السيرة الذاتية
— 626 —

مقتطفاتٌ من الدفاع الكبير

﴿ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
وبهِ نَستَعِين
أُعيدُ مضطرًّا تقديمَ لائحةِ اعتراضي هذه ردًّا على لائحة الادعاء، وقد سبق أن قدمتُها إلى المحكمة وقدمتُ صورةً عنها إلى الجهات الرسمية بأنقرة بعد صمتٍ دام ثماني عشرة سنة.
لِيُعلَمْ أن الكلام الذي سأقوله الآن هو عينُ الحقيقة، وهو خلاصةُ دفاعٍ موجَزٍ سبق أن أدلَيتُ به ثلاثَ مراتٍ في "قسطموني" حين فُتِّشَ منزلي فيها، مرةً للمدعي العام والمفتش اللَّذين جاءا لتفتيش منزلي، ومرةً لمُدَّعٍ ومفتِّشٍ آخَرَين سوى هذين، ومرةً ثالثةً لقائد الشرطة وعددٍ من ضباطه وعناصره؛ وأدلَيتُ كذلك في "إسبارطة" ردًّا
— 627 —
على أسئلة المدعي العام؛ وقلتُه كذلك في "دَنِزْلي" و"أفيون" ردًّا على محكمتَيهِما؛ وخلاصته ما يلي:
قلتُ لهم: إنني أعيش منزويًا منذ حوالي عشرين سنة، وقد بقيتُ طَوالَ هذه المدة تحت الرقابة والمتابعة الدائمتَين، سواءٌ في "قسطموني" التي أقمتُ بها ثماني سنواتٍ في منزلٍ مقابلٍ لمخفر الشرطة، أو في غيرها من الأماكن، فضلًا عن أن منزلي فُتِّش عدة مراتٍ، ومع هذا كلِّه لم تُرَ مني أيَّةُ أمارةٍ أو بادرةٍ تتصل بالدنيا أو بالسياسة؛ فلو كان ثمة شيءٌ من هذا القبيل، ثم لم تعلم به جهات الشرطة والقضاء، أو عَلِمتْ به وتجاهلتْه، لكانت هي المسؤولةَ أكثر مني بلا شكٍّ؛ وإن لم يكن مني شيءٌ من ذلك، فلماذا تتعرضون لي من غير موجبٍ، وبما يضرُّ الوطن والشعب، مع أنه لا يُتعَرَّضُ في العالَم كلِّه للمنزوين المنشغلين بآخرتهم؟!
نحن تلاميذَ رسائل النور لا يمكن أن نجعل رسائلَ النور أداةً للتيارات السياسية، بل ولا حتى للعالَم بأسره؛ ثم إن القرآن قد منعَنا من السياسة بشدة.
أجل، وأما وظيفة رسائل النور فهي خدمةُ القرآن بالحقائق الإيمانية، والبراهين القوية القطعية التي تَضطرُّ أعتى الفلاسفة الزنادقة إلى الإيمان، والتصدي للكفر المطلق الذي يدمر الحياة الأبدية، ويحيل الحياة الدنيوية سُمًّا زُعافًا؛ فلأجل هذا لا يمكن أن نتخذ رسائل النور أداةً لأيِّ شيء.
فأولًا: إكرامًا لحقائق القرآن النفيسة كالألماس لئلا تُهان، وصونًا لها من أن تنحطَّ في نظر أهل الغفلة إلى قطعِ زجاجٍ بتوهُّم الدعاية السياسية.
وثانيًا: منعَتْنا كذلك الشفقةُ والحقُّ والحقيقةُ والوجدان، وهي من جوهر مسلك رسائل النور، منعَتْنا بشدةٍ من السياسة ومن المساس بالأمن؛ لأنه يرتبطُ بكلِّ واحدٍ أو اثنين من اللادينيين الذين سقطوا في الكفر المطلق واستحقوا الصفعات والمصائب، سبعةٌ أو ثمانيةٌ أبرياء ما بين أطفالٍ ومرضى وشيوخ، فإذا وقعت الكارثة وحَلَّت المصيبة اكتوى بنارها هؤلاء المساكين أيضًا.
— 628 —
هذا فضلًا عن أننا مُنعنا بشدةٍ من التدخل في الحياة الاجتماعية عن طريق السياسة بما يَضرُّ بالأمن والاستقرار، لأن حصول نتائج هذا العمل أمرٌ مشكوكٌ فيه.
وثالثًا: ثمة خمسةُ أُسسٍ تعدُّ ضروريةً ولازمةً لسلامة الحياة الاجتماعية لهذا الوطن والشعب من الفوضوية في هذا الزمان العجيب، ألا وهي: الاحترامُ، والرحمةُ، واجتنابُ الحرام، والأمنُ، والالتزامُ بالنظام وترك التسيُّب.
وإن رسائل النور عندما تنظر إلى الحياة الاجتماعية، ترسِّخ هذه الأسس الخمسة وتُحكِمها بصورةٍ قويةٍ وقدسيةٍ في آن، فتحافظ بذلك على ركيزة الأمن والاستقرار؛ والدليل على هذا أنها خلال عشرين سنةً جعلت من مئةِ ألفِ شخصٍ أفرادًا ينفعون الوطن والشعب ولا يضرونهما؛ وولايتا "إسبارطة" و"قسطموني" خيرُ شاهدٍ على هذا.
وعليه فإن معظم الذين يتعرضون لرسائل النور إنما يَخونون - بعلمٍ أو بجهلٍ - الوطنَ والشعبَ والحاكميةَ الإسلامية خدمةً لمصالح الفوضوية.
وإن رسائل النور التي حققت - بأجزائها المئة والثلاثين - مئةً وثلاثين منفعةً وحسنةً جليلةً لهذا الوطن، لا يمكن أن تَقدح فيها أضرارٌ متوهَّمةٌ من رسالتين أو ثلاثٍ منها مما يظنُّ أهل الغفلة بنظرهم السطحي أن عليها مآخذ، ومَن يقدح فيها بناءً على هاتين الرسالتين أو الثلاث فإنما هو ظالمٌ قد بلغ من التجني غايتَه.
وإن ظننتم اللادينيةَ نوعًا من السياسة، وقلتم كما قال بعضهم بهذا الخصوص: "إنك برسائلك هذه تُنَغِّص علينا ملذاتنا وتُفسِد مدنيتَنا"، فإني أقول لكم: لا يمكن لأيِّ شعبٍ أن يعيش بلا دين، وهذا دستورٌ عامٌّ جارٍ في العالَم كلِّه، لا سيما إن كان الكفر مطلقًا، فإنه يورِث في الدنيا عذابًا أشدَّ إيلامًا من جهنم، وهذا أمرٌ قد أثبتَتْه بصورةٍ قطعيةٍ إحدى رسائل النور، وهي "رسالةُ مرشد الشباب" التي طُبِعت مؤخَّرًا بإذنٍ رسميٍّ.
وإن المسلم إذا ارتد - والعياذ باللّٰه - هوى في الكفر المطلق، إذْ لا يبقى في الكفر المشكوك الذي يتيح لصاحبه عَيشًا بدرجةٍ ما، ولا يكون كمَلاحِدة الأجانب؛ وأما من حيث لذائذ الحياة فينحطّ مئةَ درجةٍ دونَ الحيوانات التي لا تعرف ماضيًا ولا مستقبلًا؛ لأن موت الموجودات - سواءٌ منها السابقة أو اللاحقة - ومفارقتَها إيَّاه فراقًا أبديًّا يُمطر
— 629 —
قلبَه على الدوام بآلامٍ وفراقاتٍ لا حدَّ لها نتيجةَ ضلالته؛ لكن إذا جاء الإيمان وخالطتْ بشاشتُه القلبَ، سَرَتِ الحياةُ فجأةً فيما لا يُحدُّ من هؤلاء الأصحاب، فقالوا بلسان حالهم: نحن لم نَمُت ولم نَفنَ؛ وعندئذٍ تنقلب تلك الحالة الجهنمية إلى لذةٍ من لذائذ الجنة.
فما دامت هذه هي الحقيقة فإني أقول لكم محذِّرًا: لا تجابهوا رسائلَ النور المستندةَ إلى القرآن.. فإنها لا تُغلَب، وإلا ارتحلَتْ إلى مكانٍ آخر فنَوَّرَتْه، وقيل: واأسفاه على هذا البلد!! (حاشية): إن وقوعَ أربعة زلازل رهيبةٍ بالتزامن مع مجابهة الرسائل يُثبِت حكمَ "وا أسفاه" هذه.
ألا إنه لو كانت لي رؤوسٌ بعدد شعر رأسي، فقُطِع في كلِّ يومٍ واحدٌ منها، لما أحنيت هذا الرأس الذي نذرتُه للحقيقة القرآنية، وما طأطأتُه أمام الزندقة والكفر المطلق، وما تخليتُ عن هذه الخدمة القرآنية والنورية، بل لا أستطيع التخلي عنها.
والحاصل أن رسائل النور التي تستند إلى الحقيقة العرشية للقرآن الكريم، والتي ما فتئت منذ ثلاثين سنةً تجتث الكفر المطلق من جذوره - ذلك الكفر الذي يقضي على الحياة الأبدية، ويُحيل الحياة الدنيوية سُمًّا زُعافًا، ويُنغِّص لذائذها - والتي وُفِّقت في القضاء على الأفكار الكفريَّة الرهيبة للطبائعيين، والتي أثبتت دساتيرَ سعادة الحياتَين لهذا الشعب بحُججها الباهرة وبصورةٍ مشرقة.. ندَّعي - ونحن مستعدون لإثبات ما ندَّعي - أنه لو وُجِد فيها ألفُ مأخَذٍ لا واحدٌ أو اثنان في رسالةٍ صغيرةٍ، لتكفَّلتْ بالعفو عنها حسناتُها العظيمة التي تبلغ الآلاف.
وما دامت مبادئ الجمهورية لا تتعرض للملحدين عملًا بقانون حرية المعتقد الديني، فلا بد لها من بابٍ أولى ألا تتعرض للمتديِّنين الذين لا يتدخلون في أمور الدنيا ولا يجابهون أهلها، والذين يجتهدون ما بوسعهم للعمل لآخرتهم وإيمانهم ولوطنهم أيضًا بصورةٍ نافعة.
ونحن نعلم عن أهل السياسة الذين يحكمون آسيا مهدَ الأنبياء أنهم لا يمنعون ولا يستطيعون أن يمنعوا التقوى والصلاح اللذَين يشكِّلان حاجةً ضروريةً لهذا الشعب منذ ألف سنة، شأنهما شأن الغذاء والدواء.
— 630 —
إن من مقتضى الإنسانية غَضَّ الطرف عن المآخذ الموجودة في مسائل عَرَضَ لها رجلٌ منزوٍ منذ عشرين سنة، وناقشها قبل انزوائه بعشرين سنة أخرى وفق عقلية "سعيدٍ القديم"، ولم تعد تناسب أسلوب المتلقِّين في هذا الزمان؛ وإن واجبي الوطني يُحتِّم عليَّ أن أذكِّركم بما يلي مراعاةً لمصلحة الوطن والشعب والاستقرار، فأقول:
إن توقيفَنا وتشويه سُمعتنا ومصادرةَ رسائل النور لأسبابٍ تافهة، من شأنه أن ينعكس على كثيرين ممن قدموا لهذا الوطن واستقراره منافعَ دينيةً جمة، فيدفعهم إلى مناوأةِ من يديرون البلاد، ويفتح الباب على مصراعيه أمام الفوضوية؛ نعم، فالذين أنقذوا إيمانَهم بفضل رسائل النور وأصبحوا أفرادًا نافعين لهذا الشعب لا يتأتى منهم ضرر، قد باتوا يَربون على مئة ألف، وهم ينتمون إلى كلِّ طبقةٍ من طبقات الشعب، ويوجدون - تقريبًا - في كلِّ مديريةٍ من مديريات حكومة الجمهورية، وهم أفرادٌ نافعون يتحلَّون بالاستقامة والنزاهة، والأَولى بحق هؤلاء أن يتلقوا الحماية لا الطعن والتشويه؛ وإن ما يقوم به فريقٌ من المسؤولين الرسميين الذين لا يصغون لشكوانا ويمنعوننا من الكلام ويضيِّقون علينا بشتى الذرائع، يثير لدينا هواجس قويةً بأنهم يُفسِحون المجال للفوضوية كي تعيث في الوطن فسادًا.
ثم إنني أقول باسم مصلحة الحكومة: ما دام الشعاع الخامس قد خضع للتدقيق من قِبَل كلٍّ من محكمتَي "دَنِزْلي" وأنقرة، ثم أُعيدَ إلينا من غير أن يُتعرَّض له، فمن الضروريِّ المؤكَّد بالنسبة لمن يديرون شؤون البلاد ألا يُعاد النظر فيه رسميًّا من جديد، وألا يُفتَحَ فيه باب القيل والقال ثانيةً؛ ومثلما أخفينا هذه الرسالة قبل أن تقع بيد المحكمة وتَشتَهِر، فينبغي على إدارة ولاية "أفيون" ومحكمتها ألا تجعلها موضعَ نقاشٍ، لأنها رسالةٌ قويةٌ لا تُرَدّ، وقد أَخبرتْ عن أمرٍ قبل وقوعه فصَدَقتْ، فضلًا أن هدفها لم يكن دنيويًّا، غير أن معنًى من معانيها المتعددة قد انطبق - بشكلٍ أو بآخر - على شخصٍ قد طواه الموت.
إن ضميري يدفعني لتنبيهكم - مراعاةً لمصلحة الوطن والشعب وإدارة البلاد واستقرارها - إلى أنه لا ينبغي أن يُعطى هذا الإخبار والمعنى الغيبيَّان صفةً رسميةً، ولا
— 631 —
يُفسَح المجال لمزيدٍ من إشهار هذه الرسالة بمؤاخذتنا بها.. أجل، لا ينبغي أن يقع هذا لمجرَّد التعصُّب الأعمى لذلك الشخص.
ألا إنه ما ينبغي في هذه المسألة أن تُهاجَم رسائل النور لخطأٍ صَدَرَ مني أو من بعضِ إخواني، فإنها موصولةٌ بالقرآن مباشرةً، والقرآن موصولٌ بالعرش الأعظم، فمَن له أن يَطولَ تلك العروةَ الوثقى فيفصِمَها؟!
ثم إن رسائل النور قد تحقَّقتْ خدمتُها الباهرة وبركاتُها المادية والمعنوية في هذه البلاد بإشاراتِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنية، وبكراماتٍ غيبيةٍ ثلاثٍ للإمام عليٍّ رضي اللّٰه عنه، وبإخبارٍ قطعيٍّ من الغوث الأعظم، وما دامت كذلك فليستْ مسؤولةً عن أخطائنا الشخصية التافهة، بل لا يمكن ولا ينبغي أن تكون مسؤولةً عنها، وإلا حاق بهذه البلاد ضررٌ ماديٌّ ومعنويٌّ لا يمكن تلافيه.
إن الهجمات والمخطَّطات التي يدبِّرها بعضُ الزنادقة من أعدائنا العاملين في الخفاء، ويديرونها بخبثٍ شيطانيٍّ ضدَّ رسائل النور ستَفشل بإذن اللّٰه؛ وإن تلاميذ رسائل النور لا يُقاسون على غيرهم، فليسوا ممن تُفرَّق صفوفهم أو ممن يُحمَلون على تركِ دعوتهم، إنهم - بعنايةِ اللّٰه - لا يُغلَبون؛ ولولا أن القرآن منعهم من الدفاع المادي، لوجدتم منهم ردودًا لا تُقاس بحوادثَ محدودةٍ عقيمةٍ كحادثة "الشيخ سعيد" وحادثة "مَنَمَن"، إذ إنهم موجودون في كلِّ مكان، ويَحظَون بالثقة والتقدير لدى عموم الناس، وهم بمثابةِ عصب الحياة لهذا الشعب، وإنه - لا قدَّر اللّٰه - إنْ نزل بهم ظلمٌ يجعلهم في حالة الاضطرار القطعيِّ للدفاع عن النفس، لَيَنْدَمَنَّ الزنادقة والمنافقون المضلِّلون للحكومة ندامةً ما بعدها ندامة.
والحاصل: لا يتعرَّضنَّ أهلُ الدنيا لآخرتِنا ولا لخدمتنا الإيمانية ما دمنا لا نتعرَّض لدنياهم.
أجل، إننا جماعةٌ هدفنا وبرنامجنا إنقاذُ أنفسنا ثم أبناءِ وطننا من الإعدام الأبدي والحبس الانفرادي البرزخي الدائميِّ، وحفظُهم من الفوضوية والتسيُّب، وتحصين أنفسنا بالحقائق الفولاذية التي تتضمنها رسائل النور في مواجهة الزندقة التي تقضي على الحياتين.
— 632 —
إن أقسى عقوباتكم التي ستُنزِلونها بي لا أهميَّة لها عندي، بل لا تساوي الحِبر الذي كُتِبَتْ به؛ فأنا عند باب القبر قد بلغتُ الخامسة والسبعين، ويالها من سعادةٍ عظمى أن أنال مرتبة الشهادة بدلًا من حياةٍ بسيطةٍ مظلومةٍ مدَّتُها سنةٌ أو سنتان!!
وإنني على إيمانٍ قطعيٍّ مؤيَّدٍ بآلاف الحجج في رسائل النور أن الموت عندنا ليس سوى مذكِّرة تسريحٍ وإعفاء، فإن كان الحكمُ هو الإعدامَ كما يبدو في الظاهر، فإنه بالنسبة إلينا مشقةُ ساعةٍ هي مفتاحُ سعادةٍ ورحمةٍ أبديَّتَين.
أما أنتم أيها الأعداءُ العاملون في الخفاء، والظَّلَمَةُ الذين ضلَّلتُم العدالة لصالح الزندقة، وشَغَلتم الحكومة بنا بغير سبب، ألا فَلْتَعلموا يقينًا وَلْتَرتعدوا خوفًا أنكم محكومون بالإعدام الأبدي والسجن الانفرادي المؤبَّد.. إننا نرى كيف يُنتَقَمُ لنا منكم أضعافًا مضاعفةً لدرجة أننا نَرثي لحالكم.
أجل، إن حقيقة الموت التي أفرغَتْ هذه المدينةَ في المقابر مئات المرات لا بدَّ أنها تطلُب مطلبًا وراء هذه الحياة، وإن الحاجة إلى حلٍّ يُخلِّصُ من إعدام الموت هي حاجةٌ ضروريةٌ قطعيَّةٌ أعظمُ وأهمُّ وألزَمُ من جميع قضايا البشر؛ ولقد وجد تلاميذ النور هذا الحلَّ، وقدَّمتْه رسائل النور بآلاف الحُجج، أفلا يدري الذين يتَّهمون رسائلَ النور وتلاميذَها بذرائع واهيةٍ أنهم هم المتَّهَمون بنظر الحقيقة والعدالة؟! إنه لأمرٌ يدريه حتى المجانين.
إن رجلًا وعى قبل ثلاثين سنةً فداحةَ الضررِ الذي تنطوي عليه شُهرةُ الدنيا المؤقتةُ وجاهُها الزائل، والعُجْبُ وحُبُّ الظهور المُشْبَعان بالأنانية، ووعى مبلغَ تفاهةِ ذلك كلِّه وعدمَ جدواه، أجل، وعى ذلك بعنايةِ اللّٰه وفيض القرآن وللّٰه الحمد بلا حد، فَأخذَ منذ ذلك الحين في مجاهدة نفسِه الأمارة بكلِّ ما أوتي من قوة، واجتهد ما بوسعه لاجتناب التصنع والرياء، وكسْرِ الأنانية بالفناء عن الذات، وهو الأمر الذي يعرفه ويَشهَد له به قطعًا كلُّ مَن لازَمَه أو صاحَبَه؛ وفرَّ منذ عشرين سنةً أشدَّ الفِرار مما يُعجِب كلَّ إنسانٍ من حُسْنِ ظنِّ الناس وإقبالهم ومدحهم وثنائهم، كما فرَّ مِن عَدِّ نفسِه صاحبَ مقامٍ معنويٍّ خلافًا لما يفعلُه كلُّ إنسان؛ ورَدَّ حُسْنَ الظنِّ الذي أولاه
— 633 —
إياه خُلَّصُ إخوانه وتلاميذه وخواصُّهم، وكسَر بذلك خواطرَهم؛ كما ردَّ مدحَهم له وحُسْنَ ظنِّهم به في رسائله الجوابية إليهم؛ وجرَّد نفسَه من ادِّعاء الفضائل مُحيلًا إياها جميعًا على رسائلِ النور تفسيرِ القرآن، فأحالها بالتالي على الشخص المعنويِّ لتلاميذ النور، وعدَّ نفسَه مجرَّد خادمٍ بسيطٍ للنور.. نعم إن رجلًا هذه حالُه إنما يُثبِت قطعًا أنه لم يَحمل أحدًا على الإعجاب به، ولا سعى إلى ذلك ولا طلبه، بل رَدَّه.
فبأيِّ قانونٍ يا ترى تُحمَّل المسؤوليةُ على هذا الرجل المسكين المريضِ الهَرِم الغريبِ المنزوي، فيَقتحِم المفتشون غرفتَه ويَكسِرون قفل بابه، وكأنه ارتكب جنايةً عظمى، لمجرد أن بعض أصحابه المقيمين في مكانٍ بعيدٍ منحوه حُسْنَ ظنٍّ فوقَ حدِّه، فمدحوه وأَولَوه مقامًا بغير رضاه؟!
على أن المفتشين لم يعثروا على حجَّةٍ يُبرِّرون بها فَعلتهم سوى أورادِ هذا الرجل ولوحتَين مُعلَّقتَين عند رأسه، فأيُّ قانونٍ وأيَّةُ سياسةٍ في الدنيا يسمحان بمثل هذا الاعتداء؟!
ثم إنه بناءً على قانون الحريات لم يُتعرَّض لنشر كتب الملحدين ومنشورات الشيوعيين بالرغم من عظيم ضررها على الوطن والشعب والأخلاق، أما رسائل النور التي لم تَعثر فيها ثلاث محاكم على مادةٍ تكون محلَّ مسؤولية؛ والتي تعمل منذ عشرين سنةً على تحقيق الأمن والاستقرار، وتأمين الأخلاق والحياة الاجتماعية للوطن والشعب؛ وتسعى جاهدةً على نحوٍ فاعلٍ لإعادةِ الأُخُوَّة والصداقة بين هذا الشعب والعالَم الإسلامي وتقويتها، ما يمثل نقطةَ استنادٍ حقيقيةً لهذا الشعب؛ والتي قُدِّمت إلى رئاسةِ الشؤون الدينية بأمرٍ من وزارة الداخلية بغرضِ أن ينتقدها العلماء، فنالت التقدير التام من غير انتقادٍ بعد ثلاثة أشهرٍ من التدقيق، وأُودِعت بعضُ أجزائها - كی"عصا موسى" و"ذو الفَقَار" - في مكتبةِ رئاسةِ الشؤون الدينية باعتبارها مؤلَّفاتٍ قيِّمة، كما شاهد الحجاج مجموعة عصا موسى في الروضة الشريفة كعلامةٍ على القبول.. فصُودِرت أجزاؤها وقُدِّمتْ إلى المحكمة على أنها منشوراتٌ خطيرة!! فأيُّ قانونٍ وأيُّ ضميرٍ وأيُّ إنصافٍ يسمح بهذا يا تُرى؟!
٭ ٭ ٭
— 634 —
لدي عدة نقاطٍ أقدمها إلى إدارة ولاية "أفيون" وشرطتها ومحكمتها:
الأولى: إن ظهور أكثر الأنبياء في الشرق وفي آسيا، ومجيء أغلب الحكماء في الغرب وفي أوروبا، إنما هو إشارةٌ من القدر الأزلي إلى أن الدين هو الحاكمُ في آسيا، وأن الفلسفة في الدرجة الثانية؛ وبناءً على رمزِ القدر هذا فإنه ينبغي على حكام آسيا - وإن لم يكونوا متدينين - ألا يتعرَّضوا لمن يخدمون الدين، بل عليهم أن يشجعوهم.
الثَّانية: إن القرآن الحكيم هو عقل هذه الكرة الأرضية وقوَّتُها المفكِّرة، فإنْ هو غادرها جُنَّتْ والعياذ باللّٰه، ولا يُستبعَد حينئذٍ أن يصطدم هذا الرأس الخالي من العقل بجرمٍ سَيَّارٍ فتقوم القيامة.
أجل، إن القرآن هو حبل اللّٰه، وهو السلسلة التي تربط العرش بالفرش، وهو يحفظ الأرض أكثر مما تحفظها قوة الجاذبية؛ وانطلاقًا من هذا فإن رسائل النور التي هي تفسيرٌ حقيقيٌّ قويٌّ للقرآن العظيم الشأن إنما هي معجزةٌ قرآنيةٌ لا تخبو، ونعمةٌ إلٰهيةٌ جليلةٌ في هذا العصر قد ظهرت آثارها على هذا الوطن والشعب منذ عشرين سنة؛ وينبغي على الحكومة أن تحميَها وتشجع على قراءتها بدلًا من أن تتعرض لها، وتصُدَّ طلابَها عنها وتحملَهم على تركها.
الثَّالثة: سبق أن وجهتُ سؤالًا لهيئة محكمة "دَنِزْلي" بناءً على ما يجري بين أهل الإيمان من عونٍ يقدِّمه لاحقوهم لسابقيهم، إذ يدعون لهم بالمغفرة، ويَهَبون الحسنات لأرواحهم.. قلتُ لهيئة المحكمة: بماذا ستجيبون مليارات المدَّعين من أهل الإيمان في المحكمة الكبرى إذا سألوكم وسألوا الذين يسعون لإدانةِ وإيذاءِ طلاب النور الذين يخدمون حقائق القرآن:
لماذا تغضُّون الطرف عن منشورات الملحدين والشيوعيين، وجمعياتهم ومنظماتهم التي تُصدِّر الفوضوية، ولا تتعرضون لهم بمقتضى قانون الحريات، بينما تعملون لإلحاق الأذى بطلاب رسائل النور سجنًا وتضييقًا، وهم الذين يسعون لإنقاذ الوطن والشعب من الفوضوية والإلحاد والتحلل الخُلقي، ويسعون
— 635 —
لإنقاذ أبناء وطنهم من الإعدام الأبدي للموت؟! نعم، لماذا تفعلون ذلك؟ ونحن كذلك نسألكم السؤال نفسَه.
قلت لهم هذا، فأصدرت تلك الهيئة العادلة المنصفة قرار البراءة بحقنا، وأظهرتْ عدالةَ القضاء.
الرَّابعة: كنتُ أنتظر أثناء استجوابي - سواءٌ في أنقرة أو في "أفيون" - أن أُستشار في قضيةٍ جليلةٍ، وفي مدى خدمةِ الأنوار لهذه القضية؛ أعني إيجادَ حلولٍ تعيد لأبناء هذا البلد أُخوَّتهم السالفة مع ثلاثمئةٍ وخمسين مليون مسلمٍ، وتُكسِبهم محبتَهم وحسنَ ظنهم وعونَهم المعنوي كما كانوا في الماضي؛ وهو الأمر الذي تُقدِّم فيه رسائلُ النور أنجعَ حلٍّ وأقوى وسيلةٍ، بدليل أن عالِمًا جليلًا من مكة المكرمة قد ترجم في هذا العام أجزاء مهمةً من رسائل النور إلى كلٍّ من الهندية والعربية، وبعث بها إلى الهند وإلى بعض البلاد العربية، موضِّحًا أن رسائل النور تعمل على تحقيق الأُخُوَّة والوحدة الإسلاميتَين اللتين هما أقوى نقطة استنادٍ لنا، وتُبيِّن أن الشعب التركي يتبوأ على الدوام موقعَه المرموقَ في الدين والإيمان.
وكذلك كنتُ أنتظر أن أُسأَل عن دور الأنوار في التصدي لخطر الشيوعية التي انقلبت فوضويةً في بلادنا، وكيف يُحفَظ هذا الوطن المبارك من هذا السيل الجارف.
بلى، بينما كان يلزم أن أُسأل مثل هذه المسائل التي هي من الأهمية بمكانٍ كالجبال، إذا بهم يطرحون مسائلَ تافهةً لا تساوي جناح بعوضة، وليست بمحل مساءلةٍ قانونيةٍ أصلًا، وإنما هي مسائل شخصيةٌ بسيطةٌ ضُخِّمت بافتراءاتِ المغرضين الذين جعلوا من الحبة قبابًا لا قبةً، وجعلوها وسيلةً لإذاقتي معاناةً لم أقاسِ مثلَها في مثل هذه الظروف الصعبة طَوالَ حياتي.
لقد سُئِلنا نفسَ المسائل التي سبق أن سألتْنا إياها ثلاث محاكم وبرَّأتنا على إثرها، كما سُئِلنا أسئلةً تافهةً حول مواضيع شخصيةٍ بسيطة.
— 636 —
الخامسة: إن رسائل النور لا تُجابَه ولا تُغلَب، وما فتِئت منذ عشرين سنةً تُسكِت أعتى الفلاسفة، وتُجلِّي حقائقَ الإيمان كالشمس، فينبغي على من يحكمون هذه البلاد أن يستفيدوا من قوتها.
السادسة: إن الطعنَ فِيَّ من خلال عيوبي الشخصية، والحطَّ من شأني في نظر العامة من خلال تجريحي وتشويه سمعتي، لن يضر رسائلَ النور شيئًا، بل ربما قوَّاها من جهةٍ أخرى؛ لأن لها مِن نُسَخِها مئةَ ألفِ لسانٍ باقٍ بدلًا من لساني الفاني الوحيد، فهي بها ناطقةٌ لا تسكت، ولها من خُلَّص طلابها مَن سيُديمون - بآلافِ ألسنتهم البليغةِ - تلكَ الوظيفةَ النوريةَ القدسيةَ الكُلِّيةَ إلى يوم القيامة كما أداموها إلى اليوم.
السابعة: سبق أن ادَّعيتُ مبرهِنًا بالحُججِ في محاكم سابقةٍ أن أعداءنا العاملين في الخفاء، ومعارضينا الرسميين وغيرَ الرسميين، الذين يُضلِّلون الحكومة، ويثيرون مخاوفَ فريقٍ من كبار المسؤولين، ويحرِّضون الأجهزة القضائية علينا، هم إما واهمون متوجِّسون بشكلٍ مُزرٍ، وإما مخدوعون، وإما صُنّاعُ قلاقِلَ واضطراباتٍ يعملون لصالح الفوضوية وليس في قلبهم ذرة رحمة، وإما زنادقةٌ مَكَرَةٌ يحاربون الإسلام وحقيقةَ القرآن محاربةَ المرتدين، وهم لكي يهاجمونا أطلقوا على الاستبداد المطلَق اسمَ "الجمهورية"، ومرَّروا الارتدادَ المطلَق تحت اسم "النظام"، وسَمَّوا التحلُّلَ والرذيلةَ: "مدنيَّةً"، والأوامرَ المزاجيَّةَ الكُفريَّةَ: "قانونًا"، فضلَّلوا الحكومة، وشَغَلوا القضاء بنا بغير طائل، ونَیكَبونا؛ ونحن نرفع أمرَهم إلى سَطوةِ القهار ذي الجلال، مُحصِّنين أنفسَنا من شرِّهم بقلعة: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
الثامنة: أرسل الروس في العام الماضي عددًا كبيرًا من الحجاج إلى الحج، وروَّجوا من ذلك حملةً دعائيةً مفادها أن الروس يحترمون القرآن أكثر من غيرهم، وسَعَوا بهذا لتأليب العالَم الإسلامي على أبناء هذا الوطن المتديِّنين فيما يتعلق بأمر الدين؛ غير أنه بالتزامن مع هذا كانت رسائل النور تنتشر شيئًا فشيئًا في مكة المكرمة والمدينة المنورة ومصر ودمشق وحلب، وتَلْقى التقدير من علمائها، فتكسر حملة الشيوعيين تلك، وتُظهِر لأبناء العالَم الإسلامي أن أخاهم الشعبَ التركيَّ متمسكٌ
— 637 —
بدينه وقرآنه كما كان في سالف عهده، وأنه بالنسبة إلى سائر أهل الإسلام بمثابة الأخ الكبير المتمسك بدينه، وأنه قائدٌ بطلٌ في خدمة القرآن.
نعم، لقد جَلَّت رسائل النور هذه الحقيقة في تلك الحواضر والمراكز ذات الأهمية والقدسية، فإذا قوبلت هذه الخدمة الوطنية الجليلة بكلِّ هذا العسف والأذى.. أفلا يُغضِبُ ذلك حتى الأرضَ نفسَها؟!
التاسعة: وهي خلاصةٌ موجزةٌ لمسألةٍ سبق إثباتها وإيضاحها في مدافعات "دَنِزْلي"، وهي أن ثمة قائدًا خطيرًا استطاع بدهائه وذكائه أن يَنسُب حسناتِ الجيش لنفسه، ويعزوَ سيئاته هو إلى الجيش، فتضاءلت الحسنات والبطولات التي هي بعدد الجنود فصارت واحدةً، وتضاعفت سيئةُ القائد بعزوها إلى الجنود فصارت بعددهم!! وفي هذا من الظلم الشنيع ومخالفة الحقيقة ما لا يخفى على أحد؛ ولقد هاجَمَني لأجل هذا مُدَّعٍ عامٌّ في محاكم سابقة، وساءَتْه الصفعاتُ التي وجَّهَها لهذا القائد حديثٌ شريفٌ بيَّنتُه قبل أربعين سنة، فقلتُ لهذا المدعي العام: صحيحٌ أنني أطعن في هذا القائد بناءً على ما جاءت به الأحاديث، غير أني أصون شرف الجيش وأُبرِّئ ساحته من تلك الأخطاء الفادحة؛ أما أنت فتطعن في شرف هذا الجيش الذي كان حاملًا للواء القرآن وقائدًا بطلًا لعالَم الإسلام، وتشطب حسناته مراعاةً لخاطر شخصٍ واحدٍ صديقٍ لك!! أعني ذلك القائد.
وعسى أن يكون ذلك المدعي قد ثاب إلى العدل والإنصاف وأقلع عن الخطأ.
العاشرة: لقد ترافع سيدنا عليٌّ كرم اللّٰه وجهه أيام خلافته مع يهوديٍّ في المحكمة وتقاضيا انطلاقًا من أن الحاكم في القضاء هو العمل باسم الحق وحدَه للحفاظ على حقيقة العدالة، والحفاظ على حقوق جميع المراجعين بلا تفريق.
وقد حصل مرةً أنّ أحد القضاة أمرَ عامله أن يقطع يدَ سارقٍ وجَب في حقه القطع، فرآه يقطعها بحدَّةٍ وغضب، فعزله في الحال، وقال بأسفٍ شديد: إن مَن يُقحِم مشاعرَه على هذا النحو باسم العدالة هو ظالِمٌ ظلمًا فادحًا.
— 638 —
أجل، ليس له حين ينفذ حكم القانون أن يحتدَّ على المحكوم حتى وإن لم يكن مشفقًا عليه، فإن احتدَّ كان ظالمًا؛ بل إنْ كانت العقوبةُ القصاصَ، وقَتَل العاملُ الجانِيَ محتدًّا غاضبًا كان قاتلًا بنوعٍ ما كما أفاد ذلك القاضي العادل.
وعليه، فما دامت مثلُ هذه الحقيقةِ الخالصةِ المبَیرَّأةِ عن الغرض هي التي تسود المحكمة، فما بال المَعنيِّين هنا يوجِّهون الإهانات لطلاب النور، ويُعاملونهم بحِدَّةٍ وجفاءٍ، مع أنهم أبرياء محتاجون للسُّلوان ورأفة العدالة، وقد برَّأتهم ثلاث محاكم، ويَشهد لهم تسعون بالمئة من هذا الشعب بأماراتٍ جِدِّ كثيرةٍ أنهم أشخاصٌ نافعون للوطن والشعب لم يتأتَّ منهم ضرر!!
ولأننا قررنا أن نواجه كلَّ مصيبةٍ وإهانةٍ بالصبر والتحمل، فقد سكتنا محيلين الأمر على اللّٰه عز وجل، وقلنا: عسى أن يكون في الأمر خيرٌ لنا، غير أني خشيتُ من هذه المعاملة السيئة التي يُعامَل بها أولئك الأبرياء المساكين بناءً على تقارير مغرضةٍ تثير الهواجس.. خشيتُ أن تصبح سببًا لحلول البلايا، فاضطررتُ لكتابة هذا الدفاع.
والحقيقة أنه إن كان في هذه القضية مسؤوليةٌ فهي مسؤوليتي، أما هؤلاء الإخوة المساكين فإنما ساعدوني ابتغاء مرضاة اللّٰه لأجل أن يُحرِزوا إيمانهم وآخرتهم لا غير، وهم إن كانوا يستحقون شيئًا فإنما يستحقون التقدير الجزيل، غير أنهم لقُوا من سوء المعاملة ما أثار الحِدَّة حتى من الشتاء نفسه.
ثم إن مما يثير الحيرةَ والعَجَب أن القوم عادوا إلى مزاعم وجود التنظيم من جديدٍ!! والحال أنه فضلًا عن وجود ثلاث محاكم دققت في هذه المزاعم وبرَّأتنا منها، فإنه لم تفلح أيَّةُ محكمةٍ أو شرطةٍ أو لجنة خبراء في العثور على أيَّةِ أمارةٍ تومئ إلى وجود تنظيمٍ بيننا يكون مدارَ اتهامٍ ما؛ كلُّ ما في الأمر أن بين طلاب رسائل النور أُخوَّةً أخرويةً مثلها مثلُ الأخوة التي تكون بين تلاميذِ معلِّمٍ، أو تربط بين طلابِ جامعةٍ، أو تجمع بين حفاظ القرآن لدى مقرئ، فمَن يصف هؤلاء بأنهم تنظيمٌ ويتهمهم بها، يلزمه أن ينظر إلى الحِرْفِيِّين وخريجي الجامعات والوعاظ على أنهم تنظيماتٌ سياسيةٌ كذلك.
— 639 —
ولهذا فلست أرى داعيًا للدفاع عن الإخوة الذين سُجِنوا هنا بسبب مثل هذه الاتهامات السخيفة التي لا أصل لها؛ غير أننا كما دافعنا ثلاث مراتٍ عن رسائل النور التي لها وثيقُ الصلة بهذا البلد وبالعالَم الإسلامي، والتي تَحقَّقت منافعُها الجمَّة وبركاتُها الغزيرة لهذا الوطن والشعب ماديًّا ومعنويًّا، فإنه لا يوجد أيُّ مانعٍ يمنعني من الدفاع عنها للسبب ذاته، ولا يوجد قانونٌ ولا سياسةٌ يمنعان من ذلك، بل ليس بمقدورهما ذلك.
أجل، نحن تنظيم.. وإنه لَتنظيمٌ عظيمٌ فريدٌ له في كلِّ قرنٍ ثلاثمئةٍ وخمسون مليون فردٍ ينضوون تحت لوائه، ويُعلنون بصلواتهم الخمس كلَّ يومٍ عن ارتباطهم به وخدمتهم له مع كمال الاحترام لمبادئه، ويسارعون لمساعدة بعضهم بعضًا بالأدعية والمكاسب المعنوية عملًا بالبرنامج القدسي: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
فنحن من أفراد هذا التنظيم القدسي العظيم، ووظيفتُنا الخاصةُ فيه أن نبلِّغ أهلَ الإيمان حقائقَ القرآن الإيمانيةَ بصورةٍ تحقيقية، فننقذَهم وننقذَ أنفسَنا من الإعدام الأبدي، ومن السجن البرزخي المؤبَّد الانفرادي؛ وليس لنا أيَّةُ علاقةٍ أو مناسبةٍ مع التنظيمات السريَّة الباطلة التي تتهموننا بها، ولا بغيرها من الجمعيات والمنظمات السياسية الدنيوية التي تحيك المؤامرات والمكائد، بل لا نتنزَّل لهذا أصلًا؛ وهذا أمرٌ دققتْ فيه أربع محاكم وأشبعتْه تمحيصًا، ثم حكمتْ ببراءتنا منه.
أجل، يعلم تلاميذ النور - وهو أمرٌ سبق أن بيَّنتُ الدلائل عليه في المحاكم - أنني أسعى وأجتهد لا لكسبِ مقامٍ أو شهرةٍ أو جاهٍ وسمعة، ولا لأنال مرتبةً أخرويةً أو معنويةً، بل لأُؤَدِّيَ خدمةً إيمانيةً لأهل الإيمان؛ وأنني في سبيل هذه الخدمة مستعدٌّ بكلِّ قناعتي وقوتي للتضحية لا بحياتي الدنيا ومقاماتي الفانية فحسب، بل حتى بحياتي الآخرة إن لزم الأمر، وبالمراتب الأخروية الباقية التي يطلبها كلُّ إنسان، بل أقبل - إن لزم الأمر - أن أترك الجنة وأدخل جهنم لأكون وسيلةً لإنقاذ بعض أهل الإيمان المساكين منها.
— 640 —
ومع أن هذا أمرٌ يعرفه إخواني الحقيقيون، وسبق أن أثبتُّه في المحاكم، إلا أن القوم باتهامهم إياي بهذه التهمة، وإسنادهم ما ينافي الإخلاص إلى خدمتي للنور والإيمان، وحطِّهم من قيمة الأنوار، يحرمون أبناء هذا الوطن من الحقائق الجليلة التي تنطوي عليها رسائل النور.
فيا عجبًا لهؤلاء الأشقياء الذين يظنون أن الدنيا أبديةٌ، ويحسَبون أن كل الناس مثلهم يتخذون الدين والإيمان أداةً للدنيا!! كيف ساغ لهم أن يجرِّموا رجلًا تحدى أهل الضلالة في العالَم، وضحى في سبيل الخدمة الإيمانية بحياته الدنيوية وبالأخروية إن لزم الأمر، ولم يستبدل بحقيقةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ مُلكَ الدنيا بأسرها كما أعلن أمام المحاكم، وفرَّ بكل قوته من السياسة ومن المراتب المادية والمعنوية التي يُشَمُّ منها معنى السياسة مراعاةً لسر الإخلاص، وترفَّع عن السياسة بمقتضى مسلكه الإيماني متحملًا صنوفًا من الأذى لا مثيل لها على مدى عشرين سنةً، ومن يعدُّ نفسَه - من حيث هي نفسٌ - دون طلابه بكثيرٍ، ويطلب منهم العون والدعاء على الدوام، ويرى نفسَه مسكينًا لا حول له ولا أهمية.. أجل، كيف ساغ لهؤلاء أن يجرِّموا رجلًا هذه حاله، لمجرد أن بعضًا من خُلَّص إخوانه نسبوا إليه في مراسلاتهم الخاصة بعضَ فضائل رسائل النور، في مقابل ما حصَّلوا منها من قوةٍ إيمانيةٍ فائقةٍ، مع أنه ليس سوى ترجمانها ومُبلِّغها الذي لا يملك من الأمر شيئًا، وأَولَوه من حسن ظنهم ما يفوق حدَّه بألف درجةٍ، فمنحوه مقامًا رفيعًا من قبيل ما اعتاده الناس، كقولهم لمن يحبون: "يا سيدي، ويا وليَّ نعمتي"، من غير أن يتبادر من هذا أيُّ معنًى سياسي، ومدحوه وأثنَوا عليه ببالغ المدح والثناء على سبيل الشكر بين الأساتذة والطلاب كما جرت العادة من قديم الزمان من غير اعتراضٍ ولا نكيرٍ، وكتبوا تقريظاتٍ تفيض مدحًا وإطراءً ذَيَّلوا بها كتبَه كما هي العادة الجارية منذ القديم في الكتب التي لقيت القبول؟!
ومع أنه رجلٌ يعيش وحيدًا غريبًا، وله الكثير من الأعداء، والكثير من الأسباب التي تصرف الناس عن مساعدته، إلا أنه لكي يعزز القوة المعنوية لدى إخوانه الذين يعاونونه في مواجهة معارضين أَلِدَّاء كُثْر، ولكيلا يَنفضَّوا من حوله، ولكيلا يُفتِّر همةَ
— 641 —
من بالغوا في مدحه، لم يردَّ المدحَ والثناء من أصله، وإنما أحال بعضَه على الأنوار لا غير.
لكن بالرغم من هذا كله يَعمِد بعض المسؤولين الرسميين إلى ما يقوم به هذا الرجل الهرِم على باب القبر من خدمةٍ إيمانيةٍ، فيعملون على تحويلها إلى وجهةٍ دنيوية، فما أبعدهم عن الحق والقانون والإنصاف؟!
آخر قولي: إني أعددتُ لكلِّ مصيبةٍ: إِنَّا للّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .
٭ ٭ ٭
وأبيِّن لمحكمة "أفيون" ولرئيس محكمة الجنايات، أنني قطعتُ علاقتي بالدنيا منذ زمنٍ بعيد، لأني لا أستطيع بفطرتي تحمُّلَ التحكُّمات من أحد، وأنَّ حياتي اليوم في ظلِّ كلِّ هذه التحكُّمات التي لا معنى لها ولا لزوم قد باتت شديدة الوطأة، فلا قدرة بي على العيش هكذا، وليس بمقدوري معاناة التحكمات من مئات الأشخاص الرسميين خارج السجن، لقد سئمت أسلوب الحياة هذا، وأطلب منكم جازمًا أن تُنزلوا بي عقوبة السَّجن، إذ ما دام القبر لا يتأتى لي، فالبقاء في السجن أولى بي.
وتعلمون أيضًا أن التهم الباطلة التي ساقها مقام الادعاء بحقي لا وجود لها، ولا تستوجب سَجني، وإنما الذي استوجب سجني في الحقيقة ذنبٌ عظيمٌ تجاه وظيفتي الحقيقية، فإن كان من المناسب أن تسألوني عنه فسلوني أُجِب.
أجل، إن هذا الذنب العظيم هو عدم قيامي بوظيفةٍ جليلةٍ كُلِّفتُ بها باسم الدين والوطن والشعب، فلم أقم بها لعدم التفاتي إلى الدنيا، وهذا جرمٌ لا يُغتفر بنظر الحقيقة، ولا أُعذَر بجهله؛ هذه هي القناعة التي تولدت لديَّ مؤخَّرًا في سجن "أفيون".
إن الذين يسعون لأن يطلقوا على العلاقة الأخروية الخالصة التي تربط تلاميذَ النور بالأنوار وترجمانها صفةَ التنظيم الدنيوي السياسي، ويسعون بالتالي لتحميلهم تبعاته، هم أبعد ما يكونون عن الحقيقة والعدالة، وهذا ما بينتْه ثلاثُ محاكم أصدرتْ قرارها بتبرئتنا، غير أننا مع هذا نقول:
— 642 —
إن أُسَّ الأساس للحياة الاجتماعية الإنسانية، لا سيما بين المسلمين، إنما هو المحبة الخالصة بين الأهل والأقرباء، والارتباطُ الوثيق بين القبائل والطوائف، والعلاقةُ المعنوية المبنية على التضحية بين إِخْوة الإيمان في الأمة الإسلامية؛ ولا يتأتى وصف تلاميذ النور بأنهم تنظيمٌ سياسيٌّ إلا بأمرين، أحدهما: إنكار هذه الروابط التي لا تقوم الحياة الاجتماعية إلا بها، والتي منها الروابطُ والالتزاماتُ والصلاتُ الوثيقة التي تربط المرء بالحقائق القرآنية وناشريها، وتنقذ حياته الأبدية؛ والأمر الآخر: تَبَنِّي الخطر الأحمر القادم من الشمال، وهو الخطر الذي ينثر بذور الفوضوية الرهيبة، ويُهلِك الحرث والنسل، وينتزع الأولاد من آبائهم مزيلًا القرابةَ والانتماء، ويمهد السبيل لإفساد المدنية الإنسانية والحياة الاجتماعية إفسادًا تامًّا.
ولأجل هذا يُعلن تلاميذ النور الحقيقيون عن علاقتهم القدسية بحقائق القرآن، وارتباطهم الوثيق بإِخْوة الآخرة، إعلانًا لا يشوبه تردُّد، ويقبلون كلَّ عقوبةٍ تَنزل بهم من جرَّاء هذه الأُخُوَّة، ولهذا يَجهَرون أمام المحكمة بالحقيقة صريحةً كما هي، ويترفَّعون عن أن يدافعوا عن أنفسهم بطريق الحيلة والتزلف والكذب.
٭ ٭ ٭
ذيلٌ على تتمةِ لائحةِ الاعتراض المقدَّمةِ إلى محكمة "أفيون"
ردًّا على لائحة الادِّعاء
أولًا: أُبين للمحكمة أنَّ لائحة الادِّعاء هذه قد بُنيت على أمرين اثنَين، أحدهما: لوائحُ الادعاء السابقةُ لدى محكمتَينا في كلٍّ من "أسكي شَهِر" و"دَنِزْلي"، والآخَر: التحقيقاتُ السطحية التي أجرتْها لجنةُ الخبراء عديمةُ الخبرة المتحاملةُ علينا، ولهذا أعلنتُ أمام محكمتكم أنني إن لم أُثبت وجودَ مئة خطأٍ في لائحة الادعاء هذه رضيت بسجني مئة سنة؛ ولقد أثبتُّ دعواي هذه، فإن شئتم قدمتُ لكم جدولًا فيه ما يزيد على مئة خطأ.
— 643 —
ثانيًا: أنه في أثناء سير إجراءات محكمة "دَنِزْلي"، ومع إرسال كتبنا وأوراقنا إلى أنقرة، كتبتُ إلى إخواني رسالةً وأنا في حالةٍ من القلق وخيبة الأمل متوقعًا أن يصدُر الحكم ضدنا، وقسمٌ من هذه الرسالة موجودٌ في آخر بعض دفاعاتي، وفيه: "اِشهدوا أن موظفي القضاء الذين يدققون رسائل النور بغرض انتقادها، إنْ هم قوَّوا إيمانهم أو أنقذوه بها، ثم حكموا عليَّ بالإعدام، فإني مسامحٌ لهم وهم في حِلٍّ مني؛ لأن وظيفة رسائل النور هي تقوية الإيمان وإنقاذُه، ونحن لسنا سوى خدمٍ مكلَّفين بأداء الخدمة الإيمانية من غير تفريقٍ بين عدوٍّ وصديق، ومن غير التحيز لأيَّةِ جهة".
وبناءً على هذه الحقيقة يا هيئة المحكمة، فلا ريب أن ما تتمتع به رسائل النور من حُجج قويةٍ لا تُجرَح، قد استمال إليها قلوب بعض رجال المحكمة، وإنكم مهما فعلتم بحقي فإني مسامحٌ لكم لا أنقِم عليكم؛ وإني لأجل هذا تحملتُ ما وُجِّه إليَّ من حملاتِ تجريحٍ وتشويهِ سمعةٍ لم أر مثلَها في حياتي في جوٍ من أشدِّ الظلم والاستبداد، أجل تحملتُها رغم أنها تثير حفيظتي، حتى إنني لم أدعُ بسوءٍ على من قاموا بها.
إن رسائل النور التي بأيديكم هي لائحة دفاعي التي لا تُرَد، ولائحةُ اعتراضي التي لا مطعن فيها، ردًّا على جميع الاتهامات الموجَّهة ضدنا، والجرائم المُسندةِ إلينا.
ومع أنه قد اطلع على رسائل النور علماءُ أجلّاءُ من مصر ودمشق وحلب والمدينة المنورة ومكة المكرمة، ومحَّصَ فيها العلماء المدققون في رئاسة الشؤون الدينية في هذا البلد، فقدَّروها واستحسنوها من غير انتقاد، إلا أن مما يثير العجب حقًّا أن يَذكر الشخصُ ذو الذكاء العجيب الذي نظم لائحة الادعاء ضدنا، أن القرآن مئةٌ وأربعون سورة!! وحسبكم بهذا الخطأ الفاحش دليلًا على مدى نظره السطحي.
وفضلًا عن هذا، فإنه برغم الظروف الصعبة التي واجهتها رسائل النور، وبرغم الهجوم الشرس الذي تعرضتُ له في أجواء الغربة والوحدة وتشتُّت الأحوال، إلا أنها نالت التصديق من مئات الآلاف من أهل الحقيقة، ومع هذا يأتي ذلك المدعي الذي لا يعرف حتى عدد سور القرآن، لينتقد الرسائل قائلًا: "إنها برغمِ محاولتها تفسيرَ القرآن
— 644 —
وتأويلَ الحديث، لكن بالنظر إلى ما تُعلِّمه للقارئ يتبين أن بعض أقسامها لا ينطوي على قيمةٍ علميةٍ"!! وحسبكم بهذا دليلًا على مدى مجافاة هذا الشخص للقانون والحق والحقيقة والعدالة.
ثم إني أتقدم إليكم بشكوى، وهي أنكم أجبرتمونا طَوالَ ساعتين على الاستماع إلى لائحة الادعاء ذات الأربعين صحيفةً بتمامها، مع ما تعجُّ به من مئات الأخطاء، وما تتضمنه من محتوى يجرح المشاعر، بينما لم تسمحوا بقراءة ردٍّ عليها مؤلَّفٍ من صحيفةٍ ونصف الصحيفة، يتضمن الحقيقة بعينها، ولا تستغرق قراءته دقيقتين، مع أننا ألححنا على قراءته؛ وإني لأجل هذا أطلب منكم باسم العدالة أن أقرأ لائحة اعتراضي كاملةً ردًّا على لائحة الادعاء.
ثالثًا: إن لكلِّ حكومةٍ معارضين، ولا يسمح القانون بالتعرض لهؤلاء ما داموا لا يَمَسُّون الأمن والاستقرار؛ فهل من الممكن لي ولأمثالي نحن الذين أعرضنا عن الدنيا وأقبلنا على الآخرة، أن نترك العمل لحياتنا الباقية وفق النهج الذي سلكه أجدادنا طَوالَ ألفٍ وثلاثمئةٍ وخمسين سنة، وفي دائرةِ التربيةِ القرآنية، وبالأسلوب الذي تسمح به الدساتير التي يقدِّسها ثلاثمئةٍ وخمسون مليون مؤمنٍ في كل حين، لنتبنى قوانينَ متحللةً تمخضت عنها المدنية الغربية، ودساتيرَ وحشيةً دمويةً كالتي لدى البلشفية، ونتخذَها مسلكًا بضغطٍ وكيدٍ من أعدائنا العاملين في الخفاء لمجرد حياةٍ دنيوية قصيرةٍ فانيةٍ؟! ألا إنه ليس في العالَم قانونٌ ولا إنسانٌ له ذرةُ إنصافٍ يُجبِرنا على قبول هذا المسلك.
على أننا نقول لهؤلاء: نحن لا نتعرض لكم، فلا تتعرضوا لنا.
وبناءً على هذه الحقيقة فإني أعلنها صريحةً بأننا - فكرًا وعِلمًا - لا نؤيد الأوامر التعسفية التي أصدرها باسم القانون زعيمٌ حوَّلَ مسجدَ "أيا صوفيا" إلى دارِ أوثان، وحوَّل "دارَ المشيخة الإسلامية" إلى ثانويةِ بنات.. أجل، لا نؤيد هذه الأوامر المزاجية، وأنا شخصيًّا لا أعمل بها.
ثم إنه رغم الظلم الشديد الذي تعرضتُ له في نفيِيَ المشحون بالأذى والعَنَت طَوالَ هذه العشرين سنة، لم نتدخَّل في السياسة، ولم نتعرَّض لشؤون الحكم والإدارة،
— 645 —
ولم نُخِلَّ بالأمن والاستقرار؛ بل لم تُسجَّل بحقنا واقعةٌ واحدةٌ تَمَسُّ الأمنَ والاستقرار، مع أن إخواني النوريين يبلغون مئات الآلاف.
إنني شخصيًّا قد سئمتُ العيشَ بسبب هذه المعاملة الجائرة التي تثير حفيظتي، وبسبب ما لقيتُ في غربتي وآخر عمري من أذًى وتجريحٍ وتشويه سمعةٍ لم أرَ مثله في حياتي؛ وكرهتُ أيضًا إطلاقَ السراح مع الإبقاء تحت التحكم.
ولقد سبق أن كتبتُ إليكم عريضةً لم أطالِب فيها ببراءتي كسائر الناس، بل طالبتُ فيها بسَجني، وطلبتُ منكم إنزال أشدِّ العقوبة لا أخفِّها، لأنه لا سبيل للخلاص من هذه المعاملة العجيبة التي لا مثيل لها إلا بأحد أمرين: القبر أو السجن، فأما القبر فلا يتأتى لي الآن، لأن الانتحارَ حرامٌ والأجلَ مُغيَّبٌ، فلهذا رضيتُ بالسجن الذي أنا رهينُ زنزانته المنفردة منذ ستة أشهرٍ؛ غير أني لم أتقدم إليكم بهذه العريضة مراعاةً لخواطر إخواني الأبرياء.
رابعًا: إنني أدعي دعوَى يُصدِّقها جميعُ ما كتبتُ في رسائل النور طَوالَ هذه الثلاثين سنةً من حياتي فيما سُمِّي "سعيدًا الجديد"، ويُصدِّقها أيضًا جميعُ ما وَرَدَ في هذه الرسائل من حقائق تتصل بشخصي، ويَشهَد لها الأشخاص والأصحاب المنصفون الذين تربطهم بی"سعيدٍ الجديد" صلةٌ وثيقة..
وهي أنني اجتهدتُ قدر المستطاع في منع نفسي الأمَّارة من المراءاة والتفاخر وحبِّ الشهرة؛ وأنني كثيرًا ما كسرتُ خواطرَ طلاب النور الذين أَولَوني حُسنَ ظنٍّ زائدٍ وجرحتُ مشاعرهم، وأعلنت لهم أنني لست سوى دلَّالٍ بسيطٍ في محلِّ مجوهرات القرآن لا أملكُ منه شيئًا؛ وأنني - بتصديق إخواني المقربين والأمارات التي شاهدوها - قررتُ أن أضحي في سبيل خدمتي الإيمانية لا بنَيلِ الجاه والشهرة والمقامات الدنيوية فحسب، بل حتى بالمقامات المعنوية الجليلة إن أُعطِيتُها، مخافةَ أن يشوبَ الإخلاصَ في خدمتي الإيمانية شائبةٌ من حظِّ نفسي، وتصرَّفتُ فعلًا بناءً على هذا الأساس؛ لكنكم برغم هذا كلِّه عَمَدتم في محكمتكم الموقرةِ هذه إلى ما أولانيه بعضُ إخواني من احترامٍ شديدٍ يفوق احترامهم لآباءهم، وقابلوني به كشكرٍ معنويٍّ منهم على ما
— 646 —
استفادوا من رسائل النور، فجعلتم منه محلَّ مُساءَلة كما لو أنه قضيةٌ سياسيةٌ كبرى، ودفعتم بعضَهم لإنكاره، وأسمعتمونا ما يَحار المرء من سماعه!!
أيمكن يا تُرى لرجلٍ مسكين لم يرضَ لنفسه شيئًا من المقامات وحسن الظن، ولم ير نفسه جديرًا بها، أن يُجرَّم لأن الآخرين مدحوه؟!
خامسًا: أقول لكم صراحةً: إن إلصاق تهمة التنظيم والعمل السياسي بطلاب النور الذين ليس لهم علاقةٌ بشيءٍ من التكتلات أو التنظيمات أو التيارات السياسية، إنما هو حربٌ تُشَنُّ علينا - بعلمٍ أو بجهلٍ - باسمِ جمعيةِ زندقةٍ سريةٍ تحارب الإسلام والإيمان منذ أربعين سنة، وباسمِ بلشفيةٍ ترعى الفوضوية في هذا الوطن.
وبغض النظر عن أن محكمة "أسكي شَهِر" حكمت عليَّ بالسجن سنةً كاملةً، وعلى خمسةَ عشر شخصًا من أصل مئةٍ وعشرين بالسجن ستة أشهر، بسبب مسألةٍ واحدةٍ وردت في رسالةٍ صغيرةٍ تتحدث عن حجاب المرأة، والمسألة عبارةٌ عن جملةٍ كُتِبَت قديمًا تقول: "إن واقعةَ تحرُّشِ ماسحِ أحذيةٍ بزوجةِ مسؤولٍ كبيرٍ خرجت كاسيةً عاريةً في السوق بقلب العاصمة، إنما هي صفعةٌ لاذعةٌ على وجه كلِّ وقحٍ يحارب الحجاب"؛ فقد اتفقت ثلاثُ محاكم على تبرئةِ رسائل النور والنوريين من تهمة التنظيم، وهذا يعني أن اتهام رسائل النور وتلاميذِها اليوم إنما هو اتهامٌ وإدانةٌ وإهانةٌ لتلك المحاكم الثلاث.
سادسًا: إن رسائل النور لا تُجابَه، ولقد أقرَّ جميعُ من اطلع عليها من علماء الإسلام أنها تفسيرٌ للقرآن مليءٌ بالحقائق؛ أي إنها تعرض حقائقه بحُججها المتينة، وتمثِّل معجزةً معنويةً له في هذا العصر، وتقف سدًّا منيعًا يحمي الوطن والشعب من الخطر القادم من الشَّمال، ولهذا نعتبر أن إحدى وظائفكم تجاه الحق العام تتمثل في ترغيب طلاب الرسائل بدلًا من ترهيبهم، وهذا ما ننتظره منكم.
وإذا كان يُسمَح بنشر كتب الملاحدة ومنشورات بعض السياسيين الزنادقة مراعاةً للحرية العلمية، مع أنها تضر بالوطن والشعب، وتهدد الأمن والاستقرار؛ فإن الشباب
— 647 —
البريء المحتاج للأنوار، حين يدخل دائرةَ طلابِ النور، لينقذ إيمانه ويتخلص من ذميم الأخلاق، حريٌّ بأن يَلقى من الحكومة ووزارة التربيةِ التشجيعَ والتقديرَ لا التجريم.
آخر قولي: نسأل اللّٰه أن يوفق القضاة للعدالة الحقيقية، آمين.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
﴿ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾
﴿ والْحَمْدُ للّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾
٭ ٭ ٭