السيرة الذاتية
— 610 —

محاكمة بديع الزمان بی"أفيون"

كان مِن دأبِ بديع الزمان في كلِّ سجنٍ يدخله تعليمُ وإرشادُ مَن فيه من المساجين، وبلغ من ثمرات ذلك أنْ تَحوَّلَ بعضُ المجرمين إلى أناسٍ في غاية الطيبةِ والوداعة، وبالرغم من إبقاء الأستاذ في زنزانةٍ انفراديةٍ إلا أن السجن كان يتحول إلى مدرسةٍ نورية؛ ولهذا كان يصف السجون التي يدخلها بأنها مدرسةٌ يوسُفية؛ حتى لقد بلغ الحال ببعض الشباب الذين كانوا يومًا ما في سجن "دَنِزْلي" أن عبَّروا عن رغبتهم في عدم مغادرة هذه المدرسة اليوسفية قائلين: إنْ بقي بديع الزمان هنا فإننا سنقدِّم أنفسنا على أننا جناةٌ لنبقى في السجن.. لن نفارق الأستاذ، وسنتعلم دروس رسائل النور.
— 611 —
ومن جهةٍ أخرى فقد لوحظ صلاحٌ ظاهرٌ في حال المساجين بعد تأليف وتداولِ الرسالة المسمَّاة "رسالة الثمرة" في سجن "دَنِزْلي"، ما دفع حتى الأعداءَ للتقدير والإعجاب.
إن طلاب النور الخُلَّص الذين نالوا إيمانًا تحقيقيًّا بقراءتهم رسائلَ النور بتفكُّرٍ وتمعُّنٍ في فحواها، لا يهابون الموت، ولا يخشَون السجون ولا الزنازين، ولا يخافون أذى البشر وإضرارَهم؛ ذلك أنهم ما داموا يعملون لنجاة الوطن والشعب والعالَم الإسلامي والبشرية نجاةً أبديةً عبر خدمة القرآن والإيمان القدسية، لا يعتريهم فتورٌ ولا يأسٌ مهما واجهوا من ظلم أعداء الدين واعتداءاتهم، بل يدخلون السجون بكلِّ رضًى وافتخار.. إن لهم نقطة استنادٍ واحدةً لا ثانيَ لها، ألا وهي خدمة القرآن والإيمان بإخلاصٍ طلبًا لرضوان اللّٰه تعالى وحدَه، وكفى باللّٰه وليًّا ونصيرًا للمظلومين والأبرياء.
إنهم يعملون بتضحيةٍ وتفانٍ كأستاذهم المقدام لنشر رسائل النور وقراءتها، غيرَ مبالين بما يعترض طريقَهم من عقبات، ولأجل هذا لم يتزعزعوا في خدمة الإيمان والإسلام التي نهضوا بها تحت وطأةِ استبدادٍ مطلقٍ رهيبٍ دام خمسًا وعشرين سنة.. لقد آمنوا أن ما يبدو في الظاهر نقمةً ما هو في الحقيقة إلا نعمة، وأن في المحنة منحة، وأن كلَّ ما يصيبُنا في سبيل خدمة الإيمان خير، وأننا لسنا مكلَّفين بالتفكير بما يصيبنا في المستقبل، بل مكلَّفون بالخدمة القرآنية، فنحن على الدوام تحت عناية ربنا الرحيم، فإن مِتْنا مِتْنا شهداء، وإن حَيِينا حَيِينا خَدَمًا للقرآن، فنحن في خدمته حتى لو حكم علينا أعداء الإسلام بالسجن المؤبد.. أجل، آمن طلاب النور بهذا إيمانًا راسخًا في قلوبهم، وصدَّقوه بأفعالهم، وهو أمرٌ ظاهرٌ للعِيان.
إن أبناء هذا الشعب المتديِّن الوفِيِّ يعرفون صِدقَ بديع الزمان، ويعرفون قَدْرَه وبطولتَه، ويثقون به ثقةً راسخةً لا يصدِّقون معها شيئًا من الحملات المغرِضة ضده أيًّا كانت، وكلما بَلَغَهم شيءٌ من الظلم والأذى الذي يلقاه هذا الرجل زادت له محبتهم وقَوِيَ ولاؤهم؛ لقد أصبحوا على عداءٍ صريحٍ مع الظلم والأذى الذي يمارسه عليه الشيوعيون والملاحدة، وهم لا يترددون في القول بأن سَجنَ رجلٍ فاضلٍ مباركٍ
— 612 —
جليلٍ من أبطال الدين كبديع الزمان، ومَنْعَ كتبه من أن تقرأ بحُريَّة، معناه السعيُ لهدم الإسلام وإزالةِ الدين من أرض الأناضول؛ ولأجل هذا فإن ما يلزم الحكومةَ أولًا وقبل كلِّ شيءٍ أن تطلق سراح بديع الزمان، كي تُحبِط الخطة التي حِيكَتْ ضدها، وإلا فإنه كلما شُدِّد الخناق على هذا الرجل كسَبت الحكومةُ مزيدًا من المناوأة الشعبية ضدها، (حاشية): لقد تجلَّت هذه الحقيقةُ تمامًا في انتخابات عام ١٩٥٠م، إذ مُنِيَت الحكومة السابقة بهزيمةٍ ساحقةٍ على يد الأكثرية العظمى من أبناء هذا الشعب، وهي الحكومة التي عادت الدين، وعاش معها بديع الزمان في ظل استبدادٍ مطلق وظلمٍ فادحٍ وأذًى رهيبٍ طَوالَ خمسٍ وعشرين سنة، ليتولى بعدها الحزبُ الديمقراطيُّ مقاليدَ الأمور، ويُزيلَ ما لَحِق بالدين وأهله من ظلمٍ واستبداد. وإنه من الواجب علينا أن نبلِّغ هذه الحقيقة حرصًا على سلامة الدين والوطن والشعب.
أجل، فبالرغم من تبرئة بديع الزمان في محكمة "دَنِزْلي" سنة ١٩٤٤م، إلا أنه وُضِع في الإقامة الجبرية بی"أميرداغ" التابعة لولاية "أفيون"، وبينما كان منشغلًا هناك بآخرته وبرسائل النور إذا بأعداء الدين العاملين في الخفاء يعيدون في سنة ١٩٤٨م معزوفتَهم القديمة نفسَها، وكأن كلَّ الظلم الذي مارسوه لم يكن كافيًا، فأطلقوا بحقه جملةً من الاتهامات كقولهم: إنه يؤسس تنظيمًا سِرِّيًّا، ويحرِّض الناس على الحكومة، ويسعى لقلب نظام الحكم بكل قوته وحماسه الذي يزداد كلما تقدم في السن، ويقول عن "مصطفى كمال" إنه دجَّالُ الإسلام، وإنه السُّفياني؛ ونحو ذلك من الاتهامات التي تذرعوا بها، فاعتقلوه هو وخمسين طالبًا من طلاب رسائل النور، وسِيقوا إلى محكمة جنايات "أفيون" ليُزَجَّ بهم في السجن في نهاية المطاف.
وعلى الرغم من أن التحقيقات المطوَّلة المفصَّلة التي أجريَت معهم لم تُفلِح في العثور على دليلٍ واحدٍ لأيِّ جرم، إلا أنه بعد أن حصل ما حصل، حكمت المحكمة - بناءً على ما يبدو قناعاتٍ شخصيةً - بالسَّجن عشرين شهرًا لبديع الزمان، وثمانيةَ عشر شهرًا لعالِمٍ جليلٍ، وستةَ أشهرٍ لاثنين وعشرين شخصًا؛ وقد أُدين هؤلاء بتهمة "مساعدة بديع الزمان في إنشاء تنظيم سِرِّيّ"، ونُفِّذ الحكم فورَ صدوره؛ أما الآخرون
— 613 —
أحد أشكال الظلم الذي أذاقته الحكومة السابقة لبديع الزمان وطلابه
(أثناء اقتياد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى إحدى جلسات محكمة ‌"أفيون" بصحبة طلابه وهم محاطون بمجموعة من الحرس المسلحين وكأنهم أصحاب سوابق خطيرة)
فصدرت بحقهم براءةٌ لكونهم "يَعدُّون بديعَ الزمان مرشدًا جليلًا"، ولأنهم "قرؤوا رسائلَ النور ليملؤوا الفراغ العميق الذي يشعرون به".
وبعد أن نظرت محكمة التمييز في قرار الإدانة كما هي العادة، أنهت تدقيقاتها في مدةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ، وأبطلت القرار من أساسه قائلةً: بما أن بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ قد بُرِّئ من نفس التهمة في محكمة "دَنِزْلي"، وصدَّقت على ذلك محكمة التمييز في حينها، فإنه لا سبيل لإعادة محاكمته في دعوى صدَّقَتْها محكمة التمييز حتى وإن كان قرار محكمة "دَنِزْلي" خطأً.
وبناءً على هذا تبدأ جلسات المحكمة من جديد، ويُسأل المتَّهَمون عن مطالبهم، فيجيب طلاب النور الأبرياء بأنهم يطالِبون بالالتزام بقرار محكمة التمييز، وتَدرس محكمة "أفيون" مسألةَ الالتزام هذه وتماطل فيها إلى أن تتخذ قرارها بامتثاله؛ لتبدأ بعد ذلك عمليةُ استكمال النواقص التي تَطول وتمتد، وتُعلَّق الجَلسات مرةً بعد
— 614 —
أخرى، ويقضي بديعُ الزمان وطلابُه في السجن مدةَ العقوبة التي لم تكتسب صفة الحكم القطعي أصلًا، ليُطلَق سراحُهم بعد ذلك، ولتستغرق إجراءاتُ المماطلة هذه بمجموعها ثلاث سنين. (حاشية): بعد ذلك أصدرت محكمة "أفيون" قرار البراءة مرتين، وفي نهاية المطاف أعادت لبديع الزمان جميع رسائل النور وجميع مراسلاته بلا استثناء، وذلك في العام ١٩٥٦م.
وإنه لمن المؤسف حقًا أن نرى مثل هذا الرجل العلَّامةِ الفذِّ الذي نهض بأقدس خدمةٍ إيمانيةٍ لوطننا وشعبنا وشبابنا بل للعالَم الإسلامي برمته، والذي قدَّم مؤلفاتٍ رائعةً جليلةً تلبي الحاجة المعنوية للبشر.. أن نراه يُساق من محكمةٍ إلى أخرى، وتُواريه غياهب السجون.
وإذا كان بديع الزمان قد لقي من العسفِ والأذى ما لقي خلال عشرين سنةً مضَتْ، فإن سنوات سجن "أفيون" هذه لم تكن إلا استمرارًا لتلك المعاناة مع مزيدٍ من الشدة والإجحاف الذي يُذكِّر بما لقيه علماء الأمة على امتداد تاريخها، حتى إن الأذى الذي كان يلقاه في يومٍ واحدٍ في "أفيون" كان يَعدِل نظيرَه في شهرٍ من سجن "دَنِزْلي"؛ لقد عومِل معاملةً غير قانونيةٍ على الإطلاق، وتُرك وحيدًا طَوالَ عشرين شهرًا في مَهجعٍ مُهمَلٍ شديدِ البرودة في الشتاء، على أمل أن يقضي عليه الموتُ، وسُمِّم في أشدِّ أيام الشتاء القارس حين كان الصقيع يكسو النوافذ، فظلَّ هذا الرجل المريض الطاعن في السن يقاسي الآلام شهورًا، ولم يُسمَح لأحدٍ من طلابه أن يقوم على رعايته حتى عندما أمسى طريح الفراش لا يقدر على الحراك، فقد كان المطلوب أن يموت في ظل هذه الظروف القاسية؛ ولقد عانى من هذا التسمم معاناةً منعتْه من تناول الطعام أيامًا عدةً، فبقي طاويًا حتى بلغ منه الهُزال مبلغَه.
وعلى الرغم من أنه كان تحت رقابةٍ وتضييقٍ شديدَين، إلا أنه لم ينقطع عن تأليف رسائل النور، فقد ألَّف بعضَها سِرًّا كما هو دأبه في كلِّ سجنٍ دخله، واستطاع المساجين نسخَها كتابةً بأيديهم وإيصالَها إلى خارج السجن، فلم تتوقف عمليةُ نشر الرسائل حتى
— 615 —
حين كان بديع الزمان في السجن، ولقد نجح طلاب النور - أمثال بطلِ النور "خُسرو" - في أن ينشروا سِرًّا مئاتِ آلاف النُّسَخ مكتوبةً بخط اليد وبالحروف العربية.
وحين كان الأستاذ طريحَ الفراش في السجن يخيِّم عليه الموت من أثر السُّم، تحدَّث إلى طالبٍ سنحت له فرصةُ لقائه قائلًا: لعلي أفارق الحياة عمَّا قريب.. فإنْ أنا مِتُّ فلا ينتقمْ أصحابي لي.. لأكُنْ بكلِّ كياني فداءً للسعادة والرفاه الأبديَّين للوطن والشعب والشباب، ولعالَم الإسلام والبشرية.
وذات مرةٍ سلَّمَ على بديعِ الزمان أحدُ الأشخاص الذين انتفعوا بقدومه إلى السجن عظيمَ الانتفاع، وحيَّاه عبر النافذة، فانتهره رجال السجن قائلين: لماذا سلَّمتَ عليه؟! ولماذا تنظر إلى نافذته؟! ثم انهالوا عليه ضربًا.
وكذلك كان الأمر مع الطلاب الذين كانوا يحاولون انتهاز فرصةٍ ليلتقوا بأستاذهم خُفيةً حالَ مرضه ومعاناته، فما إن ينكشف أمر أحدهم حتى يتلقى ضربًا مبَیرِّحًا، غير أن هذه القسوة لم تكن لِتَثنيَ عزائمهم، بل كانوا كلما انهال عليهم أولئك الظَّلَمة ضربًا هتفوا فيهم بصلابةٍ نابعةٍ من الإيمان وعزة الإسلام: اِضرب.. اِضرب..؛ وهم في هذا إنما يسيرون على نهج أستاذهم الذي سبق أن بيَّن في مؤلفاته أنْ إذا أخذَ العدو بخناقك فابصق في وجهه.. أنقذ روحَك وليَفْنَ الجسد.
لقد سعى أولئك الظلمة بشتى أنواع الأذى والتضييق لمنع الأستاذ من القيام بخدمته الإيمانية، سواءٌ داخل السجن أو خارجه، غير أنه في نهاية المطاف، وبعد أن لقي بديعُ الزمان ما لقي من الظلم والقهر، أُطلِق سراحُه بتاريخ ٢٠ أيلول/سبتمبر ١٩٤٩م مستكملًا مدةَ العقوبة غيرِ القانونية، ومع أن إطلاق سراح السجناء كان يجري ضمن أوقات الدوام الرسمي، وكان موعده المحدد في "أفيون" عند الساعة العاشرة صباحًا كما هو المعتاد، إلا أن بديع الزمان أُطلِق سراحُه فجرًا تجنبًا لحدوث احتفالٍ شعبيٍّ حاشدٍ فرحًا بخروجه من السجن.
٭ ٭ ٭
— 616 —
أقام الأستاذ النُّورْسِيّ مدةً من الزمان بی"أفيون" بعد الإفراج عنه؛ ومع أن محكمة التمييز كانت قد أبطلت قرارَ إدانته من أساسه، وقضى برغم ذلك مدةَ السجن غيرَ القانونية كاملةً، فقد تم تعيين ثلاثة عناصر من الشرطة يلازمون بابه ويتناوبون على مراقبته صباحَ مساء.
ومع أن القوم أفرجوا عنه، إلا أنهم استمروا في ظلمه وتضييق الخناق عليه على نحوٍ جعلوه يندم على خروجه من السجن، ومع أن السجن أسقمه وأضناه طَوالَ سنتين، إلا أنه لم يُسمَح لأحدٍ بعيادته وتفقُّد صحته؛ وإذا كان القائد الروسي قد سمح لبديع الزمان - وهو أسيرٌ في روسيا - بشيءٍ من حريةِ الحركةِ والتصرُّفِ كما ورد في "سيرة حياته"، فإن المسؤولين في وطنه الأم قد منعوا الناس من زيارته حتى في العيد، وهو الرجل الذي ضحى بكلِّ ما لديه في سبيل الأمة الإسلامية العزيزة الكريمة!! حتى إنهم متى شاهدوا شخصًا يتحدث إلى بعض القائمين على خدمته دوَّنوا معلوماتٍ شخصيةً عنه، وضيَّقوا عليه بدعوى تواصله مع مساعدي بديع الزمان؛ والحالُ أن جميع هذه الإجراءات التعسفية بحقِّه لم تزد الناس إلا قربًا منه، وبحثًا عن مؤلفاته وتعلُّقًا بها، ولم تزدهم إلا بعدًا ونفورًا من مروِّجي الحملاتِ المغرِضةِ ضدَّه، فكلما تكثفت الجهود لكسر إقبال الناس على بديع الزمان زاد احترامُ الناس والشباب له وارتباطهم به، لا سيما الشباب المثقف، وكلما زاد التحريض عليه قويت أواصر العلاقة به.
لقد كان الهدف من كل هذه الحملات المُغرِضة كسرَ إقبال الناس نحوه، وتشويهَ سمعته، ووقفَ انتشار رسائل النور، والحالُ أن رسائل النور ليست مرتبطةً بشخصِ مؤلفها، بل هي بضاعةُ القرآن، ولا هي تشبه المؤلفات الأخرى، بل هي بذاتها كنزُ حجةٍ وبرهانٍ، وقارئها لا يلتفت إلى شخص مؤلِّفها، بل يوجِّه نظره مباشرةً إلى ما فيها من الحقائق والبراهين والأدلة؛ ولأجل هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق الكثيرة، فَشِلت حملاتٌ رسميةٌ كثيرةٌ هائلةٌ وُجِّهت ضدَّ بديع الزمان، وستبقى محكومةً بالفشل.
أجل، إنه لَیمِّما يؤسف أشدَّ الأسف أن نرى مثلَ هذا العالِم والمفكِّر الجليل الذي حقَّق لوطنه وشعبه ولأمته الإسلامية كلَّ هذه المنافع الجمَّة، وخدم الإيمان
— 617 —
والقرآن بتضحيةٍ وتفانٍ لا مثيل لهما.. أن نراه بعد ذلك يُساق إلى المحاكم مرةً تِلْوَ أخرى!!
إننا نعلن باسم مصلحة الوطن والشعب أنه ينبغي أن يوضع حدٌّ لهذه الإجراءات، وأن تنتهي هذه المحاكمات في أسرع وقت، لأن الخدمة القرآنية التي نهض بها بديع الزمان لا تقتصر على هذا البلد، بل تتسع لتفيء بظلالها على أرجاء العالَم الإسلامي وأنحاء الدنيا كلِّها.
وإن ما أوردناه بحقِّ بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ من حقائقَ عاليةٍ وقيمٍ ساميةٍ ليس من قبيل المبالغات أو الكلام الذي يُلقى على عَواهِنه من غير دليل، وسيُدرِك الذين في أنفسهم شكٌّ من هذا - من خلال تعرُّفهم عن قربٍ على بديع الزمان الذي ما يزال على قيد الحياة، ومن خلال قراءتهم لرسائل النور بثباتٍ واستقامةٍ ونيَّةٍ خالصة - أننا عندما نعبِّر عن الحقائق التي ننقلها في هذه السيرة، إنما نعبِّر بكلماتٍ وعباراتٍ لا تفي بالمطلوب؛ وعندئذٍ ستتحقق لديهم قناعةٌ خالصةٌ أكثر منا تدفعهم لأن يُعلنوا هذه الحقائق للعالَم أجمع.
وإنه لو اجتهدت محاكم العالَم أجمع في إدانةِ بديع الزمان بالتهم التي وجهها ضده أعداء الدين العاملون في الخفاء، فلن تجد سبيلًا لإدانته ما دامت هذه المحاكم تستند إلى الدليل في أحكامها.
إن بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ يقضي حياته ملازمًا فراشه بسبب مرضه الناجم عن تسميم أعداء الدين له، وهو كثيرًا ما يردد: "إنني على باب القبر"، غير أننا ندعو اللّٰه تعالى ضارعين إليه من أعماق قلوبنا أن يَمُدَّ في عمر بطل الدين هذا كرمًا وفضلًا، لأن عالَم الإسلام والبشرية اليوم لَبِأمَسِّ الحاجة إلى مثل هذا الرجل خادمًا للقرآن بإخلاصٍ وتضحية، وبطلًا من أبطال الحقيقة، وعبقريًّا فذًّا، ومفكِّرًا جليلًا، وحكيمًا متفرِّدًا من حكماء الإسلام.
٭ ٭ ٭
— 618 —
نُدرِج فيما يلي "الرجاء الخامس عشر" مقتبَسًا من "اللمعات"، وفيه يتحدث الأستاذ بنفسه عن حياته في "أميرداغ" و"أفيون".