الإلحاد الخارجية هو من وظيفة رئاسة الشؤون الدينية؛ وأطلب أن يتم هذا العمل بالحروف القرآنية، فإن لم يمكن فبالحروف اللاتينية، شريطةَ أن يوجد شخصٌ من خواصِّ إخواني يساعد في تدقيقها.
ثانيها: بما أن رسائل النور مُلكٌ للمدارس الدينية، وبما أنكم من أبناء هذه المدارس ومن تلاميذها والمسؤولين عنها في نفس الوقت، فإن رسائل النور إذًا هي ملككم أيضًا.
ثالثًا: أطلبُ أن يُطبع مصحف التوافقات بالتصوير الفوتوغرافي إن أمكن، حتى تَظهر لمعة الإعجاز التي في التوافقات.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭