السيرة الذاتية
— 650 —

عريضةٌ مقدَّمةٌ إلى الوزارات ودائرة الشؤون الدينية ورئاسة محكمة التمييز

تَظَلُّمٌ لدى محكمة الحشر الكبرى، وشكوى مرفوعةٌ إلى الجناب الإلٰهي، فلْتستمع إليها محكمة التمييز في هذا الزمان، ولْتستمع إليها الأجيال القادمة، والمثقفون من أساتذة الجامعات وطلابها في المستقبل.
أتقدم بشكواي إلى مقامِ عدالةِ العادلِ الحكيم ذي الجلال، مقدِّمًا عشرَ مظالم فحسب من بين مئات المظالم المريرة التي لقيتُها خلال ثلاثٍ وعشرين سنةً خَلَتْ.
الأولى: إنني - برغم نواقصي وعيوبي - وقفتُ حياتي لسعادة أبناء هذا البلد وإنقاذ إيمانهم، وعملتُ لهذا بكل ما أوتيت من قوةٍ من خلال رسائل النور قائلًا: ليكنْ رأسي فداءً للحقيقة التي فَدَتْها من قَبلُ رؤوسُ ملايينِ الأبطال - أعني بها القرآن یی، وصمدتُ بتوفيق اللّٰه أمام ما لقيتُ من أذًى وظلمٍ فلم أنسحب ولم أتراجع.
وأذكر على سبيل المثال بعض المعاملات الجائرة التي عوملنا بها هنا في سجن "أفيون" ومحكمتها؛ فمن ذلك أنهم أجبرونا أنا وطلابَ النور الأبرياء الذين يؤمِّلون من العدالة سُلوانًا.. أجبرونا ثلاث مراتٍ على الاستماع إلى لوائح اتهامٍ تطفح بالحقد والافتراء، واستغرقت كلُّ واحدةٍ منها قرابةَ الساعتين، ثم لما رجوتهم بشدةٍ أن يسمحوا لي بخمسِ أو عشرِ دقائق كي أدافع عن حقوقي لم يأذنوا بأكثر من دقيقتين!!

.......

ووُضِعتُ في السجن الانفرادي عشرين شهرًا، ولم يُسمح لي بمقابلة أحدٍ سوى اثنين من أصحابي ولمدةِ ثلاثِ أو أربع ساعات، فساعداني قليلًا في كتابة مدافعاتي، ثم مُنعا وعوقِبا وعومِلا معاملةً قاسية. ثم جاؤوا بلائحة اتهامٍ صاغها المدعي بطريقةٍ تشبه جمع الماء من ألف وادٍ، وملأها بالحقد والافتراء والمعاني المغلوطة والتُّهم الكاذبة،
— 651 —
وقد أحصيتُ في خمسَ عشرة صحيفةً منها فحسب أكثرَ من ثمانين خطأً، فأجبرونا على الاستماع إليها، ومنعوني من الحديث؛ ولو أنهم سمحوا لي به لقلت لهم:
ما دمتم - تحت ذريعةِ حرية الفكر والمعتقد الديني - لا تتعرضون لمن ينكرون دينكم، ويهينون أجدادكم ويتهمونهم بالضلال، ويرفضون نبيَّكم وقوانينَ قرآنكم ولا يقبلونها، أعني اليهود والنصارى والمجوس، وأعني بدرجةٍ أخص المنافقين والمرتدين والفوضويين الذين يعملون اليوم خلف ستار البلشفية..
(حاشية): لم تدافعوا يا أستاذي المبجَّل عن حقوق عشرين مليونًا من أبناء هذا الوطن فحسب، بل دافعتم عن الحقوق المادية والمعنوية لثلاثمئةٍ وخمسين مليونًا من أبناء العالَم الإسلامي، دفاعًا خالصًا لوجه اللّٰه، مُكلَّلًا بأنوار القرآن؛ والدليل على خلوصه لوجه اللّٰه: توفيقُه تعالى لك في خدمة القرآن.
وكما نجا موسى عليه السلام من بطش فرعون وخلَّفه غريقًا في اليم، وكما صرعَ رسولُنا الأكرم (ص) أئمةَ الكفر فصاروا وَقودًا لجهنم، فإن رسائل النور عبر "رسالة المناجاة" في "أسكي شَهِر"، و"رسالة الثمرة" وحجتِها في "دَنِزْلي"، وهذه العريضة في "أفيون"، قد ألقت الكفر المطلق وأرواح الأشقياء من أرباب الزندقة في الجحيم، وانتشرت في أصقاع الأرض ممزقةً مبادئَ الزنادقة وأنظمتهم، وللّٰه الحمد. علي أصغر
وما دامت حكومةُ الإنكليز المتجبرةُ المتعصبةُ للمسيحية لا تتعرض لملايين المسلمين الموجودين في دائرة ملكها وتحت حاكميتها، ولا تحاكمهم، مع أنهم يردُّون - بدروس القرآن المستمرة في كل حين - عقائدَ الإنكليز الباطلة ودساتيرهم الكفرية..
وما دامت الحكومات لا تتعرض لما يقوم به معارضوها من نشرِ أفكارهم علنًا..
وما دامت مجرياتُ أربعين سنةً من حياتي، ومئةٌ وثلاثون كتابًا من كتبي، وأخصُّ رسائلي ومراسلاتي، قد دقَّقتْها حكومة ولاية "إسبارطة"، ومحكمة "دَنِزْلي"، ومحكمة جنايات أنقرة، ورئاسة الشؤون الدينية، ودققتْها كذلك محكمة التمييز مرتين أو ثلاثًا، وبقيتْ رسائل النور بحوزتهم سنتين أو ثلاثًا وفيها الرسائل الخصوصية وغير الخصوصية، فلم يُبْرِزوا ولو مادةً صغيرةً واحدةً تستوجب العقوبة..
— 652 —
وما دامت قد أثبتتْ براءتَنا كلٌّ من مدافعاتنا البالغةُ أربعمئة صحيفة، ورسائلُ النور التي - برغم ضعفي ومظلوميتي وعجزي وظروفي القاهرة - عبَّرت عن نفسها كمرشدٍ حقيقيٍّ قويٍّ لا يزيغ، يرشد مئتي ألف تلميذٍ حقيقيٍّ متفانٍ، ويحقِّق المنفعة والأمن والاستقرار للوطن والشعب..
فبأيِّ قانونٍ، وبأيِّ ضميرٍ، وبأيَّةِ مصلحةٍ، وبأيِّ جُرمٍ، تعاقبوننا أشدَّ العقاب، وتهينوننا أبلغ الإهانة، وتَزُجُّون بنا في الزنازين؟! لا جَرَمَ أنكم ستُسألون في المحكمة الكبرى يوم الحشر.
الثانية: إحدى المبَیرِّرات التي ساقوها لمعاقبتي هي تفسيري لآياتٍ قرآنيةٍ صريحةٍ حول الحجاب والميراث وذكرِ اللّٰه وتعدُّد الزوجات، وهو تفسيرٌ مُفحِمٌ يردُّ على اعتراضات المدنية الغربية.
وإنني أكرر فيما يلي الفقرةَ التي سبق أن كتبتُها قبل خمس عشرة سنةً وقدمتُها إلى محكمةِ "أسكي شَهِر"، ومحكمةِ التمييز والتصحيح بأنقرة، وهي نفس الفقرة التي كتبوها في لائحة القرار ضدي.. أكررها كشكوى تُرفَعُ إلى محكمة الحشر الكبرى، وكتنبيهٍ يُقدَّم لأهل المعرفة والثقافة في المستقبل، وكلائحةِ تمييزٍ مشفوعةٍ برسالةِ "الحجة الزهراء"، تُقدَّم إلى محكمة التمييز التي استمعتْ لشكوانا بعدالةٍ وإنصاف، وبرَّأتنا مرتين؛ وأتلوها بنصِّها على مسامع الهيئة التي منعتني من الكلام، وحكمتْ عليَّ بالسجن المنفرد سنتين، وبالنفي سنتين مع الإبقاء تحت الرقابة الدائمة، بناءً على لائحة اتهامٍ حاقدةٍ أثبتْنا فيها ثمانين خطأً.
فأقول للمحكمة هاتفًا بأعلى صوتي ولْتسمعني الأذن الصَّمَّاء لهذا العصر:
إن كان للعدالة وجودٌ على وجه الأرض، فلا جَرَمَ أنها ستَرُدُّ وتنقض القرارَ الظالم الذي حُكِم به على رجلٍّ فَسَّر الدستورَ الإلٰهيَّ القدسيَّ الحقيقيَّ المتبعَ طَوالَ ألفٍ وثلاثمئةٍ وخمسين سنة، المعمولَ به في الحياة الاجتماعية لثلاثمئةٍ وخمسين مليون مسلمٍ في كلِّ قرن.. فسَّرَه استنادًا إلى اتفاقِ وتصديقِ ثلاثمئةٍ وخمسين ألف تفسير، واقتداءً بعقيدةِ أسلافنا السابقين خلال ألفٍ وثلاثمئة سنة.
— 653 —
فهذا الرجل الذي لم يقبل - فكرًا وعلمًا - بعضَ القوانين الأجنبية التي عُمِل بها مؤقتًا لبعضِ ضرورات هذا الزمان، وتَرك السياسة، وانسحب من الحياة الاجتماعية، ألا يَنتجُ من تجريمه لتفسيره تلك الآيات إنكارٌ للإسلام نفسه، وإهانةٌ لمليارٍ من أسلافنا الأبطال المتمسكين بالدين، واتهامٌ لملايين التفاسير؟!
الثالثة: أحد الأسباب التي تذرَّعوا بها لسَجني هو الإخلال بالأمن وإفساد الاستقرار.
والحال أنهم مَوَّهوا بما هو بعيدٌ عن الإمكان أشد البُعد فجعلوه واقعًا، وعمدوا إلى رسائلي الخصوصية ومراسلاتي الشخصية، وإلى رسائل النور بِطولها، فاستخرجوا من ألفِ جملةٍ وجملةٍ فيها أربعين أو خمسين كلمة، وأضفَوا عليها معنًى مغلوطًا، ثم جعلوا منها مستنَدًا يتهموننا به ويعاقبوننا عليه.
وإنني أقول مُشهِدًا مَن يعرفون حياتي خلال الأربعين سنةً خَلَت، ومُشهِدًا الآلاف من خواصِّ تلاميذ النور:
إن الرجل الذي أفشل الخطةَ الخبيثةَ التي دبرها القائدُ العام للجيش الإنكليزي الذي احتل إسطنبول، وهي خطةٌ كانت تقضي ببثِّ الخلاف بين المسلمين، حتى لقد أوقع هذا القائدُ بين شيخ الإسلام وبعض المشايخ، وحرَّض بعضهم على بعض، وشَغَلَ الاتحاديين والائتلافيين بعضَهم ببعض، ممهدًا بذلك السبيل أمام انتصار اليونانيين وهزيمة الحركة الوطنية، فأفشلَ هذه الخطةَ كتابي الذي يحرِّض على الإنكليز واليونانيين: "الخطوات الست" الذي طبعه ونشره أشرف أديب..
نعم، إن الرجل الذي أفشل الخطةَ الخبيثةَ لهذا القائد، ولم يَثْنِه تهديدُه له بالإعدام، ولم يهرب إلى أنقرة برغم دعوة زعمائها له تقديرًا له على جهوده في المقاومة..
والذي لم يبالِ بقرار الإعدام الذي أصدره بحقه القائدُ العام للروس حين كان في الأسر..
والذي أخضع بخطبةٍ منه ثمانيَ كتائب عسكريةٍ وردَّها إلى الطاعة في حادثة الحادي والثلاثين من مارت..
— 654 —
والذي استجوبه ضباط المحكمة العسكرية قائلين: وأنت أيضًا رجعيٌّ تطالب بالشريعة؟ فأجابهم غيرَ مبالٍ بإعدامهم: إنْ كانت المشروطيةُ عبارةً عن استبدادِ فئةٍ، فليشهد الثقلان أني رجعيٌّ.. إنني مستعدٌّ لأن أضحي بروحي فداءً لمسألةٍ واحدةٍ من مسائل الشريعة..
والذي أثار بموقفه هذا إعجابَ ضباط المحكمة وتقديرَهم، وبينما كان يَنتظر منهم صدورَ قرار الإعدام إذْ حكموا ببراءته وإخلاء سبيله، فغادر المحكمة دون أن يشكرهم، وراح يهتف في الطريق: عاشت جهنم للظالمين..
والذي خاطبه مصطفى كمال في ديوان الرئاسة محتدًّا: لقد دعوناك إلى هنا لتُبيِّن أفكارَك الراقية، فإذا بك تكتب أمورًا تتعلق بالصلاة، وتزرع الخلاف بيننا!! فردَّ عليه غاضبًا بحضور خمسين نائبًا: إن أسمى شيءٍ بعد الإيمانِ: الصلاةُ، وإن الذي لا يصلي خائن، وحكم الخائن مردود؛ فاسترضاه هذا الزعيم حتى سكت غضبُه..
والذي لم تسجَّل ضدَّه أيَّةُ مادةٍ تتعلق بالإخلال بالأمن، سواءٌ من شرطةِ ستِّ ولاياتٍ، أو من الجهات الرسمية عامةً؛ ولم يُرَ من مئات الآلاف من تلاميذ النور واقعةٌ من هذا القبيل؛ ولم يُسمَع عن واحدٍ منهم وقوع جنايةٍ سوى واقعةٍ صغيرةٍ جرتْ مع أحدهم في دفاعٍ مُحِقٍّ عن النفس..
والذي ما دخل سجنًا إلا أصلحَ سُجناءَه..
والذي يُثبِت قولًا وفعلًا أن رسائل النور التي انتشرت في هذا البلد بمئات آلاف النُّسَخ، لم يكن منها إلا النفع من غير ضرر، ويَشهد على هذا ويُصدِّقه ثلاثٌ وعشرون سنةً من حياة هذا الرجل، وقراراتُ البراءة الصادرة من ثلاث محاكم وحكوماتِ ولايات، ومئةُ ألف تلميذٍ يعرفون قيمة النور..
والذي هو في واقع الحال رجلٌ منزوٍ وحيدٌ غريبٌ فقيرٌ طاعنٌ في السن عند باب القبر..
والذي تخلى بكلِّ قوته ومحض قناعته عن الأشياء الفانية، وراح يطلب الحياة الباقية، ويتحرى كفارةً لتقصيراته السالفة..
— 655 —
والذي لا يُولي أهميةً للمراتب الدنيوية..
والذي - لشدة شفقته - لا يدعو بسوءٍ على مَن أنزلوا به الظلم والأذى، مخافةَ أن يتضرر من ذلك أبرياءُ وشيوخ..
أفيُقال في حق هذا الرجل الذي حالُه كما وصفنا: "إن هذا العجوز المنزوي يُخلُّ بالأمن ويُفسِد الاستقرار، ومقصدُه مكائدُ دنيوية، ومراسلاتُه ولقاءاتُه هدفها الدنيا، وبالتالي فهو مجرم"؟!
لا جَرَمَ أن مَن يقولون هذا الكلام بحق هذا الرجل، ويسجنونه في ظروفٍ بالغة الشدة، يرتكبون جريمةً نكراء، وسيَلقون حسابهم في المحكمة الكبرى.
أرأيتم إلى رجلٍ أخضَعَ بخطبةٍ واحدةٍ منه ثمانيَ كتائب عسكريةٍ وأعادها إلى الطاعة؛ وجعل آلاف الناس قبل أربعين سنةً ينحازون إلى صفِّه بمقالةٍ واحدةٍ نشرَها؛ ولم يَخشَ أحدًا من القادة الثلاثة المذكورين آنفًا ولم يداهنهم؛ وأعلن في أروقة المحاكم قائلًا: "لو كانت لي رؤوسٌ بعدد شعر رأسي، وقُطِع في كلِّ يومٍ رأسٌ منها، لما أحنيتُ للظالمين هذا الرأسَ الذي نذرتُه للحقيقة القرآنية، وما استسلمتُ للزندقة والضلالة فأخونَ الوطن والشعب والإسلام"؛ ولم يكن له في "أميرداغ" علاقةٌ بأحدٍ سوى خمسةٍ أو عشرةٍ من إخوان الآخرة، وثلاثةٍ أو أربعةٍ يقومون على خدمته..
كيف يُقال بحقه في لائحة الاتهام: "إن سعيدًا هذا قد عمِلَ سِرًّا في "أميرداغ"، وغسل أدمغة بعضِ الناس هناك بغيةَ الإضرار بالأمن والاستقرار؛ وإن حولَه عشرين رجلًا يكيلون له المدح والثناء، وتكشف مراسلاتهم الخاصة فيما بينهم أن هذا الرجل يدير سياسةً سريَّةً تعادي الحكومة والثورة"؟!
وكيف يَلقى من الاضطهاد والأذى ما يَلقى، ويُسجن في زنزانةٍ انفراديةٍ طَوالَ سنتين مع الإهانة والعداوة التي لا مثيل لها، ويُمنعُ من الإدلاء بقوله في المحاكم؟!
إنني أحيل هؤلاء على ضميرهم ووجدانهم ليعرفوا ما أشد بُعدَهم عن الحق والعدل والإنصاف!!
— 656 —
أرأيتم إلى رجلٍ نال من إقبال الناس عليه ما يفوق حدَّه أضعافًا مضاعفًا، وأعاد بخطبةٍ منه آلافَ الأشخاص إلى الطاعة، وجعل آلافَ الناس يدخلون في جمعية الاتحاد المحمدي بمقالةٍ منه، وجعل خمسين ألف شخصٍ في مسجد "أيا صوفيا" يستمعون إلى خطبته بإنصاتٍ وتقديرٍ..
أيمكن لهذا الرجل أن يعمل ثلاث سنين في "أميرداغ" كما زعمتم، فلا تكون حصيلةُ سعيه هذا إلا تضليل خمسةٍ أو عشرةٍ فحسب؟! أم هل من المقبول أن يدع عمل آخرته جانبًا لينشغل بأحابيل السياسة، ويملأَ قبْرَه الذي دنا منه ظلماتٍ بدلًا من الأنوار؟! ألا إن الشيطان نفسَه ليعجِز عن إقناعِ أحدٍ بهذا.
الرابعة: جعلوا من عدم ارتدائي القبعةَ الإفرنجيةَ سببًا موجِبًا لسَجني؛ ومنعوني من الإدلاء بقولي، وإلا فقد كنتُ أريد أن أقول للذين يعملون على تجريمي:
بالرغم من أني بقيتُ ثلاثة أشهرٍ في مخفر "قسطموني" ضيفًا على الشرطة والضباط، فلم يطالبوني مرةً بارتدائها؛ ودخلتُ ثلاث محاكم من غير أن أرتديَها أو أحسِرَ عن رأسي فلم يتعرضوا لي..
وبالرغم من أن بعض الظَّلَمة الملحدين أذاقوني - بهذه الذريعةِ - عقابًا غير رسميٍّ بالغَ الشدة وشديدَ الوطأة طَوالَ ثلاثٍ وعشرين سنة..
وبالرغم من أنه لا يُجبَر على ارتدائها الأطفال ولا النساء، ولا معظم أهالي القرى، ولا الموظفون ضمن الدوائر، ولا سواهم ممن يعتمرون قبعةً سوى القبعة الإفرنجية..
وبالرغم من أنه لا يتحقق في ارتدائها أيَّةُ منفعةٍ مادية..
وبالرغم من أني قاسَيتُ - أنا الرجلُ المنزوي - عشرين سنةً من العقوبة بذريعةِ عدم ارتدائي القبعة الإفرنجية التي اتفق على منعها جميع المجتهدين وعمومُ مَن تولَّوا منصب شيخ الإسلام؛ وقاسَيتُ ما لحِق بهذه الذريعة من تلفيقاتٍ وأكاذيب..
— 657 —
أجل، بالرغم من هذا كله فإنهم يسعون جاهدين لتجريمي من جديدٍ بناءً على عادةٍ تافهةٍ تتعلق باللباس، هذا في الوقت الذي لا يتعرضون فيه لتاركي الصلاة وشاربي الخمر جهارًا نهارًا في رمضان، بدعوى الحرية الشخصية!!
ألا إنهم بعد أن يَلقَوا الإعدامَ الأبديَّ للموت، والحبسَ الانفراديَّ الدائميَّ للقبر، سيُسألون في المحكمة الكبرى عن هذه الخطيئة لا محالة.
الخامسة: لقد حظيتْ رسائلُ النور بمظهريَّةِ إشاراتِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنيةً تشير إليها إشارةَ استحسان، ونالتِ التقديرَ من الإمام عليٍّ كرم اللّٰه وجهه ومن الغوث الأعظم قُدِّس سرُّه، ومن غيرِهما من الأولياء، وحازتِ التصديقَ من مئاتِ الآلاف من أهل الإيمان، وعادت على الوطن والشعب في عشرين سنةً بعظيم النفع من غير ضرر؛ لكنْ مع هذا سعى القوم لأن تَطولَها يدُ المصادرة بذرائع واهيةٍ سخيفة، حتى لقد عمدوا إلى المجموعِ المسمَّى: "ذو الفقار والمعجزات الأحمدية" وهو مجموعٌ نفيسٌ عظيمُ النفع يبلغ أربعمئة صحيفة، وكان له الفضل في إنقاذِ إيمانِ مئة ألفِ شخصٍ وتقويتِه، وقد أُلِّف قديمًا، وشَمِله قانون العفو فضلًا عن التقادم، فتسبَّبوا في مصادرته بذريعةِ احتوائه على تفسيرٍ مُحِقٍّ لآيتين كريمتين في صحيفتَين منه لا غير!!
وإن كلَّ مَن يستمع إلى لائحة الادعاء الثالثةِ هذه، ويطلع على لائحة القرارات التي نشرناها، سيؤكد أنهم مثلما تسبَّبوا في مصادرة ذلك السِّفْر النفيس بالأمس، فإنهم يسعَون اليوم لمصادرة هذه الرسائل ذات النفع العظيم، متذرِّعين إلى هذا بإضفاء معنى مغلوطٍ على كلمةٍ أو كلمتين في كلِّ واحدةٍ منها.
ونحن نقول: أعددنا لكلِّ مصيبةٍ:
﴿ إِنَّا للّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
السادسة: كان بعض تلاميذ النور قد حصَّلوا من الأنوار عظيمَ الفائدة، بما وجدوا فيها من حُجج الإيمان الباهرة، والعلوم الإيمانية الراسخة البالغةِ عينَ اليقين، فأوْلَوا ترجمانَها العبدَ الفقير هذا حسنَ ظنٍّ زائد، وبالغوا في مدحه على
— 658 —
سبيل الترغيب والتبريك والتقدير والشكر، وإني أقول لمن جعل من هذا المدح جُرمًا يؤاخذني به:
لقد وجدتُ الدواء لأدوائي من أدوية القرآن وحقائقه الإيمانية القدسية، يومَ كنتُ عاجزًا ضعيفًا غريبًا منفيًّا شبهَ أُمِّيٍّ يُنفَّرُ الناسُ مني بحملاتٍ مغرِضة، وعندها تحققتْ لديَّ القناعة بأن هذا الدواء سيكون دواءً كذلك لهذا الشعب وأبناء البلد، فرحتُ أدوِّن تلك الحقائق النفيسة؛ وبينما كنتُ بأمَسِّ الحاجةإلى مَن يساعدني لرداءة خطي، إذْ هيأتْ لي العناية الإلٰهية معاونين خاصِّين يتحلَّون بالصدق والثبات، ولا ريب أن رفضَ جميعِ ما أوْلَوني إيَّاه من حُسن ظنٍ، وما فاضت به قلوبهم من مدح، وكسرَ خواطرهم بالصَّدِّ كان سيصبح بمثابةِ إهانةٍ وعداوةٍ للأنوار المستقاة من تلك الخزينة القرآنية، وسيَنْفَضُّ عندئذٍ هؤلاء المعاونون أصحابُ الأقلام الألماسية والقلوب البطلة، فلأجل ذلك كنتُ أُحيلُ المدحَ والثناءَ الذي يوجهونه لشخصي المفلس البسيط فأردُّه إلى مالكه الأصلي، أعني رسائلَ النور التي هي معجزةٌ قرآنيةٌ معنوية، وأردُّه كذلك إلى الشخصية المعنوية لتلاميذها الخواص؛ وكنتُ في الوقت نفسه أنبههم قائلًا: إنكم تُوْلونني ما يفوق حدي بكثير.
فهل يوجد قانونٌ يجرِّم شخصًا لمجرَّد مدح الآخرين له برغم رفضه وعدم رضاه، حتى يُجرِّمَني الموظفُ الرسمي الذي يتصرف وفق القانون؟!
ثم إنه قد ذُكِرَ في الصفحة الرابعة والخمسين من لائحة القرار المنشورة الموجَّهة ضدنا:
"إن رجُلَ آخر الزمان سيكون من سلالة آل البيت، ونحن طلابَ النور عسانا نُعَدُّ من آل البيت المعنويين لا أكثر".
كما ذُكِر أيضًا:
"لا مجال للأنانية في مسلك النور، ولا تجوز فيه الشخصنة ولا طلب المقامات الشخصية، ولا نيل الشهرة والجاه، بل حتى لو أُعطيتُ المقامات الأخروية لوجدتُني مضطرًّا لتركها مخافةَ الإخلال بالإخلاص الذي في النور".
— 659 —
وذُكِر في الصفحتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين منها:
"إنني من حيثُ معرفةُ المرء بعيوبه، وإدراكُ ما هو عليه من فقرٍ وعجز، والتجاؤه متذلِّلًا إلى باب الحضرة الإلٰهية، أرى نفسي عاجزًا مسكينًا شديدَ العيوب أكثر من أي شخصٍ آخر؛ وعلى هذا، فلو مدحني جميع الخلق وأثنَوا عليَّ، ما استطاعوا إقناعي بأني امرؤٌ صالحٌ صاحبُ كمال؛ ولستُ أخبركم بما خَفِيَ عنكم من شخصيتي الحقيقية الثالثة وما هي عليه من سوء الحال، لئلا أُنفِّركم مني كُلِّیيًّا؛ وإنما اللّٰه سبحانه وتعالى يستعمل بعنايته شخصي هذا كجنديٍّ بسيطٍ في الأسرار القرآنية، فله الحمد كثيرًا؛ فالنَّفْسُ أدنى من الكل، والوظيفةُ أعلى من الكل".
ثم يأتي بعدَ هذا مَن يُجرِّمني بناءً على مدحِ الآخرين لي، ووصفِهم إياي بأنني مُرشدٌ جليلٌ بتعبير رسائل النور!! ألا إن مَن يجرِّمونني سيلقون عقابَهم الأليم جزاءَ فعلتهم هذه لا محالة.
السابعة: بالرغم من أن محكمتَي الجنايات في كلٍّ من "دَنِزْلي" وأنقرة ومحكمةَ التمييز قضتْ جميعًا ببراءتنا وبراءةِ رسائل النور، وأعادت إلينا جميع الرسائل والمراسلات..
وبالرغم من أن محكمة التمييز صرَّحت عند نقضها قرارَ محكمة "أفيون" بأنه حتى لو فُرِض وجود خطأٍ في قرار البراءة الصادر عن محكمة "دَنِزْلي"، فإن قرارها قد اكتسب صفة القطعيَّة، ولا سبيل لإعادة المحاكمة من جديد..
وبالرغم من أني بقيت منزويًا بی"أميرداغ" ثلاث سنين، ولم أكن أتحدث إلى أحدٍ سوى اثنين أو ثلاثةٍ يعملون أُجراءَ في الخياطة، ويتناوبون على مساعدتي، وسوى بعض الأشخاص المتدينين أتحدث إليهم فيما ندر وعند الضرورة حديثًا لا يبلغ الخمسَ أو العشرَ دقائق..
وبالرغم من أنه لم يكن لي من مراسلاتٍ سوى رسالةٍ أسبوعيةٍ واحدةٍ أُرسلها إلى جهةٍ واحدةٍ للحثِّ على الأنوار، ولم أكتب إلى شقيقي الذي يشغل منصب مُفتٍ سوى ثلاث رسائل خلال ثلاث سنين..
— 660 —
وبالرغم من أني تركتُ التأليف الذي استمر قرابة ثلاثين سنة، فلم أؤلِّف بعد ذلك سوى نُكتتين نافعتين لأهل القرآن والإيمان تبلغان عشرين صفحةً، إحداهما تتحدث عن حكمة التكرار في القرآن، والأخرى تتناول مسائل حول الملائكة؛ وانصرفتُ فيما وراء ذلك إلى تجميعِ الرسائل التي أعادتها المحاكم لجعلِها في مجموعٍ كبير، وإلى تصحيحِ نُسَخِ "الآية الكبرى" المطبوعة بالحروف العربية، وقد أذنتُ لإخواني بنشرها ليستفيدَ منها العالَم الإسلامي، بعد أن سلَّمتْنا المحكمةُ خمسمئة نسخةٍ منها، ولم يكن ثمة حظرٌ رسميٌّ على آلة النسخ..
وبالرغم من عدم علاقتي بالسياسة قطعيًّا، وقبولي الغربةَ بمشاقها وآلامها مفضِّلًا إياها على العودة إلى بلدي خلافًا لجميع المنفيين، مع أنه سُمِح بالعودة رسميًّا، وما ذاك إلا تجنبًا للتدخل بالسياسة والدنيا..
أجل، بالرغم من هذا كله يأتي مَن يسعى لتجريمي بتُهَمٍ باطلة، ومواضيع كاذبة، ومعانٍ مغلوطة، يورِدها في لائحة الاتهام الثالثة هذه!! إن هذا الشخص مدفوعٌ بأمرين فظيعَين في طَوِيَّته لن أذكرَهما الآن، لكنَّ معاملتَه معي على مدى عشرين شهرًا تُثبِتُهما؛ غير أني أقول: حسبُه القبر وسَقَر، وأُحيلُه على المحكمة الكبرى.
الثامنة: أُدرِجتْ رسالةُ "الشعاع الخامس" بآخر مجموعِ "سراج النور"، وأُدرِجتْ معها مدافعتي التي أفضتْ إلى براءتنا بمحكمة "دَنِزْلي"، وكان إدراجنا لرسالة "الشعاع الخامس" هذه بناءً على ما كان من محكمتَي "دَنِزْلي" وأنقرة، إذْ ظلَّت الرسالة لديهما سنتَين كاملتَين، ثم أعيدتا إلينا.
ولقد كنا فيما سبق نعدُّها رسالةً خصوصيةً ليست للعموم، إلا أنا لما وجدنا المحاكم قد أعلنت عنها على الملأ، وأعادتها إلينا مع البراءة، دلَّ ذلك على ألا ضرر منها، فأذِنتُ بنَسخِها.
وأصل "الشعاع الخامس" أحاديثُ متشابِهةٌ جمعتُها قبل نحو أربعين سنة، وهي منتشرةٌ لدى الأمة منذ القديم؛ ورغم أن أهل الحديث حكموا على بعضها
— 661 —
بالضَّعف، إلا أنه لما كان معناها الظاهري محلَّ اعتراضٍ، كتبنا هذه الرسالة لإنقاذ أهل الإيمان من الشبهات؛ غير أنه بعد حينٍ من الزمان ظهر التأويل البديع الذي أُوِّلتْ به هذه الأحاديثُ ظهورًا باديًا للعِيان، فأبقينا الرسالة طيَّ الكتمان والخصوصية لئلا يُساء فهمُها؛ وبعد حينٍ آخر من الزمان دَقَّقتْ فيها محاكمُ عدةٌ ثم أعادتها إلينا، متسببةً بذلك في ذيوعها واشتهارها.
وعلى الرغم من هذا كله يأتي اليوم مَن يريد تجريمي بها من جديد!! فما أبعدَه عن الحق والعدل والإنصاف؟!
إننا نحيل هؤلاء الذين أدانونا بناءً على قناعاتهم الشخصية.. نُحيلُهم على ضميرهم ووجدانهم، ونُحيلهم كذلك على المحكمة الكبرى قائلين: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
التاسعة: وهي مَظلمةٌ مُهمةٌ للغاية، غير أني لم أكتبها لئلا أثير غضبهم أيضًا مراعاةً لقراءتهم رسائلَ النور.
العاشرة: هي الأخرى قويةٌ ومهمةٌ أيضًا، غير أني لم أكتبها كذلك لئلا أُزعجهم.
(حاشية): إن لرسائل النور اتساءً بالنبي المصطفى (ص)، فكما أظهر نبوَّتَه للإنس والجن والملائكة عبر معجزته الجليلة: المعراج؛ وكما شاهدَ في هذه المعجزةِ الحق سبحانه قطب الأركان الإيمانية ورأى الجنةَ والنار، وأخبر الجنَّ والإنسَ عن وجوده سبحانه وبالحشر والمحكمة الكبرى مبطِلًا دعاوى المشركين والمنافقين؛ فإن رسائل النور في هذا الزمان الذي تزعزعت فيه الركائز الإيمانية والاعتقادية، قد أظهرت بعريضة الشكوى هذه وجودَ اللّٰه تعالى وعدالتَه، والحشرَ والمحكمةَ الكبرى، وبيَّنتْ ذلك لمن وقعوا في الشك والشبهة من أهل الإيمان وغيرهم من لجنة الخبراء والقضاة، واستحضرت عالَم الغيب في عالَم الشهادة، وعرضت الجنةَ أمام أعين أهل الإيمان، والنارَ أمام أعين مَن سقطوا في الضلالة والكفر المطلق، وأثبتت للناس الإيمانَ التحقيقيَّ بدرجة حق اليقين، فلم تَدَعْ بعد هذا شكًّا ولا شبهة؛ فجزى اللّٰه مؤلفها خير الجزاء، ورضي عنه دائمًا أبدًا.
علي أصغر
٭ ٭ ٭