السيرة الذاتية
— 662 —

بعض الرسائل التي كتبها بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ إلى طلابه حين كان رهين السجن الانفرادي بی"أفيون"

باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أكتب إليكم مهنِّیئًا لا معزِّيًا؛ إذْ ما دام القدر الإلٰهي قد ساقنا إلى هذه المدرسة اليوسفية الثالثة لحكمةٍ، وقدَّر لنا في هذا المكان رزقًا يدعونا لنأخذه..
وما دامت العناية الإلٰهية قد جعلتنا مَظهرًا لقوله سبحانه: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ كما هو ثابتٌ بالتجارب القطعية حتى اليوم..
وما دام إخواننا الجدد في هذه المدرسة اليوسفية أحوجَ الناسِ إلى السُّلوان الذي تنطوي عليه الأنوار..
وما دام رجال القضاء أحوجَ المسؤولين إلى قواعد النور وسائر قوانينه القدسية..
وما دامت نُسخ النور الكثيرةُ تؤدِّي وظيفتَكم خارج السجن، وتتوالى فتوحاتها دون توقف..
وما دامت كلُّ ساعةٍ من ساعات الزمن الفاني هنا تصبح بمثابةِ ساعاتٍ باقيةٍ عامرةٍ بالعبادة..
فلا ريب أنه يلزمنا أن نقابل هذه المصيبة بكمال الصبر والثبات، شاكرين مسرورين لما فيها من المعاني المذكورة.
أكرر عليكم نفسَ الرسائل القصيرة التي كتبناها للسُّلوان في "دَنِزْلي"، فإن تلك الفقرات ذات الحقائق ستكون مبعث سُلوانٍ لكم إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 663 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: لا يَسُؤْكم الأذى والقدح الموجَّه إلى شخصي، فإن القوم لا يجدون في رسائل النور ما يعيبونها به، فينشغلون بدلًا منها بشخصي البسيط ذي العيوب الكثيرة؛ وأنا ممتنٌّ لهذا، بل إنْ لقيتُ آلافَ الآلام والمصائب والانتقاصات لشخصي في سبيل سلامةِ رسائل النور ومكانتها، لكان مقتضى الدرس الذي تعلمتُه منها، أن أقابِل ذلك بالشكر مفتخرًا؛ فلا تألموا لأجلي بهذا الخصوص.
ثانيًا: إن ما نتعرض له من هجومٍ عنيفٍ شَرِسٍ واسعِ النطاق، قد تضاءل اليوم وخَفَّتْ حِدَّتُه من عشرين إلى واحد، إذِ اعتَقلوا بضعةَ أشخاصٍ أفاضل بدلًا من آلاف الخواصِّ، واعتقلوا عددًا محدودًا من الإخوة الجدد بدلًا من مئاتِ آلافِ المعنيين ذوي العلاقة الوثيقة بالرسائل، ما يعني أن هذه الهجمة قد وقعت بصورةٍ مخفَّفةٍ جدًّا بفضل العناية الإلٰهية.
ثالثًا: ثمة احتمالٌ قويٌّ يفسِّر سببَ خِفَّةِ حِدَّةِ هذه الهجمة، وهو أن الواليَ السابق الذي كان يحيك لنا المكائد طَوالَ سنتين قد ولَّى بفضل العناية الإلٰهية إلى غير رجعةٍ؛ وأن وزير الداخلية الذي حُرِّضَ علينا بشدةٍ ينحدر من أسرةٍ عُرِف أجدادها بالتديُّن، فضلًا عن كونه من أهل بلدي؛ فلا تيأسوا ولا تقلقوا.
رابعًا: ثمة تجارب كثيرةٌ وحوادث جمةٌ أورثتْنا القناعة القطعية بأنه إن بَكَتْ رسائل النور مادتِ الأرضُ أو بكتِ السماء؛ وكما شاهدنا هذا بأعيننا مِرارًا، وأثبتنا بعضًا منه في المحكمة، فإن ابتسامةَ الشتاء أولَ مجيئه في هذا العام حتى كأنه صيف، قد وافقت ابتسامةَ رسائل النور وانتشارَها سِرًّا بواسطة آلة النسخ؛ وإن بكاءَها مِن جَرَّاء توقُّفِ انتشارها خوفًا من ملاحقتها ومصادرتها في كل مكان، قد تطابق مع بكاء الشتاء فجأةً وتحوُّلهِ إلى شتاءٍ مزمجرٍ مخيفٍ؛ وإنني أقدِّر أن هذه أمارةٌ على أن الرسائل
— 664 —
معجزةٌ كبرى من معجزات الحقيقة القرآنية تتجلى ساطعةً في هذا العصر، وأن للأرض والكائنات علاقةً بها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
لَزِمَ بيانُ حالةٍ غريبةٍ لطيفةٍ جَرَتْ لي، وهي أنه حصل لبعضِ الذين التحقوا بالجهاد في زمنٍ سابقٍ أن شاهدوا عالِمًا مشهورًا على أكثرَ من جبهةٍ من جبهات الحرب، فلما عادوا أخبروه بما شاهدوا، فقال لهم: إن بعض الأولياء تمثَّلوا في صورتي، وأدَّوا الأعمال بدلًا مني، ليُكسِبوني الأجر، ولكيلا تنقطع استفادة أهل الإيمان من دروسي.
وقد حصل مثلُ هذا بعينه في "دَنِزْلي"، إذْ شاهدني الناس في المساجد، حتى لقد نُقِل الخبر إلى الجهات الرسمية، وبلغَ مديرَ السجن والحرس، وتساءل البعض بقلقٍ واضطراب: مَن الذي يفتح له باب السجن؟!
ومثلُ هذا يحصل بعينه هنا أيضًا؛ والحال أن ما يُعزِّز الثقةَ بالأنوار ليس هذه الخارقة البسيطة التي تُنسَب لشخصي البسيط ذي العيوب الكثيرة، بل خوارق رسائل النور التي تكفَّلت مجموعةُ "خَتْم التصديق الغيبي" بعرضها وإثباتها، فهذه المجموعة تمنح الأنوار ثقةً وتُوليها اعتمادًا، وتُوقِّعُ على قبولها بنحوٍ يفوق ما يُنسَب إليَّ بمئةِ مرة، بل بألف مرة؛ فضلًا عن أن طلاب النور الأبطال يوقِّعون على هذا بأحوالهم وأقلامهم حقيقةً لا دعوَى.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 665 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن رسائل النور تجالسكم بدلًا مني، وتعلِّم الإخوة الجُدُد المتعطشين أحسنَ ما يكون التعليم؛ وإن الاشتغال بالأنوار قراءةً أو إقراءً أو كتابةً يورِثُ انشراحًا في القلب، وراحةً في الروح، وبركةً في الرزق، وصحةً في البدن، كما هو ثابتٌ بالتجربة.
لقد قيَّضَ لكم الإحسانُ الإلٰهيُّ بطلًا من أبطال النور كی"خسرو"، وإن هذه المدرسة اليوسفية الثالثة ستغدو بإذن اللّٰه تعالى واحدةً من مدارسِ المدرسة الزهراء المباركة.
لقد كنتُ حتى هذا الحين أكتم أمر "خسرو" ولا أُظهِره لأهل الدنيا، إلا أن المجموعات التي نُشِرَت قد أظهرتْه تمامًا لأهل السياسة فلم يعُد شيءٌ خافيًا، ولهذا أظهرتُ خدمتين أو ثلاثًا من خدماته لخواصِّ إخواني؛ على أنني أو هو سنبين الحقائق ولن نخفيها متى لزم الأمر.
غير أننا نواجه شخصين خطيرَين موجودَين بين مَن سيسمعون الحقائق، وهما شخصان معاندان قد انكشف أمرهما، ويعملان لصالح الشيوعية والزندقة، أحدُهما قد بات معروفًا في "أميرداغ"، والآخَر هنا، وهما يعملان بمكرٍ لإثارة مخاوف المسؤولين ضدنا ببثِّ الأكاذيب والافتراءات؛ ولهذا يلزمنا في هذه الآونة التحلي برباطة الجأش، وأخذُ الحيطة والحذر، والتوكلُ منتظرين مددَ العناية الإلٰهية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أزُفُّ إلى رسائل النور وإليكم وإلى نفسي التهاني والبشارات بالأخبار السارة التي أتحفنا بها "خسرو" و"حِفظي" و"سيد البارتِني".
— 666 —
نعم، فقد شاهد إخوتنا الحُجاج في هذا العام الجهود التي يقوم بها علماء كبار بمكة المكرمة لنشر أجزاء قيِّمةٍ من النور وترجمتها إلى كلٍّ من العربية والهندية، كما شاهدوا في المدينة المنورة مبلغَ القبول العظيم الذي حَظِيتْ به الرسائل، إذْ وُضِعت عاليًا في الروضة المطهرة، بل لقد شاهدها الحاجُّ "سيد" في الحجرة الشريفة؛ ما يعني أنها دخلت في دائرة القبول النبوي والرضا المحمدي، على صاحبه الصلاة والسلام.
لقد زارت الأنوارُ تلك الأماكن المقدسة بدلًا منا كما كانت نيتُنا وكما أبلغْنا الحُجاج؛ ونحمد اللّٰه ونشكره بلا حدٍّ على ما تَحقَّق من الفوائد الجمَّة بنشر أبطال النور لتلك الأجزاء مصحَّحةً، منها أنهم أراحوني من وظيفة التصحيح والاهتمام بها، ومنها أن تلك الأجزاء باعتبارها مرجعًا لتصحيح النُّسخ المكتوبة بخط اليد قد صارت بمثابة مئات المصحِّحين؛ أسأل اللّٰه تعالى أن يكتب لهم بكلِّ حرفٍ من حروف تلك الأجزاء ألفَ حسنةٍ، آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء وأصحابي في السجن..
أولًا: لا تهتموا كثيرًا لعدم لقائنا صورةً، فإننا نلتقي في كلِّ حينٍ معنًى؛ وبدلًا من أن تلتقوا بشخصي الذي لا أهمية له، فإنكم إذا قرأتم أو استمعتم إلى أيَّةِ رسالةٍ من الأنوار تقع بأيديكم، فإنما تجالسونني في تلك الرسالة، لا باعتبار شخصي البسيط، بل باعتباري خادمًا للقرآن.
على أنني بأيَّةِ حالٍ ألتقيكم في دعواتي وفي خيالي وفي كتاباتكم وفي العلاقة التي تربط بيننا، فما دمنا في مسلكٍ واحدٍ فإننا نلتقي في كلٍّ حين.
ثانيًا: نُبشِّر طلاب رسائل النور الجُدُد في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة، ونخبرهم بناءً على حُججٍ قويةٍ وإشاراتٍ قرآنيةٍ أذعنتْ لها حتى لجنةُ الخبراء نفسُها:
— 667 —
إن تلاميذ النور الصادقين تُختم حياتُهم بالحسنى ويدخلون القبر بالإيمان؛ ثم إنه بفضل الشراكة المعنوية النورية التي بينهم، يكون لكلِّ تلميذٍ منهم سهمٌ من أدعية إخوانه ومكاسبهم المعنوية، كلٌّ بحسب درجته؛ فكأن كلَّ واحدٍ منهم يتعبَّد ويستغفر بآلاف الألسنة.
وهاتان الفائدتان والنتيجتان تأتيان على كلِّ المصاعب والشدائد التي يلقاها المرء في هذا الزمان العجيب، فتجعلانها كالعدم؛ وهكذا تُحقق رسائلُ النور لطلابها الصادقين هذين الرِّبحَين العظيمَين بثمنٍ جِدِّ زهيد.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن لائحة دفاعنا التي أدلينا بها في "أفيون" تتضمن حقائقَ مهمةً تتعلق بنا وبالأنوار، وبهذا البلد وبالعالَم الإسلامي كافةً، ولا بد أن يُطبَع منها خمسُ أو عشرُ نسخٍ بالحروف اللاتينية لتُرسَل إلى الجهات العليا بأنقرة؛ إن وظيفتنا الحالية - سواءٌ أُفرِجَ عنا أو حُكِم علينا - هي إيصال الحقائق التي ينطوي عليها هذا الدفاع إلى الحكومة والجهات القضائية وإلى الشعب عامةً؛ ولعل هذه هي إحدى حِكم القدر الإلٰهي من سَوقِنا إلى هذه المدرسة، فلتُكتَب بأسرعِ ما يمكن بالآلة الكاتبة.
إننا حتى لو أُطلِق سراحنا اليوم، فلا مفرَّ لنا من تقديمها إلى الجهات المذكورة، فلا يصرفنَّیكم شيءٌ عنها فتؤجِّلوا أمرها.
كفى.. لِتكن هذه مدافعتَنا الأخيرةَ ردًّا على ما تعرَّضنا له من أشدِّ الظلم والذرائع الباطلة والأذى غير المسبوق في السجن الذي سُجِنّاه ثلاث مراتٍ خلال خمس عشرة سنة لأجل القضية نفسها.
وما دامت المحاكم السابقة قَدَّمت لنا بشكلٍ قانونيٍّ آلةً كاتبةً نكتب بها دفاعنا عن أنفسنا، فليس بمقدور هؤلاء قانونًا أن يمنعونا حقَّنا هذا هنا؛ فإن لم يُحَلَّ الأمر
— 668 —
رسميًّا، فليَكتبْ محامونا بالخارج - أولًا وقبل كلِّ شيء - خمسَ نُسخٍ منها بالآلة الكاتبة، ولينتبه جيدًا إلى سلامتها من الأخطاء.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
بالرغم من أنهم تذرَّعوا بحججٍ أخرى في الظاهر، إلا أن غرضهم من تسمير نوافذي بالمسامير اليوم كان منعي من تبادل التحية والتعارف مع السجناء، فلا تكترثوا للأمر، بل إنني ممتنٌ لهذا إذْ ينشغلون بشخصي الذي لا أهمية له، فيُخفِّفون بذلك من مضايقتهم للأنوار وطلابها، وممتنٌّ أيضًا من صميم قلبي من عدم تعرُّضهم نسبيًّا للأنوار، ومن لحاق أذاهم ومعاملتهم المهينة بشخصي بدلًا من لحاقها بكم وبالأنوار، ولهذا أشكر صابرًا ولا أكترث للأمر، فلا تكترثوا له أنتم كذلك.
إنني على قناعةٍ أن ما قام به أعداؤنا العاملون في الخفاء مِن لفت أنظار المسؤولين إلى شخصي قد عاد بالخير والعناية على الأنوار وطلابها سلامةً ونفعًا.
وينبغي على بعض إخواننا ألا يأخذهم الغضب فيتحدثوا بكلامٍ فيه طعنٌ وغمز، وأن يتصرفوا بحيطةٍ وحذر ولا يقلقوا، وألا يتبادلوا الحديث في هذه المسألة مع كلِّ أحد؛ لأن ثمة جواسيس يتلقَّفون الكلام من إخواننا البسطاء، ومن إخواننا الجُدُد الذين لم يعتادوا أخذ الحيطة، ويفسرونه على غير وجهه جاعلين من الحبة قبة، وينقلونه إلى المسؤولين.
إن وضعنا الحالي جِدٌّ لا يحتمل الهزل، لكن بالرغم من هذا كله لا تقلقوا، فنحن في ظل العناية الإلٰهية، وقد عزمنا أن نقابل جميع المشاق بكمال الصبر، بل بالشكر، فنحن مُكلَّفون بالشكر، إذْ في كلِّ درهمٍ من المشقة قنطارٌ من الثواب والرحمة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 669 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
بناءً على سببين مُهمين وإخطارٍ قويٍّ اضطررتُ قلبيًّا لترك وظيفة المدافعة برمَّتها وإيكالها إلى مَن سُجِنَ ومَن سيُسجَن من أركان النور هنا، أخصُّ منهم: (خ، ر، ط، ف، ص). (حاشية): خسرو، رأفت، طاهري، فيضي، صبري.
السبب الأول: أنني علمتُ قطعًا بناءً على ما جرى في دائرة التحقيق وبناءً على أماراتٍ كثيرةٍ أنهم يعملون ما بوسعهم على إثارة المشكلات ضدي، ويتهربون من مواجهتي فكريًّا مخافة الهزيمة.
وثمة إشعارٌ رسميٌّ بمنعي من الحديث، وهم يمنعونني منه بذرائع واهيةٍ، وكأنني إذا تكلمتُ أظهرتُ قدرةً علميةً وسياسيةً تُسكِتُ السياسيين وتُلزِم المحاكمَ الحجة؛ حتى إنني أثناء التحقيق سألني أحدهم سؤالًا، فأجبتُ: لا أذكر، فقال لي القاضي بدهشةٍ وتعجُّب: وكيف ينسى مَن كان صاحبَ علمٍ وذكاءٍ فائقٍ مثلَك؟!
فهم يظنون أن رِفعة الشأن التي حازتها رسائل النور والتحقيقات العلمية التي انطوت عليها إنما أتت من بنات أفكاري، فيتوجسون مني ولا يرغبون أن أتكلم؛ ويظنون كذلك أن كلَّ من يلتقي بي يصبح من فوره طالبًا مُضحِّيًا من طلاب النور، ولهذا يمنعونني من اللقاء بالناس، حتى لقد قال رئيس الشؤون الدينية بحقي: إن له جاذبيةً قويةً، ما تكلم مع أحدٍ إلا أخذ بمجامع قلبه.
إذًا تقتضي مصلحتنا أن أَكِل الأمر إليكم؛ هذا وإن مدافعاتي السابقة والحالية التي لديكم تشترك في مشاورتكم بدلًا مني، فهي تكفي.

.......

سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 670 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
انتابني اليوم قلقٌ وحزنٌ لأجلكم بسبب إخطارٍ معنوي، لقد آلمني وأحزنني حقًّا أمرُ إخواني الذين يريدون الخروج من السجن سريعًا ويُقلقهم هَمُّ المعيشة، إلا أنه في نفس اللحظة وَرَدَتْ إلى القلب خاطرةٌ مباركةٌ معها حقيقةٌ وبشارة، وهي أنه ستَحُلُّ بعد خمسة أيامٍ الشهورُ الثلاثةُ المباركةُ الفضيلةُ بعباداتها ذات الأجر الجزيل.
فإذا كانت الحسنة بعشر أمثالها في سائر الأوقات، فإنها في رجب الشريف أكثر من مئة، وفي شعبان المعظَّم أزيَدُ من ثلاثمئة، وفي رمضان المبارك تبلغ الألف، وفي ليالي الجمعة تبلغ الآلاف، وتبلغ في ليلة القدر ثلاثين ألفًا؛ أجل، فهذه الشهور الثلاثة سوقٌ قدسيةٌ للتجارة الأخروية تحقق منافع أخرويةً جَمَّة، وموسِمٌ ممتازٌ لأهل الحقيقة والعبادة، وزمانٌ يحقِّق لأهل الإيمان في ثلاثةِ شهورٍ عمرًا قدره ثمانون سنة؛ فكيف إذا أمضى المرء هذه الشهور الثلاثة في المدرسة اليوسفية التي تُضاعِف المكاسب عشرة أضعاف؟! لا ريب أنه ربحٌ جِدُّ عظيم؛ فمهما قاسى المرء في ذلك من المشقة، كانت تلك المشقة عين الرحمة.
وكما أن الأمر على ما ذكرنا من جهة العبادة، فإنه كذلك من جهة خدمة النور، إذْ تتضاعف إلى خمسة أضعافٍ باعتبار الكيف لا الكم، ذلك أن القادمين والمغادرين الذين لا يخلو منهم هذا النُّزُل يصبحون وسيلةً لانتشار دروس النور، وقد يثمر إخلاصُ شخصٍ واحدٍ نفعًا يَعدِل نفعَ عشرين شخصًا؛ ثم إنه لا أهمية لمشقَّةٍ جزئيةٍ تقع في سبيل انتشار سر إخلاص النور بين السجناء المساكين المحتاجين إلى سُلواناتِ النور أشدَّ الحاجة، لا سيما الذين لهم بطولةٌ وهمةٌ شابتْها شوائب السياسة.
أما هَمُّ المعيشة، فما دام كلُّ واحدٍ منكم قد دخل هذا السجن بدلًا من تلاميذ كُثْر، بل دخله بعضكم بدلًا من ألف، فلا ريب أن لهؤلاء مساعداتٍ يقدمونها لكم في
— 671 —
الخارج، لا سيما في أثناء سوق الآخرة المُقامة في هذه الشهور الثلاثة؛ وهذا ما سرَّني كثيرًا واعتبرت المُكث في هذا المكان حتى حلول العيد نعمةً كبرى.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه

.......

علِمتُ من خلال بعض الأمارات أن أعداءنا العاملين في الخفاء يبحثون عن حججٍ باطلةٍ يَدمغون بها الأنوار للحط من قيمتها، وذلك بإعلان التوجُّس من دعوى المهدوية التي تومئ إلى معنًى سياسي، وكأن الأنوار مجرد أداةٍ لهذه الدعوى؛ ولعل الأذى الذي لقيتُه ناشئٌ عن هواجسهم هذه، وأنا أقول لهؤلاء الأعداء الظالمين ولمن يأتمرون بأمرهم ضدنا:
حاشا ثم حاشا.. ما تجاوزتُ حدِّي يومًا فأتخذَ من حقائق الإيمان أداةً أُحقق بها جاهًا وسمعةً لشخصي؛ وهذا أمرٌ تشهد له خمسٌ وسبعون سنةً من حياتي لا سيما الثلاثون سنةً الأخيرة منها، وتشهد له أيضًا رسائل النور المئة والثلاثون، وآلاف الأفاضل الذين تربطهم بي علاقة الصحبة المتينة.
أجل، يعلم تلاميذ النور - وهو أمرٌ سبق أن بيَّنت الدلائل عليه في المحاكم - أنني أسعى وأجتهد لا لكسبِ مقامٍ أو شهرةٍ أو جاهٍ وسمعة، ولا لأنال مرتبةً أخرويةً أو معنويةً، بل لأُؤَدِّي خدمةً إيمانيةً لأهل الإيمان؛ وأنني في سبيل هذه الخدمة مستعدٌّ بكل قناعتي وقوتي للتضحية لا بحياتي الدنيا ومقاماتي الفانية فحسب، بل حتى بحياتي الآخرة إن لزم الأمر، وبالمراتب الأخروية الباقية التي يطلبها كلُّ إنسان، بل أقبل إن لزم الأمر أن أترك الجنة وأدخل جهنم لأكون وسيلةً لإنقاذ بعض المساكين منها.
فمع أن هذا أمرٌ يعرفه إخواني الحقيقيون، وسبق أن أثبتُّه في المحاكم، إلا أن القوم باتهامهم إياي بهذه التهمة، وإسنادهم ما ينافي الإخلاص إلى خدمتي للنور والإيمان، يَحُطُّون من قيمة الأنوار، ليحرموا أبناء هذا الوطن من حقائقها الجليلة.
— 672 —
فيا عجبًا لهؤلاء الأشقياء الذين يظنون أن الدنيا أبديةٌ، ويحسَبون أن كل الناس مثلهم يتخذون الدين والإيمان أداةً للدنيا!! كيف ساغ لهم أن يجرِّموا رجلًا تحدى أهل الضلالة في العالَم، وضحى في سبيل الخدمة الإيمانية بحياته الدنيوية وبالأخروية إن لزم الأمر، ولم يستبدل بحقيقةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ مُلكَ الدنيا بأسرها كما أعلن أمام المحاكم، وفرَّ بكل قوته من السياسة ومن المراتب المادية والمعنوية التي يُشَمُّ منها معنى السياسة مراعاةً لسر الإخلاص، وترفَّع عن السياسة بمقتضى مسلكه متحملًا صنوفًا من الأذى لا مثيل لها على مدى عشرين سنةً، ومن يَعُدُّ نفسَه - من حيث هي نفسٌ - دون طلابه بكثيرٍ، ويَطلب منهم العون والدعاء على الدوام، ويرى نفسَه مسكينًا لا حول له ولا أهمية.. أجل، كيف ساغ لهؤلاء أن يجرِّموا رجلًا هذه حاله، لمجرد أن بعضًا من خُلَّص إخوانه نسبوا إليه بعضَ فضائل رسائل النور في مقابل ما حصَّلوا منها من قوةٍ إيمانيةٍ فائقةٍ، مع أنه ليس سوى ترجمانها الذي لا يملك من الأمر شيئًا، وأَولَوه من حسن ظنهم ما يفوق حدَّه بألف درجةٍ، فمنحوه مقامًا رفيعًا، من غير أن يتبادر من هذا أيُّ معنًى سياسي، ومدحوه وأثنوا عليه ببالغ المدح والثناء على سبيل الشكر بين الأساتذة والطلاب كما جرت العادة من قديم الزمان من غير اعتراضٍ ولا نكيرٍ؟!
ومع أن مدحهم وثناءهم عليه مخالفٌ للحقيقة بجهةٍ ما لما فيه من المبالغة، إلا أنه لكونه يعيش وحيدًا غريبًا، وله الكثير من الأعداء، والكثير من الأسباب التي تصرف الناس عن مساعدته، أراد أن يعزز القوة المعنوية لدى إخوانه الذين يعاونونه في مواجهة معارضين ألدَّاءَ كُثْر، لكيلا ينفضَّوا من حوله، ولكيلا يُفتِّر همةَ من بالغوا في مدحه، فلم يردَّ مدحَهم وثناءَهم من أصله، وإنما أحاله على الأنوار لا غير.
لكن بالرغم من هذا كله يَعمِد بعض المسؤولين الرسميين إلى الخدمة الإيمانية التي يقوم بها هذا الرجل الذي شارَفَ على باب القبر، فيعملون على تحويلها إلى وجهةٍ دنيوية، فما أبعدهم عن القانون والإنصاف؟!!
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 673 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: لا تضطربوا ولا تقلقوا، فلقد تحقق بالتجارب القطعية المتكررة أن كل مصيبةٍ تنزل بنا تتضمن - خلف حجابها وفي نتائجها - التفاتاتِ عنايةٍ، وتبسُّماتِ رحمةٍ، وتربياتِ قدَرٍ وعدالةٍ وشفقة؛ ونحن إزاء هذه المشاق والأوضاع المريرة مكلَّفون بكمال الصبر مع الشكر.
إن تلاميذ النور مظهرُ نموذجٍ من نماذجِ خدمةِ الحقائق الإيمانية.. تلك الخدمة القدسية التي نهض بها الآلاف بل الملايين من مجاهدي الحقائق الذين سُلِخت جلودهم في سبيلها أمثال جرجيس عليه السلام، وإن المشاق التي يقاسيها تلاميذ النور لا تبلغ واحدًا بالألف مما قاساه أولئك الأماجد، إلا أنهم في الأجر والكسب سواءٌ بإذن اللّٰه.
ثانيًا: إن المخططات التي حاكها أعداؤنا ضد الأنوار قد باءت بالفشل.. أجل، فشلت مخططات أعدائنا العاملين في الخفاء الذين حاولوا تصفيتي إحدى عشرة مرة، وسلطوا علينا المحاكم أربع مرات، وزجوا بنا في السجون ثلاث مرات؛ ولهذا يعملون بكل دسائسهم على إلحاق الأذى بشخصي الذي لا أهمية له، فيضيقون عليَّ، ويستفزونني، ويضعونني في سجنٍ انفراديٍّ، ويمنعونني من التواصل مع أي شخص؛ غير أني ألحظ في هذا الأذى التفاتاتِ العناية فأشكر ربي وأتحمَّل.
لقد تحملت شدائد تفوق شدائدكم عشر مرات، وأنا أضعف منكم بعشر مرات، وأحسب أن هذا يجعل الشدائد المحدودة الجزئية العابرة التي يلقاها رجالٌ أقوياء أماجدُ أمثالكم في حكم العدم، ولهذا لا أرى ما يستلزم المزيد من مواساتكم.
ثالثًا: لا تنزعجوا مما يلحقونه بشخصي من تضييقٍ وقدحٍ وتشويه سمعة، فإنه علامةٌ على أن الأنوار وطلابها لا يُتعرَّض لهم، وأمارةٌ على أن القوم قد ضلوا السبيل؛ فإنهم يظنون أن القيمة والبراعة كامِنَتان في شخصي، فيضيقون عليَّ ويسعون للحطِّ
— 674 —
من شأني، وفي هذا عظيم النفع والفائدة للأنوار، كما أنهم بسَجني يجعلون الواجبات الشخصية والخدمة النورية التي عجَزْتُ عن أدائها بسبب السجن في حكم المؤدَّاة على الوجه الأتم، وعسى أن يكون في هذا أجرٌ يُكفَّر به عن تقصيراتي بإذن اللّٰه.
رابعًا: إن المنافقين العاملين في الخفاء قد ضَلَّلوا بعض المسؤولين بشكلٍ أو بآخر، وأثاروا مخاوفهم بقولهم: "إن مَن يلتقي بسعيدٍ يواليه ويغدو نوريًّا، فلا تسمحوا لأحدٍ بالتواصل معه"؛ حتى لقد جعلوا مسؤولي السجن والحراسَ يتهربون مني، وأنا بدوري ممتنٌّ لهذه الحال وأشكر اللّٰه عليها.
لا ضير من عدم تلاقينا صورةً، فإننا في مكانٍ واحدٍ، ونحن معًا على الدوام معنًى وروحًا وقلبًا ووظيفةً وفكرًا وتعاونًا، فحسبُنا التلاقي المعنوي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء، ورفاقي الثابتين المضحِّين في الخدمة القرآنية الإيمانية..
لا تتضايقوا من عدم حديثي إليكم كتابةً في الأيام الأخيرة.. لقد ورد إلى القلب الآن بيانُ نقطتين:
الأولى: أنني بعد التسليم والتوكل وفق قاعدة: الخير فيما اختاره اللّٰه شعرت بالسُّلوان؛ وذلك أن ما حصل لنا - خصوصًا لآلِ "چالشقان" - من عدم إطلاق سراحنا، ومن تأجيل محاكمتنا دون تفريقٍ بيننا، صحيحٌ أن فيه ضررًا ماديًّا، إلا أنه من الناحية المعنوية فيه مئةُ منفعةٍ ومكسب.
فمن ذلك إرسال المدافعات العلمية الإيمانية القوية الرصينة إلى ست جهاتٍ عليا بأنقرة، وهي الآن قيد الاطلاع والنظر منذ عشرين يومًا من قِبَل الجهات نفسها، ولا
— 675 —
ريب أن الحقائقَ القيِّمة التي انطوت عليها هذه المدافعات، والمرحلةَ التي بَلَغتْها قضيتُنا التي لفتت أنظار المعنيِّين وأثارت اهتمامهم، لن تمر على تلك الجهات مرور الكرام.
على أن القوم لو لم تهزمهم هذه الحقائق لرأينا في هذه المرحلة تعدياتهم وأوامرهم المشددة بحقنا، ولو أنهم وجدوا في هذه المدافعات ثغرةً أو مأخذًا لظهرت بوادر ذلك على يد من يضخمون الأمور ويجعلون من الحبة قبة؛ إذًا: لقد انتصرت الحقيقة، فإن كان سيصيبنا شيءٌ منهم، فلن يكون أكثر من تعرُّضٍ خفيفٍ يقع على هيئة دفاعٍ عن النفس لا غير.
إن المكاسب المعنوية التي تحققتْ لي شخصيًّا من جراء هذا تَفُوقُ الأضرارَ والمشاقَّ الماديةَ مئة مرة، وأعتقد أن لكلِّ واحدٍ من إخواني نصيبًا من المكاسب أكبر من نصيبي؛ إذن لقد كان تأجيل إطلاق سراحنا خيرًا.
ثم إن الأشقاء الثلاثة من آل "چالشقان" قد دَرَؤوا بسَجنهم السجنَ عن تلاميذِ نورٍ كثيرين، وصاروا على نحوٍ ما وسيلةً لصرف أنظار المحكمة الحالية عن رسائل النور بسبب الافتراءات التي أُلصِقت بهم، فلو كان أطلق سراحهم دوننا لما تحقق لهم هذان المكسبان القيِّمان، ولَبَدَتْ صلتهم الوثيقة برسائل النور ضعيفةً في نظر الناس.
النقطة الثانية: إن قضيتنا وظيفةٌ قرآنيةٌ وإيمانيةٌ كبرى تتعلق بالعالَم الإسلامي كافةً، وإن المنافقين العاملين في الخفاء الفَزِعين منها يسعون للتهوين منها والحطِّ من شأنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وهم لشدة اهتمامهم بها يُظهِرون أنفسهم بمظهر مَن لا يبالي بها، ويضللون بذلك الحكومةَ والقضاء.
فمثلًا يصرفون النظر عن ضباطٍ رفيعي المستوى من طلاب النور، بينما يَعمِدون إلى جنديٍّ بسيطٍ من طلاب النور بأنقرة، وُجِدتْ بحوزته بضعةُ رسائل لا ضرر منها، فيجعلون من هذا ذريعةً للمماطلة في قضيتنا في هذه المحكمة؛ ويَعمِدون كذلك إلى شخصي الذي لا أهمية له، فيسلطون عليه الأضواء بالتضييق والقدح والسجن، بينما يتجاهلون الأنوار بدروسها القوية، ويتجاهلون تلاميذها بشخصهم المعنوي الراسخ
— 676 —
الذي لا يُكمَّم فمُه، وكلاهما له من الأهمية ما يفوق شخصي بآلاف المرات؛ وواقع الحال أن القوم يرتعدون خوفًا من هذه الأهمية حتى باتوا يريدون أن يصوِّروا القبة حبة؛ والحق أنهم قد بلغوا من الغَيِّ مبلغَه. وإذا كان بعض إخوتنا قد لحقَ أعمالَهم وتجارتَهم العائليةَ ضررٌ من جَرَّاء تأجيل الإفراج عنهم، فإن المكاسب المعنوية ستُخفِّف هذا الضرر المادي فتجعله كالعدم بإذن اللّٰه.
نحن في ظل العناية، فلا تهتموا ولا تقلقوا؛ وإن وظيفتنا الصبر والشكر، والانشغالُ بالأنوار ما أمكن، وبثُّ السُّلوان للسجناء الذين يقاسون المشاقَّ أكثر منا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أبين لكم مسألةً كما ورَدَت إلى القلب بإخطارٍ معنويٍّ مُجمَل؛ وهي أن المدافعات التي أُرسِلت إلى ست جهاتٍ عليا وكانت لها الغلبة قد جاء الرد بالاطلاع عليها ولم يجد القوم سبيلًا للاعتداء علينا؛ إلا أن لإحدى الجهات الستِّ هذه خطةً تُنفَّذُ بإيعازٍ خفيٍّ، وتهدُف لفضِّ إخواني المضحِّين عني وإضعاف صلتهم الوثيقة بي؛ والحقيقة أنهم سعوا منذ زمنٍ بعيدٍ لإفساد هذه العلاقة القدسية الأخروية الإيمانية، من خلال تشويه سمعتي والافتراء عليَّ وسَجني منفردًا، إلا أنهم لم ينجحوا في مساعيهم هذه.
وهم اليوم يجدون بعض الذرائع لترهيب النوريين، ويجدون فيهم نقاط ضعفٍ يُحوِّلون بها أنظارهم إلى جهةٍ أخرى، إلا أن التحمل البطوليَّ والثباتَ المتين الفولاذيَّ الذي أبداه النوريون، والتضحياتِ العجيبة الرائعة التي قدمها المجاهد الأكبر الذي يحمل حقائق النور سيوفًا ألماسيةً بيده - أعني الشخص المعنوي لتلاميذ النور - ستقضي هي الأخرى على خطة القوم بالفشل بإذن اللّٰه تعالى.
— 677 —
أجل، فليست الجنة رخيصةً، وليست النار عبثًا؛ ولقد سبق أن بيَّنتُ لكم مرارًا أن النوريين الخُلَّص يَجنون بإذن اللّٰه أعظمَ أجرٍ بأقلِّ مشقةٍ في هذه الظروف الصعبة، وذلك مقارنةً بما كانت عليه حال المجاهدين الأبطال في الماضي، ونظرًا إلى شدة الحاجة في هذا الزمان.
كما بيَّنتُ أن طلاب النور ينفقون سِنِي العمر المحدودة اليسيرة التي تمضي في العادة هدرًا وضياعًا، بل ربما تمضي محمَّلةً بالأوزار والأضرار، ينفقونها في هذه الخدمة الإيمانية القرآنية القدسية الجليلة، فينالون عمرًا أبديًا.
لقد قررت أن أتحمل نصيبي من الهجمات بالرغم من شدة ضعفي، وإن إخواني من الشباب الأبطال الأقوياء المضحين ليسوا دوني في هذا الأمر، ولن ينسحبوا منه، بل سيجتهدون كما اجتهدوا بالأمس لاستعادة من انسحبوا منه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: أهنئكم من صميم القلب بشهر رجب الشريف، وبليلة الرغائب التي توافق غدًا.
ثانيًا: لا تيأسوا ولا تهتموا ولا تقلقوا، فإن العناية الربانية ستسارع لنجدتنا إن شاء اللّٰه. لقد وقع الحدث الذي جرى الإعداد له منذ ثلاثة أشهرٍ، وتحقق الأمر الذي أومأ إليه انفجارُ مدفأتي وتحطُّمُ أكواب كلٍّ من "خسرو" و"فيضي"، غير أنه لم يكن مروِّعًا، بل وقع خفيفًا؛ لكن ستنطفئ تلك النار تمامًا بإذن اللّٰه.
إن الهجمات التي يشنها القوم علينا إنما تهدُف للنيل من شخصي، والتشويش على فتوحات النور؛ وثمة شخصان سَعَيَا بكل قوتهما لتوجيه ضربةٍ لنا، أحدهما
— 678 —
متعالِمٌ مبتدعٌ، والآخر شخصٌ يعمل كأداةٍ بيد الزنادقة، وهو أشد ضررًا من المنافق المعروف المقيم بی"أميرداغ"، إلا أن ضربتهما هذه وقعت مخفَّفةً فلم يصبنا منها إلا واحدٌ من عشرين، وهو بدوره لن يضرَّنا بإذن اللّٰه؛ وإن المخططات التي دبرها القوم وسعوا لتحقيقها بتفريق صفوفنا وإبعادنا عن الأنوار ستفشل هي الأخرى بإذن اللّٰه. إن ما يلزمنا ويتوجب علينا فعلُه مراعاةً لحرمة هذه الشهور الثلاثة المباركة وما تنيله من الأجر العظيم، هو الصبر والتحمل مع الشكر، والتوكلُ والتسليمُ لدستور: مَن آمن بالقدر أمِنَ من الكدر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. يا مبعث سُلواني في هذه الدنيا.. ويا رفاقي الجادين في خدمة الحقيقة بلا كللٍ ولا ملل..
إن هذا الوقت الذي يمضي مُمِلًّا كئيبًا، إذا اغتنمتموه في هذه الشهور المباركة وفي هذا المُعتكَف ذي الأجر الجزيل، فأنفقتموه ما استطعتم في المشاغل القرآنية والنورية، عاد عليكم بمنافع جَمَّة.
إذْ فضلًا عن أنها تُخَفِّف الضيق والملل، فإنها عبادةٌ جزيلة الأجر، ومبعثُ انشراحٍ للقلب والروح، وتُعَدُّ عبادةَ تفكرٍ لكونها اشتغالًا بالإيمان من خلال الأنوار، وتُعدُّ عبادةً كذلك بخمسةِ أوجهٍ كما ذُكِر في آخر "رسالة الإخلاص".
إنني بينما كنت أشعر بالأسف لتخصيص جزءٍ من الوقت للاشتغال بالمدافعات في هذه الأيام، إذْ وَرَدَ إلى القلب أن هذا الاشتغال هو أيضًا عملٌ علميٌّ، إذ يقدم خدمةً في سبيل نشر الحقائق الإيمانية ورفع القيود عنها، وهو بهذا المعنى نوعُ عبادة.
وإني كلما داهمني الملل عمدتُ إلى مباحث النور التي طالعتُها مئات المرات، فأعدتُ مطالعتها من جديدٍ بشغفٍ؛ حتى إنني أعدُّ أن المدافعات شأنُها شأنُ رسائل
— 679 —
النور العلمية؛ ولقد سبق أن قال لي أحد إخواني: لقد قرأتُ "الكلمة العاشرة" ثلاثين مرة، وما زلت أشعر بالرغبة والحاجة لقراءتها مجددًا.
ومن هنا عرفتُ أن إحدى خصائص القرآن الفريدة - أعني عدمَ الإملال - قد انعكست في رسائل النور التي هي تفسيرٌ لحقائقه ومعكسٌ ومرآةٌ لها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن أنجع حلٍّ يواجَه به الضيقُ واليأسُ في هذه الدنيا، خصوصًا في هذا الزمان، وخصوصًا لمن وقعوا في المصائب، وبالأخص لتلاميذ النور، إنما هو مبادلةُ الأخ أخاه السُّلوانَ والفرح، وتعزيزُ قوته المعنوية، وبَلْسَمةُ همِّه وغمِّه وحُزنِه، وملاطفةُ قلبه الكئيب بشفقةٍ تامةٍ كما هو شأن الأخ الحقيقي المضحِّي.
إن العلاقة القائمة بيننا إنما هي الأُخوَّة الحقيقية الأخروية، وهي علاقةٌ لا تقبل ضغينةً ولا تعصبًا لرأي؛ وإنكم تعلمون أني اعتمدتُ عليكم بكل قوتي، وشددتُ بكم أزري، وقررتُ أن أضحي لأجلكم براحتي ومكانتي وشرفي، بل حتى بروحي راضيًا بكل سرور، فما دمتم تعلمون هذا بل تشاهدونه، فإنني أؤكد لكم مقسِمًا أنني منذ ثمانية أيامٍ محزونُ القلب من جراء حادثةٍ تافهةٍ جرت بين اثنين من أركان النور تَدابَرا ظاهرًا، وأحزنَ كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ بدلًا من أن يبادله السُّلوان، فبكت روحي وقلبي وعقلي بضراعةٍ قائلين: أَوَّاه أَوَّاه.. الأمانَ الأمانَ.. المددَ يا أرحم الراحمين.. احفظنا وقِنا من شر شياطين الإنس والجن، واملأ قلوب إخواني ولاءً ومحبةً وأُخُوَّةً وشفقةً فيما بينهم.
فيا إخواني الصامدين كالجبال أعينوني.. فإن قضيتنا بالغة الحساسية، وإني لشدة ثقتي بكم أوكلتُ لشخصكم المعنوي جميعَ وظائفي، فينبغي أن تسارعوا لمساعدتي بكل ما أوتيتم من قوة.
— 680 —
صحيحٌ أن حادثتكم هذه كانت حادثةً جزئيةً عابرةً صغيرةً للغاية، إلا أن الذُريرةَ التي تصيب نابضَ الساعة تَعطُبها، والشعرةَ التي تصيب حدقة العين تؤذيها؛ وهذه النقطة هي من الأهمية بحيث أخبرتْ عنها ثلاث حوادث مادية، وثلاث مشاهداتٍ معنوية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن ليلة المعراج هي بحكم ليلةِ قدرٍ ثانية، فاجتهدوا فيها ما استطعتم، فإن المكاسب تتضاعف إلى الألف؛ وإن كلَّ واحدٍ منكم في هذه الليلة الجليلة، وفي هذا المُعتكَف ذي الأجر الجزيل، يتعبَّد ربَّه ويدعوه بأربعين ألف لسان، كبعض الملائكة المسبِّحين بأربعين ألف لسان، وذلك بسرِّ الشراكة المعنوية التي بيننا، وإنكم بعبادتكم هذه تشكرون اللّٰه تعالى أنْ خفَّف ضرر المصيبة التي نزلت بنا من ألفٍ إلى واحد.
أهنئكم على أخذكم الحيطةَ والحذر التامَّين، وأبشركم بأن العناية الربانية قد تجلت فينا بأظهر صورة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء المخلصين..
إن إعمالَ دساتير لمعة الإخلاص وسرِّ الإخلاص الحقيقي، وتطبيقَها بيننا ما أمكننا وبكل ما أوتينا من قوة، قد بلغ درجة الوجوب.
لقد بلغني خبَیرٌ قطعيٌّ بأنه تم تعيين ثلاثة أشخاصٍ منذ ثلاثة أشهرٍ لتشويش العلاقات بين الإخوة الخواصِّ هنا انطلاقًا من اختلاف مشاربهم أو أفكارهم.
— 681 —
ثم إن القوم يماطلون في محاكمتنا من غير سببٍ لبثِّ التململ في نفوس النوريين الثابتين بغية زعزعتهم، ولإثارة هواجس الضعفاء والجزعين منهم، ودفعهم للتخلي عن الخدمة النورية؛ فحذارِ حذارِ أن تهتز العلاقةُ التي تربط بينكم.. علاقةُ المحبةِ الصادقة والأُخوَّةِ المتباذِلةِ المضحِّية، فإنها إنْ اهتزَّت ولو بمقدار ذرَّةٍ تضررنا بالغَ الضرر.
وإذا كانت خدمتنا القرآنية والإيمانية تقتضي أن يضحي بعضُنا في سبيل بعضٍ حتى بأرواحنا إن لزِم الأمر، فليس من شأن الإخوة المضحِّين الحقيقيين أن يتدابروا بنزقٍ من جراء الضغوط والضيق وما شابهه، وإنما شأنهم إنماء المحبة والمودة، واحتمالُ الأخطاء والعثرات بكل تواضعٍ وتسليمٍ وفناءٍ عن الذات؛ وإلا تفاقمت الأمور وخلفت أضرارًا لا يمكن تلافيها.
أختصر محيلًا إلى نباهتكم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: أخذًا بقاعدة: الخير فيما اختاره اللّٰه، فإن في تأخيرِ محاكمتنا، وفي إحضارِ إخواننا المُخلَى سبيلُهم ومثولِهم أمام المحكمة هنا خيرًا كثيرًا.
أجل، إذْ لما كانت قضية رسائل النور ذاتَ أهميةٍ بالغةٍ في العالَم الإسلامي عامةً وفي هذا البلد خاصةً، كان من اللازم لفتُ أنظار العموم إلى حقائقها من خلال مثل هذه الاعتقالات والتجمهرات التي تترك صدًى كبيرًا، بحيث تلقي رسائلُ النور دروسَها بنفسها على الملأ، وعلى العدو والصديق، وتُعلنها مدويَّةً مجلجلةً، وتكشف دون تحفُّظٍ عن أخصِّ أسرارها لأبعد الغرباء، رغمًا عنا، وبما يفوق توقعاتنا واحتياطاتنا وتحفظاتنا وتهويناتِ خصومنا.
— 682 —
وما دامت هذه هي الحقيقة فعلينا أن ننظر إلى الضغوطات اليسيرة التي نواجهها على أنها دواءٌ مُرٌّ كالعلقم، فنصبر ونشكر قائلين: كل حالٍ يزول.
ثانيًا: كتبتُ إلى مدير هذه المدرسة اليوسفية قائلًا:
لقد هبَّتِ العاصفة البلشفية أولَ ما هبَّت من السجون، وكنتُ حينها أسيرًا في روسيا، واندلعت الثورة الفرنسية كذلك من السجون على أيدي السجناء الذين عُرفوا في التاريخ باسم "المخربين والإرهابيين"، أما نحن تلاميذَ النور فقد عملنا ما استطعنا على إصلاح السجناء سواءٌ في "أسكي شَهِر" أو في "دَنِزْلي" أو هنا؛ وقد ظهرت فائدة هذا الإصلاح جليةً في "أسكي شَهِر" و"دَنِزْلي"، وكانت فائدته هنا أكثر، حتى إن الزويبعة التي حصلت في هذا الظرف الحساس - زمانًا ومكانًا - قد تضاءلت بفضل دروس النور من مئةٍ إلى واحد، (حاشية): أما الزوبعة فهي وقوع عصيانٍ في سجن "أفيون" لم يشترك فيه أحدٌ من طلاب النور. وإلا فإن التيارات الخارجية الهدامة التي تتربص بنا وتَستغل مثل هذه الخلافات والحوادث، ستصب الزيت على النار وتُولِع الحرائق.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء الثابتين.. يا مَن لا ينسحبون من صفوفنا تحت وطأة الضغوطات..
بينما كنت حزين النفس في هذه الآونة أعاني ضيقًا ماديًّا ومعنويًّا لأجلكم، إذْ ورَدَ إلى القلب فجأةً أنك لو عانيتَ أنتَ أو أحدٌ من إخوانك من المشقة والشدة عَشَرةَ أضعاف ما تعانونه الآن، لكان ذلك زهيدًا في سبيل اللقاء عن قربٍ بأحد الإخوان الذين هنا.
ثم إنه بناءً على مشرب النور القائم على التقوى والتقلُّل، وبناءً على مسلك النور القائم على تعليم الحقائق للعموم وللأحوج بل حتى للخصوم، ولأجل أن يتكلم الشخص المعنوي للنور، واحتذاءً بما كان عليه أهل الحقيقة في الماضي إذْ
— 683 —
كانوا يعقدون اجتماعاتٍ ومجالساتٍ مرةً أو مرتين في العام على الأقل، فإنه يلزم أن يجتمع تلاميذ النور مرةً كلَّ بضعِ سنين، وليس هذا متاحًا لنا اليوم إلا في المدرسة اليوسفية، ولا عبرة بما يقع في سبيل ذلك من ضيقٍ ومشقةٍ ولو بلغت ألفًا.
لقد حصل أن وَهَنَ عزمُ بعضِ إخواننا الضعفاء الذين كانوا معنا في السجون السابقة، فانسحبوا من دائرة النور، وخسروا بذلك خسارةً كبرى، ولم يُصِب الأنوارَ من ذلك أيُّ ضرر، بل برز إلى الميدان تلاميذُ أقوى منهم ثباتًا وإخلاصًا.
وما دامت امتحانات الدنيا عابرةً تمضي سريعًا، وما دمنا ننال أجورَها وثمراتها، فعلينا أن نعتمد على العناية الإلٰهية ونصبر شاكرين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. ورفاقَ الدرس في هذه المدرسة اليوسفية..
إن الليلة الآتية هي ليلة البراءة، وهي لكونها بمثابة نواةٍ قدسيةٍ للسنة كلها، ولكونها برنامجًا لمُقدَّرات البشر، فإنها بقدسيةِ ليلة القدر؛ وكما أن الحسنة تُضاعَف في ليلة القدر إلى ثلاثين ألف ضعف، فإن كلَّ عملٍ صالحٍ يؤدى في ليلة البراءة هذه وكلَّ حرفٍ يتلى من القرآن فيها يضاعَف ثوابُه إلى عشرين ألف ضعف.
وإذا كانت الحسنة بعشر أمثالها في سائر الأوقات فإنها تُضاعَف في هذه الشهور الثلاثة إلى مئةِ ضعفٍ بل إلى ألف، وتُضاعَف في هذه الليالي القدسية المشهورة إلى عشرة آلافِ ضعفٍ، بل إلى عشرين أو ثلاثين ألفًا، فهذه الليالي تَعدِل في الأجر ما قد يبلغ عبادة خمسين سنة، وإنه لَمكسبٌ عظيمٌ أن ينشغل المرء فيها ما استطاع بالقرآن والاستغفار والصلوات.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 684 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أهنئكم من صميم القلب بحلول شهر رمضان الكريم المبارك، وأسأل اللّٰه تعالى أن يجعل ليلة قدره خيرًا لكم من ألف شهر، وأن يتقبلها منكم عمرًا مقبولًا مدته ثمانون سنةً.. آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. أيها الثابتون الذين لا يضطربون ولا يلتفتون عن الآخرة إلى الدنيا..
لا تحزنوا لبقائكم هنا مزيدًا من الوقت، ولا لتوسيعهم نطاقَ قضيتنا، بل كونوا مُمتنين مثلي؛ إذْ ما دام العمر يمضي إلى الزوال من غير توقف، فإنه بثمراته الأخروية التي زُرِعتْ بذورُها في مثل هذا المعتكف ينال البقاء.
ثم إن دائرة درس النور تتسع، ومن ذلك أن الأساتذة في لجنة الخبراء مضطرون لقراءة "سراج النور" بمنتهى الدقة.
ثم إن الإفراج عنا في هذه الآونة قد يعود بالنقص على خدمتنا الإيمانية من جهةٍ أو جهتين، وأنا شخصيًّا لا أريد المغادرة بالرغم من أني أقاسي أكثر منكم، فاسعوا ما أمكنكم للتحلي بالصبر والتحمل، والتأقلم مع أسلوب الحياة هذا، وتحصيل السُّلوان والانشراح بكتابة الأنوار وقراءتها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 685 —
باسمه سبحانه

.......

ثانيًا: يتكرر في كلامنا ذِكرُ أن "رسائل النور تفسيرٌ حقيقيٌّ قويٌّ للقرآن"، وقد ورد إخطارٌ بأن نبيِّن حقيقةَ هذا القول لغموضه على بعض مَن لم يستطيعوا الوقوف على تمام معناه؛ وبيانُ هذا أن التفاسير نوعان:
أحدهما التفاسير المعروفة التي تتناول عبارات القرآن وكلماته وجُمَلَه، فتُبيِّن معانيها وتوضحها وتثبتها.
أما النوع الثاني من التفاسير، فهي التي تتناول حقائق القرآن الإيمانية، فتُبيِّنها وتثبتها وتوضحها بالحجج القوية؛ ولهذا النوع أهميةٌ بالغة، والتفاسير الشائعة المعروفة تُدرِجه في طيِّها بشكلٍ مجملٍ أحيانًا، إلا أن رسائل النور اتخذته أساسًا لها، فكانت تفسيرًا معنويًّا فريدًا يُسكِت أعتى الفلاسفة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
سألتْني جهةٌ مهمةٌ سؤالًا مهمًّا ذا مغزًى فقالت: مع أنه تَبَيَّن أنكم لستم تنظيمًا، إذْ برَّأتكم ثلاث محاكم بهذا الخصوص، ولم تتعرض لكم حكوماتُ ست ولاياتٍ تراقبكم وتتابعكم منذ عشرين سنة، إلا أن بين النوريين من العلاقة الوطيدة الوثيقة ما لا يوجد له مثيلٌ بين أفراد أيِّ تنظيمٍ أو جمعية، فما سرُّ ذلك؟
فأجبت: أجل، فالنوريون ليسوا تنظيمًا ولا جمعيةً كالتنظيمات والجمعيات التي شُكِّلت لمصلحة أفرادٍ أو جماعاتٍ، خصوصًا منها ما شُكِّل لمصالح سياسيةٍ أو دنيويةٍ أو لأغراضٍ هدامة.. فهم ليسوا شيئًا من هذا القبيل ولا يمكن أن يكونوا
— 686 —
كذلك؛ ولكنَّهم أحفادُ أبطالِ هذا الوطن الأقدمين، وأبناءُ وبناتُ الملايين من فدائيي الإسلام الذين ضحَّوا بأرواحهم لينالوا مرتبة الشهادة بكلِّ سرور، وقد ورِثوا عن أجدادهم خصال التضحية والفداء، فأظهروا هذه العلاقة الفريدة فيما بينهم، مما دفع أخاهم العاجز المسكين هذا لأن يعلن باسمهم في جنبات محكمة "دَنِزْلي" هاتفًا: "لِتكنْ رؤوسُنا فداءً للحقيقة التي فدَتْها من قبلُ رؤوسُ ملايين الأبطال"، ولم يكن من المحكمة سوى الإذعان مع الإعجاب والتقدير.
إذًا.. إن بين النوريين من المُضحِّين الحقيقيين المخلِصين الأخرويين الذين لا يبتغون بعملهم البنَّاء سوى مرضاة اللّٰه ما عجزت عن مواجهته المنظماتُ الرهيبة كالماسونية والشيوعية والطاشناق وغيرها من منظمات الإفساد والإلحاد والزندقة، فلم تجد سبيلًا لتفريقهم والقضاء عليهم سوى تضليل هيئات الحكومة والقضاء لتَطولَهم بقوانين فضفاضة؛ لكنهم لن يظفروا من هذا بطائل بإذن اللّٰه، بل سيكونون سببًا في ازدياد فدائيي النور والإيمان إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
سأخبركم بمسألةٍ جرت قبل أربعين سنةً، تشبه مسألة البارحة، وهي أن علاقة طلاب "سعيدٍ القديم" بأستاذهم كانت قد بلغت من قوة الترابط درجة التضحية والفداء؛ وكان للمنظمات الأرمنية - أعني فدائيي الطاشناق - نشاطٌ مسلَّحٌ في أطراف "وان" و"بتليس"، فكان "سعيدٌ القديم" يتصدى لهم، وينجح بدرجةٍ ما في وضعِ حدٍّ لهم، وكان قد جهَّزَ لطلابه بنادق "ماوزر"، فكانت مدرسته أشبه بثكنةٍ عسكريةٍ، يتجاور فيها الكتاب جنبًا إلى جنبٍ مع السلاح.
وذات يومٍ حضر ضابطٌ برتبة فريقٍ، وشاهَدَ ما شاهَدَ، فقال: هذه ثكنةٌ وليست مدرسة!! وكان هذا بعد وقوع "حادثة بِتْليس"، فثارت هواجسه ومخاوفه، وأمر من
— 687 —
فوره أنْ: "خذوا أسلحته"، فأخذوا ما وقع بأيديهم منها، وكانت خمس عشرة بندقية "ماوزر"، ثم ما لبث أن اندلعت الحرب العالمية فاسترجعتُ بنادقي.
فكان بعضهم يسألني في تلك الآونة: لماذا تخشاكم المنظمات الأرمنية وفيها فدائيون أشاوس، لدرجة أنكم كلما انتشرتم على جبل "أَرَك" في "وان" انسحبوا من أمامكم وتفرقوا إلى أماكن أخرى!! فما القوة التي تتمتعون بها إلى الحد الذي يجعلهم يتصرفون هكذا؟
فكنتُ أجيب: إذا كان فدائيو الأرمن يُظهرون هذه التضحيات الخارقة لأجلِ حياةٍ دنيويةٍ فانيةٍ، ولأجل سلامةٍ ومصلحةٍ مؤقتتين تنطوي عليهما قوميةٌ ضيقةٌ هدَّامةٌ، فإن هؤلاء الطلاب يعتقدون أن "الأجل واحد"، ويعملون لأجل الحياة الباقية، ويجتهدون لتحقيق منافع بنَّاءةٍ تنطوي عليها القومية القدسية الكبرى أعني الإسلام، فلا جرَم إذًا أنهم أولى بهذه التضحيات؛ (حاشية): أقول عاجزًا باسم إخواني: سنكون في الصف الأول بإذن اللّٰه متى لزم الأمر، وسنُبيِّن أننا ورثةُ أجدادنا في البطولة كما في الدين. وهم متى لزِم الأمر لن يتوانَوا عن مواجهة أجلهم المحتوم، ولن يترددوا في التضحية بعمرهم المظنون في سبيل عمرٍ يدوم ملايين السنين، وفي سبيل سلامةِ ومصلحةِ المليارات من إخوانهم في الدين، بل سيُقدِمون على هذا بكلِّ فخر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء الرُّحماء..
مع حالة الزكام التي أعاني آثارها في رأسي وأعصابي منذ يومين، ومع مشاعر الضيق والضجر التي أورثتْها الوحشة الناجمة عن الوحدة والسجن المنفرد في وقتٍ أحتاج فيه إلى الأنس والسُّلوان بلقاء الأصحاب والخُلَّان، وَرَدَ إلى القلب شكوى من قبيل: "لِمَ كلُّ هذا الأذى؟ وما جدواه على خدمتنا؟"، وإذا بإخطارٍ يَرِدُ إلى القلب هذا الصباح يقول:
— 688 —
لقد كان من اللازم جدًّا لخدمتكم التي تؤدى بإخلاصٍ وباسم الحق والحقيقة أن تَدخلوا هذا الامتحان الشديد.. وأن تُعرَضوا على المِحَكِّ مرةً بعد أخرى ليَستبين المعدنُ أذَهَبٌ هو أم نُحاس؟ وأن تُختَبروا بقسوةٍ من كل جهةٍ.. وأن تُغربلوا بغربالٍ تِلوَ غربالٍ ليُعرَف إن كان لنفوسكم حظوظٌ ودسائسُ أم لا؟ أجل، كان هذا من اللازم جدًّا لخدمتكم بحيث سمح به القدر الإلٰهي والعناية الربانية.
ذلك أنه بعد كلِّ هذا التشهير الذي شَنَّه عليكم خصومكم المعاندون أصحابُ الحجج الواهية والمعاملة الجائرة، تَبيَّن للجميع أن خدمتكم نابعةٌ من محض الحق والحقيقة، وأنها لا يشوبها شيءٌ من الحيلة أو الأنانية أو الغرض أو المنافع الشخصية أو الدنيوية أو الأخروية؛ ولو أن هذه الخدمة ظلَّتْ تؤدى من وراء حجابٍ لكانت عرضةً للتفسير بمعانٍ شتى، ولما وثق بها عوامُّ أهل الإيمان، بل لَظنوا أننا نخدعهم، ولساوَرتْ بعضَ الخواصِّ الوساوسُ أيضًا، فقالوا بحقنا: إن هؤلاء أناسٌ يقدِّمون أنفسهم كما لو أنهم بعض أهل المقامات كي يحظوا بثقة الناس وقبولهم؛ فلا يطمئنُّ لخدمتكم هذا الفريق ولا ذاك.
أما الآن وقد تجاوزنا الامتحان، فقد بات أعتى المعاندين الموسوسين مضطرًّا للاستسلام أمام هذه الخدمة.. لقد كانت محنتُكم واحدة، لكنَّ مكاسبكم ألوفٌ بإذن اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: أُخطِر على القلب بيانُ معامَلةٍ عوملتُ بها في حالتَي الأسر التي تعرَّضتُ لهما، وهي معاملةٌ ذات عبرةٍ بالغةٍ تثير الحيرة.
وذلك أني كنت في مهجعٍ واحدٍ مع تسعين أسيرًا من ضباطنا بی"كوسْتْروما" في روسيا، فكنت أعلِّمهم أمور دينهم بين الحين والآخر، وذات يومٍ حضر القائد الروسي
— 689 —
ورأى الدرس فقال: "لقد كان هذا الكردي قائدَ فرقةٍ من المتطوعين، وقد قتل الكثير من جنودنا، ثم ها هو الآن يعطي دروسًا سياسية!! إنني أمنعه من هذا منعًا باتًا"؛ وبعد يومين جاء القائد نفسه، وسمح بالدروس قائلًا: "بما أن دروسك دينيةٌ وأخلاقيةٌ وليست سياسيةً، فاستمر عليها".
أما في أسري الثاني، فإني حين كنتُ في أحد السجون، مَنع رجال القضاء أحدَ خواصِّ إخواني من زيارتي رغم أنه لازَمَ دروسي عشرين سنة، ورغم أنه يُجيد التعليم أفضل مني، كما منعوا الإخوةَ الذين يقومون على خدمتي في أموري الضرورية من زيارتي لئلا يتعلموا مني درسًا!! مع أن رسائل النور لا تدع حاجةً لدروس سواها، ومع أنه لم يبق لديَّ درسٌ أعلِّمه، ولم يعد لنا سرٌّ خافٍ على أحد؛ هذا وقد طرأ أمرٌ أوجب اختصار هذه القصة الطويلة.
٭ ٭ ٭