السيرة الذاتية
— 563 —

جزءٌ من التظلُّم المقدَّم إلى وزير الداخلية

.......

لقد تعرضتُ لظلمٍ لم يسبق له مثيل، ولقيتُ صنوفًا من الاضطهاد والقسوة تخالف القانون من عشرة وجوه، وأبيِّن ذلك فأقول:
إن سعيدًا المسكين هذا قد اشتدت عليه وطأة المرض لتسمُّمه في محاولةِ اغتيالٍ آثمة؛ وهو مع هذا ضعيفٌ لا حول له ولا قوة؛ طاعنٌ في السن قد بلغ الحادية والسبعين؛ وحيدٌ في غربةٍ تدعو للرثاء؛ فقيرُ الحال يبيع بعض ثيابه ليؤمِّن معيشته؛ مُنطوٍ
— 564 —
عن الناس مستوحشٌ منهم لعزلته عنهم خمسًا وعشرين سنة، فلا يكاد يجد في ألْفٍ منهم شخصًا واحدًا كاملَ الصِّدق؛ وهو فوق ذلك رجلٌ بريء، بَرَّأتْه لجنةُ خبراءِ أنقرة ومِن قبلِها ثلاثُ محاكم بعد أن استعرضوا عشرين سنةً من حياته، ونظروا في مؤلفاته بعينِ التدقيق والتمحيص، فقضَوا ببراءته، واتفقوا على أن مؤلفاته نافعةٌ ليس فيها ما يضر الوطن أو الشعب؛ وهو رجلٌ من أبناء هذا الوطن غيورٌ عليه، وقد سبق أن أسدى إليه خدمةً جليلةً أيام الحرب العالمية الأولى، ويعمل اليوم بكل قوته وعبر مؤلفاته ذات التأثير الظاهر للعِيان ليحمي الوطن وأبناءَه من الفوضوية وإفساد الأجنبي؛ وهو رجلٌ مسالمٌ لم يتأتَّ منه ما يضركم، ولم يتدخل بشيءٍ من أمور دنياكم، بل لم يقرأ صحيفةً ولا اهتم بالأخبار والحوادث منذ خمسٍ وعشرين سنةً كما ثبت ذلك لدى المحكمة بشهادة سبعين شاهدًا، وما التفتَ إلى الحرب العالمية الثانية طَوالَ سِنيها السبع ولا استَخبر عنها ولا علِم من أخبارها شيئًا، وقد أثبت في مؤلفاته بالدلائل القوية أنه قطع علاقته بالسياسة كُلِّیيًّا، كما اعترفت بذلك جهاتكم القضائية رسميًّا؛ وهو الذي يفِرُّ أشدَّ الفرار من إقبال الناس وتوجُّههم إليه، ويتحفَّظ من مديح إخوانه له وحُسن ظنهم به، ولا يُعجَب بشيءٍ من ذلك، لئلا يَضُرَّ بآخرته وإخلاصِه.. فأيَّةُ مصلحةٍ تقتضي منك أنتَ وزيرَ الداخلية أن تُسلِّط عليه واليَ "أفيون" وشرطةَ "أميرداغ" ليقاسي في كلِّ يومٍ ما كان يقاسيه في شهرٍ في السجن الانفرادي، وليُجبَر على البقاء وحيدًا في حبسٍ انفرادي وزنزانةٍ انفرادية؟! أيُّ قانونٍ يسمح بهذه القسوة الرهيبة؟!
هذا ما أبيِّنه لوزير الداخلية عبر دوائر القضاء العليا التي تحافظ على الحقوق العامة.
المحروم ظلمًا من حق الحياة
ومن جميع حقوقه المدنية والإنسانية
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 565 —
إلى السيد حلمي.. وزير الداخلية السابق والسكرتير الحالي للحزب..
أولًا: لم أكتب خلال عشرين سنة سوى عريضةِ شكوى واحدةٍ، كتبتُها إليك يومَ كنتَ وزيرًا للداخلية، غير أني لم أنقض قاعدتي التي التزمتُ بها طَوالَ هذه المدة؛ وسأخاطبك بوصفك وزيرَ داخليةٍ سابقًا، وسكرتيرًا حاليًّا.
وإنَّ مَن يتحدث لمرةٍ واحدةٍ إلى أحد كبار رجال الحكومة حديثًا لصالح الحكومة بعد أن ظلَّ صامتًا تجاهها طَوالَ عشرين سنة، إنْ هو تكلَّم عشر ساعاتٍ عُدَّ ذلك قليلًا، فاسمح لي بالحديث ساعةً أو ساعتين.
ثانيًا: أجِدُني مضطرًّا لأنْ أبيِّن لك حقيقةً باعتبارك السكرتير الحالي لحزب الشعب، وهي أن لهذا الحزب وظيفةً بغاية الأهمية تجاه الشعب، وتتمثل في أن أمة التُّرك ومن انضم إليها من إخوة الدين قد أسدتْ ببطولاتها مآثرَ جليلةً للعالَم الإسلامي منذ ألف سنة، وكانت وسيلةً عظمى للحفاظ على الوحدة الإسلامية، وإنقاذِ البشرية بصورةٍ مشرِّفةٍ من الضلالة والكفر المطلق، فإنْ تخليتم اليوم عن القرآن وحقائق الإيمان، ولم تنشروا من فوركم الحقائقَ القرآنية والإيمانية كما كنتم في الماضي، فإنني أخبركم إخبارًا قطعيًّا مؤيَّدًا بالأدلة القطعية أنكم ستكونون السببَ في إيقاعِ العداوة بين العالَم الإسلامي وقائدِه وأخيه البطلِ الشعبِ التركي، وغرسِ البغضاء والكره بينهما بدلًا من تعزيز الأُخُوة والمحبة، وستكونون السببَ في هزيمة هذا الشعب أمام الفوضوية التي ينطوي عليها الكفر المطلَق الذي يسعى جاهدًا للقضاء على العالَم الإسلامي، وستتسببون بالتالي بتمزُّقِ هذا الشعب التركي حِصنِ الإسلام وجيشِه المقدام، ووقوعِه فريسةً لذلك التِّنِّين الرهيب الذي يُطِلُّ برأسه من الشَّمال الشرقي.
أجل، فلا يَقدِر هذا الشعب البطل على الصمود في وجه التيارَين الجارفين الآتيَين من الخارج إلا بقوةِ القرآن، وإلا فإنَّ تيار الشيوعية الذي انطلق بقوةٍ كاسحةٍ، معتمدًا على الكفرِ المطلق، والاستبدادِ المطلق، والرذيلةِ المطلقة، وإباحةِ ثرواتِ الشرفاء للأراذل والغوغاء، لن يوقفه شيءٌ سوى قوةِ الدين ورابط الإيمان اللذَين
— 566 —
يتمتع بهما هذا الشعب الذي امتزج بحقيقةِ الإسلام واتَّحَدَ بها، ووجدَ في الإسلام تاريخَه المشرِّف.
نعم، إن أبناء هذا البلد الغيارى المخلصين سيَصُدُّون هذا التيار بإذن اللّٰه، وذلك بتمسُّكِهم بالحقائق القرآنية التي تمثِّل عصب الحياة لهذا الشعب المتآلف المتَّحد، واعتمادِهم إياها وجَعْلِها دستورَ السلوك والحركة بدلًا من التربية المدنية الغربية.
أما ما يتعلق بالتيار الثاني فإنه إذا ظلَّ أمثالُكم من أبناء الوطن الغيارى يَرعَون المبادئ الحالية التي تنتهك مقدساتنا لصالح المدنية الغربية، وأُبقِيَتِ الإجراءاتُ التي نفَّذها نفرٌ باسم الثورة، واتُّخِذَتْ أساسًا يُعتَمَد عليه، وعُزِيَتِ الحسناتُ الحالية وحسناتُ الثورة إلى هؤلاء النَّفَر، وعُزِيَتِ القبائحُ الحالية للشعب، فعندئذٍ تنسحبُ سيئاتُ هؤلاء النَّفَر القِلَّة على المجموع فتصبح ملايين السيئات، ويغدو الأمر خروجًا على هذا الشعب التركي البطل المتدين جنديِّ الإسلام وما قدَّمه عبر العصور من مليارات الجنود الشرفاء، وملايين الأبطال الشهداء، وإهانةً وعذابًا معنويًّا لأرواحهم الطاهرة؛ وفضلًا عن هذا فإنه إذا عُزِيَت الحسناتُ الحالية التي تحققت بهمَّةِ الجيش والشعب وقوتهم إلى أولئك النفر من الثوريين الذين ليس لهم منها نصيبٌ يُذكَر، تضاءلتْ ملايين الحسنات إلى بضع حسنات، وانحصرتْ في تلك القلة، فصارت في حكم العدم، ولم تقوَ على تكفير تلك القبائح الهائلة.
ثالثًا: لا شكَّ أن لكم معارضين داخليين وخارجيين على أصعدةٍ شتى، فلو عارضوكم باسم الحقائق الإيمانية لهزموكم من فورهم، لأن تسعين بالمئة من أبناء هذا الشعب مرتبطون قلبًا وروحًا بالأعراف والقيم الإسلامية القائمة منذ ألف سنة، وهُم وإنْ خضعوا لما يخالف فطرتهم وانقادوا له ظاهرًا من جهةِ إطاعة الأمر، إلا أنهم لا يرتبطون به قلبًا.
ثم إن المسلم ليس كغيره من أبناء الأمم الأخرى، فهو إنْ تَرَكَ دينه أصبح فوضويًّا ولم يتقيَّد بقيد، فلا يُدار حينئذٍ بتربيةٍ ولا بتدبيرٍ سوى الاستبداد المطلق والرشوة المطلقة.. وهذه حقيقةٌ تؤيدها حججٌ كثيرةٌ وأمثلةٌ كثيرة، لكنني أختصر وأحيل الأمر على فطنتكم.
— 567 —
ينبغي ألَّا تتخلفوا عن السويد والنرويج وفنلندا التي شعرت بحاجتها الشديدة للقرآن، بل إن وظيفتكم هي أن تكونوا مرشدين لها ولأمثالها؛ ولو أنكم عَمَدتم إلى المساوئ الحالية الناجمة عن الثورة فردَدْتُموها إلى بضعةِ أشخاص، وعَمَدتم إلى الإفساد والتخريب الذي حصل بفعل ظروف الحرب العالمية وسائر الثورات الأخرى - خصوصًا ما يتعلق بالأعراف والقيم الدينية - فعملتم على إصلاحه، لنلتم شرفًا عظيمًا في المستقبل، ولكفَّرتم عن سيئاتكم في الآخرة، ولكنتم خليقين بوصف الوطنيين الغيارى بما قدمتم من خدمةٍ نافعةٍ للوطن والشعب.
رابعًا: ما دام الموت لا يُقتَل، وباب القبر لا يُغلَق، وما دمتم ماضين إلى القبر كسائر الناس، وما دام هذا الموت الحتمي إعدامًا أبديًّا لأهل الضلالة، فلا يمكن لمئةِ ألفِ نشاطٍ حزبيٍّ أو سياسيٍّ أو دنيويٍّ أن يبدِّله.
ثم إن رسائل النور بين أيديكم، وهي التي أثبتت إثباتًا جليًّا كالشمس أن القرآن يحوِّل هذا الإعدام الأبدي إلى بطاقةِ تسريحٍ لأهل الإيمان؛ وهي التي لم يستطع أن يواجهها أيُّ فيلسوفٍ أو ملحدٍ منذ عشرين سنة، لا، بل هي التي تدفع الفلاسفة الذين قرأوها بتمعنٍ إلى الإيمان؛ وهي التي نَظرتْ فيها أربعُ محاكم كبرى لديكم على مدار اثنتي عشرة سنةً خلتْ، ودَققتْ فيها لجان خبرائكم المؤلَّفةُ من الفلاسفة والعلماء، فنالت استحسانهم وتصديقَهم وتقديرَهم، ولم يمكنهم الاعتراض على ما فيها من حُجج الإيمان؛ وهي التي لم يتأتَّ منها إضرارٌ بالوطن وأبنائه، بل هي سدٌّ قرآنيٌّ كسدِّ ذي القرنين يصدُّ هجمات التيارات الرهيبة، وهذا أمرٌ يمكنني أن أُشهِد عليه مئةَ ألف شاهدٍ من أبناء الشعب التركي لا سيما الشباب المثقف.. وما دامت رسائل النور بهذا الوصف الذي وصفتُ، فلا بد أن إحدى أهم الوظائف التي تقع على عاتقكم هي أن تأخذوا رأيي الذي قدمتُه بعين الاعتبار.
إنكم تستمعون في كل حين إلى دبلوماسيين كُثْرٍ يحدِّثونكم عن الدنيا، ويلزمكم أن تستمعوا قليلًا إلى رجلٍ لا حول له ولا قوة، يقف عند باب القبر مثلي، يحدثكم لأجل الآخرة، ويبكي لحال أبناء البلد.
— 568 —
بالرغم من أني لم أراجع الجهات الرسمية طَوالَ عشرين سنة، إلا أن هذه العريضة كُتِبَتْ في حالة غضبٍ ولم يُكتبْ سواها، ووُجِّهتْ إلى وزير الداخلية "حلمي" الذي لم يكن يتوانى عن إيذائي، وأُرسِلتْ إلى قائد شرطة "أفيون" للاطلاع، فضيَّقوا عليَّ المرةَ تلو الأخرى دون سببٍ ولا جدوى، واستدعَوني رسميًّا إلى المخفر قائلين: ليس هذا خطَّك، فمن كتبها لك؟ وقلتُ بدوري: إن أمثال هؤلاء لا يراجَعون.. لقد كنت مُحِقًّا في صمتي عشرين سنة.
فيا مسؤولي "أميرداغ" وشرطتَها.. لقد كتبتُ هذه العريضة قبل سنة، لكنني لم أقدِّمها، بل احتفظتُ بها، وها هم اليوم يحكمونني باستبدادٍ مطلقٍ ليس له مثيلٌ في العالَم، فيتدخلون حتى في مقر إقامتي الخاص، ويمنعونني خادمًا يقوم على شؤوني، في مخالفةٍ صريحةٍ للقانون من خمسة أوجه؛ وإنني أتقدم بهذه العريضة عسى أن يتحلى بالإنصاف أولئك الذين يخالفون القانون باسم القانون.
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
أخي العزيز الوفيِّ، وصديقي صاحبَ الهمة الجادَّ في هذه الدنيا الفانية..
أولًا: إنني شديد الامتنان لأصحابي وأبناء بلدي، لا سيما لك ولبعض الأفاضل من "أرضروم"، لاهتمامكم وإشفاقكم على ما أعانيه من ظلمٍ وأذى، ولمسارعتكم لإعانتي فكرًا، وهذا أمرٌ لا أنساه ما حَيِيْت، ولا أملك سوى أن أردِّد: ما شاء اللّٰه.. بارك اللّٰه بكم.
ثانيًا: أبين لكم بضع نقاطٍ تتعلق بحالتي وبإيذاءات الظَّلَمةِ تجاهي، ومع أن هذا مخالفٌ تمامًا لمسلكي ولدرسي الذي تلقيتُه من رسائل النور، ومُنافٍ لدستور حياتي الذي اتخذته منذ عشر سنين، ألا وهو عدم الالتفات إلى ما في هذه الدنيا الفانية من
— 569 —
أحداثٍ عابرةٍ تافهة، إلا أنني لم أفعل هذا إلا مراعاةً لخاطرك واهتمامك ولرسالتك المطوَّلة التي أرسلتَها مؤخرًا.
أولها: أنني حين كنت عضوًا بدار الحكمة قبل ثلاثين سنة، قال لي يومًا أحد أصحابي وقد كان هو الآخر عضوًا فيها، وهو السيد "سعد الدين باشا": كن على حذر.. لقد أخبرني رجلٌ ثقةٌ أن منظمةً أجنبيةَ الجذور تنشر الزندقة في بلادنا قد اطلعتْ على أحد مؤلفاتك، فقرر أعضاؤها تصفيتك قائلين: لن نستطيع أن نَحمل هذا الشعبَ على قبول مسلكنا - يعني الزندقة والإلحاد - ما دام مؤلِّف هذا الكتاب حيًّا.. ينبغي أن نقضي عليه.
فأجبتُه: توكلتُ على اللّٰه، الأجل واحدٌ لا يتغير.
وقد توسَّعتْ هذه المنظمة منذ ثلاثين بل أربعين سنة، وما تركتْ مكيدةً إلا استعملتْها في محاربتي، وسَعَتْ للقضاء عليَّ بسَجني مرتين، وتسميمي إحدى عشرة مرة، وكان آخر مخططاتها الرهيبة توظيفَها النفوذَ الحكومي الرسمي ضدي، وذلك بتوجيهها وزيرَ الداخلية السابق، وواليَ "أفيون" السابق، ومديرَ منطقة "أميرداغ" السابق، وتحريضهم عليَّ، فقاد هؤلاء المسؤولون الرسميون الثلاثة حملةً شعواء ضد رجلٍ لا حول له ولا قوة مثلي، ضعيفٍ، طاعنٍ في السن، منطوٍ عن الناس، فقيرٍ غريبٍ محتاج بشدةٍ إلى من يقوم على شؤونه، وبَلَغَ تخوُّف الناس مني مبلغَه، لدرجة أن بعض الجيران لم يعد يسلِّم عليَّ لشدة خوفهم، فإن القوم ما إنْ يعلموا أنَّ موظفًا ما سلَّم عليَّ حتى يبدلوا مكان عمله، ولم يعد يأتيني سوى المخبِرين، إلا أنه برغم هذا كله فإن العناية والحفظ الإلٰهيَّين قد أولَياني صبرًا وتحملًا، فلم تضطرني هذه المضايقات والإيذاءات غير المسبوقة إلى الالتجاء إليهم.

.......

ثالثها: أنه بعد أن أصدرتْ محكمتان قرار البراءة بحقنا وحق رسائل النور، بناءً على تدقيقهما في جميع أجزاء الرسائل طَوالَ عامين كاملين، وعدمِ عثورهما على
— 570 —
أية ذريعةٍ قانونية، (حاشية): إما أنه لا تستطيع أية جهةٍ ولا أي قانونٍ - بل ولا حتى بعض قوانينهم التعسفي - أن تتعرض لنا ولرسائل النور؛ وإما أن بعض القوانين الحالية تستطيع ذلك، لكن القضاء ومعه ثلاث محاكم كبرى أحجموا عنه تحسُّبًا من البغضاء واللعنات الشديدة التي ستحل عليهم مستقبلًا إنْ هم فعلوا ذلك، فلم يجرؤوا على إدانتنا وإدانة رسائل النور، وحكموا متفقين ببراءتنا وبإعادة جميع الرسائل.
ولا شك أن الظلم الذي يُقدِم عليه بعض الأشخاص المتجبِّرين الذين يتقلدون مناصب مؤقتة، بينما أحجمتْ عن ارتكابه هيئاتٌ قضائيةٌ عتيدةٌ كالجبال، لهو عملٌ يُغضِب السماوات والأرض، فلا داعي لحِدَّتي وغضبي. قامت منظمة الزندقة تلك بتدبير خطةٍ ذات طابعٍ رسميٍّ في العاصمة، واستعانت لها ببعض المسؤولين المنافقين، فنقلوني إلى "أميرداغ" باسم النفي، وما هو في الحقيقة إلا سجنٌ انفراديٌّ وتجريدٌ مطلق، جُرِّدتُ فيه من جميع أصحابي وطلابي، ووُضِعتُ في أسوأِ مكانٍ لا يلائم صحتي ومعيشتي، ضمن إجراءاتٍ تخالف القانون من كل جهة؛ ولقد تأكد اليوم أنهم يعاملونني هذه المعاملة لمقصدَين اثنين:
أحدهما: أنهم لعلمهم أنني لا أقبل الإهانة منذ سالف عهدي، عمِلوا على استفزازي ليثيروا قضيةً يمهِّدون بها الطريق للقضاء عليَّ، فلما لم يُثمر مسعاهم هذا شيئًا لجؤوا إلى التسميم، إلا أن العناية الإلٰهية ودعواتِ تلاميذ النور كانت ترياقًا، وكان صبري وتحملي دواءً، فأزالت خطر ذلك السمِّ الماديِّ والمعنويِّ، وباءت خطتهم بالفشل.
وعلى الرغم من أن هذا النوع من الظلم والإيذاء الذي لم يسبق في التاريخ أن مُورِس باسم الحكومة وباسم القانون، إلا أن الأمر الذي كان يثير حفيظتي هو الرقابة الدائمة وتخويف الناس مني بشكلٍ يستفزني، لكنْ أُخطِر على قلبي أنه ينبغي لك أن ترثيَ لهؤلاء الظلمة لا أن تنزعج منهم؛ فكلُّ واحدٍ منهم سيلقى عما قريبٍ جهنم ماديةً ومعنويةً، وسيتجرَّع عذابًا خالدًا يفوق عذابَك المؤقت الذي يُذيقونك إياه بألف درجة، وسيُنْتَقَم لك منهم ألفَ مرة، وسيقاسي بعضهم - إن كان له عقل - تأنيبَ
— 571 —
الضمير، وعذابَ الخوف من الإعدام الأبدي، وسيعاني من ذلك طَوالَ بقائه في الدنيا إلى أن يلقى حتفه؛ فلم أعد أغضب منهم، بل رثيتُ لهم وقلت: أصلحهم اللّٰه.
ثم إنني أشكر اللّٰه سبحانه لا على نَيل الأجر الجزيل المترتب على هذا الإيذاء فحسب، بل أشكره كذلك على انشغالهم بي وإيذائهم إياي وحدي دون سائر تلاميذ النور، مما يحقق عظيم الفائدة لطلاب النور ويخدم سلامتهم، كما أشعر بفرحٍ في طيِّ هذه المضايقات الشديدة التي ألاقيها.
رابعها: ذكرتَ في رسالتك مسألة استقراري وراحتي، وإمكانية مراجعة الحكومة الحالية لأنتقل إلى الشام أو الحجاز إن استطعتُ، فأولًا: إنني حتى لو كنت في مكة لَلَزِمني المجيء إلى هنا لإنقاذ الإيمان وخدمة القرآن، لأن الحاجة هنا أشدُّ؛ وحتى لو كانت لي آلاف الأرواح، وكنتُ مبتلًى بآلاف الأمراض، وكنت أعاني من المصاعب ما أعاني، فإن القرار الذي اتخذته واتخذناه وفق الدرس الذي تعلمناه من القرآن، هو البقاء هنا لخدمةِ إيمانِ هذا الشعب وسعادته.
وثانيًا: تذكرون في رسالتكم ما أُقابَل به من إساءةٍ بدلًا من الاحترام، وتقولون: لو كنتم في مصر أو في أمريكا لذُكِرتم بإجلالٍ واحترامٍ على مرِّ التاريخ.
أخي العزيز الفطن.. إننا بمقتضى مسلكنا نفِرُّ أشدَّ الفرار من احترام الناس وتوقيرهم، ومن حسن ظنهم وإعجابهم بنا وإكرامهم لنا، لا سيما حبِّ الشهرة الذي ما هو إلا رياءٌ عجيب، ودخولِ التاريخ بجلالٍ وإبهار وما هو إلا غرورٌ جذاب، فهذا منافٍ ومضادٌّ للإخلاص الذي هو مسلكُ النور وأساسٌ من أُسسه؛ وأنا شخصيًّا أنفِر من مثل هذه الأمور، ناهيك عن الرغبة فيها.
أما رسائل النور النابعةُ من فيض القرآن الكريم، والتي هي لمعةٌ من لمعات إعجازه المعنوي، وتفسيرٌ لحقائقه، ومفتاحٌ لأسراره، فإننا نرجو لها الرواج، ونريد لكلِّ شخصٍ أن يشعر بالحاجة إليها، ويقدِّر رفعةَ قيمتها، ونطلبُ لكراماتها المعنوية الظاهرة أن تُعرَف، ولانتصاراتها الإيمانية على إلحاد الزندقة أن تستبين وتظهر، فهذا ما نؤمِّله من الرحمة الإلٰهية.
— 572 —
وأبين نقطةً جزئيةً تافهةً تتعلق بشخصي، وأجعلها حاشيةً فأقول:
ما دام السيد "رجب" و"قره كاظم" صديقَين لك، ولهما فيما أظن علاقةٌ بی"سعيدٍ القديم"، فليس المطلوب منهما إسداءَ معروفٍ لي، وإنما حسبُهما ألَّا يفعلا ما فعل أسلافهما بي من ظلمٍ ومضايقاتٍ لا داعي لهما ولا جدوى منهما.
إنني في الحقيقة لا أستطيع التأقلم مع الأجواء المادية والمعنوية هنا.. همومي كثيرةٌ جدًّا، وأنا أُقفِل مقرَّ إقامتي من الداخل ومن الخارج.. إنني وحيدٌ بكلِّ جهة.. ومن جهةٍ أخرى أقضي حياتي مريضًا أعيش في غرفةٍ كئيبةٍ من غير جيران.. وفي بعض الأحيان يضايقني يومٌ واحدٌ هنا أكثر مما ضايقَني شهرٌ كاملٌ في سجن "دَنِزْلي".. كفى تعرُّضًا لحريتي طَوالَ عشرين سنةً من الظلم الشنيع.. فلقد تبين بشكلٍ قاطعٍ - بعد سنتين من تدقيق المحاكم، وفَشَلِ الخطط التي حاكها المنافقون ضدي - أن خدعة التخويف مني ومن رسائل النور بذريعة الإضرار بالوطن والشعب لا يمكن أن تنطلي على أحد.
إنني إنْ حصلتُ على حريتي كسائر الناس، أو كان ثمة بلاغٌ يسمح بذهابي إلى بعض القرى المجاورة ذات المناخ المعتدل لتبديل الأجواء، لكان ذلك مناسبًا.
سلامي ودعواتي لكم ولمن حولكم من أصحابنا في النور.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 573 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
هذا جوابٌ وَرَدَ على الخاطر بمناسبة سؤالٍ ماديٍّ ومعنوي.
يقال: لماذا لا تقبل ما يوليك إياه تلاميذ النور - بحسنِ ظنهم القوي، وقناعتهم القطعية - من مقامٍ وكمالاتٍ تزيد من همتهم للأنوار، ولماذا تُحيل ذلك المقام والكمالات لرسائل النور وحدَها، وتُظهِر نفسَك خادمًا كثير العيوب؟
الجواب: للّٰه الحمد والشكر بلا حدٍّ أنَّ لرسائل النور من نقاط الاستناد القوية الراسخة، ومن الحجج القاطعة الساطعة، ما لا تحتاج معه إلى المزايا والاستعدادات المظنونة في شخصي؛ فهي ليست كالمؤلفات الأخرى التي تعتمد على قابلية المؤلف فتستمدُّ منه قوتها ومقبوليتها.
وها هي بين أيديكم، تقوم منذ عشرين سنة على حججها القاطعة، وتُجبِر أعدائي الماديين والمعنويين على الاستسلام؛ فلو كانت شخصيتي نقطةَ استنادٍ مهمةً لها، لأمكن لأعدائي الملحِدين ومعارضيَّ الظالمين أن يوجِّهوا ضربةً قويةً للنور من خلال القدح في شخصي ذي النواقص والعيوب؛ والحال أن هؤلاء الأعداء، ورغم كل المساعي الحثيثة التي بذلوها - لحماقتهم - للقدح فِيَّ وللحيلولة دون إقبال الناس عليَّ، مستعينين لذلك بشتى أنواع المكائد، لم يستطيعوا الإضرار بفتوحات الأنوار ولا الحط من قيمتها؛ بل حتى وإن أمكنهم التعكير على بعض الضعفاء والطلاب الجدد، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يحملوهم على التخلي عن الرسائل.
فلأجل هذه الحقيقة، ولأن الأنانية قد طغتْ في هذا الزمان، لا أقبل لنفسي حسن ظنهم الذي يفوق حدي كثيرًا، ولا أُحسِن الظن بنفسي كما فعل إخواني.
ثم إنْ كان المقام الأخروي الذي أولَوه لأخيهم المسكين هذا مقامًا دينيًّا حقيقيًّا، فإنه يمكن أن يكون مدخلًا للأنانية، إذْ يَعُدُّ المرءُ نفسَه صاحبَ مقام، وفضلًا عن هذا
— 574 —
فإن القاعدة الواردة في آخر "المكتوب الثاني" من "المكتوبات" تفيد أن الكمالات التي هي هديةٌ معنويةٌ أولَوها لشخصي، إنْ كنتُ أعدُّ نفسي صاحبةَ كمالات - حاشا للّٰه - فهو دليلٌ على أنها ليست كذلك، وإن كنت لا أعدُّها صاحبةَ كمالات فينبغي عدم قبول هديتهم هذه.
بقي أمرٌ آخر، وهو أنه قد يقال من جهةٍ دنيويةٍ: إن الشخص الذي يقوم بوظيفةِ نشر الحقائق الإيمانية، إنْ كان صاحبَ مقامٍ كان له تأثيرٌ أفضل؛ وهنا يوجد مانعان أيضًا:
أحدهما: أنه إن فرضنا أن المقامَ مقامُ الولاية، فإن في اتخاذِ المرء مقامًا عن علمٍ وقصدٍ منافاةً للإخلاص والفناء عن الذات اللذَين تنطوي عليهما الولاية؛ فلا يجوز إظهار الولاية وادعاؤها كما فعل الصحابة الذين هم وَرَثَة النبوة، ولا يقاس عليهم.
المانع الثاني: أنه إن كان هذا الشخص فانيًا بسيطًا محدود الأجل، وكان كثير النواقص والعيوب، وقابلًا للقدح من جهاتٍ كثيرة، أضرَّ ذلك بالأنوار وبفتوحات الحقائق الإيمانية.
غير أن ثمة أمرًا يستوجب الشكر، وهو أن أعدائي من أهل السياسة لا يعرفون هذه الحقائق المذكورة آنفًا، ولهذا يتعاملون معي باعتباري "سعيدًا القديم" ذا الاعتزاز والشرف، وينشغلون بتوجيه الإساءة والانتقاص لشخصي بدلًا من توجيهها إلى الأنوار، ويحرِّضون عليَّ بعض المشايخ المتعصبين ذوي الأنانية أيضًا، ويحسبون أنهم يجتهدون في إطفاء الأنوار، والحال أنهم يصبحون وسيلةً لسطوعها وتلألُئها، فالأنوار لا تستمد نورَها من شخصي البسيط، وإنما تستمده من منبعِها شمسِ القرآن.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 575 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أتجول بالعربة ساعةً أو ساعتين لمشاهدة أزهار الربيع الزاهي.. لقد نَمَت الأعشاب وتفتَّحت أزهارها بشكلٍ بديعٍ لم أرَه في حياتي قط، وشعرتُ - حقَّ اليقين - كما لو أنها تبتسم مسبِّحةً صانعَها ذا الجلال، وتثني على بديع صنعه بلسان الحال.
وبينما أنا في هذه الحال، إذا بحسِّياتي المشتاقة إلى الحياة الدنيوية، ونفسي الغافلة الجزعة، تنتهز الفرصة فتعترض على نفسي التي سَئِمتْ حياة الضيق والمرض وراحت تطلب أذواقًا ومُتَعًا باقيةً فيما هو فانٍ، وتعترض كذلك على قلبي الذي نفر من الدنيا، وقرر الذهاب إلى البرزخ شوقًا لرؤية تسعين بالمئة من أصحابه هناك، وإذا بنور الإيمان الساري في الحسِّيات والعروق يَرُدُّ على ذلك الاعتراض مبينًا أنه ما دام التراب ستارًا لرحمةٍ لا حدَّ لها، إذْ هو بجهته المادية مَظهَرٌ لكل هذا الجمال والرحمة والحياة والزينة، وما دام الداخل فيه لا يُترَك سدًى، فلا ريب أن المركز المعنوي الذي تنبعث منه كلُّ هذه الزينة والمحاسن الظاهرية المادية، وكلُّ هذا الحسن والجمال والرحمة والحياة، إنما يثوي خلف ستار التراب هذا وتحته، كما تثوي بعضُ مَعاملها المنتِجة لها.
ولا ريب أن الدخولَ تحت أطباق التراب الذي هو أُمُّنا الرؤوم، واللجوءَ إلى أحضانها، ومشاهدةَ تلك الأزهار الحقيقية الدائمة المعنوية، لَهُو الأجدر بالمحبة والأولى بالاشتياق.
وعندها أزال نورُ الإيمان ودَفَعَ ببيانه هذا كلَّ اعتراضٍ أثارتْه تلك الحسِّيات العمياء ونفسي الولوعةُ بالدنيا، وحملها على أن تردد: الحمد للّٰه على نور الإيمان من كل وجه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 576 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: إن الشراكة المعنوية للنور ستكون - بإذن اللّٰه - مَظهرًا للفوز العظيم في شهر رمضان المبارك، الذي يُنيل الموفقين أجرَ ثمانين سنةً من العبادة.
وينبغي على النُّوريين أن يؤمِّن بعضهم على أدعية بعضٍ تأمينًا معنويًّا بإخلاصٍ، ويواظبوا على ذلك ما استطاعوا حتى العيد، بحيث إن حَظِي أحدهم بتلك الثمانين كان البقيةُ شركاءَ له، كلٌّ بحسب درجته. أما أخوكم المريض هذا، وهو أضعفكم وأثقلكم حِملًا، فلا شك أنكم تعينونه معنويًّا.
ثانيًا: زارني طبيبان من أركان طلاب النور، وعلى الرغم من شدة مرضي إلا أنني لم أراجع بشأنه هذين الفاضلَين الخالصَين الصادقَين، ولم أتناول دواءهما، ولم أستشِرْهُما رغم شدة وطأة المرض، ولم أتحدث إليهما بشأنه رغم شدة حاجتي وشدة ألمي، وقد انتابهما القلق لأجل ذلك، فاضطررتُ لأن أبيِّن لهما حقيقةً ذات أسرار، وها أنذا أكتبها إليكم عسى أن تفيدكم كذلك.
قلتُ لهما: إن أعدائي العاملين في الخفاء، ونفسي، يبحثون بتلقينٍ من الشيطان عن نقطة ضعفٍ لديَّ كي يتحكموا بي من خلالها، ويمنعوني من خدمة الأنوار بإخلاصٍ تام، وليس سوى المرضِ أضعفُ نقطةٍ وأقوى مانع، فكلما أُعطي أهميةً غَلَبَ حسُّ نفسِ الجسد، وعلا صوتُه مناديًا بالاضطرار وشدة الحاجة، فأسكتَ القلبَ والروحَ، وجعل من الطبيب ما يشبه الحاكم المستبد، وأَجبر على طاعته فيما يوصي وما يقدم من أدوية، وهذا يضرُّ بالخدمة التي تؤدى بتضحيةٍ وإخلاص.
ثم إن أعدائي العاملين في الخفاء عمِلوا وما يزالون يعملون على استغلال نقطة ضعفي هذه، مثلما عملوا على استغلال نقاط الخوف والطمع والشهرة والجاه، لكنهم لم يستطيعوا أن يظفروا بطائلٍ على صعيد الخوف الذي هو أقوى نقاطِ الضعف لدى الإنسان، وقد تَبيَّن لهم أن الإعدام لا يساوي عندنا فلسًا واحدًا.
— 577 —
ثم إنهم بحثوا وفتشوا كثيرًا في نقطة الطمع وهمِّ المعيشة - وهي إحدى نقاطِ ضعفِ الإنسان - لكنهم في نهاية المطاف لم يظفروا منها بطائل، ثم تحقق لديهم أن متاع الدنيا الذي يضحون بمقدَّساتهم في سبيله لا أهمية له عندنا، وتبين لهم هذا بوقائع كثيرة؛ حتى إنهم خلال هذه السنوات العشر الفائتة، وجهوا ما يزيد على مئة كتابٍ رسميٍّ إلى المسؤولين المحليين يسألونهم فيها: بِمَ يعيش؟
ثم إنهم عمَدوا إلى واحدةٍ من أقوى نقاط الضعف لدى الإنسان، ألا وهي الجاه والشهرة والمنزلة، فعملوا على استغلالها لديَّ من خلال ما أُمروا بتنفيذه تجاهي على نحوٍ شنيعٍ من قدحٍ وتشويهِ سمعةٍ وتحقيرٍ وإيذاءٍ يستفز المشاعر، لكنهم لم يُفلحوا في ذلك، وتبيَّن لهم قطعيًّا أن ما أُولِعوا به من الجاه والشهرة الدنيويَّين لا نعدُّه نحن إلا رياءً وغرورًا بالغ الضرر، وأن حب الجاه والشهرة الدنيويَّين اللذَين أولَوهما أهميةً فائقةً لا يساوي عندنا فلسًا واحدًا، بل نعدُّهم من هذه الناحية مجانين.
ثم إن ما يُعَدُّ نقطةَ ضعفٍ لدينا باعتبار خدمتنا، مع أنه من حيث الحقيقة مقبولٌ لدى الجميع، ويتوق كلُّ شخصٍ للفوز به - أعني به أن يصير المرء صاحب مقامٍ معنوي، وأن يترقى في مراتب الولاية، وأن يجد هذه النعمة الإلٰهية في نفسه - هو أمرٌ ينفع الجميع ولا يتأتى منه ضرر، لكن ما دمنا في زمنٍ طغت فيه الأنانية والمصلحة الفردية والخَلاص الفردي، فلا ريب أن الخدمة الإيمانية المبنية على سرِّ الإخلاص وعلى عدم اتخاذها أداةً لشيء، تقتضي عدمَ طلب المقامات المعنوية الشخصية، فاللازم ألَّا تُطلَب، بل لا تُراعى في شيءٍ من تصرفات المرء وسلوكه، لئلا يَفسُد سرُّ الإخلاص الحقيقي.
ولهذا أدرك الذين يعملون لاستغلال نقطة الضعف هذه أنني لا أطلب ما يطلبه كلُّ شخصٍ من الكشف والكرامات والكمالات الروحية سوى خدمة النور، وقد غُلِبوا في هذا الجانب أيضًا.
سلامي لجميع إخواني فردًا فردًا، وأضرع إلى الرحمة الإلٰهية مستشفعًا بحقيقة
— 578 —
ليلة القدر أن يجعل ليلةَ القدر المقبلة بمثابةِ عمرٍ زاخرٍ بالعبادة ثلاثًا وثمانين سنة لكلِّ فردٍ من النُّوريين.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: سنشير باختصارٍ شديدٍ إلى حقيقةٍ بالغةِ الطُّول والسَّعة، وَرَدَتْ إلى القلب في ليلة القدر، وهي:
إن ما ألحقتْه هذه الحرب العالمية الثانية بالنوع البشري من ظلمٍ فادح، واستبدادٍ وتدميرٍ غاشم، ونكبةٍ لحقتْ بمئات الأبرياء بجريرةِ عدوٍّ واحد، ويأسٍ مريرٍ حلَّ بالمهزومين، وقلقٍ عميقٍ يساور المنتصرين لعدم قدرتهم على المحافظة على الحاكمية، وعذابِ ضميرٍ ناجمٍ عن عدم قدرتهم على إعمار ما خلَّفوا من الدمار الهائل، وما أظهرتْه هذه الحرب للجميع من أن الحياة الدنيا فانيةٌ مؤقتة، وأن بَهرَجَ المدنيةِ وزُخرُفَها خَدَّاعٌ مُخدِّر، وما خلَّفتْه هذه الحرب من جِراحٍ عميقةٍ في الماهية الإنسانية باستعداداتها الرفيعة الكامنة في الفطرة البشرية، وما نجم عن هذه الحرب من استيقاظٍ نشِطٍ للحب الإنساني الفطري ومشاعر البقاء المولعة بالخلود، وتفتُّتِ صخرِ الغفلة والضلالة والطبيعة الصَّلد الأصم تحت ضربات سيف القرآن الألماسي، وانكشافِ الصورة الحقيقية للسياسة بوجهها المتوحِّش القبيح أمام العالَم أجمع، وهي أكثفُ وأخدعُ وأوسعُ ستارٍ يغطي الغفلة والضلالة، فإنه بناءً على الأمارات التي ظهرتْ في الشمال والغرب وفي أمريكا، ولكون الحياة الدنيوية - التي هي المحبوب المجازي لبني البشر - قبيحةً زائلة.. أقول: إن نتيجة ذلك بلا ريبٍ أن البشر سيبحثون بكل قوتهم عن الحياة الباقية التي هي المحبوب والمطلوب الحقيقي للفطرة البشرية.
— 579 —
وهذا القرآنُ المعجِزُ البيان، وهو الكتاب الذي له في كلِّ قرنٍ ثلاثمئةٍ وخمسون مليون تلميذٍ، على امتداد ألفٍ وثلاثمئةٍ وستين سنة، وله ملايينُ من أهل الحقيقة يوقِّعون على جميع أحكامه ودعاويه بالتصديق، وله ملايينُ الحَفَظة ممن يثوي بقدسيةٍ في قلوبهم، ويُعلِّم البشرَ على ألسنتهم على مَرِّ الدقائق، ويبشِّر الناس بالحياة الباقية والسعادة الأبدية، مداويًا جميع جراحاتهم على نحوٍ لا مثيلَ له في أي كتابٍ آخر.. فما دام هذا القرآن قد ادعى الحياةَ الباقية ادعاءً قويًّا شديدًا عبر آلاف الآيات، وأخبر عنها مرارًا وتكرارًا عشرات آلاف المرات صراحةً أو إشارةً، وبشَّر بالحياة الباقية وعلَّم السعادة الأبدية بأدلةٍ قاطعةٍ لا تُرَدّ، وحُججٍ يقينيةٍ لا تُحَدّ، فلا ريب ولا شبهة أن البشرية إنْ لم تفقد صوابها بالكلية، ولم تقم عليها قيامةٌ ماديةٌ ولا معنوية، فإن قارَّات الأرض وحكوماتها ستَنشُد القرآنَ المعجِز البيان، كما فعلت منظماتٌ دينيةٌ كثيرةٌ مرموقةٌ في أمريكا تبحث عن الدين الحق، وكما فعل مشاهير أهل الفكر في السويد والنرويج وفنلندا وبريطانيا من العاملين بجِدٍّ لتلقي القرآن الكريم، وستتمسك به من صميم روحها بعد أن تعي حقائقه؛ لأنه لا مثيل له في نقطة الحقيقة هذه بالذات، بل لا يمكن أن يكون له مثيل، ولا يمكن لشيءٍ أن يقوم مقام هذه المعجزة الكبرى.
ثانيًا: ما دامت رسائل النور قد خدمت هذه المعجزة الكبرى وكانت بمثابة سيفٍ ألماسيٍّ بيدها، واضطرت أعتى المعاندين للاستسلام؛ وما دامت أيضًا معجزةً معنويةً للقرآن لا تعرِف مرجعًا ولا مأخذًا سواه، وتقوم بمهمة الدلالة على الكنوز القرآنية بأسلوبٍ ينوِّر القلب والروح بل حتى المشاعر ويداويها، وتؤدي وظيفتَها محرزةً الانتصار التام على الحملات المغرِضة، وعلى أعتى المعاندين الزنادقة، ممزِّقةً ظلمات الغفلة في أحلكِ وأكثف وأكبر آفاق دائرة الضلالة، وفي أوسع حُجُب العلم الطبيعي، ومُظهِرةً نورَ التوحيد بأبهى حلة، وذلك بما أوردتْه من دلائل في "عصا موسى" في المسألة السادسة من "رسالة الثمرة"، وفي الحُجج الإيمانية الأولى والثانية والثالثة والثامنة؛ فلا ريب إذًا أن اللازم بحقنا والألزم لأبناء بلدنا أن يعمل تلاميذ
— 580 —
النور ما استطاعوا على فتح مدارس نوريةٍ صغيرةٍ في كلِّ مكانٍ، وذلك بناءً على الإذن الرسمي الحالي الذي يسمح بترخيصِ مدارس خاصة لتعليم الدين وافتتاحِها.. صحيحٌ أن كلَّ فردٍ يستطيع أن يستفيد بنفسه لنفسه بدرجةٍ ما، لكن لا يستطيع كلُّ فردٍ أن يفهم كلَّ مسألةٍ تمامَ الفهم، ثم ما دامت الرسائل إيضاحًا لحقائق الإيمان، فإنها عِلمٌ وعبادةٌ ومعرفةٌ باللّٰه.
وفي مقابل ما كانت تحققه المدارس القديمة من نتائج في خمسِ أو عشرِ سنين، فإن مدارس النور هذه ستحقق النتائج نفسها إن شاء اللّٰه في خمسةِ أو عشرةِ أسابيع، وهو ما تفعله منذ عشرين سنة.
ثم إن لرسائل النور التي هي لمعاتُ القرآن ودَلَّالُه فوائدَ جمةً للحكومة والشعب والوطن، سواءً في الحياة الدنيوية أو السياسية أو الأخروية، وأَولى ما يلزمهم أن يعملوا على ترويجها ونشرها بتمامها بدلًا من التعرُّض لها، حتى تكون كفارةً لما سَلَف من الذنوب الجسيمة، وسدًّا أمام ما سيأتي من المصائب العظيمة والفوضوية المريعة.
لا تقلقوا يا إخواني، بل كونوا على يقينٍ من فتوحات النور الباهرة التي تجري بعيدًا عن الأضواء، فلم يعرف التاريخ حتى يومنا هذا كتابًا انتشر تحت وطأة ظروفٍ صعبةٍ، وبهذا القدر من التأثير، كرسائل النور.
ثم إن السبب من وراء عدم إعطاء الحرية الكاملة للأنوار هو خوفهم من قوتها الفائقة، وقد بلغَنا من لقاءٍ جرى بين رئيس الشؤون الدينية ورئيس الدولة أنهم بالرغم من قبولهم للرسائل وتقديرهم لها، إلا أنهم قلقون من نشرها رسميًّا في الوقت الحالي، إذْ ربما تُحدِث اضطرابًا.
لم يعودوا يهاجمون كما كانوا في الماضي، إنهم الآن يطلبون المصالحة، غير أن التيارات القوية التي تؤيد الأنوار ستحوِّل قلقَهم ذاك إلى حماسٍ لنشر الأنوار رسميًّا.
ثم إن كثيرًا من الأنانيين لا يؤيدون ظهور الأنوار على الساحة، لغَيرَتهم، ولرغبتهم بنشر مؤلفاتهم.
— 581 —
ثالثًا: إن رسائل النور تنتشر في الخارج في العالَم الإسلامي عن طريق الحُجاج، وهي تشقُّ طريقها إلى المكان اللائق بها؛ وإن النسخَ المخطوطةَ من مجموعة "عصا موسى" و"ذو الفقار" التي أرسلناها إلى دمشق قد راجعتْها هيئةٌ علميةٌ على مدى خمسةَ عشر يومًا، وأبلغت عن تقديرها التام لها بقولها: فلنطبعها مجزَّأةً، إذْ يلزم الكثير من المال لطبعها دفعةً واحدة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: بات من المناسب أن أبيِّن لكم واقعةً جرتْ لي، وهي واقعةٌ عجيبةٌ أليمةٌ لطيفةٌ في آن، كما أبيِّن في الوقت نفسه أحد الافتراءات التي افتراها عليَّ أعدائي، وهو افتراءٌ شنيعٌ لا يمكن حتى للشيطان أن يخدع به أحدًا ولو باحتمال واحدٍ من ألف، مما يُبيِّن أنه لم يبق لديهم أيُّ سلاحٍ يمكنهم أن يستخدموه ضد النور؛ والواقعة ما يلي:
يعلم المطلعون على حياتي أنني حين كنت في العشرينات من عمري قبل خمسٍ وخمسين سنة، أقمتُ سنتَين بی "بِتْليس"، في دار واليها المرحوم "عمر باشا"، لإصراره واحترامه الشديد للعلم.
كان له ستُّ بنات، ثلاثٌ صغيراتٌ وثلاثٌ كبيرات، وعلى الرغم من أننا عشنا معًا في دارٍ واحدةٍ مدة سنتين إلا أنني لم أكن أعرف الثلاث الكبيرات معرفةً أميز بها إحداهن من الأخرى، ولم أكن أدقق فيهن حتى أعرفهن؛ حتى لقد حصل أن نزل أحد العلماء ضيفًا عليّ، فعرفهن وميَّزهن خلال يومين فقط، فعجِبَ مَن حولي لأمري وسألوني: لِمَ لا تنظر؟ وكنت أقول: صونُ عزة العلم يمنعني من النظر.
وفي إسطنبول قبل أربعين سنة، وفي اليوم المحدد لمهرجان "كاغد خانه"، انتشرت الآلاف من نساءِ إسطنبول وفتياتِها ونساءِ الرومِ والأرمنِ كاسياتٍ عارياتٍ
— 582 —
على طرفي الخليج من الجسر حتى "كاغد خانه"، وفي تلك الأثناء رَكِبنا قاربًا أنا والمرحوم "مُلَّا سيد طه" و"حاجي إلياس"، وكانا من أعضاء البرلمان في ذلك الحين، فكنا نمرُّ بالقرب من تلك النساء، والحال أنهما كانا قد اتفقا على اختباري وتناوبا على مراقبتي دون علمٍ مني بذلك، وبعد أن انتهت جولتنا التي استغرقت ساعةً من الوقت اعترفا لي قائلَين: لقد عجِبْنا لأمرك!! لَمْ تنظر إليهن مطلقًا!! فقلتُ: لا أريد مُتَعًا تافهةً زائلةً آثمةً عاقبتُها آلامٌ وحسرات.
ثم إن كل من تربطه بي أواصر الصداقة يعلم أنني اجتنبتُ طَوالَ حياتي قبولَ الهدايا والدخولَ تحت مِنَّة الناس بأخْذِ صدقاتهم وإحساناتهم؛ وأنني - حفاظًا على شرفِ وسلامة الأنوار والخدمة الإيمانية القرآنية - تركتُ جميع ما في الدنيا من لذائذَ واهتماماتٍ ماديةٍ واجتماعيةٍ وسياسية، ولم أُبالِ بتهديداتِ الحاقدين بما فيها الإعدام، وهذا ما تبيَّن بجَلاءٍ في المحاكم التي دخلتُها وفي السجنَين الرهيبَين اللذَين سُجِنتُ فيهما خلال العشرين سنةً من أَسري المشحون بالعسف والأذى.
وبينما تمضي حياتي على هذا الدستور المستمر على مدى خمسٍ وسبعين سنة، إذا بشخصٍ يشغل منصبًا رسميًّا، يفتري عليَّ فريةً لا تخطر حتى ببال الشيطان ولا بخياله، وغرضُه أن ينال من القيمة السامية التي تتمتع بها رسائل النور، فيزعم قائلًا: تتردد عليه في الليل العاهرات، ويأتيه السفلة والأراذل، مع ما لذ وطاب من المأكولات؛ هذا مع أن بابي يظل مقفلًا من الداخل ومن الخارج طَوالَ الليل، وعليه رقيبٌ يلازمه حتى الصباح بأمرٍ من ذلك الشقيِّ نفسه؛ كما أن جيراني هنا وجميع أصحابي يعلمون أنني ما استقبلتُ ولا أستقبل أحدًا من بعد صلاة العشاء حتى الصباح.
إن مثل هذه الفرية لا يُقدِم عليها حتى مَن هو سفيهٌ أحمق، بل حتى لو كان حمارًا ثم أصبح شيطانًا، وهذا ما تبين لذلك الشخص، فتراجع عن مثل هذه المخططات، وغَرَبَ من هنا مذمومًا مدحورًا.
— 583 —
لقد بيَّتَ الرجل خطتَه هذه بصفته الرسمية لا لتشويه سمعتي فحسب، بل لتشويه سمعة النُّوريين، فهذا ما كان مرادًا من هذه الحادثة الجديدة، إلا أن عناية اللّٰه وحفظه وحمايته أفشلت هذه الخطة فشلًا ذريعًا.
إنني بهذا البيان لا أبرِّئ نفسي، ولكنني أريد أن أقول: إن الخدمة الإيمانية القدسية جعلت النفس تتخلى عن جميع أهوائها، فتكفيها اللذائذ المعنوية التي في هذه الخدمة، كما أبين حاجة النُّوريين إلى توخي الحيطة والحذر.
ثانيًا: سأبعث إليكم بكاتبٍ خاصٍّ لديَّ ذي خبرةٍ ومهارةٍ في عمل آلة النسخ، ومن الآن فصاعدًا سأكتب إليكم باختصار لأنني أكتب بصعوبة، فلا تستاؤوا من ذلك.

.......

رابعًا: تسلمتُ للتوِّ رسالةً جميلةً متلألئةً تتضمن تهنئةً وبشائر بفتوحات النور من خسرو "قسطموني"، أعني الأخ العزيز "محمد فيضي"، الذي نهنئه ونهنئ "حلمي" و"أمين" والأشقاء الخمسة، وكذا الأخوات النُّوريات أمثال "زهراء" و"لُطفية" و"عُلوية"، نهنئهم جميعًا من صميم قلوبنا بالليالي العشر وبالعيد المبارك، ونرسل إليكم طيًّا رسالتَي "خلوصي" و"فيضي".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: مع التهاني بالعيد المبارك لعموم النُّوريين، ولمن في الحج الأكبر من تلاميذ النور وأنصار النور، يَزفُّ إلينا هذا العيد البشرى ببوادر عيدٍ أكبر للعالَم الإسلامي، يتحقق باتحاد العالَمَين العربي والإسلامي في هيئة دولةٍ إسلاميةٍ تضم البلاد الإسلامية الكبرى التي رزحت طويلًا تحت الاحتلال وفقدت استقلالها، منها الهند ذات المئة
— 584 —
مليون، ومنها جاوة التي فيها ما ينوف على خمسين مليونًا، ومنها الولايات العربية المتحدة بأقاليمها الأربعة أو الخمسة.
ثانيًا: إن البناء المهيب الذي كان مقر وزارة الحربية والقيادة العامة للجيش، والذي أدار الجيوش الإسلامية أزمانًا طويلة، ثم تحوَّل إلى جامعة، والذي بعد أن كان مكتوبًا على واجهته الآياتُ القرآنية البليغة، بالخط القرآني البديع:
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾
﴿ وَيَنْصُرَكَ اللّٰهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾
إذْ غُطِّيتْ بأحجار المرمر وحُجِبت تلك الأنوار، قد أُزيلتْ عنه تلك الأحجار وفقًا لما كتبه السيد "رأفت" و"مصطفى أُرُوچ"، وهذا نموذجٌ للسماح بعودة الخط القرآني من جديد، ووسيلةٌ للمقصد الذي ترمي إليه رسائل النور، وإشارةٌ إلى أن الجامعات ستكون مدارس نورية.
وعلى صعيدٍ آخر، فقد اقتبس "أحمد" - أحد النُّوريين بی"دَنِزْلي" - فقرةً من كتاب "بسمارك" العالمِ العبقري الشهير، وأبرزِ الفلاسفة الاجتماعيين في القرن التاسع عشر، يقول فيها: "لقد دقَّقتُ في القرآن بكل جوانبه، فرأيتُ في كلِّ كلمةٍ منه حكمةً جليلة، إنه كتابٌ لا مثيل له، ولا يمكن أن يوجد كتابٌ يدير البشرية مثلُه".
ويقول مخاطبًا النبيَّ (ص)، مذيِّلًا بتوقيعه: "يا محمد.. يَحزُّ في نفسي أنني لم أكن في زمانك، إن البشرية لم تَرَ قوةً متميزةً مثلك سوى مرةٍ واحدة، ولن ترى بعدَها مثلها، وإنني لهذا أنحني بين يديك بكل إجلال".
ولا ينبغي أن يُكتَب ما ورد في تلك الفقرة من انتقاصٍ شديدٍ للكتب المنزَّلة المنسوخة المحرَّفة، وقد أشرت إلى تلك الجُمل.
إن ثمة علاماتٍ تدعو للتفاؤل، منها كون هذا الرجل واحدًا من أكبر وأذكى فلاسفة القرن التاسع عشر، وأحد أهم شخصيات ذلك القرن سياسيًّا واجتماعيًّا، ومنها حصول العالَم الإسلامي على استقلاله بدرجةٍ ما، ومنها بحثُ الحكومات الأجنبية عن الحقائق القرآنية، ومنها وجود تيارٍ كبيرٍ في الغرب وفي الشَّمال الغربي
— 585 —
يؤيد القرآن الكريم، ومنها القرار الذي صرَّح به المستر كارليل - وهو أحد أشهر وأرفع فلاسفة أمريكا - إذْ قال كما قال "بسمارك": "لا يمكن لأي كتابٍ أن يبلغ شأوَ القرآن بأيَّةِ جهة؛ إنه القول الحق، وعلينا أن نصغي له"، ومنها فتوحات الأنوار وتقدُّمها في كل جهة؛ وإن هذا الفأل الحسن يدفعنا للقول بأنه سيظهر بين الأجانب كثيرٌ من أمثال "بسمارك" و"كارليل"، وثمة أماراتٌ على ذلك.
نقدِّم هذا هديةً عيدٍ للنُّوريين، ونُرفِق مع الرسالة فقرة "بسمارك".
٭ ٭ ٭
ثانيًا: لما كانت أعظم قوةٍ تتمتع بها رسائل النور في مواجهة كل هؤلاء المعارضين: الإخلاص، فإنها كما لا تكون أداةً لأيِّ أمرٍ من أمور الدنيا، كذلك لا ترتبط بالتيارات المبنية على مشاعر التحزُّب، خصوصًا التيارات التي لها صلةٌ بالسياسة؛ لأن نزعة التحزُّب تُفسِد الإخلاص وتُبدِّل الحقائق.
حتى إن سبب تَركي السياسةَ قبل ثلاثين سنة أن عالِمًا مباركًا غلبتْ عليه نزعةُ التحزُّب للتيار الذي يتبعه، فانتقص عالِمًا صالحًا جليلًا انتقاصًا يصل لدرجة التكفير، لمجرد مخالفته فكرَه، بينما مَدَح وأثنى غاية الثناء على منافقٍ مشهورٍ مُعْتدٍ يوافق فكرَه، فراعَني هذا الموقف، ونفرتُ منه من أعماق روحي؛ أي إن نزعة التحزُّب متى ما داخَلتْها السياسة سبَّبتْ مثل هذه الأخطاء الفادحة، فقلتُ: أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة، وتركتُ السياسة من حينها.
ونتيجةً لحالي هذه فإنك تعلم - كما يعلم إخواني أمثالُك - أنني لم أقرأ صحيفةً منذ خمسٍ وعشرين سنة، ولا استمعتُ إلى أحدٍ يقرؤها، ولا اهتممتُ بما فيها أصلًا، ولم أتابع الحرب العالمية الثانية طَوالَ عشر سنين، وما علمتُ شيئًا عنها، ولا اهتممتُ بأمرها، كما تعلم أنني خلال الثِّنتَين والعشرين سنةً من أَسري المشحون بالعسف والأذى لم أراجع الجهات الرسمية لأمرٍ يتعلق براحتي سوى المدافعات القضائية، وما ذاك إلا تحاشيًا للتحزُّب والسياسة، وصونًا للإخلاص الذي في الأنوار أن يصيبه ضرر.
— 586 —
ثم إنكم تعلمون - كما سبق أن كتبتُ إليكم حين كنت في السجن - أن الذين أرادوا إعدامي، وأذاقوني صنوف الأذى، إنْ هم أنقذوا إيمانهم بواسطة رسائل النور، فإنني أُشهِدكم أنني مسامحٌ لهم، كما تعلمون أننا لم نتواصل مع أيٍّ من التيارات التي وفدت من الخارج أو جاءت من الداخل منذ سنتين أو ثلاث، ونبَّهتُ إخواني من ذلك نوعًا ما، وذلك لئلا يتضرر الإخلاص بنزعة التحزُّب.
وتعلمون أيضًا أنني مثلما لا أقبل الصدقات والمعونات، لا يمكن كذلك أن أكون وسيلةً لها، ولهذا أبيع ألبستي وأشيائي الضرورية، وأشتري بثمنها كتبي من إخواني الذين استنسخوها، لكيلا تدخلَ مصالحُ الدنيا في إخلاص رسائل النور فتَضُرَّ بها، ولِيعتبرَ من ذلك باقي الإخوة فلا تُتَّخذَ الرسائل أداةً لشيء؛ فالنور كافٍ لتلاميذ النور الحقيقيين، فليَقْنعوا به، ولا يتطلعوا إلى شرفٍ آخر أو إلى مصالح ماديةٍ أو معنوية.
ثم إن اللازم اجتنابُ الجدالِ والنزاع، وتركُ الخوض في المسائل الدينية بنقاشٍ متحيزٍ يثير الحفيظة ويوغِر الصدر، لكيلا يظهر أصحابُ ضغينةٍ يعادون النور؛ حتى إنه أثناء نقاش أخينا "مصطفى أُرُوچ" مع أحد الأشخاص على نحوٍ يخالف مسلك رسائل النور، وَرَدَ إلى القلب - في اللحظة نفسها، وبحسٍّ قبل الوقوع - غضبٌ عارمٌ واستياءٌ شديد تجاهه، حتى لقد قامت لديَّ رغبةٌ بإقصائه عن المقام الرفيع الذي حازه من النور، وأسِفتُ لذلك قلبًا وقلت: لقد كان هذا الرجل عندي بمثابة "عبد الرحمن"، فلماذا غضبتُ منه كل هذا الغضب الشديد؟!
ثم جاءني في هذا العيد، وحمدًا للّٰه أنه سمع درسًا بالغ الأهمية، ووعى الخطأ الكبير الذي ارتكبه، وأقر بأنه وقع منه في نفس الوقت الذي انتابني فيه ذلك الغضب، فكان هذا كفارةً له عن خطئه، وخَلَصَ منه طاهرًا نقيًّا بإذن اللّٰه.
وكان ثمة رجلٌ فاضلٌ دأبَ على إرسال صحيفةٍ إلى هنا منذ نحو خمسة أشهر، لكني لم أعلم بأمرها إلا مؤخرًا، فقد كان أصحابي هنا يعرفون عادتي، ويعرفون أنني
— 587 —
لا أقبل كتابًا ولا مجلةً - فضلًا عن الصُّحُف - باستثناء النور، كما أنني لا أعرف حرفًا من الكتابة اللاتينية الجديدة، ولهذا تخوفوا ولم يبلغوني بها ولم يطلعوني عليها.
وقد أراني اليوم أحد الأشخاص رسالةً من هذا صحفيِّ صديق انعقدت بيننا وبينه أواصر الصداقة أيام كنا في إسطنبول، وتتضمن رسالتُه صفحةً يتحدث فيها إلي، فقال لي أصحابي: إنه كان يرسل إليك صحيفةً منذ وقتٍ طويل، لكننا تهيَّبنا فلم نخبرك؛ فقلت لهم: بلغوه سلامي الحار، وأخبروه أن "سعيدًا القديم" الذي تعرفه قد تغير، وأنه قطع علاقته بالدنيا، وأنني مريضٌ ولا أستطيع أن أكتب رسالةً شخصيةً ولو لأخي الشقيق، فلا يَسْتأْ مني؛ ونبلغ سلامنا لعموم أصدقائنا هناك، خصوصًا إخواننا من أمثال "الحافظ أمين" و"الحافظ فخر الدين"، ونهنئهم مجددًا بالعيد المبارك.

.......

وحمدًا للّٰه بلا حدٍّ أن رسائل النور نالت قبولًا في الحرمين الشريفين، وعلامة قبولها أن نُسَخ "عصا موسى"، و"ذو الفقار"، و"سراج النور" التي اصطحبها من إسطنبول بطلُ دَنِزْلي "الحافظ مصطفى" ليرسلها إلى علماء الهند، قد أقرأها في الطريق بعضَ الحجاج، ثم لما بلغ المدينة المنورة سلَّمها لعالِمٍ شهيرٍ من أبناء "كشمير" يجيد اللغة التركية، فتلقاها بتقديرٍ بالغ، وأكد له أنه سيرسلها إلى مركز علماء الهند، كما أن النُّسَخ الأخرى المخصصة للمدينة المنورة ولغيرها من الأماكن قد وصلت إلى محلها المطلوب؛ وقد حمل إلينا هذه الأخبار المبشرة اثنان من النوريين الشباب من أبناء "أفيون"، كانا قد صاحَبا "الحافظ مصطفى" وكانوا يقرؤون الأنوار في الطريق، كما أخبرنا بذلك حُجَّاجٌ آخرون، وبشَّروا بقَبول رسائل النور وانتشارها المهم خارج البلاد.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 588 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
لا تقلقوا لشيءٍ على الإطلاق.. ولْنكن على قناعةٍ قاطعةٍ من أن العناية الإلٰهية كما أنقذتْنا وحَمَتْنا طَوالَ عشرين سنةً في مئات المواقف، فإنها ستنقذنا من هذا الظلم الحالي المروع الفظيع الذي لا مبرِّر له ولا قانونية على الإطلاق.
وإذا حصل أن لقينا شيئًا من الشدائد والمشاق والضرر، فإن لنا في الرحمة الإلٰهية رجاءً عظيمًا في أن تجعلنا مظهرَ ثوابٍ ورحمةٍ وإحسانٍ إلٰهيٍّ يفوق تلك الشدائد آلافَ الدرجات، وأن تجعلها بمثابة خدمةٍ قدسيةٍ متميزةٍ تخدُم إيمانَ الكثيرين من أهل الإيمان المساكين.
وأبيِّن لكم عدمَ قانونيةِ هذه الحادثة من عشرة أوجه:
أولُها: ما أَشْنعه من عملٍ غير قانوني أن يُتعرَّضَ من جديد لرسائل النور، وتُعامَل كما لو أنها منشوراتٌ خطيرة، بعد أن أمضتْ سنتين كاملتين تدقِّقها ثلاثُ محاكم، وثلاثُ لجان خبراء، وظلَّت لدى الجهات القضائية وسبعِ جهاتٍ رسميةٍ بأنقرة، وبعد أن صدر قرار البراءة بالاتفاق من غير مخالفٍ بحق جميع الرسائل، وبحقِّ سعيدٍ وخمسةٍ وسبعين من إخوانه، وعدمِ الحكم بأية عقوبةٍ ولو سِجنِ يومٍ واحد!! يَعلم عدمَ قانونيةِ هذا من له ذرةُ إنصاف.
ثانيها: تقولون عني إنني رجلٌ ظَلَّ بعد قرار البراءة منزويًا غريبًا بی"أميرداغ" ثلاث سنين ونصفًا، يُوصَد بابُه بالقفل من الخارج وبالمزلاج من الداخل، ولا يستقبل واحدًا بالمئة من الناس إلا لأمرٍ ضروري، وتَرَك التأليف الذي استمر عشرين سنة فلم يعد يؤلف، ثم برغم هذا كلِّه يداهمه المفتشون لأغراضٍ سياسيةٍ دنيوية، ويكسرون قفل بابه، فلا يجدون عنده شيئًا سوى أورادٍ بالعربية، ولوحتَين إيمانيتَين معلَّقتَين عند رأسه، فما أقبح هذا من إيذاءٍ يخالف القانون!! يدري هذا مَن له ذرَّةُ عقل.
— 589 —
ثالثُها: أرأيتم رجلًا ظلَّ سبع سنين لا يعلم شيئًا عن الحرب العالمية الثانية، ولا يهتم بها ولا يسأل عنها كما صدَّقه على هذا سبعون شاهدًا لدى المحكمة، وقد مضى له على هذه الحال عشر سنين، ولم يقرأ صحيفةً ولا استمع إلى أحدٍ يقرؤها منذ خمسٍ وعشرين سنة، وقال قولتَه قبل ثلاثين سنةً: أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة، وفَرَّ من السياسة بكل ما أوتي من قوة، ولم يراجع الحكومة ولو مرةً ليرتاح من الأذى وتشديد الخناق الذي يقاسيه منذ اثنتين وعشرين سنة، لكيلا يتدخل في السياسة أو يلفت إليه أنظار أهلها.. أمِنَ القانون في شيءٍ أن يُداهَم منزلُه ومُختلاه وكأنه سياسيٌّ خطيرٌ يحيك المؤامرات، وأن يُساء إليه برغم مرضه؟! إن هذه لَحالٌ يَرثي لها من له ذرَّةُ ضمير.
رابعُها: بعد ستة أشهرٍ من التدقيق في محكمة "أسكي شَهِر"، والذي سببُه مخاوفُ من وجود تنظيمٍ سياسيٍّ أو طريقةٍ صوفيةٍ أو تذرُّعٌ بهما، وبالرغم من أن رئيسًا كبيرًا حرَّضَ على هذا الرجلِ بعضَ جهات القضاء مدفوعًا بحقدٍ شخصيٍّ تجاهه، فقد أصدرت هيئة المحكمة قرار البراءة من تهمة التنظيم السياسي والطريقة الصوفية، كما أصدرتْ قرار البراءة بحق رسائل النور، غير أنها تذرَّعتْ بجزءٍ صغيرٍ من رسائل النور هو "رسالة الحجاب"، فقضت بالسجن مدة ستة أشهرٍ على خمسة عشر تلميذًا من أصل مئةٍ وعشرين، وذلك بناءً على اعتباراتٍ شخصيةٍ مزاجيةٍ غيرِ قانونية، فظلوا موقوفين أربعةَ أشهرٍ - مدةَ التدقيق - وسُجِنوا شهرًا ونصفًا.
ثم بعد عشر سنين أجرَتْ محكمة "دَنِزْلي" تدقيقًا آخَر صارمًا دام تسعةَ أشهر، وشمل جميع مؤلفات ومراسلات هذا الرجل خلال عشرين سنة، وكانت حجتها في ذلك ذرائع من قبيلِ وجودِ تنظيمٍ سياسيٍّ أو طريقةٍ صوفية، كما أرسلت في أثناء ذلك خمسة صناديق من مؤلفاته إلى محكمة جنايات أنقرة، وبعد مضي سنتين من التدقيق والنظر أصدرت المحكمتان بالاتفاق قرارَ البراءة من تهمة التنظيم والطُّرُقية وغيرهما من التُّهم، وقضتا بردِّ جميع تلك الكتب والرسائل إلى أصحابها، وحكمتا ببراءة سعيدٍ وأصحابه.
— 590 —
فما أشنعه من ظلمٍ بعد كلِّ ما سبق أن يُتَّهَم هؤلاء بأنهم تنظيمٌ، وأن يُتَّهَم هذا الرجل بأنه سياسيٌّ يدبِّر المكائد، وأن يُحرَّض عليه رجالُ القضاء انطلاقًا من هذه التهمة؟! يدري هذا كلُّ من لم تسقط إنسانيتُه.
خامسُها: إن حادثة التعرُّض التعسفيةَ غيرَ القانونية التي جرتْ مؤخرًا هي نوعٌ من الاتهام يناقض الحالَ التي اتخذها هذا الرجل مسلكًا ومشربًا حقيقيًّا، وعدَّها دستورَ حياته طَوالَ ما يقارب ثلاثين سنة، وماهية هذه الحادثة كما يلي:
وبناءً على دستور الشفقة الذي هو أساس مسلك رسائل النور، وتحاشيًا للإضرار ولو ببريءٍ واحد، فلا يمكن أن أتعرَّض للمجرمين الذين يظلمونني، بل لا يمكن أن أدعو عليهم؛ حتى إنني حين أغضب من الظَّلَمة الذين يُلحِقون بي أشدَّ الظلم بحقدهم - أعني الملاحدة وبعضَ الفسقة - تمنعني تلك الشفقة من الردِّ عليهم لا ماديًّا فحسب، بل حتى من مجرَّد الدعاء عليهم؛ ذلك أني لا أريد أن تنزل مصائب ماديةٌ أو معنويةٌ بشيوخٍ وعجائز مساكين كآباء أولئك الظَّلَمة العُتاة وأمهاتهم، ولا بأبرياء كأولادهم، فلأجلِ بضعة أبرياء أمثال هؤلاء لا أتعرَّض لأولئك الظَّلَمة العُتاة، حتى إنني في بعض الأحيان أسامحهم.
ولأجل سرِّ الشفقةِ هذا لم أتعرَّض قطُّ لما يُخلُّ بالأمن والاستقرار، وأوصيتُ جميعَ أصحابي بهذا أشدَّ التوصية، حتى لقد اعترف بعض مسؤولي الأمن المنصفين في ثلاث ولايات قائلين: "إن تلاميذ النور رجالُ أمنٍ معنويون، يحفظون الأمن والاستقرار".
وهذه الحقيقة يشهد لها آلاف الشهود، وتصدِّقها عشرون سنةً من حياة هذا الرجل، كما يصدِّقها ويؤيدها عدمُ تسجيل أيَّةِ حادثةِ إخلالٍ بالأمن من قِبَل آلاف التلاميذ.
فأيُّ قانونٍ في الدنيا يسمح - بعد كلِّ ما سبق - أن يَقتحم أولئك الظَّلَمة منزلَ هذا الرجل المسكين كما لو أنه رجلُ ثورةٍ وصاحبُ تنظيمٍ مخرِّب، وأن يهينوه ويعاملوه
— 591 —
كمجرمٍ ارتكب مئة جريمة، رغم أنهم لم يعثروا في منزله على شيء، وأن يصادروا المصحف واللوحتين المعلَّقتَين عند رأسه كما لو أنها منشوراتٌ خطيرة؟!
سادسُها: إن رجلًا وعى قبل ثلاثين سنةً فداحةَ الضررِ الذي تنطوي عليه شُهرةُ الدنيا المؤقتةُ، وجاهُها الزائل، والعُجْبُ وحُبُّ الظهور المُشْبَعان بالأنانية، ووعى مبلغَ تفاهةِ ذلك كلِّه وعدمَ جدواه؛ أجل، وعى ذلك بعنايةِ اللّٰه وفيض القرآن وللّٰه الحمد بلا حد، فَأخذَ منذ ذلك الحين في مجاهدة نفسِه الأمارة بكلِّ ما أوتي من قوة، واجتهد ما بوسعه لاجتناب التصنع والرياء، وكسْرِ الأنانية بالفناء عن الذات، وهو الأمر الذي يعرفه ويَشهَد له به قطعًا كلُّ مَن لازَمَه أو صاحَبَه؛ وفرَّ منذ عشرين سنةً أشدَّ الفرار مما يُعجِب كلَّ إنسانٍ من حُسْنِ ظنِّ الناس وإقبالهم ومدحهم وثنائهم، كما فرَّ مِن عَدِّ نفسِه صاحبَ مقامٍ معنويٍّ خلافًا لما يفعلُه كلُّ إنسان؛ ورَدَّ حُسْنَ الظنِّ الذي أولاه إياه خُلَّصُ إخوانه وخواصُّهم، وكسَر بذلك خواطرَهم؛ كما ردَّ مدحَهم له وحُسْنَ ظنِّهم به في رسائله الجوابية إليهم؛ وجرَّد نفسَه من ادِّعاء الفضائل محيلًا إياها جميعًا على رسائلِ النور تفسيرِ القرآن، فأحالها بالتالي على الشخص المعنويِّ لتلاميذ النور، وعدَّ نفسَه مجرَّد خادمٍ بسيطٍ للنور.. نعم إن رجلًا هذه حالُه إنما يُثبِت قطعًا أنه لم يَحمل أحدًا على الإعجاب به، ولا سعى إلى ذلك ولا طلبه، بل ردَّه.
فبأيِّ قانونٍ يا ترى يُحمَّل هذا الرجلُ المسكينُ المريضُ الهَرِمُ الغريبُ المنزوي المسؤوليةَ، فيَقتحم المفتشون غرفتَه، ويَكسِروا قفل بابه، وكأنه ارتكب جريمةً عظمى، لمجرد أن بعض أصحابه المقيمين في مكانٍ بعيدٍ منحوه حُسْنَ ظنٍّ فوقَ حدِّه، فمدحوه وأَولَوه مقامًا بغير رضاه، أو لأن واعظًا من مدينة "كوتاهْية" لا يعرفه هو أثنى عليه ببضع كلمات؟!
على أن المفتشين لم يعثروا على حجَّةٍ يبَیرِّرون بها فَعلتهم سوى أورادِ هذا الرجل ولوحتَين مُعلَّقتَين عند رأسه، فأيُّ قانونٍ وأيَّةُ سياسةٍ في الدنيا يسمحان بمثل هذا الاعتداء؟!
— 592 —
سابعُها: في الوقت الذي تعجُّ فيه البلاد اليومَ بكلِّ هذه التيارات الحزبية المحمومة، الداخليةِ منها والخارجية، ومع أن الأجواء مواتيةٌ لأنْ ينتهِز هذا الرجل الفرصة، فيَكسب إلى صفِّه آلاف السياسيين بدلًا من ثلةٍ محدودةٍ من أصحابه، فإنه كتب إلى أصحابه قائلًا: "حَذارِ حَذار.. لا تنجرفوا في التيارات.. لا تدخلوا في السياسة.. لا تمسُّوا الأمن والاستقرار"!! ولم يوصِهم بهذا إلا تجنُّیبًا للتدخل في السياسة، وصونًا للإخلاص أن يصيبه ضرر، وتفاديًا للفتِ أنظار الحكومة، وتحاشيًا للانشغال بالدنيا، فألحق به تياران الضررَ من جرَّاء انسحابه هذا، وضَيَّقا عليه تضييقًا شديدًا، وتذرَّع القديم منهما بمخاوفه وهواجسه، بينما تذرَّع الجديدُ بأن هذا الرجل لا يساعدنا، فأيُّ قانونٍ بعد هذا يجيز التعرُّض لآخرةِ هذا الرجل المسكين المنشغل بآخرته، والذي ما تعرَّض قطُّ لدنيا أهل الدنيا؟!
ثم إنه - بناءً على قانون الحريات - لم يُتعرَّض لنشر كتب الملحدين ومنشورات الشيوعيين بالرغم من عظيم ضررها على الوطن والشعب والأخلاق، بينما عُمِدَ إلى رسائل النور التي لم تعثر فيها ثلاث محاكم على مادةٍ تكون محلَّ مسؤولية؛ والتي تعمل منذ عشرين سنةً على تحقيق الأمن والاستقرار، وتأمين الأخلاق والحياة الاجتماعية للوطن والشعب؛ وتسعى جاهدةً على نحوٍ فاعلٍ لإعادةِ وتقويةِ الأُخوَّة والصداقة بين هذا الشعب والعالَم الإسلامي، ما يمثل نقطة استنادٍ حقيقيةً لهذا الشعب؛ والتي قُدِّمت إلى رئاسةِ الشؤون الدينية بأمرٍ من وزارة الداخلية بغرضِ أن ينتقدها العلماء، فنالت التقدير التام من غير انتقاد بعد ثلاثة أشهرٍ من التدقيق، وأُودِعت بعض أجزائها - كعصا موسى وذو الفقار - في مكتبة رئاسة الشؤون الدينية باعتبارها مؤلَّفاتٍ قيمة.. أجل، عُمِد إلى رسائل النور هذه التي وصفتُها فصُودِرت أجزاؤها وقُدِّمتْ إلى المحكمة على أنها منشوراتٌ خطيرة!! فأيُّ قانونٍ وأيُّ ضميرٍ وأيُّ إنصافٍ يسمح بهذا يا تُرى؟!
ثامنُها: إن الرجل الذي قضى عشرين سنةً في نفيٍ تعسُّفيٍّ شديدِ الوطأة، ثم لما أُخلِي سبيل المنفيين آثر الغربة والوَحدة، فلم يرجع إلى بلده ومسقط رأسه حيث
— 593 —
الآلاف من أقربائه وأحبائه وذلك تحاشيًا للدنيا والسياسة والحياة الاجتماعية، كما أنه يفضِّل البقاء في غرفته وحيدًا تاركًا خيرَ الجماعة في المسجد بثوابها الجزيل، أي إنه حمل حالةً روحيةً من قَبيل تحاشي احترام الناس له؛ والذي يفضِّل تركيًّا واحدًا من أهل الدين والتقوى على أكرادٍ كُثْرٍ غيرِ ملتزمين، ويَشهَد لهذا عشرون سنةً من حياته، ويُصدِّق عليه مئاتُ الآلاف من الأتراك الأفاضل الأكارم، حتى إنه أعلن في المحكمة أنه لا يَعدِل بواحدٍ من إخوانه الأتراك ذوي الإيمان القوي كی"الحافظ علي" مئةً من الأكراد؛ والذي لا يلتقي بالناس ولا يذهب إلى المسجد إلا لضرورةٍ تجنبًا لما يلقاه من الناس من احترامٍ وتوقير؛ والذي يسعى جاهدًا بكلِّ قوته وعبر مؤلفاته منذ أربعين سنةً لتعزيز أُخوَّة الإسلام وتقوية المحبَّة بين المسلمين؛ والذي يمتنع أن يردَّ على أعدائه الألداء بأيِّ تصرُّفٍ سلبيٍّ، بل لا ينشغل بهم ولا يدعو عليهم.. إن هذا الرجل الذي هذه حالُه أَيُقال رسميًّا في حقِّه بغيةَ الطعن فيه وتشويه صورته وتنفير أصحابه منه: إنه كرديٌّ وأنتم أتراك.. إنه شافعيٌّ وأنتم أحناف!!
فأيَّةُ مصلحةٍ وأي قانونٍ يسمحان بتخويف الناس منه وحملهم على الابتعاد عنه؟!
تاسعُها: وجهٌ بالغُ الأهمية شديدُ القوة، لكنني أسكتُ عنه لصلته بالسياسة.
عاشرُها: وهو الآخر مما لا يُجيزُه قانونٌ ولا ينطوي على مصلحة، وإنما هو محضُ هواجس لا معنى لها، وتضخيمٌ للأمور وتهويلٌ لها، واعتداءٌ لا يدخل تحت أيِّ قانون؛ وهنا نسكت أيضًا لئلا نَمَسَّ السياسة التي لا ننظر إليها بحسب مسلكنا، وليس لنا ما نقوله إزاء هذه المعاملة التي تنافي القانون من عشَرةِ وجوهٍ سوى أن نردِّد: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 594 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا: نتقدم ببالغ التهنئة والتبريك لأخينا "الحافظ مصطفى" أحدِ أبطال النور الأجِلَّاء، والذي أوصل عدةَ مجموعاتٍ مهمةٍ من النور إلى مكة المكرمة، وسلَّمها إلى العالِم الجليل "أحمد علي شمشيري" أحد كبار علماء بلاد الهند، وحصل منه على تأكيداتٍ بترجمتها إلى اللغة الهندية وإرسالها إلى الهند، فلتتواصلْ المدرسة الزهراء مع هذا العالِم الجليل المقيم بمكة المكرمة.
ثانيًا: عَلِمنا من الحادثة التي وقعت هذه المرة أنهم - بسبب هواجسهم - جعلوا من الحبة قبةً، بل قبابًا، وإحدى أماراتِ ذلك أن والي "أفيون" حضر إلى هنا ليلًا بأمرٍ من وزير الداخلية، وبرفقته قائد الشرطة، وأرادوا مداهمة منزلي في الليل، لكنهم اضطروا للانتظار حتى الصباح لعدم وجود إذنٍ من المدعي العام، فكلَّفا اثنين من ألدِّ أعدائنا، فكسرا القفل واقتحموا المنزل بغتةً.
ثم إنني حين خرجتُ في نفس اليوم بالعربة، (حاشية): أجل، نؤكد - باسم تلاميذ النور الذين في "أميرداغ" - وقوعَ هذه الحادثة كما ذُكِر؛ الخيَّاط مصطفى، إسماعيل، مصطفى، الخادم نوري، خيري، خليل. شاهدنا خمس مروحياتٍ تحلِّق على ارتفاعٍ منخفضٍ على نحوٍ لم يسبق له مثيل في هذه المنطقة، ودارت حولنا عدة مراتٍ لعلمهم بالعربة التي أستقلُّها؛ وفي اليوم الثاني وبينما كنا متجهين بالعربة إلى جهةٍ أخرى حيث يوجد جدولُ ماءٍ لا يُرى بسهولة، إذا بخمس مروحياتٍ تُحلِّق على ارتفاعٍ منخفضٍ وجعلت تدور وكأنها تبحث عن شيءٍ ما، ففهمنا أنهم يبحثون عنا.
فما فعلوه في ذَينِك اليومين من تحليقِ خمسِ مروحياتٍ فوقنا على أطراف البلدة، ثم ذهابِها حين دخلنا غرفتنا، إنما هي أمارةٌ قويةٌ على أنهم جعلوا من الحبة مئة قبة.
— 595 —
بلِّغوا الجهات الإدارية والقضائية بی"إسبارطة" شكري وامتناني لها، ومسامحتي إياها على الأذى الذي ألحقتْه بي، فإنه لا يبلغ واحدًا بالعشرة من الأذى الذي أصابني وأصاب أبطالَ المدرسة الزهراء هنا طَوالَ ثلاث سنين نتيجة هواجس تافهة!!
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭