السيرة الذاتية
— 62 —

مقتطفاتٌ من كتاب:

"شهادةُ مدرستَي المصيبة"
أو:
"سعيد النُّورْسِيّ والمحكمة العسكرية العرفية"
باسمه سبحانه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
مقدمة
حين كانت الحريَّة تُقرَن بالجنون، جَعَلَ الاستبدادُ الضعيفُ مشفى المجانين مدرسةً لي.
وحين التبسَ الاعتیدال والاسیتقامیة بالرجعية، جَعَیلَ الاستبدادُ الشديیدُ للمَشْرُوطِيّة السجنَ مدرسةً لي.
أيها السادة المتمعِّنون في شهادتي: لطفًا، أرسلوا أرواحكم وأخيِلَتَكم ضيوفًا إلى جسدٍ ودماغٍ مضطربَيْن لطالبٍ بدويٍّ عصبيٍّ حديثِ عهدٍ بالمدنيَّة الحديثة، لئلا تَزِلُّوا بالتخطئة!
لقد قلتُ في المحكمة العسكرية العرفية في "حادثة الحادي والثلاثين من مارت": أنا طالبُ علم، ولهذا أَزِنُ كلَّ شيءٍ بميزان الشريعة؛ وأعتبر الإسلام وحدَه هو قوميَّتَنا، ولهذا أحاكم كلَّ شيء بمنظاره.
إنني في اللحظة التي أقف فيها بباب عالَم البرزخ المسمَّى بالسجن، منتظرًا القطار المتَّجه إلى الآخرة، في المحطة المسمَّاة بالمشنقة، أتوجه بخطابي لا إليكم فحسب، بل إلى النوع البشري كلِّه، منتقدًا أحوال المجتمع البشري التي لا تَرحم؛ فلأجل هذا، وبسرِّ آية: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ خَرَجَت الحقائق من قبرِ القلب متجرِّدةً، فلا يَنظُرنَّ إليها غيرُ ذي مَحْرَم؛ إنني متهيِّئٌ للآخرة بكمال الاشتياق.. مستعدٌّ للرحيل مع هؤلاء المشنوقين.
— 63 —
أرأيتم لو أن بدويًّا مُولَعًا بالغرائب، سَمِع عن عجائب إسطنبول ومحاسنها دون أن يراها، كيف يكون شوقه إليها وتلهُّفه لرؤيتها؟ فأنا الآن مثلُ ذلك البدوي، أريد أن أرى عالَمَ الآخرةِ مَعرِضَ العجائب والغرائب بمثل تلك اللّٰهفة؛ أَلا إن نفيي إلى هناك ليس عقابًا، فعذِّبوني إن استطعتم عذابًا وجدانيًّا، وإلا فليس ما سواه عندي بعذاب، بل هو شرفٌ لي.
لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقلَ أيَّامَ الاستبداد، وهي اليوم تعادي الحياة، فإذا كانت الحكومة هكذا، فليعش الجنون.. وليعش الموت.. ولتعش جهنم للظَّالمين.
إنني لطالما كنتُ أبحث عن أرضيَّةٍ أبيِّن من خلالها أفكاري، وها هي المحكمة العسكرية العرفية تغدو أرضيَّةً مناسبةً لهذا الأمر؛ لقد استُجوِبْتُ كما استُجوِبَ الجميعُ بدايةً، وسُئِلتُ: وأنت أيضًا تطالب بالشريعة؟!
فقلتُ لهم: إنني مستعدٌ لأنْ أقدِّم ألف روحٍ لي - لو وُجِدَتْ - فداءً لحقيقةٍ واحدةٍ من حقائق الشريعة، لأن الشريعة هي سبب السعادة، وهي العدالة المحضة، وهي الفضيلة، غير أني لا أطالب بها كما يطالب المتمرِّدون.
وسألوني أيضًا: أأنت منضمٌّ للاتحاد المحمدي؟
فأجبتُ: أنا بكل فخرٍ من أصغر أفراده، لكن على الوجه الذي بيَّنتُه.. أروني مَن ليس من أبناء هذا الاتحاد سوى الملحدين؟!
فها أنَذا أنشر ذلك الاستجواب الآن لأُنقِذَ المَشْرُوطِيّة من التُّهمة، ولأُنقِذَ أهلَ الشريعة من اليأس، ولأُنقِذَ أهلَ هذا العصر من تهمة الجنونِ والجهلِ في نظر التاريخ، ولأُنقِذَ الحقيقة من الأوهام والشبهات؛ وها أنَذا أبدأ:
قلتُ: أيها الضباط والباشوات.. هذا مجمل الجرائم التي اقتضتْ سَجني:
إذا محاسییینيَ الییلاتي أُدِلُّ بهییا
1 كانت ذنوبي؛ فقل لي كيف أعتذرُ؟!
— 64 —
أقول بدايةً: إن ذا الرجولة يترفَّعَ عن ارتكاب الجريمة، وإن اتُّهِمَ بها لم يَخَفِ العقاب.. أَلَا إنني إنْ أُعْدِمتُ ظلمًا نِلْتُ أجرَ شهيدَين، وإن بَقِيْتُ في السجن كان السجنُ خيرَ مكانٍ أستريح فيه من حكومةٍ قمعيَّةٍ ليس لها من الحريَّة سوى لفظِها.. فموتُ المرءِ مظلومًا خيرٌ من عيشه ظالمًا.
وأقول أيضًا: إن بعض مَن اتخذوا السياسة أداةً للإلحاد واللَّادينية يسترون مساوئهم باتهام الآخرين بالرجعية، وباتخاذِ الدينِ أداةً للسياسة.
وإن عناصر المخابرات اليوم أسوأ من نُظَرائهم بالأمس، فكيف يُعْتَمَد على ولاء هؤلاء؟! وكيف تُبنى العدالة على أقوالهم؟!
ثم إن المرء عندما يقيم العدالةَ بالجَرْبَزَة يقع في الظلم لا محالة؛ ذلك أنه لا يخلو أحدٌ من عيبٍ أو نقص، إلا أن تتبُّع النقائص والعيوب بالجربزة وجمعَها بالرغم من تفرُّقِها في أزمانٍ متباعدة، وصدورِها من أفرادٍ كثيرين، ووقوعِها بين محاسن جمَّة تسترها، إنما يؤدي إلى توهُّمِ صدورها من شخصٍ واحدٍ في زمانٍ واحد، وإلى اعتبارِه مستحقًّا للعقاب الشديد؛ والحال أن هذا الأسلوب هو نفسُه ظلمٌ شديد.
فَلْنأتِ الآن على ذِكْرِ جرائمي البالغةِ إحدى عشْرة جريمةً ونصفًا: (حاشية): ذُكِرَت هنا الفقرات التي تخص مسلكَ المؤلِّف ومشربَه، فمن أراد التفصيل فليراجع رسالتَه المسماة: "شهادة مدرستَي المصيبة".
الجريمة الأولى:
أَرسلتُ في العام الماضي، مع بداية إعلان الحرية، حوالي ستين برقيةً إلى العشائر في المناطق الشرقية عن طريق ديوان رئاسة الوزراء، وكان مضمونها ما يلي:
إن مسألة المَشْرُوطِيّة والدستور التي سمعتم بها إنما هي عبارةٌ عن عدالةٍ حقيقيةٍ وشورى شرعية، فتلقَّوها بقبولٍ حسن، واجتهِدوا في المحافظة عليها؛ لأن سعادتنا الدنيوية تكمن في المَشْرُوطِيّة، ونحن أشدُّ الناس تضرُّرًا من الاستبداد.
— 65 —
وقد ورد الجواب على هذه البرقية من كل مكانٍ بالإيجاب والاستحسان.
فبما أنني نبَّهتُ الولايات الشرقية ولم أتركها غافلةً ليَستغلَّ غفلتَها استبدادٌ آخَرُ جديدٌ، إذًا فقد ارتكبتُ جريمة؛ لأني لم أقل: "وما شأني؟"، ولأجل هذا أُحاكَم.
الجريمة الثانية:
أوضحتُ لعمومِ العلماء وطلابِ العلم الصِّلةَ الحقيقيَّةَ بين الشريعة وبين ما يسمَّى المَشْرُوطِيّة، وفصَّلتُها لهم عبر خُطَبٍ عديدةٍ في مساجد "أيا صوفيا" و"بايزيد" و"الفاتح" و"السليمانية"، وبيَّنتُ لهم أن لا علاقة بين الشريعة وبين الاستبداد المتسلِّط، وقلتُ لهم بهذا الخصوص: لقد جاءت الشريعة لتمحو الاستبداد والتسلُّط الجائر مصداقًا للحديث: سيدُ القوم خادمُهم
فإن كان لأحدٍ اعتراضٌ على كلمةٍ في خُطبةٍ من تلك الخُطَب التي ألقيتُها، فإني مستعدٌّ لإثباتِ ما قلتُ بالبرهان.
وقلت: إن المسلك الحقيقي للشريعة هو حقيقةُ المَشْرُوطِيّة المشروعة؛ أي إنني قبلت المَشْرُوطِيّة بالدلائل الشرعية، ولم آخذ بها على وجه التقليد أو مخالفة الشريعة كما فعل الآخَرون من أدعياء المدنية، ولم أقدِّم الشريعة رشوةً لشيء.
فكانت جريمةً أنْ بذلتُ ما بوسعي لإنقاذ العلماء والشريعة من ظنونِ أوروبا الفاسدة، حتى لقيتُ منكم هذه المعاملة!!
الجريمة الثالثة:
خشيتُ أن يَخدع بعضُ دعاة الأحزاب أبناءَ بلدي - البالغَ عددُهم نحوَ عشرين ألفًا في إسطنبول - لكونهم حمَّالين بسطاء غافلين فيستغلوهم ويستخدموهم بما يسيء إلى الولايات الشرقية، فرُحْتُ في العام الماضي أطوف على جميع أماكنهم حتى المقاهي التي يترددون إليها، وبيَّنتُ لهم معنى المَشْرُوطِيّة بِلُغةٍ يفهمونها، وقلتُ لهم ما معناه: إن الاستبداد ظلمٌ وتحكُّم، وإن المَشْرُوطِيّة عدالةٌ وشريعة؛ فإذا أطاع
— 66 —
السلطانُ أمرَ نبيِّنا (ص)‌ وتأسَّى به كان خليفةً فأطعناه؛ وإلا فإن الذين يرتكبون المظالم ويخالفون نهجَ نبيِّنا (ص) هم قُطَّاعُ طرقٍ وإن كانوا سلاطين.
وقلت لهم أيضًا: إن أعداءَنا الجهلُ والفاقةُ والفُرقة، وسنجاهدهم بسلاح العلم والصناعة والاتفاق، وسنَمُدُّ أيديَنا إلى الأتراك إخوتِنا الحقيقيين الذين أخذوا بأيدينا إلى التيقظ والرقي بوجهٍ ما، وسنشُدُّ بيد الصداقة على أيدي جيراننا، لأن في الخصومة شرًّا، ولا وقتَ عندنا للخصومة، ولن نتدخل في شؤون الحكومة لأننا لا ندري حكمتها.
وهكذا أثَّرت النصيحة في هؤلاء الحمالين يومَ أنْ أضربوا فقاطَعوا بضائع النمسا - مثلما قاطعتُ أنا كلَّ أوروبا (حاشية): ناقشَ أحدُ المولَعين بالمظاهر الأستاذَ بديع الزمان يومًا بأن عليه أن يرتدي زيًّا يناسب مقامه العلمي، فأجابه الأستاذ قائلًا: أنتم تزعمون أنكم تقاطعون النمسا بينما تعتمرون قبعاتها، أما أنا فأقاطع أوروبا كلَّها فلا أرتدي إلا لباس بلادي المادي والمعنوي. - فتصرفوا تصرفًا عقلانيًّا وهم في ذروة انفعالهم واضطرابهم.
لقد ارتكبتُ جريمةً إذًا حين قوَّمتُ علاقةَ هؤلاء بالسلطان، وتسبَّبتُ بإعلانِ حربٍ اقتصاديةٍ على أوربا مع المقاطعين لها، فنزلتْ بي هذه المصيبة.
الجريمة الرابعة:
لقد ساءني أيَّما إساءةٍ ظَنُّ أوربا أن الشريعة تُواتي الاستبداد، حاشا وكلا، وساعَدَها على ظنِّها هذا ما نحن فيه من جهلٍ وتعصُّب؛ ولقد رحَّبتُ بالمَشْرُوطِيّة باسم الشريعة أكثرَ مما رحَّب بها غيري لأُكذِّب ذلك الظن، إلا أنني خشيتُ أن يصدِّقه استبدادٌ آخرُ من جديد، لذا هتفتُ بكل ما أوتيت من قوةٍ مخاطبًا النواب في مسجد "أيا صوفيا":
خذوا المَشْرُوطِيّة ولقِّنوها على أنها عنوان المشروعية، لئلا يأتيَ استبدادٌ جديدٌ خفيٌّ لادينيّ، فيلوِّثَ طُهرَها بيديه القذرتين، ويتخذَها مَطيَّةً لغاياته؛ وقيِّدوا الحريةَ بآداب الشريعة، لأنه إنْ تُرك الجَهَلةُ وعوامُّ الناس أحرارًا بلا قيد، طُلقاءَ بلا شرط،
— 67 —
جنحوا إلى الهوى والرذيلة والمعصية؛ ولْتكنِ المذاهبُ الأربعة قِبلتَكم في صلاة العدالة لتَصِحَّ.
فبما أنني ادَّعيتُ إمكانية استنباط حقائق المَشْرُوطِيّة صراحة وضمنًا وإذنًا من المذاهب الأربعة، إذًا فقد حَمَلتُ على عاتقي أنا طالبَ العلم البسيط مهمةً مفروضةً على العلماء، ما يعني أنني ارتكبت جريمةً، فتلقيتُ هذه الصفعة.
الجريمة الخامسة:
لقد صَدَمتِ الصُّحُفُ الأخلاقَ الإسلاميةَ وشوَّشتِ الرأيَ العام بمنشوراتٍ تقوم على قياسَين فاسدَين، وتتضمن طعنًا في الكرامة، فنشرتُ في الصُّحُف مقالاتٍ تفنِّدها قلتُ فيها:
أيها الصُّحُفيون، يجب على الأدباء أن يكونوا مؤدَّبين، وأن يتأدبوا كذلك بالآداب الإسلامية، ويجب أن تَصدُر كلماتهم من القلب العام المشترك للأمة دون تحيز، وأن يكون الشعور الديني والنية الخالصة في ضمائركم هو الناظم لقانون المطبوعات؛ والحال أنكم أجريتم قياسَين فاسدَين: قياس أرياف البلاد بإسطنبول، وقياس إسطنبول بأوروبا، فشَوَّشتم الرأي العام وأوقعتموه في متاهة، وهيجتم مشاعرَ الانتقام والمصلحة الفردية؛ فكما أنه لا يُعطى طفلٌ يجهل مبادئ القراءة درسًا في الفلسفة الطبيعية، وكما لا يليق بالرجل أن يرتدي ثياب فنانة، فكذلك لا ينبغي أن تُطَبَّق مشاعرُ أوروبا في إسطنبول.
إن اختلاف الأقوام وتباين الأماكن والأقطار هو كاختلاف الأزمان والأعصار، فلباس أحدهم لا يناسب الآخر؛ والثورة الفرنسية الكبرى لا يمكن أن تكون دستورَ حركةٍ لنا بحالٍ من الأحوال، وإنما يأتي الخطأ من تطبيق النظريات مع إغفال مقتضى الحال.
إنني رجلٌ قَرويٌّ أمِّيٌّ، نصحتُ محرِّري صحفٍ مخادعين مغالطين حاقدين، إذًا لقد ارتكبت جريمة.
— 68 —
الجريمة السادسة:
استشعرتُ مراتٍ عديدةً أثناء الاجتماعات الكبيرة ما يَعْتَمِلُ في صدور الناس من توترٍ وهيجانٍ، وخشيتُ أن يُخلَّ العوامُّ بالأمن بتدخلهم في أمور السياسة، فهدَّأتُ التوتُّر بكلماتٍ تناسب طالبَ علمٍ قَرويًّا حديثَ عهدٍ باللغة التركية.
فعلى سبيل المثال احتويتُ الانفعالات وهدَّأتُ المشاعر نوعًا ما في اجتماع الطلاب بمسجد "بايزيد"، وفي حفل المولد النبوي بمسجد "أيا صوفيا"، وفي "مسرح فَرَح"، ولولا ذلك لثارتْ عاصفةٌ أخرى.
إنني رجلٌ بدويٌّ تدخَّلتُ في شؤون المدنيين مع علمي بمكائدهم، إذًا لقد أجرمت.
الجريمة السابعة:
سمعتُ أنه قد شُكِّلَتْ جمعيةٌ باسم "الاتحاد المحمدي"، فتَوجَّستُ أشدَّ الخِيفة من أن تَبْدُر من بعضهم أخطاءٌ تحت هذا الاسم المبارك؛ ثم علمتُ بعد ذلك أن بعض الأفاضل كی"سهيل باشا" و"الشيخ صادق" قد نقلوا هذا الاسم المبارك إلى مجرَّد العبادة واتباع السُّنَّة السَّنِيَّة، فقطعوا بذلك علاقتهم مع تلك الجمعية السياسية، ولم يَعُد لهم أيُّ تدخُّلٍ في السياسة؛ إلا أن الخوف راودني ثانيةً إذْ قلت: إن هذا الاسم حقٌّ عامٌّ للجميع لا يقبل التحديد ولا التخصيص، فكما أنني - باعتبارٍ ما - منتسبٌ إلى جمعياتٍ دينيةٍ متعددة، إذْ قد رأيتُ مقصدها واحدًا، فكذلك انتسبتُ إلى ذلك الاسم المبارك؛ إلا أنَّ تعريفَ "الاتحاد المحمدي" الذي عرَّفتُه وانضممتُ إليه هو: دائرةٌ مرتبطةٌ بسلسلةٍ نورانيةٍ ممتدة من الشرق إلى الغرب، ومن الشَّمال إلى الجنوب، وعددُ المنضوين فيها في هذا الزمان أكثر من ثلاثمئة مليون.
وجهةُ الوحدة والارتباط لهذا الاتحاد هو التوحيد الإلٰهي؛ وعهدُه ويمينُه الإيمان؛ وأعضاؤه جميعُ المؤمنين الذين دخلوه منذ أنْ قالوا: بلى؛ وسِجِلُّ أسمائهم اللوحُ المحفوظ؛ وناشرُ أفكاره جميعُ الكتب الإسلامية؛ وصُحُفُه اليومية جميعُ
— 69 —
الصُّحُف الدينية التي مقصدُها وهدفُها إعلاء كلمة اللّٰه؛ ومقرَّاتُه وأماكنُ تجمُّعِ أعضائه الجوامعُ والمساجدُ والمدارسُ الدينية وأماكنُ الذكر؛ ومركزُه الحَرَمان الشريفان، أما رئيس هذه الجمعية ففخرُ العالَم (ص)، ومسلكُه مجاهدةُ كلِّ امرئٍ نفسَه، أي: التخلُّق بالأخلاق الأحمدية، وإحياءُ السنة النبوية، والتوادُّ، وإسداءُ النصيحة ما لم تَضُرّ.
والنظامُ الداخليُّ لهذا الاتحاد السنةُ النبوية؛ وقانونُه الأوامرُ والنواهي الشرعية؛ وسيوفُه البراهينُ القاطعة؛ لأن مُغالَبة المتمدِّنين إنما تكون بالإقناع لا بالإكراه، وتحرِّي الحقيقة إنما يكون بالمحبة، أما الخصومة فإنما تكون في مواجهة التعصُّب والتخلُّف؛ وأما هدفُ هذا الاتحاد ومقصِده فإعلاءُ كلمة اللّٰه.
إن تسعًا وتسعين بالمئة من الشريعة عائدٌ إلى الأخلاق والعبادة والفضيلة والآخرة، وواحدٌ بالمئة منها متعلقٌ بالسياسة؛ فليفكِّر في هذا أولو الأمر منا.
إن مقصدنا اليوم سَوقُ الجميع نحو كعبة الكمالات في طريق الرقيِّ بحماسٍ وجدانيٍّ، من خلال تحريكِ تلك السلسلة النورانية؛ إذ إن أحد أعظم الأسباب لإعلاء كلمة اللّٰه في هذا الزمان: الرقيُّ المادي.
فأنا أحد أفراد هذا الاتحاد، ومن الحريصين على ظهوره، ولستُ من الفِرَق أو الأحزاب التي تُسبِّب التفرُّق.
والحاصل: لقد بايعتُ السلطان "سليمًا"، وقبلتُ فكره في الاتحاد الإسلامي، فهو مَن أيقظ الولايات الشرقية فبايعَتْه، فأهلُ الشرق الآن هم نفسهم أهل الشرق في ذلك الزمان؛ وأسلافي في هذا الأمر الشيخ "جمال الدين الأفغاني"، ومن العلماء الأعلام مفتي الديار المصرية الشيخ "محمد عبده"، ومن العلماء المبرِّزين "علي سُعاوي"، و"الشيخ تحسين"، و"نامق كمال" الذين اتخذوا الاتحاد الإسلامي هدفًا لهم، والسلطان "سليم" القائل:
إن الخِلاف لَهَمٌّ ظلَّ يُقلِقني
إلا بوحدتنا دفْعُ العِدا زحفوا
حتى بزاويتي في ضَمَّةِ القبرِ
إنْ تفترِقْ أمتي وا غَشْيةَ الصدرِ
— 70 —
لقد عملتُ لأجل هذا الاتحاد لإظهار مقصدين عظيمين:
الأول: لنخلِّصَ ذلك الاسم من التحديد والتخصيص، ونعلن شمولَه لجميع المؤمنين، كي نُبدِّد الأوهام والمخاوف، ونجتنب الوقوع في الفُرقة.
الثاني: لنقيمَ بالتوحيد سدًّا أمام افتراق الفِرَق التي سبَّبتْ هذه المصيبة العظيمة التي وقعتْ؛ لكن ويا للأسف!! لم يُتِحِ الزمان فرصة، بل جاء السيل وهدمني أيضًا.
ثم إنني كنت أقول: لو شَبَّ حريقٌ ما لساهمتُ في إطفائه، ولكنه أتى حتى على لباس المشيخة الذي أرتديه، فأزال شهرةً كاذبةً لا أقدر على حملها، وأنا ممتنٌّ لهذا.
إنني رجلٌ بسيط، غير أني حمَّلتُ نفسي عبءَ القيام بأمرٍ هو من أهمِّ وظائف مجلس الشعب ومجلس الأعيان والوزراء، إذًا لقد ارتكبت جريمة.
الجريمة الثامنة:
سمعتُ أن بعض العسكريين قد أخذوا ينتسبون تِباعًا إلى بعض الجمعيات والتنظيمات السياسية، فخطرت ببالي تلك الحادثة المروِّعة التي حاقت بالإنكشاريين، وانتابني قلقٌ عظيم، فكتبتُ في إحدى الصُّحُف:
"إن أقدس جمعيةٍ في هذا الزمان جمعيةُ عساكرِ أهل الإيمان، وهي جمعيَّةٌ ينضوي فيها جميعُ الداخلين في سلك العساكر المؤمنين المضحِّين، بدءًا من أدنى جنديٍّ وانتهاءً بقائد الجيش، إذْ إنَّ مقصد أقدس جمعيةٍ في العالَم: الاتحاد والأُخوَّة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة اللّٰه؛ وإن الجنود المؤمنين هم المَظهَرُ التامُّ لهذا المقصد، فهم المركز، وهم مَن ينبغي أن ينتسب إليهم الشعبُ والجمعيات؛ وعلى الجمعيات الأخرى أن تجعل الشعب كالجنود مَظهرًا للأخوة والمحبة.
أما الاتحاد المحمدي فشاملٌ لجميع المؤمنين وليس جمعيةً ولا فرقة، ومركزه وصفُّه الأول يتألف من المجاهدين والشهداء والعلماء والمرشدين، فليس ثمة عسكريٌّ مؤمنٌ مضحٍّ - جنديًّا كان أو ضابطًا - خارجٌ عن هذا الاتحاد حتى يلزمَه
— 71 —
الانتساب إليه؛ غير أنه يمكن لبعض الجمعيات الخيرية أن تطلق على نفسها اسمَ "الاتحاد المحمدي"، ولستُ أتدخَّل في هذا الأمر".
إنني مجرَّد تلميذٍ بسيط غصبتُ العلماءَ الكبارَ وظيفتَهم؛ إذًا فقد ارتكبتُ جريمة.
الجريمة التاسعة:
شاهدتُ الحركةَ المروِّعة التي جرتْ في يوم الحادي والثلاثين من مارت، شاهدتُها عن كثبٍ مدةَ دقيقتين أو ثلاثًا، وسمِعتُ العديد من المطالب، فكما أن ألوان الطيف السبعة إذا دُوِّرَتْ بسرعةٍ لم يُرَ منها سوى اللون الأبيض، كذلك لم يَستَبِنْ من بين تلك المطالب المختلفة سوى لفظ "الشريعة" التي تقلِّل الفساد من ألْفٍ إلى واحد، وتنقِذ العوام من الفوضى، وتحافظ بشكلٍ معجِزٍ على السياسة العامة من أن تكون ألعوبةً بيد الأفراد؛ فأدركتُ أن الأوضاع سيئة، وأن الطاعة مختلَّة، وأن النصيحة غير مُجْدية، وإلا فلقد كنتُ أريد أن أسعى لإطفاء تلك النار كما كنت أفعل سابقًا، ولكن العوامَّ كُثْر، وأبناء بلدي بُسطاء سُذَّج، وأنا أظهر بمظهر الشهرة الكاذبة، فانسحبتُ من ذلك المكان بعد ثلاث دقائق، مخافةَ أن يراني هناك أحدٌ يعرفني فيشترك في الحدَث، وتوجَّهتُ إلى "باقر كُوْي"، وأوصيتُ كلَّ مَن لَقِيتُه بألا يتدخل.
فلو كنتُ تدخلت مقدار ذرة، لظهرتُ شخصًا عظيمَ الأهمية في هذا الحدث، فقد كان لباسي يدلُّ علي، وتُبرِزني أمام الجميع شهرةٌ لا أريدها؛ ولعلي حينئذٍ كنتُ سأثبتُ وجودي فأواجه جيشَ الحركة - ولو بمفردي - وصولًا إلى "أياستافونوس"، وإذًا لمِتُّ مِيْتةَ الأبطال، وكان تدخُّلي أمرًا بديهيًّا بحيث لا تبقى حاجةٌ للتحقيق.
ثم إني في اليوم التالي استفسرتُ عن الطاعة العسكرية التي هي رِباطُ حياتنا، فقالوا لي: إن الضباط قد شاركوا في الحادثة مُرْتَدين زيَّ الجنود، ولهذا لم تختلَّ الطاعة كثيرًا.
فسألتُ: كم ضابطًا قَضَوا؟ فضلَّلوني وقالوا: أربعة ضباط فقط، وقد كانوا مستبدين، على أن حدود الشريعة وآدابها ستُنَفَّذ.
— 72 —
ثم اطَّلعتُ على الصُّحُف، فوجدتها تُصوِّر ما جرى على أنه فعلٌ مشروع، وقد فرحتُ لذلك من جهةٍ ما، لأن أقدس مقصدٍ لي هو التطبيق الكامل لأحكام الشريعة، ولكن أصابني الإحباط وانتابني الأسى لوجود الخلل في الطاعة العسكرية، فنشرتُ في جميع الصُّحُف خطابًا للجنود قلتُ لهم فيه:
"أيها الجنود.. إن كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بارتكابِ سيئةٍ واحدة، فإنكم بعصيانكم تظلمون ثلاثين مليون عثمانيٍّ وثلاثمئةَ مليون مسلم بعضَ حقوقهم؛ لأن راية التوحيد والسعادة والعزة لعموم العثمانيين والمسلمين في هذا الزمان إنما تقوم في جانبٍ منها على طاعتكم؛ ثم إنكم تطالبون بالشريعة من جهة، وتخالفونها بالعصيان من جهةٍ أخرى!!".
ثم قدَّرتُ حركتهم وشجاعتَهم، ذلك أن الصُّحُف - وهي الترجمان الكاذب للرأي العام - قد صوَّرتْ لنا حركتهم على أنها أمرٌ مشروع؛ وقد لقيتْ نصيحتي هذه التقدير وكان لها أثرُها، وهدأَ العصيانُ نوعًا ما، ولم يكن ذلك بالأمر الهيِّن.
إنني رجلٌ دخلَ فعلًا مشفى الأمراض العقلية، لكنني لم أقل: "وما شأني بهذا؟ فليفكر العقلاء في هذه الأمور"، إذًا لقد ارتكبتُ جريمة.
الجريمة العاشرة:
ذهبتُ بصحبةِ العلماء يومَ الجمعة إلى الجنود الموجودين تحت إشراف وزارة الحربية، وخاطبتُهم خطابًا بالغَ التأثير، فآتَتْ نصيحتي أُكُلَها بعد حين، حتى لقد تراجعتْ ثماني كتائب منهم عن تمرُّدها ودخلتْ في الطاعة، وكان من خِطابي لهم أنْ قلتُ:
"أيها العساكر الموحِّدون.. إن رايةَ التوحيد وسعادةَ ثلاثين مليون عثمانيٍّ وثلاثمائة مليون مسلم، وشرفَهم وكرامتَهم منوطةٌ - على نحوٍ ما - والتمرُّد تظلمون ثلاثمئة مليون مسلم، إذْ تُلقون بالأُخوة الإسلامية إلى التهلكة.
اعلموا أن ثكنة الجنود تشبه مصنعًا عظيمًا منتظمًا، فإن وقع عصيانٌ من أحد أجزائه أو مفاصله تحوَّل المصنع بأكمله إلى فوضى عارمة؛ ألا ليس للعسكر أن
— 73 —
يتدخلوا في السياسة، وما جرى للجيش الإنكشاري في الماضي خير شاهدٍ على ما أقول.
إنكم تطالبون بالشريعة، لكنكم في واقع الحال تخالفونها وتلطخون سمعتها، فلقد ثبت بالشريعة والقرآن والحديث والحكمة والتجرِبة أن وليَّ الأمر ما دام مستقيمًا متمسكًا بالدين قائمًا بالحق فطاعتُه فرض، فأُولو أمركم وأساتذتُكم هم ضباطكم، فكما أنه إن اقترف مهندسٌ ماهرٌ أو طبيبٌ حاذقٌ ذنبًا لم يتضرر من ذلك طبُّ هذا ولا هندسة ذاك، فكذلك الأمر بالنسبة إليكم، لا تظلموا العثمانيين والمسلمين بالإخلال بطاعةِ ضباطكم المؤمنين المثقفين ذوي الحميَّةِ والفكرِ المنوَّر والتمرُّسِ في فنون الحرب، لمجرَّد وقوع مخالفةٍ شرعيةٍ جزئيةٍ منهم، فالتمرُّد ليس ظلمًا فحسب، بل فيه تعدٍّ على حقوق ملايين الناس.
تعلمون أن راية التوحيد الإلٰهي في هذا الزمان هي بِيد شجاعتكم، وقوةُ هذه اليد إنما تكون في الطاعة والنظام، فألفُ جنديٍّ منضبطٍ مطيعٍ يضاهون مئة ألف جنديٍّ متسيِّب.. فما الحاجة إلى مثل هذه الثورات التي يُراق فيها الكثير من الدماء، والتي لم يستطع أن يقوم بها ثلاثون مليونًا خلال مئة عامٍ من التاريخ، بينما حققتموها أنتم بطاعتكم من غير إراقةٍ للدماء؟!
وأزيدُكم أيضًا: إن خسارة ضابطٍ وطنيٍّ منوَّرِ الفكر هو ضياعٌ لقوَّتكم المعنوية؛ ذلك أن الحكم اليوم للشجاعة الإيمانية والعقلية والعلمية، فرجلٌ منوَّر الفكر قد يضاهي مئةً؛ وإن الأجانب يسعَون بدأبٍ لأنْ يغلبوكم بهذه القوة، لأن الشجاعة الفطرية وحدها غير كافية.
الحاصل: إنني أبلغكم أمرَ فخر العالمين (ص) بأن الطاعة فرض، فلا تعصوا ضُبَّاطكم.
عاش الجنود، وعاشت المَشْرُوطِيّة المشروعة".
فبما أنني تحمَّلتُ أعباءَ مهامَّ جليلةٍ كهذه بحضرةِ علماء كُثْر، إذًا فقد ارتكبتُ جريمة.
— 74 —
الجريمة الحادية عشرة:
لقد شاهدتُ الحالة المُزرية التي كانت عليها العشائر في الولايات الشرقية، وأدركتُ أن سعادتنا الدنيوية ستَتحقَّق بجهةٍ ما على يد العلوم المدنية الحديثة، وأنه لا بد لأجل ذلك من أن تكون المدارس منبعَ تلك العلوم، ويكونَ العلماء نهرَها الجاري، كي يأنَس علماءُ الدين بتلك العلوم؛ إذ هم مَن بيدهم زمام أمور الناس شِبْه البُداة في تلك الولايات.
فقَدِمتُ إلى إسطنبول المسماة "باب السعادة" تَحدوني هذه الغاية مؤمِّلًا السعادة، ومع أن الاستبداد الذي كان يُنسَب في ذلك الحين إلى المرحوم السلطان المخلوع - وقد حَلَّ محلَّه اليوم استبدادٌ أوسعُ انتشارًا وأشدُّ بأسًا - منحني يومئذٍ معاشًا كعطيَّةٍ سلطانية عن طريق وزير الداخلية، إلا أني لم أقبل ذلك ورَدَدتُه، وكنتُ على خطأ فيما فعلت، لكنَّ خطئي هذا كان خيرًا، إذْ أظهرتُ أخطاء الذين يطلبون متاع الدنيا بعلوم الدين؛ فضحَّيْتُ بعقلي ولم أتخلَّ عن حريتي، ولم أطأطئ رأسي لذلك السلطان الشفيق، وتخلَّيتُ عن منفعتي الشخصية.
فالذين هم اليوم بمنزلة الذباب يمكنهم استمالتي بالمحبة وحدَها لا بالإجبار، فأنا أعمل هنا منذ سنةٍ ونصف لنشر المعارف ببلدي، وهذا أمرٌ يعرفه أكثر مَن في إسطنبول.
فأنا ابن حمَّال، ارتكبتُ جريمةً كبرى لأنني لم أتنصَّل من هذا الوصف، ولم أخرج من حالة الفقر، ولم أركنْ إلى الدنيا مع أنها فتحت لي أبوابها، ولأنني أيضًا تركتُ أحبَّ البلاد إليَّ في ذرى جبال الولايات الشرقية، وتدخَّلتُ لأجل الرعيَّة في أمورٍ عادتْ عليَّ بالزجِّ في سجنٍ مريرٍ زمانَ المَشْرُوطِيّة، وبالتوقيف والإيداع في مشفى المجانين؛ بلى، كانت هذه جريمةً كبرى ارتكبتُها فأُحِلتُ إلى هذه المحكمة الرهيبة.
نصف الجريمة:
وهي أنني خاطبتُ السلطان السابق المرحوم حضرة عبد الحميد خان عبر الصُّحُف، تَوَقِّيًا لفوات الخلافة - مركزِ دائرة الإسلام ورابطتِه - من يده؛ وظنًّا مني أنه
— 75 —
قد أدرك ما لديه من جوانب الخلل الاجتماعية وندم عليها، وأنه على استعدادٍ لتقبل النصيحة؛ وأخذًا بالقاعدةِ التي نَصَّتْ عليها الآية الكريمة: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ؛ وظنًّا مني أن الحادثة التي وقعتْ وكانت بذرةَ انفعالاتٍ كثيرة ومبدأَ أغراضٍ شتى كانت ستقع بأفضل شكل؛ فقلت له:
اجعل النجمة المنخسفة دارًا للعلوم حتى يعلوَ قدرُها فوق الثريا؛ وعيِّن فيها بدلًا من السُّيّاحِ والزبانيةِ أهلَ الحقيقة الذين هم ملائكةُ رحمةٍ لتكون أشبه بالجنة؛ وأعِدْ إلى الرعيَّة الثروةَ التي أهدتكَ إياها في قصر يلدز بصرفِها في بناء جامعاتٍ علميَّةٍ دينيةٍ كبرى تعالِج بها جهلَها الذي هو داؤها الوبيل، واعتمِدْ على مروءة الرعيَّة ومحبَّتِها، فهي المتكفِّلة بإدارتك السلطانية.
عليك بعد هذا العمر أن تهتم بالآخرة فحسب، اترك الدنيا قبل أن تتركك، واصرف زكاة عمرك في سبيل عمرك الثاني.
فلنقارن الآن.. أينبغي لقصر يلدز أن يكون ملهًى أم دارًا للعلوم؟! أينبغي أن يتجوَّل فيه السياح أم يدرِّس فيه العلماء؟! أينبغي أن يُغصَب أم يُهدى؟! أيُّ الأمرَين خير؟ فليحكم أهل الإنصاف في هذا.
إنني امرؤٌ من عامَّة الناس أسدى نصيحةً لسلطانٍ عظيم، إذًا لقد ارتكبتُ نصفَ جريمة.
لم يحن وقتُ الإفصاح عن نصف الجريمة الآخر.
(حاشية): لقد حان وقت الإفصاح عن النصف الآخر بعد خمسَ عشرةَ سنة، انظروا المبحثَ الأخير من "سراج النور" الذي تسبب بسجن مؤلِّفه ونفيه مدة ثمانٍ وعشرين سنة، لتعرفوا بالضبط نصفَ الجناية الآخر.
فوا أسفاه!! بينما كانت الأمة في أشد اللّٰهفة والتعطش إلى المَشْرُوطِيّة المشروعة التي هي سعادتنا، وإلى المعارف الحديثة المنسجمة مع الإسلام، وهي منبع حياتنا الاجتماعية، إذْ جاء المُفْرِطون في هذه الحادثة فخلطوا المَشْرُوطِيّة بضغائنهم وأغراضهم، وجاء المُفَرِّطون من أصحابِ الفكر التنويري فتصرَّفوا بما ينافي الدين
— 76 —
وفرَّطوا به، فأقام الفريقان سدًّا أمام رغبات الأمة، والواجب على من أقاموا هذا السدَّ أن يهدموه، وهذا ما يُرجى منهم باسم الوطن.
أيها الباشاوات والضباط..
إن الشهود على هذه الجرائم الإحدى عشرة والنصف يبلغون ألوفًا، بل ربما يبلغ شهودُ بعضها نصفَ أهالي إسطنبول؛ وإنني مع رضاي بما يترتب عليها من عقوبة، لديَّ أحد عشر سؤالًا ونصفُ سؤال أريد الإجابة عليها، وسأُفصح عن حسنةٍ واحدةٍ لي مقابل هذه السيئات، وهي أنني عارضتُ الشُّعبةَ المستبدَّةَ الموجودةَ هنا، والتي حطَّمتْ آمالَ الناس، وسلَبَتْ راحتَهم، وأيقظتِ الأحقاد، وهيجتْ مشاعرَ التحيُّز والتحزُّب، وكانت السبب في تشكيل الجمعيات والمنظمات القومية والعرقية المؤدية إلى التفرقة، والتي حَمَلتِ المَشْرُوطِيّة اسمًا والاستبدادَ معنًى، وشوَّهتِ اسمَ الاتحاد والترقي ولطَّختْ سمعتَه.
إن لكلِّ واحدٍ فكرَه، ولهذا لا بد من تحقيق المصالحة العامة والعفو العام، ولا بد من رفع الامتيازات الخاصة، لكيلا ينظر أحدٌ إلى الآخرين بمنظار التعالي كأنهم حشرات، فينشأَ النفاق.
وإنني أقول: نحن مسلمون حقيقيُّون ولا فخر، قد نُخْدَع، ولكن لا نَخْدَع؛ نحن لا نتنزَّل للكذب لأجل مجرَّدِ حياة، لأننا نعلم أن الحيلة في ترك الحِيَل؛ لكنني أخذتُ على نفسي عهدًا باسم المَشْرُوطِيّة الحقيقية المشروعة أن أصفع الاستبداد حيثما لقيتُه، وبأيِّ شكلٍ كان، سواءٌ تزيَّا بزيِّ المَشْرُوطِيّة أو تسمَّى باسمها؛ وإنني أعتقد أن أعداء المَشْرُوطِيّة هم من يكثِّرون أعداءَ الشورى بإظهارِهم المَشْرُوطِيّة قبيحةً جائرةً تخالف الشريعة، مع أن القاعدة تقول: لا تَتبدَّل الحقائق بتبدُّل الأسماء.
وبما أن أعظمَ الخطأ أن يظن الإنسان نفسَه منزَّهًا عن الخطأ، فإنني أعترف بخطئي فأقول: لقد أردتُ أن أحمل الناس على قبول النصيحة دون أن أقبل نصيحتهم، وعملتُ على إرشاد الآخرين دون أن أرشد نفسي، فهوَّنتُ من شأن الأمر بالمعروف حتى بات عديم الأثر.
— 77 —
ثم إن الثابت بالتجربة أن الجزاء يَنزِل نتيجةَ تقصيرٍ ما، إلا أن الجزاء على تقصيرٍ سلَفَ قد يأتي في صورة عقوبةٍ على جُرْمٍ لم يُرتَكَبْ؛ إذْ يكون المرء مستحقًا للجزاء مع أنه في الظاهر بريء، فيرسل اللّٰه مصيبةً تَزُجُّ به في السجن، فيكون ذلك منه عَدلًا، ويعاقبه القاضي فيكون ذلك منه ظلمًا.
يا أولي الأمر..
كانت لي منزلةٌ ومكانةٌ أردتُ أن أخدم بها الأمة الإسلامية فحطَّمتموها؛ وكانت لي شهرةٌ كاذبةٌ ذاعتْ من غير أن أطلبَها، وكنتُ أنصح العوامَّ من خلالها فتُؤثِّر النصيحة، فمحَوتُموها مشكورين؛ وليَ الآن حياةٌ ضعيفةٌ سئمتُها، فليهلكْني اللّٰه إن تشَبَّثْتُ بها خوفًا من الإعدام؛ ولستُ رجلًا إنْ لم أمضِ إلى الموت مبتسمًا، ألا إنَّ إدانتي وتجريمي صورةً سيؤدي إلى إدانتكم وتجريمكم وجدانًا، وليس في هذا الأمر ما يضرني، بل هو شرفٌ لي؛ لكنكم ألحقتم الضرر بالأمة؛ إذْ قضيتم على التأثير الموجود في نُصحي، ثم ألحقتم الضرر بأنفسكم ثانيًا، إذْ صرتُ حجةً قطعيةً بيد خصومكم.
لقد وضعتموني على المِحَكِّ، فلو وضعتُم على المِحَكِّ الأشخاصَ الذين تسمُّونهم الفرقةَ الخاصة فكم رجلًا منهم سيبقى سليمًا يا ترى؟!
ألا إنه إن كانت المَشْرُوطِيّة عبارةً عن استبدادِ فئةٍ وعملٍ بخلاف الشريعة، فليشهد الثَّقَلان أني مرتجِع؛ (حاشية): أي: ليشهد العالم بأسره والجن والإنس أني رجعيٌّ متخلَّف. لأن الاتحادَ المبنيَّ على الكذب كذبٌ، واسمَ المَشْرُوطِيّة المؤسَّسة على الإفساد فاسد، أما مُسمّاها فسيبقى أبدًا مبنيًّا على الحق والصدق ورفع الامتيازات.

.........

إن الصاعقة الشديدة والعاصفة الرهيبة المسمَّاة "حادثة الحادي والثلاثين من مارت" قد هيَّأت استعدادًا طبيعيًّا للّٰهرْج والمَرْج بفعل أسبابٍ عدة، إلا أنه ورد على لسان القائمين بها اسمُ الشريعة المُظْهِرُ للمعجِزات على الدوام، وما ذاك إلا من اللّٰه
— 78 —
سبحانه؛ وبما أن اسم الشريعة هذا قد جعل تلك العاصفة تمرُّ بسلام، فإنه يُدين - أمام اللّٰه - الصُّحُف التي أطلقتْ لسانَها بالسوء بعد منتصف نيسان؛ وإذا أُخِذَ بعين الاعتبار كلٌّ من المسائلِ السبع التي أفضتْ إلى هذه الحادثة مع الأحوالِ السبع حينئذٍ، ظهرتِ الحقيقة؛ وتلك المسائل والأحوال هي:
١. أنها كانتْ حركةً متوجِّهةً بتسعين في المئة منها ضد الاتحاد والترقي، وضد تسلُّطهم واستبدادهم.
٢. وأنها كانت تهدُف لتبديلِ الوزراء الذين كانوا محلَّ نزاعٍ بين الأحزاب.
٣. وإنقاذِ السلطان المظلوم من الإسقاط المدبَّر.
٤. والوقوفِ سدًّا أمام التعليمات التي تخالف الأعراف العسكرية والآداب الدينية.
٥. والكشفِ عن قاتل "حسن فهمي" الذي ضُخِّم أمره كثيرًا.
٦. وتسويةِ أوضاع المفصولين من الخدمة وضباط الألوية، ورفعُ الضرر اللاحق بهم.
٧. ومَنعِ مفهوم الحرية أن يشمل الفجور والرذيلة، وتحديدِه بآداب الشريعة، وتطبيقِ القصاص وقطع اليد اللذَين لا يَعرف العوامُّ السياسةَ الشرعية بدونهما.
ولكن كانت الأرضية آسنة، وكانت الخطط قد وُضِعَتْ، والأفخاخ قد نُصِبَتْ، وضُحِّيَ بالطاعة العسكرية المقدسة.
لقد كان أُسُّ أساسِ الأسباب لما جرى: الجدال بين الفرقاء بتحيُّزٍ وضغينة، ومَيلُ الصُّحُف إلى إيراد الأكاذيب، وإفراطُها في التشويش، واعتمادُها على المبالغة بدلًا من البلاغة؛ فكما أن الألوان السبعة إذا دُوِّرَتْ لم يُرَ سوى اللون الأبيض، فكذلك هذه المطالب السبعة لم يتجلَّ منها سوى ضياء الشريعة البيضاء، فقامت سدًّا بوجه الفساد.

.......

— 79 —
إنني أقول بكلِّ ما أملك من قوة: لا رقيَّ لنا إلا برقيِّ قوميتنا التي هي الإسلام وبتجليةِ حقائق الشريعة، وإلا صدَقَ فينا المَثَل: "ضَيَّعَ المِشْيَتَين".
أجل، إن علينا أن نستشعر عزَّةَ القوميَّة الإسلاميَّة وشرفَها، وأن نستشعر ثوابَ الآخرة، وأن نستشعر كذلك الحَمِيَّة الوطنيَّة والحَمِيَّة الإسلامية، ونستشعرَ حبَّ الوطن وحُبَّ الدين معًا.
أيها الباشاوات والضباط.. إنني أطالب بعقوبتي على جرائمي، وبالإجابة الآن على أسئلتي؛ أما الإسلام فهو الإنسانيَّة الكبرى، وأما الشريعة فهي المدنيَّةُ الفُضْلى، وإن العالَم الإسلامي لهو الخَليقُ بأن يكون مدينة أفلاطون الفاضلة:
السؤال الأول: (حاشية): كانت هذه الأسئلة سببًا في إطلاق سراح بضعةٍ وأربعين سجينًا بريئًا. ما عقوبة البسطاء السُّذَّج الذين وقعوا ضحيةَ تضليلاتِ الصُّحُف، فانجرفوا في التيار العام بدافع الأعراف والتقاليد، ظانِّين أن عملهم هذا مشروع؟
السؤال الثاني: أرأيتُم لو تمثَّل إنسانٌ بصورةِ أفعى، أو تزيَّا وليٌّ بزيِّ قاطعِ طريقٍ، أو تشكَّلتِ المَشْرُوطِيّة في شكلِ الاستبداد؛ ما عقوبة مَن يتصدَّى لهؤلاء؟ لعلَّهم في الحقيقة أفاعٍ وقطاعُ طرق ومستبدون!!
السؤال الثالث: أيكون المستبدُّ شخصًا واحدًا فحسب؟ ألا يمكن أن يكون أشخاصًا متعدِّدين؟
إنني أعتقد أنه ينبغي أن تكون القوة في القانون، وإلا انتشر الاستبداد واشتدَّ عبر المنظمات.
السؤال الرابع: أيُّما أشدُّ ضررًا: إعدام بريءٍ واحد؟ أم العفو عن عشَرة مجرمين؟
السؤال الخامس: ألا تؤدي ملاحقةُ أهل الفكر وأصحاب المبادئ إلى فُشُوِّ النفاق والفرقة، فضلًا عن عدم جدواها في القضاء عليهم؟
— 80 —
السؤال السادس: بأيِّ شيءٍ سوى إلغاء الامتيازات يتحقق اتحاد الأمة الذي هو معدِن حياتنا الاجتماعية؟
السؤال السابع: أرأيتم إلى الإخلالِ بالمساواة وقصرِ تطبيقها على بعض الناس، ثم تنفيذِ القانون بحذافيره عليهم، أليس هذا تحاملًا وظلمًا بلا مساواة وإن كان ظاهرُه العدالة؟!
ثم أرأيتم إلى أكثريَّة المعتقلين الذين تبيَّنَتْ براءتُهم بتبرئتهم وإطلاق سراحهم - ولعلهم يبلغون ثمانين بالمئة من المعتقلين - فإن كان ما أصابهم هو حكم القانون، أفلا يَرى غالبيةُ الناس في هذا الحكمِ حقدًا ومشاعرَ انتقام؟!
ليس عندي ما أقوله للمحكمة العسكرية العرفية، وإنما على المخبِرين أن يتفكَّروا في الأمر.
السؤال الثامن: أرأيتم لو أن فئةً منحتْ نفسَها امتيازاتٍ دون سائر الناس مدَّعيةً أنها تمثِّلُ المَشْرُوطِيّة، ثم راحت تتعرض للناس وتستفزُّهم وتجرح مشاعرهم المرةَ تِلو الأخرى لِتَضطرَّهم أن يظهروا في صورة من يعارِض المَشْرُوطِيّة؛ فمَنْ المذنِبُ يا تُرى إنْ تصدَّى الناس لهذا الاستبداد العنيد الذي يتزيَّا بزيِّ المَشْرُوطِيّة؟!
السؤال التاسع: لو أن بوَّاب حديقةٍ فتح بابها وأباح دخولَها للجميع، مَن المُذنِب يا ترى إن أصاب الحديقةَ من جرّاءِ ذلك ضرر؟!
السؤال العاشر: أرأيتم إنْ فُتِحَ المجال أمام حرية الفكر والتعبير، ثم حوسِب الناسُ على أفكارهم وكلامهم، ألا يُعَدُّ ذلك خُطةً لإلقاء هذا الشعب المسكين في الجحيم؟!
وحتى لو لم يكن ثمّة خطةً لذلك، ألا يخطر بالبال وجود ذرائع أخرى تُوضَع موضع التنفيذ لتحقيق الغرض نفسه؟!
السؤال الحادي عشر: الجميعُ يَحلِفون باسم المَشْرُوطِيّة، والحال أنهم إما معارضون لمسمَّاها أو ساكتون عن معارضيها، أفلا تلزمهم إذًا كفارة اليمين؟! ألا يكون الشعب عندئذٍ كاذبًا؟! ألا يُعَدُّ حينَها الرأيُ العام البريء كاذبًا مختلَّ العقل فاقدَ التمييز؟!
— 81 —
الحاصل: إن الوضع السائد اليوم هو تسلُّطٌ واستبدادٌ شديد، بسبب تفشي الجهل، وكأن الاستبداد والتجسس على الرعية قد تناسخا، والظاهرُ أن المقصَد لم يكن استعادةَ الحريَّة من السلطان عبد الحميد، بل تحويلَ الاستبداد الخفيف القليل إلى استبدادٍ شديدٍ كثير.
نصفُ السؤال: أرأيتم لو أن شخصًا نحيل البدن رقيق الحسِّ، لم يتحمَّل لَسْعَ البعوض والنحل، فراح يدفعُها عن نفسه ببالغِ المشقَّة والاضطراب، فقال أحدهم: ليس مقصَد هذا الرجل أن يدفع البعوض أو النحل عن نفسه، وإنما غرضُه أن يوقظ أسدًا ضاريًا ليسلِّطه على نفسه؛ فأيُّ أحمقَ سينخدع بهذا القول يا تُرى؟!
لا إِذْنَ بالإفصاح عن نصف السؤال الآخر.
أيها الباشاوات والضباط..
إنني أقول بكل قوتي: أنا مُصِرٌّ غايةَ الإصرار على جميع الحقائق التي في جميع مقالاتي المنشورة في الصُّحُف؛ ولو دُعيتُ من قِبَل محكمةِ "عصرِ السعادة" في الزمان الماضي باسم عدالة الشريعة، لأبرزْتُ الحقائقَ التي نشرتُها بعينها، وأقصى ما سأفعله حينئذٍ هو أن أُلبسَها زِيًّا يوافق ضرورات ذلك الزمان؛ ولو استُدْعيْتُ مِن قِبَل المستقبل بعد ثلاثمئة سنةٍ بمذكِّرةِ استدعاءِ التاريخ إلى محكمة العقلاء الناقدين، لأظهرتُ كذلك هذه الحقائق غضَّةً طريَّةً مع رَتْقِ ما انفتقَ بالتوسُّع والانبساط؛ أي إن الحقيقة لا تتحوَّل.. الحقيقة هي الحق، والحق يَعلو ولا يُعلى عليه.
لقد استيقظتِ الأمة، ولئن غوفِلتْ حينًا من الزمن بالمغالطة والجَرْبَزَة فإن ذلك لن يدوم؛ أما الوهم الذي يُصوَّر على أنه حقيقة فعمره قصير، وستتبدد تلك المغالطات والتضليلات بفضلِ الرأي العام اليقِظ المتحمس، وستظهر الحقيقة إن شاء اللّٰه.
لقد كان الوضع في سجنكم الفظيع مُريعًا: زمانٌ عصيب، ومكانٌ موحِش، وسجينٌ مستوحش؛ صحُفٌ مُرْجِفة، وأفكارٌ مشوَّشة، وقلوبٌ حزينة، وضمائرُ متألِّمة يائسة؛ حرسٌ مزعجون، وموظَّفون في أوَّل الأمر شامتون؛ لكنْ بالرغم من ذلك كلِّه
— 82 —
كان الأمر بالنسبة إليَّ أشبهَ ما يكون بتسلية، إذْ لم يكن ضميري يؤنِّبني؛ بل لقد كان تنوُّع المصائب بالنسبة لي أشبهَ بتنوُّع نغمات الموسيقى؛ ثم إنني أتممتُ اليومَ في هذه المدرسة الدرسَ الذي حصَّلتُه في مشفى المجانين السنةَ الماضية؛ لقد تلقيتُ دروسًا طويلةً لطولِ زمان المصيبة، وتلقيتُ من حزنِ المظلوم البريء - الذي هو اللذة الروحية في الدنيا - درسَ الرأفةِ بالضعيف والمَقْتِ للظالم.
وإنني على أملٍ عظيمٍ بأن الآهات والأنَّات المتبخِّرةَ بحرارةِ الحزن من قلوبِ أبرياء كُثْر ستشكِّل سَحَابةَ رحمةٍ، ولقد أخذتْ هذه السَّحابةُ تتشكَّل فعلًا بتشكُّل دولٍ إسلاميةٍ شيئًا فشيئًا في العالَم الإسلامي.
ألا إنه إن كانت المدنيَّةُ أرضيةً تمهِّد السبيل لتعدِّياتٍ تدمِّر الكرامة، وافتراءاتٍ تفضي إلى النفاق، وسلوكياتٍ تستخفُّ بالدين، ومغالطاتٍ شيطانيَّة، وأفكارِ انتقامٍ متعسِّفة، فليشهد الجميع أنني أُفضِّل الخيامَ البدويَّة البدائية في أعالي جبال الولايات الشرقية، حيث ميدانُ الحريَّة المطلقة، وأختارها بدلًا من المدنيَّة موطنِ الأحقاد والنوايا السيئة المسمَّاة قصرَ السعادة؛ لأن حريَّةَ الفكر، وحريَّةَ التعبير، وحُسْنَ النية، وسلامةَ القلب، التي لم أرَ شيئًا منها في هذه المدنيَّة الدَّنيَّة، هي النافذُ حكمُها بكلِّ ما تعنيه في جبال شرقيِّ الأناضول.
والأدباء أصحابُ أدبٍ فيما أعلم، لكنني أرى بعض الصُّحُف عديمةِ الأدب تنشر الأحقاد، فإذا كان الأدب هكذا، وإذا كان الرأي العام مشوَّشًا مضطربًا إلى هذه الدرجة، فاشهدوا أنني قد تخلَّيتُ عن هذا الأدب، وألَّا علاقة لي به؛ ولسوف أُطالع ألواحَ العالَم وأجرامَه على قمة "باشيد" في أعالي جبال بلدي بدلًا من مطالعة هذه الصُّحُف.
فضلُ الإلٰه بنا يسمو ويرفعُنا
قِدْمًا غَنِينا به عن كلِّ حادثةٍ
نحن المجانينُ لا ليلى ووُصلتَها
عن كلِّ أعطيةٍ جوفاءَ تُغرينا
فما رَنَتْ للسِّوى يَومًا أمانينا
نبغي، ولا ذِكرَها كنا مُرجِّينا
— 83 —
تنبيه: إن استقالتي من المدنية ستُقْلِقُكم.
أجل، إنني أُفضِّل حياة البداوة على هذه المدنيَّة الممزوجة بالذُّلِّ والرذيلة والاستبداد؛ فهذه المدنيَّة تجعل الناس فقراء بلا أخلاق، منغمسين في اللّٰهو والرذيلة؛ أما المدنية الحقيقية فتخدم رُقيَّ النوع الإنساني وكمالَه، وتُخرِج ماهيَّتَه النوعيَّة من حيِّزِ القوة إلى حيِّزِ الفعل، وطَلَبُها بهذا الاعتبار طَلَبٌ للإنسانيَّة.
ثم إن سبب افتتاني بمعنى المَشْرُوطِيّة ومحبتي لها هو أن الباب الأول لرقيِّ آسيا والعالَم الإسلامي مستقبلًا إنما هو المَشْرُوطِيّة المشروعة والحريَّة ضمن دائرة الشريعة.
وإن مفتاح سعادةِ الإسلام وعزَّتِه وحُسْنِ طالعِه ليس إلا في الشورى التي في المَشْرُوطِيّة، ذلك أنه حتى هذه اللحظة يرزح ثلاثُمئةٍ وسبعون مليون مسلمٍ تحت استبداد الأجانب المعنوي، فإن سادتْ حاكميةُ الإسلام في العالَم اليوم، خصوصًا في آسيا، كان لكلِّ فردٍ مسلمٍ جزءٌ حقيقيٌّ من الحاكمية؛ والحرية هي الحل الوحيد لإنقاذ ثلاثِمئةٍ وسبعين مليون مسلمٍ من الأَسْر، فلو فرضنا - مُحالًا - تضرُّرَ عشرين مليون شخصٍ هنا في سبيل تأسيس الحريَّة، فليكن هذا فداءً لها، نعطي عشرين ونأخذ ثلاثَمئة.
فوا أسفاه!! إن العناصر والأعراق عندنا مختلطةٌ كالهواء، لم تمتزج كالماء؛ لكنها ستمتزجُ بفعلِ كهرباءِ الحقائق الإسلامية، وتُوَلِّد القوةَ بحرارة ضياء المعارف الإسلامية، لتُوْلَد عدالةٌ معتدلةُ المزاج إن شاء اللّٰه.
عاشت المَشْرُوطِيّة المشروعة، وسَلِمتِ الحرية النيِّرة المتلقِّيةُ درسَها التامَّ من تربية الحقيقة الشرعية.
غريب زمان الاستبداد،
بديع زمان المَشْرُوطِيّة،
بدعة هذا الزمان
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 84 —
لم يمكث بعد ذلك طويلًا في إسطنبول، بل غادرها متوجهًا إلى "وان"، وبينما هو في طريقه إليها عبْر "باطوم" مرَّ بی"تفليس" وصعِد إلى "تلِّ الشيخ صنعان" هناك، وبينما كان يتأمَّل فيما حوله، إذا بشرطيٍّ روسيٍّ يأتيه فيسأله:
٭ لماذا تمعِن النظر هكذا؟
- إنني أُخطط لمدرستي.
٭ من أين أنت؟
- من "بِتْليس".
٭ لكنْ هنا "تفليس"!!
- إن "بِتْليس" و"تِفليس" شقيقتان.
٭ ماذا تقصد؟
- إن ثمّة ثلاثة أنوار قد أخذت تُشْرِق تباعًا في آسيا والعالم الإسلامي، وثمّة ثلاثُ ظُلُمات مطبقة عندكم ستنقشع وتتبدَّد، فيتمزَّق على إثرها حجابُ الاستبداد هذا وينحسر، وسآتي عندئذٍ إلى هنا فأنشئ مدرستي.
٭ هيهات!! . . إني لَأَعْجَبُ من آمالِك هذه!!
- وأنا أعجَبُ من عقلك! أتَظُنُّ أنْ سيدومُ هذا الشتاءُ؟!! إن بعد كلِّ شتاءٍ ربيعًا، وبعدَ كلِّ ليلٍ نهارًا.
٭ إن الإسلام قد تمزَّق إرَبًا إرَبًا!!
- لقد ذهب أبناؤه يحصِّلون العلوم، فها هي الهند ابنُ الإسلام المتحفِّز يَجِدُّ في كُلِّيّة الإنكليز، وها هي مصر ابنُ الإسلام الذكي يتلقَّى الدروس في كُلِّيّة الإدارة الإنكليزية، وتلك القوقازُ وأرضُ التُّرك ابنا العالم الاسلامي المغواران، يتلقيان الدروس في الكلية الحربية الروسية.. إلى آخر ذلك.
— 85 —
يا هذا.. إن أبناء الحَسَب والمجد هؤلاء بعد أن يَحصُلوا على شهاداتهم، سيتولى كلٌّ منهم قارةً، وسيرفعون رايةَ أبيهم العادل، رايةَ الإسلام المهيبة خفاقةً في آفاق الكمالات، وسيُعلنون بحماية القدَرِ الأزلي - رغم أنف الزمان - سرَّ الحكمةِ الأزلية في نوع بني البشر.
٭ ٭ ٭
وفور وصوله إلى "وان"، شَرَعَ بديع الزمان يطوف على العشائر في مهمةٍ إرشاديةٍ يقدِّم فيها الدروس العلمية والمدنية والاجتماعية، وقد نشر بهذا الخصوص كتابًا رتَّبه بطريقة السؤال والجواب وسمَّاه: "المناظرات"؛ وكانت محاوراته مع أهل السياسة من جهةٍ، ومع العشائر وطبقات الناس من جهةٍ أخرى مثارَ اهتمام بلا ريب، وإنه ليتبدَّى في كلِّ ما سبق أن غايتَه العظمى والوحيدة كانت نشرَ نور الإسلام وحقائق القرآن في العالم، وأنه أدى وظيفتَه أتمَّ أداءٍ في جميع حياته: دَلَّالَ القرآن الكريم.