السيرة الذاتية
— 85 —

أمثلة من محاورات بديع الزمان ومناظراته مع عشائرِ شرقيِّ الأناضول

سؤال: إن لم يكن على الدين ضرر، فليكنْ ما يكون ولا نُبالي.
الجواب: الإسلام كالشمس، لا ينطفئ بنفخِ الأفواه؛ وكالنهار، لا ينقلب بإغماضِ العين ليلًا إلا لمن أغمض عينيه.
فيا عجبًا!! أيُّ الأمرَيْن أَوْلى: أن يُعتَمَد على رئيسٍ مغلوبٍ على أمره ولا حيلةَ له، وموظَّفين مداهِنين، وضباطٍ لا منطق لهم، وتُتْرَكَ حمايةُ الدين لهم؛ أم تُترَك للسيفِ الألماسي الحاصل من امتزاج شراراتِ الحَمِيَّة الإسلامية الساطعة، وللعمود النورانيِّ الحاصل من اجتماعِ لمَعاتِ الأنوارِ الإلٰهيَّة، وهي الشَفَقةُ الإيمانيَّة التي يَجِيْشُ بها كلُّ قلب، والمشاعرُ الإسلاميَّة التي يقوم عليها الرأي العام للأمة؟! فاحكموا أنتم أيُّهما أولى؟
— 86 —
بلى؛ سيَحمِل هذا العمودُ النورانيُّ حمايةَ الدين على عاتِق حَمِيَّته، وسيجعله على رأسِ شهامته وعينِ مراقبته.
فها أنتم تَرَون اللمعاتِ المتفرِّقةَ قد أخذت تتلألأ، ولسوف تمتزج بالانجذاب شيئًا فشيئًا؛ فلقد تَقَرَّر في علم الحكمة أن الحسَّ الديني - لا سيَّما الدينَ الفطريَّ الحق - أَنْفَذُ كلامًا، وأعلى حُكمًا، وأشدُّ تأثيرًا.
نعم، نعم، لا تتأسَّفوا، ولا يَفتُرْ شوقُكم إنْ قطعَ البعوضُ طنينَه، أو خَفَتَ النحلُ دَوِيَّه؛ فالموسيقا الإلٰهيَّة التي تُرقِص الكائناتِ بنغماتها، وتَهُزُّ أسرارَ الحقائق بإنشاداتها لا تتوقف، بل تَصدَح هادرةً على الدوام؛ ولا يزال سلطانُ الأَزَل وملِكُ الملوك يملأ العالَم بموسيقاه الإلٰهية: "القرآن"، فتتعالى نحو قبة السماء، وتنسابُ إلى أصدافِ رؤوس العلماء، ومغاراتِ قلوب الأولياء، وكهوفِ أفواه الخطباء، فترتدُّ من ألسنتهم أصداءَ سيَّارةً سيَّالة، وتتمثَّل بالطباعةِ كتبًا إسلاميةً، كلُّ كتابٍ أشبهُ بوَتَرٍ يشدو لحنًا سماويًّا روحيًّا؛ فمن لم يَسمعه أو يستمع إليه بأُذُنَي القلب، أسيستمع إلى طنطناتِ أميرٍ ورجالِ حكومةٍ هي بالنسبة لذلك الصدى أشبهُ بطنينِ البعوض أو الذباب؟!

.......

س: لقد فسَّروا لنا الحريَّة تفسيرًا بالغ السوء، حتى قالوا: إن من الحرية أنْ لو ارتكب الإنسانُ كلَّ سیفاهةٍ ورذالةٍ لم يؤاخَذْ بشيءٍ ما لَم يَضرَّ غيرَه؛ أهي كذلك يا تُرى؟!
ج: إنما أعلَن هؤلاء عن سفاهتهم ورذالتهم لا عن الحرية، وجاؤوا بهَذَيانٍ كمَزاعِم الصِّبْيان؛ ذلك أن الحريَّة الحسناء يَلزَمها أن تتأدَّب بالآداب الشرعية وتتزيَّن بها، وإلا فليست السفاهةُ والرذالة من الحرية في شيء؛ بل هي الحيَوانيَّةُ، واستبدادُ الشيطان، وإسارُ النفس الأمَّارة.
إن الحريَّة العامَّة إنما هي محصَّلُ ذرَّاتِ حريَّات الأفراد، وشأنُها ألَّا يَضُرَّ الإنسانُ نَفْسَه ولا غيرَه؛ إلا أنَّ عندكم أيها البُداة الرُّحَّل نصفَ حرية، ونصفُها الآخر عدمُ إفسادِ حرية الآخرين.
— 87 —
هذا، مع أن الحريَّة الممزوجة بالبدائية وبحالةِ عيش الكفاف موجودةٌ كذلك لدى جيرانكم من الحيَوانات في الجبال؛ والواقع أنه ليس لتلك الحيوانات الوحشية عديمةِ الحيلة من لذَّةٍ وتسليةٍ - إنْ وُجِدتْ - سوى حريَّتها، أمَّا الحرية المتلألئة كالشمس، المعشوقةُ لكلِّ روح، الكفءُ لجوهرِ الإنسانية، فهي التي تخدَّرتْ في قصرِ سعادةِ المدنيَّة، وتزيَّنَتْ بحُلَلِ المعرفةِ والفضيلة والتربية الإسلامية.

.......

س: كيف كانت الحريَّةُ خاصِّيةَ الإيمان؟
ج: لأنه كما مَنَعَتْ عِزةُ الإيمان وشهامتُه مَن كان - برابطة الإيمان - خادمًا لسلطانِ الكائنات مِن أن ينحَطَّ بالتذلُّل لغيره، ومِن أن يَدخُل تحت استبدادِ غيرِه وتحكُّمه، فكذلك تحجُزُه شَفَقَتُه الإيمانيَّة عن التعدِّي على حقوق الآخرين وحريَّاتهم.
أجل، إن مَن كان خادمًا مُخْلِصًا للسلطان، لم يتذلَّل لتسلُّط راعٍ، ولم يتنزَّل للتسلُّط على مسكينٍ لا حول له ولا قوة؛ إذًا فعلى قدرِ كمالِ الإيمان تتلألأُ الحريَّة؛ ودونكُم عصرَ السعادة وخير القرون.

.......

س: كيف نكون أحرارًا إزاء شخصٍ عظيمٍ، أو وليٍّ، أو شيخٍ، أو عالِمٍ كبير؟ فإن هؤلاء - لِما لهم من المزايا - من حقِّهم أن يتحكَّموا بنا، ونحن أسرى فضائلهم.
ج: إن شأن الولايةِ والمشيَخةِ والعَظَمَةِ التواضعُ والفناءُ عن النفس لا التكبُّر والتحكُّم؛ وعلى هذا فالمتكبِّر صبيٌّ متشيِّخ، فلا يكنْ في عُرفكم كبيرًا.

.......

س: هيهات!! ما القولُ وقد فغَرَتْ تلك الثعابين الرهيبة أفواهها تبغي تمزيق دولتنا، وتسميمَ جوانب حياتنا؛ وتَقلِبُ أملَنا العُلْويَّ الذي يمنحنا السُّلوانَ يأسًا؟!
ج: لاتخافوا؛ لقد أخذت المدنيَّةُ والفضيلةُ والحريَّةُ تَقرَعُ بابَ عالَم الإنسانية غالبةً تَثقُل كِفَّتُها؛ فلا بدَّ أن تَخِفَّ كِفَّةُ الميزان الأخرى شيئًا فشيئًا.
— 88 —
ولو فرضنا على سبيل المُحال أنهم - لا سمح اللّٰه - مزَّقونا وقتلونا، فكونوا على ثقةٍ أننا سنُقْتَل عشرين، وسَنُرَدُّ إلى الحياة ثلاثَمئةٍ، ننفض عن رؤوسنا غبارَ الرذائل والاختلاف، ونغدو في مقدِّمةِ قافلةِ بني البشر، نَقودُها متَّحدين منوَّرين نورًا حقيقيًّا؛ فلا تخشَوا موتًا يُنتِجُ حياةً تكون الأشدَّ والأقوى والأبقى؛ وإن مُتْنا فسيبقى الإسلام سليمًا أيضًا؛ فلْتَسْلَمِ الأمة المقدَّسة.
س: كيف نتساوى مع غير المسلمين؟!
ج: المساواة ليست في الفضيلة والشرف، بل في الحقوق؛ فالسُّلطان وسُوْقَةُ الناسِ في الحقوق سواءٌ.
أرأيتم شريعةً قالت: لا تطأْ نملةً وأنتَ تعلم، ومنعتْ من تعذيبها؛ كيف تُهمل حقوق بني آدم؟! كلَّا.. لكننا نحن الذين لمْ نَمْتثل لها.
بلى، إني لأظنُّ أن محاكمةَ الإمام عليٍّ رضي اللّٰه عنه مع يهوديٍّ من العامَّة، ومرافعةَ مدارِ فخركم صلاحِ الدين الأيوبيِّ مع نصرانيٍّ مسكين، تُصحِّحان خطأكم هذا.
(حاشية): حين كان "سعيدٌ القديم" يناضلُ لأجل "الحريَّة" بحماسٍ وسُلوانٍ تامٍّ وأملٍ قويٍّ آتٍ من خاصيَّة "النور" الساطعة، جاعلًا من السياسة أداةً للإسلام، استشعر بحِسٍّ قبلَ الوقوع مجيءَ استبدادٍ مُطلَقٍ رهيبٍ يعادي الدين بناءً على ما فهِمَ من معنى حديثٍ شريف، فأَخبر عن ذلك قبل وقوعه بخمسين سنة، وقد شعر بأنَّ ما أَخبر به من أملٍ وسُلوان سيكذِّبه ذلك الاستبدادُ المطلق تكذيبًا فعليًّا على مدى خمس وعشرين سنة، فنبذَ السياسةَ منذ ثلاثين سنة قائلًا: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة"، وأصبح "سعيدًا الجديد".
ذلك أن المَشْرُوطِيّة هي حاكميَّیةُ الأمیة، والحكومة خادمیة؛ فإذا صَدَقتِ المَشْرُوطِيّةُ لم يكن قائمُ المقام ولا الوالي رؤساء، بل خدَّامًا مأجورين؛ فغيرُ المسلم لا يمكن أن يكون رئيسًا بل خادمًا.
وإذا فرضتُم أن الوظيفة نوعُ رئاسةٍ وسيادة، فإننا حين نُشرِك في رئاستنا ثلاثة آلافٍ من غير المسلمين، نكون قد فتحنا طريقًا إلى رئاسةِ ثلاثِمئةِ ألفِ فردٍ من أمة الإسلام في أقطار العالَم؛ فمَن خَسِرَ واحدًا وربِحَ ألفًا لم يتضرَّر.