— 695 —
القسم الثامن
حياتُه في إسبارطة
بعد ١٩٥٠م
أُفرِجَ عن الأستاذ سعيدٍ النُّورْسِيّ صباح يومٍ من أيامِ شهر أيلول/سبتمبر من العام ١٩٤٩م، ونُقِل بعربةٍ تجرها الخيول إلى بيتٍ بصحبةِ اثنين من ضباط الشرطة، وكان معه بعض طلابه القائمين على خدمته.
وقد شهدت حياةُ الأستاذ وخدمتُه النورية بعد سجن "أفيون" تطوراتٍ مهمة، فقد كان إلى ما قبل دخوله السجن لا يَسمح لأحدٍ بالبقاء معه، وكان يُقفِل الباب على نفسه من بعد العشاء حتى ضحى اليوم التالي، أما بعد سجن "أفيون" فقد سمح لبعضِ خواصِّ طلابه الصادقين بملازمته، إلا أنه كانت له غرفتُه المستقلة عنهم، وكان يمكنهم الدخول عليه وقت الحاجة.
وبعد سجن "أفيون" ظهرت ملامحُ ما يمكن تسميته بی «سعيدٍ الثالث» على حدِّ تعبير الأستاذ نفسه، إذ كانت الخدمة النورية بصدد دخول مرحلةٍ جديدةٍ تشهد فيها تطوراتٍ نوعيةً، وكان الذين هبوا لمساعدة الأستاذ وأقبلوا على خدمة النور شبابًا من الطبقة المثقفة على نحوٍ خاص، ولا ريب أن العناية الإلٰهية جعلت من مصيبةِ سجن "أفيون" رحمةً من وجوهٍ شتى.
— 696 —
وأحد وجوه هذه الرحمة أن طلاب النور الذين طُلِب منهم المثول أمام المحكمة كانوا من ولاياتٍ ومناطق مختلفة، فكان هذا سببًا للتعارف فيما بينهم، وتبادل المعلومات والخبرات فيما يتعلق برسائل النور ومؤلفها وخدمتها النورية، فأثمر ذلك قوةً معنويةً مبنيةً على أُخوةٍ إيمانيةٍ أخرويةٍ صادقةٍ انعقدت أواصرها في ظلال النور التي لا تعرف مقصَدًا سوى نيل مرضاة اللّٰه عز وجل.
ومما يُذكر في هذا الباب أن الأستاذ وطلابه كانوا يأتون إلى المحكمة جماعةً كأنهم كوكبةٌ من الأبطال، فكان هذا يبعث في قلوب المؤمنين محبةً ومودةً خالصةً تجاههم، وقد شكلت جلسات المحاكم هذه حافزًا قويًّا للنهوض بخدمةِ دعوةِ الإيمان والإسلام.
لقد برز إلى الميدان جيلٌ جديدٌ مثقفٌ من طلاب النور، وأثمرت مصيبةُ السجن هذه رجالًا أبطالًا مضحين يحملون على عاتقهم واجب الخدمة الإيمانية لرسائل النور، ويتخذونها غايةً لحياتهم رغم أنف أعداء الدين.
كان البيتُ الذي نُقِل إليه الأستاذ بعد الإفراج عنه مراقبًا بعنصرَين من أفراد الشرطة يلازمان بابه دون انقطاع، ولا يَسمحان لأحدٍ بالدخول، هذا فضلًا عن أن الحملات المغرضة كانت طَوالَ مدّة السجن تبثُّ الخوف في نفوس الناس، وتروِّج للأكاذيب والمغالطات من قبيل أنه سيُحكم على بديع الزمان بالإعدام.
بقي الأستاذ في هذا البيت بی"أفيون" مدة شهرين، ثم نُقِلَ بعدها إلى "أميرداغ" من جديد، حيث كان فيها الكثير من طلاب رسائل النور يؤدون الخدمة النورية على الوجه الأتم.
٭ ٭ ٭