— 618 —
الرجاء الخامس عشر
(حاشية): بما أن تأليف رسائل النور قد اكتمل قبل ثلاث سنوات، فإن هذا "الرجاء الخامس عشر" كُتِب ليكون مرجعًا في تأليفِ "لمعةِ الشيوخ" وإكمالِها على يدِ أحد النُّوريِّين في المستقبل.
حين كنتُ تحت الإقامة الجبرية بی"أميرداغ"، أعيش وحيدًا في منزلٍ أشبه ما يكون بالسجن الانفرادي، وقد أرهقني الأذى الذي ألاقيه من القوم جراءَ رقابتهم وتحكُّمهم، سَئِمتُ الحياةَ وأسِفتُ على خروجي من سجن "دَنِزْلي"، وتمنَّيتُ من أعماق قلبي العودةَ إليه أو دخولَ القبر، إذِ السجن والقبر أحبُّ إليَّ من هذا النمط من الحياة؛ وبينما أنا في هذه الحال إذْ أغاثتني العناية الإلٰهية، فقدَّمتْ آلةَ النسخ التي توفَّرتْ حديثًا لتلاميذ المدرسة الزهراء، وهم الذين كانت أقلامهم آلةَ نسخٍ قائمةً بذاتها؛ فصارت هي الأخرى قلمًا يكتب بين عشيةٍ وضحاها خمسَمئةِ نسخةٍ من كلِّ جزءٍ من أجزاء رسائل النور القيِّمة؛ وانطلقت فتوحاتها، فحبَّبتْ إليَّ تلك الحياةَ التي يغشاها الكرب، ودفعتني للشكر بلا حد.
وبعد حينٍ من الزمن ضاقت صدورُ أعداء الرسائل العاملين في الخفاء بما تَحقَّق من فتوحاتٍ نوريَّة، فحرَّضوا علينا الحكومة، وضاقت عليَّ الحياةُ ثانيةً، وإذا بالعناية الربانية تتجلى من جديد، وإذا بالمسؤولين المعنيين المحتاجين أحوجَ ما يكون إلى الأنوار، يطالعون بحكم وظيفتهم رسائلَ النور المصادَرة، ويقرؤونها بكلِّ عنايةٍ واهتمامٍ، فإذا بها تجذب قلوبهم، ويشرعون في تقديرها بدلًا من انتقادها، فاتَّسعت مدرسةُ النور أيَّما اتساع، وفاقتِ المنافعُ الأضرارَ بمئة ضعفٍ، وتلاشى ما كنا نعانيه من قلقٍ وكرب.
ثم إن الأعداء المنافقين العاملين في الخفاء لفتوا أنظار الحكومة إلى شخصي، وذكَّروها بحياتي السياسية السالفة، وأثاروا هواجسَ ومخاوفَ مؤسسات القضاء
— 619 —
والتربية، وأجهزةِ الشرطة ووزارةِ الداخلية، وتضاعفت هذه الهواجس والمخاوف في خضم التيارات الحزبية، وتحريض الفوضويين المتوارين خلف واجهة الشيوعية، فشرعت تلك الجهات الرسمية بالتوقيف وتضييق الخناق ومصادرة ما وقع بأيديها من رسائل النور، وتوقفتْ أنشطة تلاميذ النور، ونَسَب إليَّ بعض المسؤولين الرسميين اتهاماتٍ لا يمكن أن يصدِّقها أحد، وعمِلوا على نشر إشاعاتٍ بالغة الغرابة، وغرضهم من ذلك كله القدحُ فيَّ والحطُّ من شأني، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا بها أحدًا.
ثم إنهم تذرَّعوا بحججٍ سخيفةٍ تافهةٍ، وقاموا بتوقيفي في أشدِّ أيام الشتاء القارس برودةً، ووضعوني مدةَ يومين كاملين منفردًا في غرفةٍ كبيرةٍ شديدة البرودة لا مدفأة فيها، هذا مع أني لضعفي ومرضي يصعب عليَّ تحمُّل البرد في غرفتي الصغيرة التي أوقِد مدفأتها عدةَ مراتٍ في اليوم الواحد مع بقاء المجمر متَّقِدًا.
وبينما أنا في هذه الأيام على هذه الحال أَختلِج من الحمى الناجمة عن البرد، ويغشاني الكرب، ويساورني الغضب، إذِ انكشفت في قلبي حقيقةٌ بفضل عنايةٍ إلٰهية، وأُخطِرت روحي الخاطرَ التالي معنًى:
"لقد أَطلقتَ على السجن اسمَ المدرسة اليوسُفية، ولقد تحقق لكَ في سجن دَنِزْلي من النتائج ما فاقَ معاناتَه ألفَ ضِعف، كالفرح والسرور، والربحِ المعنوي، واستفادةِ المساجين من الأنوار، وفتوحاتِ النور في الأوساط الرسمية والدوائر الكبرى، ما دَفَعك إلى الشكر مضاعفًا بدلًا من الشكوى، وجعل كلَّ ساعةٍ من ساعات السجنِ والمعاناةِ بمثابة عشرِ ساعاتٍ من العبادة، وجعل تلك الساعات الفانيةَ باقيةً؛ والأمرُ كذلك هنا، فإن السُّلوانَ الذي يجده مَن ألمَّت بهم هذه المحنة في هذه المدرسة اليوسفية الثالثة، والفائدةَ التي يجنونها من الأنوار، ستدفئ هذا البرد، وستُحيل معاناتَك القاسيةَ أفراحًا بإذن اللّٰه؛ أما الذين تشعر تجاههم بالغضب، فإنهم إن كانوا مضلَّلين فإنما يظلمونك بغير علم، فلا يستحقون منك أن تغضب منهم، وإن كانوا يؤذونك ويسيئُون إليك بحقدٍ عالِمين يعملون لحساب الضلالة، فعَمَّا قريبٍ سيَنزل بهم إعدامُ الموت الأبديُّ، وسيدخلون سجنَ القبر الانفراديَّ، وسيقاسون العذاب
— 620 —
الشديد الدائم، وإنك - بظلمهم لك - تنال الأجرَ واللذائذ المعنوية، وتجعل ساعاتك الفانية باقيةً، وتفوز بتأدية وظيفتك العلمية والدينية بإخلاص".
فحمدتُ اللّٰه من أعماق روحي، ورَثَيتُ بمشاعر الإنسانية لأولئك الظَّلَمة، وسألتُ ربي أن يصلحهم.
أما بخصوص هذه الحادثة الجديدة، فإنها هي الأخرى تخالف القانون بعشرةِ أوجهٍ كالتي سبق أن بيَّنتُها في عريضتي إلى وزارة الداخلية، وإن هؤلاء الظَّلَمة الذين يخالفون القانون باسم القانون، هم المجرمون في الحقيقة، فإنهم بحثوا عن ذرائع يتعلَّلون بها، فاختلقوا افتراءاتٍ وأكاذيب تُضحِك السامعين وتُبكي المُنصفين، وأظهروا لأهل الإنصاف عجزَهم عن التعرُّض لرسائل النور وتلاميذها بوجهٍ قانونيٍّ، لقد فقدوا صوابَهم وتَرَدَّوا في مهاوي الجنون!!
فمن ذلك أن المخبرين لما فشلوا في العثور على شيءٍ يصلح أن يكون ذريعة، رغم مرور شهرٍ من مراقبتنا، كتبوا في تقريرٍ لهم "أن خادمَ سعيدٍ اشترى خمرًا من أحد المحلات وأتى به إليه"؛ ثم بحثوا عمَّن يوقِّع لهم على هذا التقرير، فلم يجدوا أحدًا سوى رجلٍ سِكِّيرٍ غريب الأطوار، فقالوا له تحت طائلة التهديد: وقِّع هنا؛ فقال الرجل: حاشا للّٰه!! ومن يمكن أن يوقِّع على مثل هذا الافتراء العجيب؟! فاضطروا لتمزيق التقرير.
ومن ذلك أيضًا أن شخصًا لا أعرفه أعارني عربةً ذات حصانٍ كي أستعملها في التنزُّه، فكنتُ أتنزَّه عليها ساعةً أو ساعتين في معظم أيام الصيف استرواحًا من مرضي، والتزمتُ أن أعطي صاحبَ العربة كتبًا بقيمةِ خمسين ليرةً لئلا أُخِلَّ بقاعدتي أو أدخل تحت مِنَّة أحد، فهل في هذا العمل أيُّ احتمالٍ للضرر يا تُرى؟!
غير أن الوالي ورجال القضاء والشرطة والأمن سألونا خمسين مرةً: لمن ذلك الحصان؟ وكأن الأمر حادثةٌ سياسيةٌ عظيمةٌ، أو واقعةٌ تَمَسُّ بالأمن والاستقرار!! حتى لقد تطوَّع رجلان لقطع دابر هذه الأسئلة السخيفة، فقال أحدهما: الحصان لي؛ وقال الآخر: العربةُ لي؛ فتمَّ توقيفُهما معي!!
— 621 —
وبالقياس على هذين المثالَين شاهدنا الكثير من الألاعيب الصبيانية، فبكَينا ضاحكين، وفهمنا أن الذين يتعرضون لرسائل النور وتلاميذها يُصبحون أضحوكة.
وقد جرى حوارٌ لطيفٌ في أحد هذه المواقف، وذلك أني قابلتُ المدعي العام قبل أن أطَّلِع على المحضر الذي سجلوا فيه أن سبب توقيفي هو الإخلال بالأمن، فقلتُ له: لقد اغتبتُك في الليلة الماضية، إذْ قلتُ للشرطي الذي كان يستجوبني نيابةً عن مدير الأمن: "ليُهلِكْني اللّٰه - قلتُها ثلاثًا - إن لم أكن خدمتُ الأمن العام في هذه البلاد أكثر من ألفِ مُدَّعٍ عامٍّ وألفِ مديرِ أمن".
ثم إنني بينما كنت في هذه الآونة محتاجًا أشدَّ الحاجة إلى الراحة واجتناب البرد، وإلى عدم الانشغال بالدنيا، إذْ خيَّمَ عليَّ الشعور بالغضب والانزعاج من الذين قاموا بتهجيري وتوقيفي وإيذائي ووضعي في سجنٍ انفراديٍّ، وهي إجراءاتٌ تفوق تحمُّلي، وتُشعِر بأنها متعمَّدةٌ، وتَنُمُّ عن حقدٍ دفين؛ فسارعتِ العنايةُ لنجدتي، وأُخطِرَ قلبي معنًى ما يلي:
إن في عينِ الظلم الذي أنزله بك هؤلاء نصيبًا عظيمًا للقدر الإلٰهي الذي هو عين العدل، وإن لك في هذا السجن رزقًا ستأكله، وقد دعاك إلى هنا، فيَلزَم أن يُقابَل هذا النصيب بالرضا والتسليم.
وإن للحكمة والرحمة الربانيَّیتَين نصيبَهمَا العظيمَ أيضًا، ألا وهو تنويرُ مَن في هذا السجن، ومنحُهم السُّلوان، وإكسابك الأجر، فيَلزَم أن يُقابَل هذا النصيب بما لا يُحصى من الشكر في طَيِّ الصبر.
ثم إن لنفسك بعيوبها الخفيَّة نصيبَها أيضًا، وعليك أن تقابل هذا النصيب بالاستغفار والتوبة، قائلًا لنفسك: لقد استحققتِ هذه الصفعة.
ثم إن ثمةَ نصيبًا كذلك للأعداء العاملين في الخفاء، الذين استَغفَلوا بمكائدهم بعضَ الموظفين البسطاءِ شديدي التوجُّس ودفعوهم لارتكاب المظالم، وقد انتقمتْ لك رسائل النور من هؤلاء المنافقين بما أنزلتْ بهم من صفعاتٍ معنويةٍ مدوِّيةٍ، فحَسْبُهم ذلك.
— 622 —
أما النصيب الأخير فهو نصيبُ المسؤولين الرسميين الذين هم السبب الفعليُّ لهذا السجن، وبما أن هؤلاء قد استفادوا - بشكلٍ أو بآخر بلا شكّ - من رسائل النور إيمانيًّا حين طالعوها بنيَّةِ الانتقاد، فإن من الشهامة العفو عنهم أخذًا بدستور:
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾
وبناءً على هذا الإخطارِ الحقيقيِّ قررتُ البقاء في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة بكلِّ فرحٍ وشكر، بل قررتُ أن أرتكب مخالفةً تستوجب العقوبةَ ولا تَضرُّ أحدًا، كي أبقى وأساعد حتى مَن هم ضدِّي.
ثم إن رجلًا مثلي قد بلغ الخامسة والسبعين، وليس له ارتباطٌ بأحد، ولم يبق له من سبعين من أحبَّائه في الدنيا سوى خمسة، وقد خلَّفَ سبعين ألف نسخةٍ من رسائل النور تؤدي وظيفتَه النُّورية وتُتداوَل بحريَّة، وله إخوةٌ ووُرَّاثٌ يقومون بالخدمة الإيمانية بآلاف الألسنة بدلًا من لسانٍ واحد.. لا جَرَمَ أن القبر خيرٌ له مئة مرةٍ من هذا السجن، ولا جَرَمَ أيضًا أن هذا السجن أجدى نفعًا وأعظم راحةً له من إطلاقِ سراحٍ مقيَّدٍ بالقيود والتحكُّمات في الخارج.
ذلك أنه بدلًا من أن يعاني بمفرده تحكُّمَ مئاتِ الموظفين المعنيِّين خارج السجن، يُضطر لأن يعاني داخله مع مئات المساجين تحكُّمًا يسيرًا مبنيًّا على المصلحة، يُصدِره شخصٌ أو اثنان كالمدير ورئيس الحرس؛ ويَلقى في المقابل الملاطفة والسُّلوان الأخويَّ من أصحابٍ كُثْر، كما يلقى الرحمة بالشيوخ التي تنبع في هذه الحال من الرأفة الإسلامية والفطرة الإنسانية، فتُبدِّل عُسر السجن يُسرًا؛ فلأجل هذا كلِّه رضيت بالسجن.
وحين أتيتُ إلى جلسةِ هذه المحكمة الثالثة تعبتُ من الوقوف على قدميَّ لضعفي وشيخوختي ومرضي، فجلستُ على كرسيٍّ صغيرٍ خارج قاعة المحكمة، وفجأةً جاء أحد القضاة، فلما شاهد ذلك غضب وقال بفظاظةٍ: لماذا لا ينتظر هذا واقفًا على قدميه؟! فانزعجتُ من هذه القسوة لشيخوختي، ثم التفتُّ فإذا جمعٌ غفيرٌ من المسلمين قد تجمهروا حولنا فلم يبرحوا المكان، وهم ينظرون بعيونٍ ملؤها الرأفة والرحمة والأُخوَّة، وفجأةً أُخطِرَتْ حقيقتان:
— 623 —
أُولاهما أن أعدائي وأعداءَ النور العاملين في الخفاء ضَلَّلوا بعضَ المسؤولين الرسميين البسطاء، ودفعوهم للقيام بمثل هذه المعاملة المُهينة للحطِّ من شأني في نظر الناس، ظَنًّا منهم أنهم بِكسرهم إقبالَ العامَّةِ الذي لم أطلبه يَسُدُّون الطريق على فتوحات النور؛ لكنْ بإزاء هذا جاءت العناية الإلٰهية إكرامًا في مقابل خدمة الإيمان التي تؤديها الأنوار، وقالت: اُنظر إلى هؤلاء الأشخاص المئة بدلًا من النظر إلى إهانة ذلك الشخص الواحد، فإنهم يستقبلونك ويودعونك بعيونٍ ملؤها الرأفةُ والتعاطفُ والحفاوةُ مُقدِّرين الخدمة التي تقوم بها.
حتى إني حين كنتُ أجيب على أسئلة المدعي العام في دائرة التحقيق في اليوم الثاني، احتشد قرابةُ ألفٍ من الأهالي عند نوافذ المحكمة في باحة دار الحكومة، وقد بدت عليهم علائم الاهتمام، وكانوا في هيئةٍ كأنما يقولون بلسان حالهم: لا تضيِّقوا على هؤلاء؛ حتى إن الشرطة لم تستطع تفريقهم.
فأُخطِرَ على قلبي أن هؤلاء الأهالي يَنشُدون في هذا الزمان الخطير سُلوانًا تامًا، ونورًا لا ينطفئ، وإيمانًا قويًّا، وبشرى صادقةً بالسعادة الباقية.. نعم، يَنشُدون هذا ويبحثون عنه بفطرتهم، وقد بلغهم أن ما يطلبونه موجودٌ في رسائل النور، فأَولَوا شخصيَ الذي لا أهمية له اهتمامًا يفوق حدَّه كثيرًا، لأجل العمل المحدود الذي أدَّاه في خدمة الإيمان.
الحقيقة الثانية: أُخطِر على قلبي أنه في مقابلِ ما يقوم به عددٌ محدودٌ من الأفراد المضلَّلين من تشويه سمعتنا بدعوى أننا نُخِلُّ بالأمن، ومن معاملةٍ سيئةٍ مُتعجرِفةٍ بغرضِ كسرِ إقبال الناس نحونا، فإن ثمةَ استحسانًا وتقديرًا من قِبَل ما لا يُحدُّ من أهل الحقيقة ومن الأجيال القادمة.
أجل، فبإزاء الجهود الهائلة التي كانت تبذلها الفوضوية العاملةُ خلف ستار الشيوعية لإفساد الأمن العام، كانت رسائل النور وتلاميذُها يتصدَّون لهذا الإفساد الرهيب بقوة الإيمان التحقيقي، ويُوقِفونه ويكسرون شوكتَه في شتى أنحاء الوطن؛ فهم يعملون لتحقيق الأمن والاستقرار، حتى إنه طَوالَ العشرين سنةً الفائتة، لم تعثر عدةُ
— 624 —
محاكمَ مَعنيَّةٍ على أيَّةِ واقعةِ إخلالٍ بالأمن من قِبَلِ طلاب النور، ولم تسجِّل أجهزة الشرطة في عشر ولاياتٍ أيَّ حادثةٍ من هذا القبيل، برغم أعدادهم الغفيرة وانتشارهم في شتى أنحاء البلاد.
ولقد صرَّح بعض مسؤولي الأمن المنصفين في ثلاث ولاياتٍ قائلين: إن طلاب النور رجالُ أمنٍ معنويُّون، وإنهم يساعدوننا في الحفاظ على الأمن والاستقرار، فهم بالإيمان التحقيقي يقيمون رادعًا في قلب كلِّ مَن يقرأ رسائل النور.. إنهم يعملون لتحقيق الأمن.
وسجن "دَنِزْلي" مثالٌ على هذا، فبدخول الأنوار إليه، وتداوُلِ "رسالة الثمرة" التي أُلِّفت لمساجينه، صَلَحتْ حال ما يزيد على مئتي سجينٍ خلال بضعة أشهر، وأصبحوا من أهل الطاعة والتقوى على نحوٍ عجيب، حتى صار الرجل الذي قتل ثلاث أو أربع أنفسٍ يتحرَّج من قتل بعوضة، وانقلب إلى شخصٍ رحيمٍ نافعٍ للوطن لا يتأتى منه ضرر، حتى لقد كان المسؤولون الرسميون ينظرون إلى هذا الأمر بتقديرٍ وإعجاب.
بل إن فريقًا من الشباب الموقوفين صَرَّحوا قبل صدور قرارِ إدانتهم قائلين: إنْ بقي النُّوريون في السجن، فسندبِّر لأنفسنا تُهمةً نُدانُ بها، وسنسعى لأن نُسجَن معهم كي نتلقى الدروس منهم.. سنصبح مثلهم وسنُصلِح أنفسَنا بإرشاداتهم!!
فما دامت هذه هي حال طلاب النور، فلا ريب أن الذين يتهمونهم بالإخلال بالأمن هم إما واهمون وهمًا مُزريًا، وإما مخدوعون، وإما أنهم يُضلِّلون الحكومة، ويسعون للقضاء علينا عبر إيذائنا، وهم بذلك يؤدون خدمةً لصالح الفوضوية من حيث يعلمون أو يجهلون؛ ونقول ردًّا على هؤلاء: ما دام الموت لا يُقتَل، وما دام القبر لا يُغلَق، وما دام المسافرون في نُزُلِ الدنيا يمضون قوافلَ تحت الثرى مسرعين قلقين، ويتوارَون في جوفه، فعمَّا قريبٍ سيفارق كلُّ واحدٍ منا الآخر ولا بدَّ، وستَلقون جزاءَ ظلمكم المروِّع، بل إنكم على أقل تقديرٍ ستصعدون إلى مِنَصَّة الإعدام الأبدي للموت، الذي هو لدى أهل الإيمان المظلومين مذكِّرةُ تسريحٍ وإعفاء، أما اللذائذ الفانية التي استمتعتم بها في الدنيا متوهمين أنكم مُخلَّدون فيها فستتحول إلى آلامٍ مريرةٍ باقية.
— 625 —
وإنه من المؤسِف حقًّا أن أعداءنا المنافقين العاملين في الخفاء يعمِدون إلى الإسلام - وهو الحقيقةُ التي حَظِيَتْ بها هذه الأمة المتديِّنة، وحافظتْ عليها بدماءِ وسيوفِ مئات الملايين من مجاهديها الأبطال وشهدائها الذين نالوا مقام الولاية - فيُطلقون عليه اسم "الطريقة"، ويُصوِّرونها على أنها هي الإسلام نفسُه، مع أنها ليست إلا شعاعًا من شمسه، ويُضلِّلون بهذا بعضَ مسؤولي الحكومة ذوي التفكير السطحي، ويصفون طلاب النور العاملين لأجل الحقيقة القرآنية والحقائق الإيمانية بأنهم أتباع طريقةٍ وأصحاب تنظيمٍ سياسيٍّ، ومرادُهم من هذا التحريضُ علينا، ونحن نخاطب أولئك الأعداء المنافقين ومن يأتمر بأمرهم ضدَّنا، فنقول لهم ما قلناه في محكمة دَنِزْلي العادلة: فلتكنْ رؤوسُنا فداءً للحقيقة القرآنية القدسية التي فدَتْها من قبلُ رؤوسُ مئاتِ الملايين.. ألا لو أشعلتم الدنيا فوق رؤوسنا نارًا ما رضخنا للزندقة، ولا تخلَّينا عن وظيفتنا القدسية بإذن اللّٰه.
بلى.. لقد سارعت سُلواناتُ الإيمانِ والقرآنِ القدسيةُ لنجدتي عندما خيَّم عليَّ اليأس والأعباءُ الناجمةُ عن أحوال شيخوختي.. ولهذا فإني لا أستبدل بسنةٍ واحدةٍ من أشدِّ سنوات شيخوختي عشرًا من أزهى سِنِيِّ شبابي؛ لا سيما وأن كلَّ يومٍ من أيام العمر الفاني ينقضي تحت وطأة المرض والظلم، يُنيلُ من حيث الثواب عشرةَ أيامٍ من عمرٍ باقٍ، وأن كلَّ ساعةٍ من ساعات التائب الذي يصلي المكتوبات في السجن تغدو في حكم عشر ساعاتٍ من العبادة؛ فما أعظمها من نعمةٍ تستوجب الشكر من رجلٍ مثلي ينتظر أجلَه عند باب القبر!!
هذا ما عَلمتُه من ذلك الإخطار المعنوي؛ فحمِدتُ اللّٰه كثيرًا، وفرحت بشيخوختي، ورضيتُ بسجني؛ لأن العمر يمضي مسرعًا لا يتوقف، فإذا انقضى باللذائذ والمسرات - وزوالُ اللذة ألمٌ - خَلَّفَ محلَّها آثامًا بسبب الغفلة والتأسُّف وعدم الشكر، ومضى فانيًا؛ أما إن انقضى في السجن والآلام - وزوالُ الألم لذةٌ معنويةٌ - وكان مع هذا بحكمِ نوعٍ من العبادة، ظلَّ باقيًا بجهةٍ ما، وأنال عُمُرًا باقيًا بثمراتٍ طيبة، وكان كفارةً وطَهورًا لما سلف من الآثام والمخالفات التي أدت إلى السجن؛ فمن هذه الزاوية ينبغي على المسجونين الذين يُصلُّون المكتوبات أن يشكروا في طيِّ الصبر.
٭ ٭ ٭
— 626 —
محاكمة بديع الزمان سعيد النورسي في أفيون
كان أعداء الدين العاملون في الخفاء، الذين مهدوا لمحاكمة بديع الزمان في "أفيون" عبر مجموعةٍ من الإجراءات والافتراءات، قد دبروا الخُطة لإعدامه؛ وهذا الدفاعُ الكبير الذي بين أيدينا والذي نال أهميةً كبيرة، إنما هو حقائق هَدَرَ بها بديع الزمان في وجه هؤلاء الظَّلَمَة ذوي اليد الطولى في التصفية والاستئصال، وجهَرَ بها غيرَ مبالٍ بالموت.
وفي نهاية المطاف نقضت محكمة التمييز قرارَ الإدانة، وبرَّأت بديعَ الزمان للمرة الثانية، وأعادت إليه جميع رسائل النور والمراسلات البالغةِ قريبًا من خمسمئة، من غير قيدٍ ولا شرط.
٭ ٭ ٭