— 689 —
سُلوانٌ من الحقائق يجلو كآبةَ مصائبي
الأول: أن المحنة انقلبت في حقنا منحةً.
الثاني: الانشراحُ الناشئ عن الرضا والتسليم بعدالة القدر.
الثالث: الفرحُ بما أولَتْه العناية الخاصة من خصوصيةٍ للنوريين.
الرابع: أن المصائب لكونها عابرةً فإن في زوالها لذة.
الخامس: الأجرُ الجزيل.
السادس: عدمُ التدخل في الشؤون الإلٰهية.
السابع: أن أشد هجماتهم لم يترتب عليها إلا أقلُّ المشاقِّ والأضرار.
الثامن: أنها وقعت مخففةً جدًّا مقارنةً بما وقع للآخرين.
التاسع: السرورُ بما تمخَّض عن هذا الامتحان الشديد من دعايةٍ قويةٍ فعَّالةٍ لخدمة النور والإيمان.
— 690 —
فهذه الأفراح المعنوية التسعة هي بلسمٌ مُسكِّنٌ ودواءٌ حلو المذاق يفوق الوصف ويُسكِّن آلامنا المبرِّحة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: إذا كانت هذه الحكومة المستبدة تمنع الحج، وتريق ماء زمزم، وتغض الطرف عن أشدِّ الظلم الممارَسِ بحقنا، ولا تولي أهميةً لمصادرة "سراج النور" و"ذو الفقار"، وترفع رتبة الموظفين الذين آذَونا ظلمًا وعدوانًا غيرَ مصغيةٍ لآهاتنا وأنّاتنا التي تعالَت تشكو الظلم بلسان الحال، فإن خير مكانٍ لنا هو السجن؛ إلا أنه إن أمكن نقلنا إلى غير هذا السجن لكان أسلَمَ لنا تمامًا.
ثانيًا: إنهم مثلما جاؤوا بأبعد الناس عن رسائل النور فأجبروهم بالقوة على قراءة أخصِّ ما فيها، فإنهم يجبروننا كذلك بإصرارٍ وقوةٍ على أن نكون تنظيمًا.
وواقع الحال أننا لم نكن نشعر بحاجةٍ لأن نكون تنظيمًا أو جمعيةً، لأن الأُخوة الإسلامية القائمة في اتحاد جماعة أهل الإيمان قد تجلت في النوريين تجليًا مُكلَّلًا بالإخلاص والتضحية، ولأن طلاب النور قد ورثوا عن أجدادهم الأبطال التضحيةَ والفداء، وارتبطوا ارتباطًا وثيقًا بالحقيقة التي فداها ملايين الأجداد بأرواحهم بكل سرور؛ فكان هذا يغنيهم - حتى الآن - عن عمل الجمعيات والمنظمات الرسمية أو السياسية السرية منها أو العلنية.
وهذا يعني أن ثمة حاجةً إلى عمل الجمعية اليوم بحيث يسلِّط القدر الإلٰهي علينا هؤلاء القوم؛ والحق أنهم يظلموننا إذْ يتهموننا وينسُبون إلينا جمعيةً لا وجود لها، أما القدر فقد عدل، وهو يلطمنا بأيديهم قائلًا: لماذا لم تصيروا حزبَ اللّٰه حقًا بكمال التساند والإخلاص؟
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 691 —
.......
كان التعرُّض لنا في هذه المرة واسعَ النطاق، وقد شنَّ علينا رئيس الحكومة ووزراؤه هجومًا عنيفًا مُحكَمًا، وبحسب الأخبار التي وصلتني وبناءً على أماراتٍ كثيرة، فإن المنافقين العاملين في الخفاء قد صوَّرونا في تقاريرهم الكاذبة ودسائسهم الماكرة على أننا منظمةٌ تسعى لإقامة الخلافة، وتربطنا صلةٌ وثيقةٌ بتنظيمٍ سريٍّ تابعٍ للطريقة النقشبندية، وأننا طليعةُ هذا المشروع، ثم دلَّلوا على مزاعمهم بأن رسائل النور تُطبع وتُجلَّد بإسطنبول، وتنتشر في العالَم الإسلامي بعنايةٍ وقبول، وقد أثاروا بهذا قلقَ الحكومة واضطرابها ومخاوفها، وحرَّضوا علينا رجال الدين الرسميين ذوي الغيرة والحسد، والمسؤولين ذوي الشكوك والهواجس.
لقد كان ظنُّ هؤلاء المنافقين أنه ستَظهر الكثير من الوثائق والأدلة التي تُثبِت مزاعمَهم، وكانت لديهم قناعةٌ بأنه لن تلبث نوازع "سعيدٍ القديم" أن تثور ويَنفَدَ صبرُه ويسبب المشاكل؛ لكنْ حمدًا للّٰه بلا حدٍّ أن خفَّفَ المصيبةَ من ألفٍ إلى واحد، ولم يستطيعوا أن يعثروا في جميع تحرياتهم على أيِّ علاقةٍ لنا بأيِّ جمعيةٍ أو منظمة، بل لا وجود لهذه العلاقة أصلًا حتى يعثروا عليها؛ ولهذا اضطر النائب العام لأن ينسُب إلينا افتراءاتٍ ومعاني مغلوطةً واتهاماتٍ تافهةً لا تترتب عليها مسؤولية.
فما دامت هذه هي الحقيقة فإننا - نحن والأنوارَ - قد نجونا إذًا من تسعٍ وتسعين بالمئة من المصيبة، وما دام الأمر كذلك فليس لنا أن نشكو، بل علينا أن نؤمِّل من العناية الإلٰهية انكشافَ هذه الغمة بتمامها مسترحمين صابرين شاكرين شكرًا لا حدَّ له، كما علينا أن نكون عونًا لنزلاء هذه المدرسة ومغادريها، فنبثَّهم السُّلوان بدروس النور التي هم بحاجةٍ إليها وشوقٍ إليها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 692 —
ألَّف الأستاذ سعيد النُّورْسِيّ رسالة "الحجة الزهراء" في سجنِ "أفيون" المدرسةِ اليوسفية الثالثة، وهي رسالةٌ قيِّمةٌ تتحدث عن التوحيد والرسالة الأحمدية وتفسِّر سورة الفاتحة، وقد تضمنت دروسًا علميةً وإيمانيةً للسجناء من طلاب النور وغيرهم، بحيث غدتْ إحدى اهتماماتهم الأثيرة التي تعود عليهم بالخير والنور؛ ونُدرِج فيما يلي التقريظَ الذي كتبه طلاب الأستاذ الذين لبثوا معه في السجن بعد صدور قرار المحكمة.