— 692 —
ما هي رسائل النور؟ ومن هو بديع الزمان؟
إن العلماء المجددين الذين بشَّرت الأحاديثُ بمجيئهم على رأس كل مئة، إنما هم متبعون لا مبتدعون، فهم لا يُحدِثون شيئًا جديدًا من عند أنفسهم، ولا يأتون بأحكامٍ جديدة، وإنما يتقيدون تقيدًا تامًّا بالسنة النبوية والقواعد والأحكام الدينية، فيُحكِّمون الدين، ويقوِّمون ما اعوجَّ منه لدى الناس، ويبينون أصوله وحقائقه، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحالَ المبطلين وغُلوَّ الجاهلين، ويقيمون الأوامر الربانية، ويُجَلُّون شرفَ الأحكام الإلٰهية ومكانتَها.
وهم يؤدون هذه الوظيفة متبعين أساليب بيانٍ وإقناعٍ جديدةً تناسب أفهامَ العصر من غير إخلالٍ بالأصل أو مساسٍ بالجوهر؛ فهم موظفون ربانيون يصدِّقون وظيفتَهم الربانية بأعمالهم، ويُجَلُّون مراتبَ الإيمان بأفعالهم، وينعكس إخلاصهم وثباتهم الإيماني في مرآة أحوالهم، ويتجلى فيهم التحقق بالأخلاق المحمدية، والتحلي بالسجايا الأحمدية والشمائل النبوية.. إنهم بعبارةٍ موجزةٍ مثالٌ حيٌّ في الأعمال والأخلاق، ونموذجٌ يحتذى في اتباع السنة النبوية والتمسك بها.
وإن ما ألفه هؤلاء من آثارٍ تفسر كتاب اللّٰه وتبيِّن أحكام دينه بأسلوبٍ يناسب أفهام العصر ليس من بنات أفكارهم ولا مما جادت به قرائحهم العُلوية، ولا هو نِتاج
— 693 —
عبقريتهم ومعارفهم، وإنما هو إلهاماتٌ وتلقيناتٌ معنويةٌ مباشرةٌ من رسالةِ ذلك السيد المصطفى مَجلى الوحي ومعدن الطُّهر (ص)، وما الأوراد المباركة و"المثنوي الشريف" و"فتوح الغيب" وأمثالها إلا نماذج من هذه الآثار القدسية البديعة، وما هؤلاء الأئمة الأماجد إلا بمثابة مترجمين لها، وإنما نصيبهم منها التنظيمُ وأسلوبُ البيان، فهم بمثابة مظاهر ومرايا لتلك المعاني السامية.
أما رسائل النور وترجمانه، فقد ضمت هذه الأسفارُ البديعة من الفيض العُلويِّ والكمال المتسامي ما لم يُرَ مثله من قبل، وقد شهِدَ مَن شهِدَ على أنها حظيت من فيوضات القرآنِ المِشعلِ الإلٰهي وشمسِ الهداية ونَيِّرِ السعادة ما لم يحظَ به سِفرٌ من قبلها، ولقد بات حقيقةً واضحةً كالشمس أن أساس هذه الآثار نورُ القرآن الخالص، وأن فيها من فيض الأنوار المحمدية ما ليس في غيرها، وأن لها من الصلة بالسيد المصطفى (ص) والحُظوة منه ما ليس لنظيراتها من مؤلفات الأولياء، وأن لترجمانها ومَظهرها نصيبه من ذلك بحسَبها.
أجل، فقد وَرِثَ ترجمانُها في أشهرٍ يسيرةٍ من العلوم والمعارف والأسرار والحِكَم ما لم يحظَ به غيرُه وهو ما يزال بعدُ في سن الصِّبا لم يسبق له تحصيل، فلم يكن ترجمان النور هذا أعجوبةً علميةً فحسب، بل مثَّل بما وصفنا عفةً مشخصةً، وشجاعةً خارقةً، واستغناءً مطلقًا، وعنايةً وموهبةً فائقةً ماثلةً للعيان.
لقد ناظر علماء عصره وهو لم يبلغ الحلم بعد، فكانت له الغلبة والحجة، وانهالت عليه الأسئلة في شتى القضايا، فأجاب عليها جميعًا إجاباتٍ مسددةً من غير اضطرابٍ ولا تردد، وحمل لقب الأستاذ وهو بعد في سن الرابعة عشرة، ونشر أنوار العلم والحكمة في الناس من حوله، وشاهد أهلُ العلم والعرفان من العمق والدقة في عباراته، ومن الرفعة والقوة في بيانه، ومن الفراسة البعيدة والبصيرة النافذة في توجيهاته، ما حيرهم ودفعهم لأن يطلقوا عليه بحقٍّ لقب بديع الزمان.
ولا ريب أن من برز إلى الميدان بهذه المزايا السامية والفضائل العلمية، وأدى هذه الخدمة في نشر الدين وتثبيت أركانه لا يمكن إلا أن يكون مَظهرًا لعناية سيد
— 694 —
الأنبياء (ص)، وحائزًا من همته وإمداده النصيبَ الأوفى؛ وحريٌّ بهذا المتأسِّي بالنبيِّ المصطفى (ص) في حركاته وسكناته، والممتثل لأوامره، والوارث لحقائقه، والعاكس لأنواره، أن يكون كريم الصفات.
أجل، ولقد جلّى الأنوار المحمدية والمعارف الأحمدية والفيوضات الإلٰهية بأسطع صورة، فكان في ميدان الخدمة الإيمانية مرآةً تُجَلِّي رسالةَ النبي المصطفى (ص)، وآخر ثمرة منوَّرة من ثمرات شجرتها، ولسانَ حقيقةٍ يجلجل بدعوتها، وحاملَ مشعلِ سعادةٍ مقتبَسٍ من نورها.
باسم تلاميذ النور الذين تلقَّوا درسَ "الحجة الزهراء"
و"زُهرة النور" وهو الدرس الوحيد في المدرسة اليوسفية الثالثة
أحمد فيضي، أحمد نظيف، زبير، صلاح الدين، جَيلان، صونغور
بالرغم من أن الموقعين أعلاه مدحوني بما يفوق حدي مئة مرة، إلا أني لم أطِب نفسًا بكسر خواطرهم، فسكتُّ عن هذا المدح وقبِلتُه باسم الشخص المعنويِّ لتلاميذ رسائل النور.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭