السيرة الذاتية
— 59 —

الحقيقیة

جريدة دينية: ٧٠
٢٦ شباط ١٣٢٤ رومي (آذار/مارس ١٩٠٩ ميلادي)
نحن في "الجمعية المحمدية" من عهدِ أن قالوا: بلى
إن التوحيد هو جهة الوحدة في اتحادنا، وإن الإيمان هو عهدنا ووعدنا، فما دمنا موحِّدين فنحن متَّحدون؛ وكلُّ مؤمنٍ مكلَّفٌ بإعلاء كلمة اللّٰه، وأعظمُ أسبابها
— 60 —
في هذا الزمان الرقيُّ المادي، ذلك أن الأجانب ما زالوا يسحقوننا تحت وطأة استبدادهم المعنوي بسلاح العلوم والصناعات، ونحن سنجاهد بالسلاحِ نفسه ألَدَّ أعداءِ إعلاءِ كلمة اللّٰه، ألا وهو الجهل والفقر والاختلاف، أما الجهاد الخارجي فنُحِيْلُه لسيوفٍ ألماسية، هي سيوفُ براهينِ الشريعة الغرَّاء القاطعة، لأن إحراز الغلبة على المتمدِّنين إنما يكون بطريق الإقناع، لا بطريق الإكراه كما هو شأن الهَمَج الذين لا يفقهون قولًا.
نحن فدائيُّو المحبة، لا وقت عندنا للخصومة.
إنَّ المَشْرُوطِيّة عبارةٌ عن العدالة والشورى وحصرِ القوة في القانون، وما دامت الشريعة الغرَّاء قد تأسست قبل ثلاثة عشر قرنًا، فإنَّ استجداء الأحكام من أوربا جنايةٌ عظمى على دين الإسلام، وهو أشبه بالتوجه إلى جهة الشَّمال عند أداء الصلاة.
لابد أن تكون القوة في القانون، وإلا عَمَّ الاستبداد؛ ولابد أن يكون الحاكمُ على كلِّ ضمير والآمرُ لكلِّوجدان: إن اللّٰه هو القوي المتين، ولا يتحقق هذا إلا بالمعرفة التامَّة والمدنيَّة العامَّة، أو تحت عنوان الدين الإسلامي، وإلا كان الاستبداد هو الحاكم أبدًا؛ فالاتفاق إنما يكون في الهدى، لا في المزاج والهوى.
لقد صار الناس أحرارًا، لكنهم ما زالوا عبيدًا للّٰه.
كل شيء قد تحرَّر، وما ينبغي لعيبِ امرئٍ أن يكون مُستَنَدًا أو عذرًا لامرئٍ آخر.
اليأس مانعٌ من كلِّ كمال.
ميراث الاستبداد: "وما شأني؟! فليفكر في الأمر غيري".

.......

بديع الزمان
٭ ٭ ٭
— 61 —
وجَرَتْ له ذات مرةٍ في "سيلانيك" محاورةٌ مع "كَراصّو" كبيرِ حاخامات إسطنبول، فلم يُتِمَّ "كَراصّو" اللقاء، بل قاطعه وغادر مسرعًا، وقال لأصحابه وقد بدتْ عليه علائم الاضطراب والارتباك: لو بقيتُ معه مزيدًا من الوقت لأدخلني في الإسلام!!
هذا مع أن "كَراصّو" كان عضوًا بارزًا في منظَّمةٍ سريَّةٍ تعمل لتفتيت الدولة العثمانية، وكان غرضُه من اللقاء ببديع الزمان أن يستميلَه إلى صفه ويجعله أداة لغايته الخبيثة، ولكن هيهات!!
٭ ٭ ٭
وأخيرًا وقعت "حادثة ٣١ مارت" المشؤومة، وكان من نتائجها إعدام خمسةَ عشرَ عالِمًا وردتْ أسماؤهم بأنهم كانوا من المطالِبين بالشريعة في تلك الحادثة؛ كما أُجريتْ محاكمةٌ لبديع الزمان في حينها، وكان - وهو في أثناء محاكمته - يشاهِد أولئك العلماء الخمسة عشر معلَّقين على أعواد المشانق في حديقة المحكمة حين استجوبه رئيسها "خورشيد باشا" قائلًا: وأنت أيضًا تطالب بتطبيق الشريعة؟!
فأجابه بديع الزمان: "إنني على استعدادٍ لأنْ أقدِّم ألف روحٍ لي - لو وُجِدَتْ - فداءً لحقيقةٍ واحدةٍ من حقائق الشريعة، لأن الشريعة هي سبب السعادة، وهي العدالة المحضة، وهي الفضيلة، غير أني لا أطالب بها كما يطالب المتمرِّدون".
وبينما كان يَنتظر أن تُصْدِر المحكمة حكمَ الإعدام بحقِّه إذْ حَكَمتْ ببراءته، فغادرها دون أن يتقدَّم لها بشكر، وسار من منطقة بايزيد - حيث مقرُّ المحكمة - إلى منطقة السلطان أحمد يتقدَّم حشدًا من الناس وهو يردِّد: "عاشَت جهنم للظالمين.. عاشَت جهنم للظالمين".
كان لبديع الزمان في تلك المحكمة العسكرية الرهيبة دفاعٌ بُطوليٌّ طُبِع ونُشِر مرتين في تلك الآونة، وقد أدرجنا في هذه السيرة جزءًا منه حتى يتبيَّن الوجهُ الحقيقيُّ لی"حادثة الحادي والثلاثين من مارت"، والدفاعُ البطولي لبديع الزمان.
٭ ٭ ٭