— 647 —
كلمتي الأخيرة
أوضِّح لهيئة المحكمة ما يلي:
لقد تبين لي من خلال لائحة الادعاء ومن خلال وضعي في السجن الانفرادي مُدَدًا طويلة، أن شخصي هو أكثر ما يُستهدف، وأنه رُئي أن القدح في شخصي والحطَّ من شأني هو الأجدى في هذه القضية، كما لو أنني أضر بالوطن واستقراره وإدارته، وأبتغي من خلف ستار الدين مقاصدَ دنيويةً، وأسعى خلف نوعٍ من السياسة.. وإنني ردًّا على هذا أبيِّن لكم بيانًا قطعيًّا فأقول:
إنْ عملتم على الحط من شأني بسبب هذه الهواجس والمخاوف، فلا تسيئوا إلى رسائل النور وتلاميذها الذين يُقدِّمون التضحيات لهذا الوطن والشعب ويُمثِّلون لهما قيمةً كبرى، وإلا حاق بهذا الوطن والشعب ضررٌ معنويٌّ عظيم، وربما تسببتم لهما بخطرٍ بالغ.
وأبين لكم جازمًا أنني قررتُ حاليًّا - باعتبار مسلكي - أن أتقبل كلَّ ما يلحق بشخصي من حطٍّ وهَوانٍ وقدحٍ وأذًى وعقوبةٍ شريطةَ ألا يَمسَّ رسائلَ النور وتلاميذَها ضررٌ بسببي؛ وعسى أن يكون في قراري هذا ما أُثاب عليه في آخرتي، وأتخلص به من شرِّ نفسي الأمّارة، وبذا أكون ممتنًّا في سِرِّي لما هو مؤلمٌ في ظاهر أمري؛ على أنه لو لم
— 648 —
يكن هؤلاء الأبرياء المساكين مسجونين معي في هذه القضية، لكان لي في محكمتكم هذه كلامٌ آخر.
وقد رأيتم ما فعله الشخص الذي نظَّم لائحة الادعاء بحقي، إذ سعى للطعن فيَّ بالحيلة والمخادعة، وكان أشبه بمن يجمع الماء من ألفِ وادٍ، فقد عَمَد إلى جميع ما كتبتُ من كتبٍ ومراسلاتٍ شخصيةٍ وغير شخصيةٍ كتبتُها خلال ما يقرب من ثلاثين سنةً من حياتي، فأضفى عليها معنًى خاطئًا، واحتال في تقديمها كما لو أنها كُتِبتْ جميعًا في هذا العام، بل كأنها لم تنظر فيها محكمةٌ، ولم يشملها عفوٌ، ولم يجرِ عليها تقادُم!!
ومع أني كثيرًا ما هوَّنتُ من شأنِ شخصي، ولم يوفر خصومي بدورهم وسيلةً في هذا المجال إلا استعملوها، إلا أن ذلك لم يُجْدِ نفعًا في صرفِ إقبال الناس عليَّ، لدرجة أن الأمر أثار هواجس أهل السياسة، وسبب ذلك أن الحاجة الماسَّة لتقوية الإيمان في هذا الزمان وفي هذا البلد تستلزم أشخاصًا لا يتخذون الحقيقةَ أداةً لشيء، ولا يعطون النفس حظًّا في شيء، حتى يُستفادَ من دروسهم الإيمانية، ويَبلغَ فيها المرء درجة القناعة القطعية.
أجل، لم يسبق أن كانت هذه البلاد في حاجةٍ ماسَّةٍ كما هي اليوم، فقد داهمنا الخطر من الخارج؛ وقد أعلنتُ معترفًا بأن شخصي لا يكفي لسَدِّ هذه الحاجة، إلا أن الناس يظنون أنني أنا مَن يسُدُّها، وما ظنُّهم هذا لمزيةٍ فيَّ، بل لشدةِ الحاجة من جهةٍ، ولقلةِ ظهور آخرين في هذا الميدان من جهةٍ أخرى.
والحال أني كنت أتأمل في هذا الأمر بحيرةٍ وتعجُّبٍ منذ زمنٍ بعيد، وقد عرفتُ مؤخَّرًا الحكمةَ من إقبال الناس عليَّ برغم معايبي الجمَّة وعدم لياقتي بوجهٍ من الوجوه، وهي أن حقيقةَ رسائل النور والشخصية المعنوية لتلاميذها قد لفَتا نظرَ تلك الحاجة الماسَّة، فأقبل الناس عليَّ ظنًّا منهم أنني ممثلُ تلك الحقيقة البديعة والشخصيةِ الخالصة المخلصة، مع أن نصيبي منها باعتبار الخدمة الإيمانية لا يبلغ الواحدَ بالألف.
— 649 —
وبالرغم من أن هذا الإقبال ليس من حقي، بل يَضرُّ بي ويشُقُّ عليَّ، إلا أني كنت أرضى بهذا الضرر المعنوي وأوثر السكوت مراعاةً للحقيقة النورية وشخصيتها المعنوية؛ حتى إن الإمام عليًّا رضي اللّٰه عنه، والغوثَ الأعظم الشيخَ الگيلانيَّ قُدِّس سرُّه، وسواهما من الأولياء حين أَخبروا - بإلهامٍ إلٰهيٍّ وإشاراتٍ غيبيةٍ - عن رسائل النور التي تمثِّل مرآةً للمعجزة المعنوية للقرآن الحكيم في هذا الزمان، وأخبروا عن الشخصية المعنوية لطلابها الخُلَّص، أَوْلَوا شخصيَ البسيطَ اعتبارًا بالنظر لخدمتي للرسائل؛ غير أني أخطأتُ إذْ لم أُؤَوِّل ثناءهم عليَّ في بعض المواضع، ولم أحوِّله إلى رسائل النور؛ ومَردُّ خطئي هذا ضعفي، والرغبةُ في نيلِ الثقة بكلامي، وعدمِ الإكثار من الأسباب التي تدفع لانفضاض الأعوان من حولي، فقبلتُ بعضَ مديحهم بحقي ظاهرًا لا غير.
إنني أذكركم ألَّا داعي للطعن في شخصي أنا الفاني الواقف بباب قبري، ولا لزوم لإيلائي كلَّ هذه الأهمية، ولكن حذارِ أن تجابهوا رسائل النور، فإنكم لا تطيقون ذلك، ولا تستطيعون التغلب عليها؛ وإنكم بمجابهتها إنما تضرون الشعب والوطن، لكن لا تستطيعون تفريق تلاميذها؛ فإن أجدادنا السابقين في هذا الوطن قدموا قرابة الخمسين مليون شهيدٍ في سبيل الحفاظ على الحقيقة القرآنية، ولن تستطيعوا أن تحملوا أحفادهم على التخلي عنها في هذا الزمان، أو التخلي عن بطولاتهم الدينية المجيدة في نظر العالَم الإسلامي؛ بل حتى وإن تخلَّوا عنها ظاهرًا، فإن هؤلاء التلاميذ الخُلَّص مرتبطون بتلك الحقيقة قلبًا وروحًا، ولن يتخلَّوا عن رسائل النور التي تمثل مرآةً لها، فيضروا - بتخلِّيهم هذا - الوطنَ والشعبَ والأمنَ والاستقرار.
وآخر قولي:
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
٭ ٭ ٭