— 551 —
أُخْطِرتْ فجأةً فاضطررتُ لكتابتها
باسمه سبحانه
إخواني.. تبيَّن لي بما لا يدع مجالًا للشك أن ثمة إجراءاتٍ اتُّخِذتْ سِرًّا للقضاء على توُّجه الناس وإقبالهم عليَّ، وذلك بالقدح فيَّ وتشويه سمعتي رسميًّا، كما تبيَّن أن القوم يعملون من وراء الكواليس على تخويف أصحابي وتثبيطهم، والحال أن "سكة التصديق الغيبي" تَقلب جميع حملاتهم المغرِضة رأسًا على عقب.
وبالرغم من أن مثل هذه الإجراءات التي تصب في صالح الإلحاد تضايقني بدرجةٍ ما، وتثير بعض نوازع "سعيدٍ القديم" المتبقية، إلا أن فتوحات رسائل النور الرائعة، والحُرمة والرحمة التي يُقابَل بها تلاميذها في نظر أهل الحقيقة ولدى الملائكة والروحانيين، تجعل ذلك القدح والتجريح وتشويه السمعة الموجَّه لشخصي أتفهَ من جناح بعوضة.
— 552 —
إن هؤلاء الأشقياء الذين يوجهون الإهانات لأهل الدين وأهل العلوم الدينية لأجل تديُّنهم إنما يوجهون الإهانة للدين نفسه، ولذلك فهم ملعونون في نظر الملائكة والروحانيين، وملعونون في نظر أهل الإيمان وأهل الحقيقة، ولا ينالون استحسان أحدٍ سوى الزنادقة والسفهاء الأراذل الذين لا يبلغون واحدًا أو اثنين بالألف.
إنهم يهاجمونني ظانِّين بحماقةٍ أنهم بتشويه سمعتي يحطِّمون نفوذ رسائل النور، وأن الرسائل ستسقط بمجرَّد أن يقضوا على شخصي الذي يحسبونه منبعَها، وأنا أقول لهؤلاء:
أيها الأشقياء الذين تشوهون سمعتي خدمةً لصالح الإلحاد، أُخبِركم قطعًا بأنكم - ما لم تتوبوا عما قريب - لن يكون لكم خَلاصٌ ولا نجاة؛ بل ستُعلَّقون على مشنقة الموت بإعدامٍ أبديٍّ على يد جَلَّاد الأجل، وسيُحكَم على أرواحكم الشريرة بالسجن الانفرادي المؤبَّد، وسيَنْصَبُّ عليها اللعن والمقت من أهل الإيمان والروحانيين.. أنا لست أغضب منكم، بل أرثي لحالكم لعلمي بأن ثأري سيؤخَذ منكم مضاعفًا ما لم تتوبوا.
أما رسائل النور فلا يَقدر من هم أتفهُ من الذباب أمثالكم أن يُحطِّموا ذَرَّةً من نفوذها أو يُسدِلوا سترًا عليها؛ بل إن لها مئات آلاف الرجال الذين يُكِنُّون لها الاحترام والإجلال من صميم قلوبهم وأرواحهم، لأنها أنقذتْ إيمانهم.
وأما تأثري شخصيًّا فأخبركم قطعًا بأنني في مقابل ما أجد من انزعاجٍ برهةً من الوقت لا تستغرق دقيقةً أو دقيقتين، أجد من فوري سُلوانًا عظيمًا، بحيث لو زادت حملاتُكم المُغرِضة ألف ضعف ما قَدَرَتْ أن تَنقُص من سُلواني شيئًا؛ إذْ قد بيَّنَّا بكشفيّات رسائل النور القطعية المؤيَّدةِ بآلافِ الحُجج التي تدمغ الفلاسفة، أن الذين يهاجموننا لصالح الإلحاد سَيَلْقَون المهانة بالإعدام الأبدي في الحبس الانفرادي والعذاب المقيم، وأن تلاميذ رسائل النور الذين أنقذوا إيمانهم بها سيحصلون بالموت على مذكرة إعفاءٍ ووثيقةِ سعادةٍ أبدية، وسيكونون مَظهَر حُرمةٍ ورحمةٍ ومكرمةٍ أبدية.
— 553 —
ثم إن "سعيدًا الجديد" هذا يقف على نقيضِ ما كان عليه حال "سعيدٍ القديم" من نَيل الشهرة والجاه، وكسْبِ احترام الناس وإقبالهم، بل يرفض ذلك قطعًا، ولأجل هذا اختار العزلة منذ عشرين سنة.
وإذا كنتم تسعَون لتحطيم نفوذي والحطِّ من شأني في نظر عامة الناس للحفاظ على الأمن والاستقرار فإنكم ترتكبون خطأً جسيمًا، فإن ثمة ثلاث محاكم دقَّقتْ ومحَّصتْ طَوالَ سنتين في مؤلفاتي المئة والعشرين التي ألَّفتُها خلال عشرين سنة، ونظرتْ في أحوال تلاميذ رسائل النور الذين يبلغون مئةً وعشرين ألفًا، فلم تستطع أن تعثر على أيِّ أمرٍ من شأنه أن يؤدي إلى الإخلال بالأمن والاستقرار، أو يكون موضع مسؤوليةٍ، أو يوجَّه ضد الشعب والوطن، فأعلنتْ براءتنا، وقضتْ بإعادة جميع أجزاء رسائل النور المُصادَرة.
وإنني بناءً على هذا أقول لكم يا مَن تقمعوننا لصالح اللادينية والإلحاد: إنكم تضيقون عليَّ خدمةً لمصالح الفوضوية الهدامة، ورعايةً لمصالح جهاتٍ أجنبيةٍ خطيرة، وإضرارًا بمصالح الوطن والشعب والأمن والاستقرار، وتُحدِثون القلاقل والاضطرابات تبتغون بها أن يتدخل ذلك التيار الأجنبي في بلادنا؛ ولأجل هذا لا تساوي جميع تعدياتكم وحملاتكم المُغرِضة عندي فلسًا واحدًا.. ولقد قررت أن أتحمل وأصبر ليدوم الأمن والاستقرار.
وكما أن الدنيا زائلةٌ لا محالة، فكذلك أحداثها العاصفة متغيرةٌ لا محالة؛ ولئن كانت الجريمة أو الجناية تستغرق بضع ساعات، فإنها تورِث آلاف أنواع العذاب والجحيم الدنيوي والأخروي، وحينئذٍ ستندمون أشدَّ الندم، لكن لن ينفعكم الندم.
وأُخاطب الأشقياء أمثالَكم بما سبق أن خاطبتُ به الجهات الرسمية والموظفين المعنيين بنا قائلًا:
إننا نعمل من خلال رسائل النور على دفع أعظم خَطَرَين يهدِّدان البلاد ومستقبلَها، والأماراتُ على هذا كثيرة، حتى لقد أثبتنا بعضها لدى المحكمة.
— 554 —
أما ما يتعلق بالخطر الأول فهو إقامة سدٍّ في مواجهة الفوضوية الآتية من الخارج، والتي تسعى جاهدةً للانقضاض على هذه البلاد.
وأما ما يتعلق بالخطر الثاني فهو تأمين أعظم نقطة استنادٍ لهذه البلاد بتحويلِ كراهيةِ ثلاثمئةٍ وخمسين مليون مسلمٍ إلى أُخُوَّة.
وأقول لمدير أمنِ "أفيون": حضرةَ المدير.. لماذا لا تعيرون التفاتًا لكلِّ هذا الذي يقع عليَّ من اعتداءاتٍ لا شرعيةَ لها ولا جدوى منها ولا مصلحة، بل لم يُرَ مثلها في العالَم؟! وإليك مثالًا:
إنني أسألك: بأيِّ قانونٍ أُهانُ وأنا في هذه الغربة والمرض والشيخوخة والفاقة، ويقال لي رسميًّا: "لا ذهاب إلى المسجد بعد اليوم"؛ مع أن ذهابي إلى المسجد إنما هو لنَيل ثواب الجماعة، ومع أنني لا أقبل أن يجلس معي أكثر من شخصٍ أو اثنين؟! أيُّ مصلحةٍ تتحقق في هذه الإهانة؟ وبأي قانونٍ يُنشَر الخوف والقلق وتُضخَّم الأمور لمجرد أن شخصًا فاضلًا أقام لي في موضعٍ خالٍ من المسجد سِتارةً مؤلَّفةً من بضع خشباتٍ وبساطٍ لا تتسع لأكثر من شخصين.. أقامها لي دون علمي ليجنبني البرد؟! أيُّ مصلحةٍ تتحقق في نشر هذا الخوف والقلق؟!
كلا.. ليس لهؤلاء الذين يُسيئون إليَّ من مبَیرِّرٍ سوى أن يتذرعوا بتوجُّه الناس وإقبالهم فيقولوا لهم: لماذا تُولُون هذا الرجلَ المنفيَّ الاحترامَ والتقدير؟
وأنا أقول: يعلم جميع أصحابي أنني لا أطلب إقبال الناس ولا احترامَهم لشخصي، بل أردُّه، فإذا كنت لم أقبل حُسْنَ ظنِّ الآخرين بي، فبأيِّ قانونٍ أُساءَل وأُهان لمجرد أنهم أحسنوا ظنهم بي بغير رضًى مني ولا اختيار؟! ولو فرضنا جدلًا أن هذا الإقبال كان حقيقةً واقعةً، فإنه يعود بالنفع على الوطن وأبنائه وليس فيه ضرر.
ثم إنني إن قَبِلتُ شيئًا من هذا التوجُّه فأيُّ ضيرٍ في قبولي صداقةَ شخصٍ أو اثنين ليقوما على تدبير شؤوني الضرورية في هذه الشيخوخة والمرض والفاقة ضمن حبسٍ انفراديٍّ رهيب في غرفةٍ قارسة البرد؟! وأيُّ قانونٍ يمنعني من ذلك؟ وبأيِّ قانونٍ أُجبَر
— 555 —
على عدم الاتصال بأحدٍ سوى فتًى أو فَتَيَين عاملَين إنْ غابا لعملهما لم يمكنِّي تدبير شؤوني بنفسي؟!
إن النظر في حالتي المأساوية هذه وأخذَها بعين الاعتبار هو أمانةٌ في عنق رجال الحكومة والإدارة والأمن في هذه البلاد، وإنني أؤكد لكم أنكم مَعْنِيُّون بهذا الأمر بشدة.
في التجريد المطلَق بی"أميرداغ"
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء الموفَّقين..
لقد تصدتْ رسائل النور لحريقٍ عظيمٍ كالشيوعية.. تلك الداهية العظيمة الرهيبة التي خرجتْ من روسيا الحمراء تنفُث نارًا حمراء وترمي بشَرَرٍ أحمر، وتطوف مدنَ العالَم ونواحيَه واحدةً تلو الأخرى، تُضرِم النار في بعضها وتُصْلِيها بلهيبها، وتوقِد في بعضها الآخر نيران الشقاق والنفاق صارخةً في وجه الأخِ أنِ اقتل أخاك؛ ثم بعد أن أحرقَتِ العالَم المسيحي وخرَّبتْه وخلَّفتْه قاعًا صفصفًا، راحت تطوف في أرجاء العالَم الإسلامي ويتطاير شرَرُها إلى وطننا.. نعم إن رسائل النور التي واجهتْ هذا الحريق المتأجج، وحملتْ على عاتقها مهمة إطفائه هي أكبر ملجأٍ للمسلمين والبشر منه، وهي الحصن الأعظم الوحيد تجاهه.
فيا مَن ضلُّوا عن جادة الصواب التي أرشد إليها فخر العالَمين (ص).. ويا مَن غرَّهم متاع الدنيا الفاني.. يا مَن تفِرُّون من نور القرآن متخوِّفين أن يضرَّ دنياكم.. لا نجاة لكم - ونيرانُ الكفر المطلق تحيط بنا من كلِّ جهة - إلا بالالتجاءِ إلى الحصن النوراني لرسائل النور، والدخولِ في دائرته القدسية، فهو الحصن الحصين المُحكَم المنيع، وعندئذٍ تستبدلون بالموت الذي تظنونه إعدامًا أبديًّا حياةً باقية.
— 556 —
وإنكم بالتزامكم بالدعواتِ التي يدعو بها كلٌّ من ترجمانِ النور والشخصِ المعنوي لرسائل النور، كقولهم: أَجِرْنا، وأَجِرْ والدِينا، وأَجِرْ طلبةَ رسائلِ النورِ ووالِدِيهم من النّار.. وبتقرُّبكم إلى اللّٰه تعالى بها، وبمداومتكم على قراءة رسائل النور ودخولكم في هذه الدائرة القدسية المباركة تنجون من النيران ومن أمراضٍ دنيويةٍ وأُخرويةٍ مثلما نجوتُ أنا من أمراضٍ معنويةٍ وبيلةٍ، وتنقذون أحبَّاءكم الذين تقومون على رعايتهم، أعني أبناءكم وأهليكم، وتحظون بالسعادة والفلاح ماديًّا ومعنويًّا بعملكم لنشر الأنوار؛ وهذه حقيقةٌ يشهد لها الملايين من طلاب النور.
فيا طلاب النور.. لا ترفعوا رؤوسكم من سجدة الشكر للّٰه تعالى على لطفه الأزلي الذي أولاكم إياه، وأدُّوا له وظيفة الشكر قيامًا في ساعات الليل المباركة غيرَ مبالين ببردها، ولا تَهولَنَّیكم الحوادث التي هزَّت البعض لشدة تفكيرهم بالمستقبل واهتمامهم به.. لا تخافوا.. بل شاهدوا كرامات النور القدسية وإمداداتها.. فالدنيا فانيةٌ حتى لو عاش المرء فيها آلاف السنين، وهي كالعدم بالنسبة للحياة الأخروية الباقية، وهي رغم كونها فانيةً إلا أنها مزرعةٌ تنتج ثمارًا باقيةً للحياة الخالدة.
لا تهزَّنكم شدة العواصف وقوة الرياح ولا تخيفنَّیكم، ابذروا في هذه المزرعة المباركة بذور النور الطيبة المباركة المعطاءة الخيرة، فإن "من زرع حصد" كما قال أجدادنا.
أيْ طلابَ النور.. حذارِ أن تتزعزعوا أمام هجمات أعداء الدين.. لا تفتُروا.. اسعَوا وجِدُّوا وادأبوا.. وكونوا على يقينٍ أن أدعية النور وشفاعته وهمته ستنقذكم.
أخوكم
مصطفى عثمان
٭ ٭ ٭
— 557 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن مخطَّطَهم الذي رسموه لتصفيتي في الشتاء الماضي قد باء بالفشل بفضلِ الصبر والتحمُّل الذي أمدتني بهما العنايةُ الإلٰهية ودعواتُكم لي بظهر الغيب، والدليل على أنه كان مُعدًّا له على أعلى المستويات، فهو أن رئيس الجمهورية صرَّح مؤخَّرًا في "أفيون" قائلًا: "كنا نتوقع حدوث اضطراباتٍ دينيةٍ في هذه الولاية".
إذًا لقد كانت المنظمات السِّرِّية تُضيِّق الخناق عليَّ لتدفعني للقيام بردٍّ ما، غير أن إساءاتهم وإيذاءاتهم المستفِزَّةَ المتعسِّفةَ غيرَ القانونية التي يعتدون بها عليَّ على مرأًى من المسلمين وأبناء البلد خدمةً للتدخُّل الأجنبي ستنقلب عليهم ضررًا تامًا في الدنيا، وجهنمًا وسَقَرًا في الآخرة، وستُنيلُنا أجرًا عظيمًا ونصرًا مبينًا في الدنيا، وتُكسِبنا جنةً وكوثرًا في الآخرة بإذن اللّٰه.
إذًا لقد كان مجلس الوزراء ورئيسُ الدولة على اطلاعٍ على هذا المخطط السِّرِّي، لدرجة أن عموم الموظفين هنا، بل حتى الوالي ومدير الناحية كانوا يخافون بل يتهربون من الحديث إليَّ، وكنت أَحار من ذلك، لكنْ يدري كلُّ مَن له ذرةٌ من عقل أنَّ ما بأيدينا هو النور فحسب لا هراوة السياسة، والغريب أن بعض الموظفين الذين كان ينبغي أن يعملوا لصالحي قد استُعمِلوا ضدي.
ينبغي على طلاب النور أن يكونوا بغاية الحِيطة والحذر والاتزان، إذْ ثمة عواصف معنوية، وثمة منافقون محتالون يندسُّون في كل جهة، ويدخلون في صفوف حزب الحرية بينما هم في واقع الأمر موالون للاستبداد المطلق ولاءَ الملحدين، وكلُّ غرضهم أن يُفسِدوا على ذلك الحزب عملَه، ويعرِفوا أسراره، ويفشوها.
ونقول بمناسبة إعطاءِ "صلاح الدين" نسخةً من "عصا موسى" لذلك الأمريكي: ينبغي على المبشرين والشخصيات الروحية المسيحية وكذا طلابِ النور أن يكونوا في منتهى الانتباه والحذر، لأن تيار الشَّمال سيعمل جاهدًا على إفساد التوافق بين
— 558 —
المسلمين وبين المبشرين ليدافع عن نفسه في مواجهةِ الإسلام والدين العيسوي، وربما اجتذب إلى صفوفه بعضًا من المسلمين بمنحهم بعض الامتيازات الخاصة، وبتضليلهم وخداعهم من خلال إيجابه الزكاة وتحريمه الربا ومساعدته طبقةَ العوام ودعوته البورجوازيين لأنْ يساعدوا العوام ويُقلِعوا عن الظلم.
إنني هذه المرة خرقتُ قاعدتي والتفتُّ إلى الدنيا لأجلكم لا غير.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
حين كانت نفسي تزعجني بِقِلَّةِ صبرها في هذا الزمان العصيب، أسْكَتَتْها الكلمات التالية ودفعتْها إلى الشكر، وقد بعثتُ إليكم نسخةً من هذه الكلمات المعلَّقة عند رأسي رجاءَ أن تفيدكم أنتم كذلك.
١- أيْ نفسُ.. لقد أخذتِ نصيبَك من المباهج والأذواق على مدى ثلاثٍ وسبعين سنة أكثرَ مما أخذه تسعون بالمئة من الناس، فما بقي لك حقٌّ فيها بعد هذا.
٢- تطلبين بقاء المباهج والأذواق الآنيَّة الفانية، فإذا زايَلتْكِ شرعتِ بالبكاء، فتتلقَّين صفعةً على هذا الخطأِ الذي ارتكبتِه بحِسِّياتٍ عمياء، وتبكين عشر ساعاتٍ مقابلَ ضَحِكٍ دام دقيقة.
٣- إن المظالمَ التي انهالتْ عليكِ والمصائبَ التي حلَّتْ بك تُخفي وراءَها عدالة القَدَر، فالبشر يظلمونك على أمرٍ لم تفعليه، لكنَّ القَدَر يعاملكِ بناءً على خطاياكِ الخفيَّة، فيربِّيكِ بِيَدِ تلك المصيبة ويُكفِّر بها عن خطاياك.
٤- ثم إن المئات من تجاربك يا نفسي الجَزِعة قد أورثتكِ قناعةً قطعيةً بأنَّ وراء المصائب الظاهرية ثمراتِ عنايةٍ إلٰهيةٍ في غاية اللذة، وإن آية: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، تُعلِّمكِ درسَ حقيقةٍ قاطعة، فاذكريه على الدوام.
على أن القانون الإلٰهي الذي يدير عجلةَ المقادير - وهو القانون القَدَري الشامل الواسع - لا يُغيَّر لمجرَّدِ رغبتك.
— 559 —
٥- استرشدي بالدستور القدسي «مَن آمَن بالقَدَر أمِنَ من الكَدَر» واتخذيه دليلَكِ، لا تَجري خلف ملذَّاتٍ آنيَّةٍ تافهةٍ كأطفالٍ سُذَّجٍ تحكمهم رغباتهم. تفكَّري في أن اللذائذ الفانية تُخلِّف حَسَراتٍ وآلامًا معنوية، في حين أن المشاقَّ والآلامَ تُورِثُ لذائذَ معنويةً وثواباتٍ أُخروية؛ فإن لم تكوني حمقاء أمكنك أن تطلبي اللذة المؤقتة لأجل الشكر لا غير، فإن اللذائذَ إنما أُعطِيَتِ لأجل الشكر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
أخي العزيز المحترم..
قرأتُ رسالتكم بكمال الاهتمام، وهي رسالةٌ جامعةٌ مستفيضةٌ كُتِبتْ بعنايةٍ وتدقيقٍ كما لو أنها مبحثٌ مستقل؛ وأبيِّن لك ابتداءً أن أستاذَ رسائل النور، ومَن أظهر صلةً وثيقةً بها من خلال إشاراته الغيبية إليها، ومَن هو أستاذي الخصوصي في الحقائق الإيمانية، إنما هو الإمام عليٌّ رضي اللّٰه عنه وكرَّم وجهه.
كما أبيِّن لك أن محبة آل البيت أساسٌ في مسلكنا وفي رسائل النور بنصِّ الآية الكريمة: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وأنه ما ينبغي لنزعة الغلوِّ أن توجد بأيَّة جهةٍ لدى طلاب النور الحقيقيين؛ لكنْ لما كان لأهل الضلالة والزندقة في هذا الزمان تياراتٌ قويةٌ تستفيد من الاختلاف، فتُشوِّش أهل الإيمان وتُفسِد الشعائر وتحارب القرآن والإيمان، كان لا بد لمواجهة هذا العدو المُحدِق من إغلاق باب الجدال في التفاصيل الجزئية التي هي مدار الاختلاف.
ثم إنه لا لزوم لذَمِّ من ماتوا، فقد رحلوا إلى الآخرة دارِ الجزاء، ولقد مَنَع أهل السنة والجماعة فتحَ باب الجدال حول الفِتَن التي جَرَت زمنَ الصحابة رضي اللّٰه عنهم، إذْ ليس من مقتضى محبة آل البيت الذين أُمِرنا بمحبتهم أن نذكر معايب أولئك الذين رحلوا، فهو أمرٌ لا يوجد ما يستلزمه، بل يعود بالضرر.
— 560 —
وقد قرَّر أهل السنة والجماعة فيما يَخصُّ وقعة الجمل التي اشترك فيها طلحة والزبير - وهما من العشرة المبشَّرين بالجنة رضي اللّٰه عنهم یی، وكذا السيدةُ عائشةُ الصِّدِّيقة رضي اللّٰه عنها، أن هذه الحرب كانت نتيجةَ اجتهاد، وأن سيدَنا عليًّا رضي اللّٰه عنه كان هو المُحِقَّ، وأن الطرف الآخر لم يكن على حق، لكن يُغفَر لهم لأن الأمر كان نتيجة اجتهاد؛ ورأوا كذلك أن فتح باب الحديث عن البُغاة في حرب صِفِّين أمرٌ يعود بالضرر، إذْ يستثير النزعةَ الوهابية من جهة، ومذاهبَ الروافض المُفرِطة من جهةٍ أخرى، فيتضرر الدين وأهلُه.
ولقد قال سعد الدين التفتازاني - وهو عَلَّامةٌ من أكبر علماء الكلام - قال بشأن الأسافل أمثالِ يزيد والوليد والحجَّاج الظالم: "إنَّ لَعْن يزيدٍ جائز"؛ ولم يقل: إنه واجبٌ أو خيرٌ يُثابُ عليه؛ ذلك أن مَن ينكِرون القرآن ويجحدون بالنبي (ص) ويرفضون مرتبةَ الصُّحبة القدسية التي حازها الصحابة الكرام كثيرون لا يُحصَون عددًا، ومنهم كثيرون لهم صولةٌ وجولةٌ في هذه الأيام، وليس لعنُهم واجبًا ولا خيرًا يُثاب عليه، وليس على المرء من حرجٍ شرعًا إنْ أعرض عن ذكرهم أو لم يلعنْهم، لأن اللعن والذَّمَّ ليسا كالمدح والمحبة، ولا يُعدَّان من العمل الصالح، فإن نجم عنهما ضررٌ كانا أسوأ.
والواقع أن منافقي هذا الزمان الذين يتحركون في الخفاء، يعملون على ضربِ الإسلام من خلال فئةٍ من العلماء الذين هم أَولى مَن يُؤمَر ويُكلَّف بالدفاع عن الإسلام والحقيقةِ القرآنية والذَّبِّ عنهما، إذْ يستغلونهم من خلال نزعةِ الغلوٍّ، ويستخدمونهم في اتهام أهلِ الحقيقةِ بالتشيُّع، موقِعين بذلك بين الفريقين، ولهم في هذا الميدان يدٌ طُولى، وقد ذكرتَ بعضًا من هذا في رسالتك؛ بل أنت تَعْلَم أن أقوى وسيلةٍ استعملوها ضدي وضد رسائل النور لم يجدوها إلا لدى العلماء أنفسهم.
وإن اجتهادَك الناشئ عن محبتك لآل البيت، والذي لا داعي لإظهاره في هذه الآونة، ربما تسبَّب بِشَنِّ حملةٍ عليك وعلى تلاميذِ رسائل النور، يَشُنُّها علماءُ تداولوا منذ زمنٍ بعيدٍ في إسطنبول كُتُبَ ابن تيمية وابن قَيِّمِ الجوزية، وهما من الأعلام المشاهير الأفذاذ، ومؤلفاتُهما عجيبةٌ جذابة، يساعدهم في ذلك علماءُ آخرون متلبِّسون بالبدع، محاربون للأولياء، يريدون التستُّر على مشاربهم المتساهلةِ مع البِدَع.
— 561 —
وإنه وإنْ لم يكن ثمة أمرٌ شرعيٌّ بالامتناع عن الذمِّ والتكفير، إلا أنه يوجد حكمٌ شرعيٌّ يترتب على فعلهما، فهما إنْ كانا بغير حقٍّ فالإثم كبير، وإنْ كانا بحقٍّ فلا خير فيهما ولا أجر، لأن مستحقي الذَّمِّ والتكفير لا حدَّ لهم، أما الامتناع عن الذمِّ والتكفير فليس فيه أيُّ حكمٍ شرعيٍّ، وليس فيه إثمٌ كذلك.
فلأجل هذا استرشدَ أهلُ الحقيقة بالقانون القدسي المستند إلى الحقيقة المذكورة التي قرَّرها أهل السنة وفي مقدِّمتهم الأئمة الأربعة وأئمة أهل البيت، فلم يرَوا من الجائز الخوضُ والجدالُ في الفِتَن التي جَرَتْ بين أهل الإسلام في العصر الأول، بل قرَّروا أنه عملٌ يضرُّ ولا ينفع.
ثم إنه قد وُجِد في كِلا طرفَي تلك الحروب عددٌ كبيرٌ من أجِلَّة الصحابة، فالخوض في تلك الفِتَن يُورِد إلى القلب اعتراضًا وإنكارًا مشوبًا بالانحياز ضد أولئك الصحابة الكرام، بل حتى ضد العشرة المبشَّرين بالجنة أمثال طلحة والزبير رضي اللّٰه عنهم؛ وحتى إنْ كانت تلك الحروب خطيئةً، فاحتمال التوبة قوي.
ولا يليق برجلٍ مؤمنٍ فاضلٍ عميقِ النظر ينهض بوظيفةٍ قدسيةٍ أن ينصرف عمَّن يستحقون فعلًا آلاف اللعنات والكُره، أعني مَن يشنون على الإسلام هجماتٍ شرسةً في هذا الزمان، ويذهبَ إلى ذلك الزمان الماضي، ويدقق في تلك الأحوال رغم أن الشريعة لم تأمر بذلك، ولم يستلزمه مسلتزم، بل هو ضارٌّ لا محالة.
ولا أُخفيك أن جدالك المحدود مع "صبري" قد أضرَّ إضرارًا بالغًا برسائل النور وبانتشار حقائقها الإيمانية، ولقد شعرتُ بهذا في حينه وأنا هنا، فتأثرتُ لذلك وتألمت.
ثم إنني كنت أتوقع ممن هو عالِمٌ من أهل التحقيق مثلك، ومن "صبري" الذي أتاك ليكون وسيلةَ خدمةٍ مهمةٍ لتلك المنطقة.. كنت أتوقع منكما أنتما الاثنين خدمةً نوريةً جليلة، فإذا بي على العكس من ذلك أشعر بل أرى كيف تضرَّر النورُ من ثلاث جهات!! وبينما كنتُ أسأل نفسي: مِمَّ حصل الضرر يا تُرى؟ إذْ تلقَّيتُ الخبر بعد أيامٍ قليلة بأن "صبري" قد خاض معك في نقاشٍ لا لزوم له ولا جدوى منه، وأنك قد أخذتْ
— 562 —
منك الحِدَّةُ مأخذَها!! فأسِفْتُ لهذا ودعوتُ ربي قائلًا: اللّٰهم إن هذين الرجلين قد هَبَّا لمساعدتي من "أرضروم"، فبدِّلهما بخلافهما مصالحةً.
إن الواجب على أهل الإيمان اليوم - كما سبق ذكره في "لمعات الإخلاص" في رسائل النور - أن يعقِدوا أواصر الاتفاق لا مع إخوتهم المسلمين فحسب، بل حتى مع الشخصيات الدينية الروحية من المسيحيين، وأن يتركوا النزاع والمسائل الخلافية جانبًا، لأن الكفر المطلق ما فَتِئ يشنُّ هجماته، وإنني لأرجو منك بما لَكَ من حَمِيَّةٍ دينية وخبرةٍ علمية، وعلاقةٍ برسائل النور أن تعمل على نسيان ما جرى بينك وبين "صبري"، وأن تصفح عنه وتسامحه، لأنه لم يتكلم من عنديَّاته، بل ردَّد ما سمعه من المشايخ سابقًا في صورة نقاشٍ لا داعي له.
وأنت تعلم أن حسنةً جليلةً واحدةً تُكفِّر سيئاتٍ كثيرة؛ أجل، والحق أن ابن بلدنا "صبري" قد خدم النورَ وخدم الإيمان بواسطة رسائل النور خدمةً جليلةً تدفع للصفح عن آلافٍ من أخطائه، واللازم من مقامكم الرفيع أن تُراعوا خدماته النُّورية هذه، فتعدُّوه صديقًا من أبناء البلد، وأخًا في خدمة النور.
إن بعض الصحابة نظروا إلى تلك الحرب من زاوية الرُّخصة الشرعية والعدالة الإضافية النِّسبية، فتركوا المسلك الذي اتبعه الإمام عليٌّ رضي اللّٰه عنه، وهو مسلك العزيمة الشرعية والعدالة الحقيقية، مع ما فيه من زهدٍ واستغناءٍ واقتصاد؛ وإنما تركوا هذا المسلك من حيث الاتِّباع لا غير، وانضموا نتيجة اجتهادهم هذا إلى الطرف المعارض لعليٍّ رضي اللّٰه عنه؛ حتى لقد وُجِد في هذا الطرف - حينًا من الوقت - أخو عليٍّ عقيلُ بن أبي طالب، وعبد اللّٰه بن عباس المسمَّى حَبْرَ الأمة؛ فلأجل هذا المعنى، وبناءً على الدستور الشرعي الأصيل القائل: «من محاسن الشريعة سَدُّ أبواب الفِتَن» ، قال أهلُ السنة والجماعة الحقيقيون: «طَهَّرَ اللّٰه أيديَنا منها، فلنطهِّر منها ألسنتَنا» ، فلم يَرَوا من الجائز فَتْحَ بابِ تلك الفِتَن والخوضَ فيها، لأنه إنْ كان ثمة بضعة أشخاصٍ يستحقون الاعتراض، فإن نزعة التحيز لا تلبث أن تتحرك، فتبدأ بالاعتراض على الصحابة الكرام، بل تعترض حتى على بعض آل البيت الذين وُجِدوا في صفوف الطرف المعارض لعليٍّ رضي اللّٰه عنه،
— 563 —
وتعترض على كبار الصحابة كطلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة رضي اللّٰه عنهم، وتُستثار حينئذٍ نزعةُ الذمِّ والعداء، فمن هنا مال أهلُ السنة إلى إغلاق هذا الباب؛ حتى إن سعد الدين التفتازاني، وهو إمامٌ شهيرٌ من أئمة أهل السنة وعالمٌ جليلٌ من علماء الكلام لما قرَّر جوازَ إطلاقِ اللعن والتضليل بحق يزيد والوليد، ردَّ عليه علَّامةٌ من أهل السنة والجماعة، وهو السيد الشريف الجُرجاني بقوله: صحيحٌ أن يزيد والوليد كانا من الظَّلَمة الطُّغاة الفَجَرة، إلا أنه لما كان موتُهم على غير الإيمان أمرًا غيبيًّا، ولم يكن من سبيلٍ للعلم بذلك على وجه القطع، ولم يكن ثمة نصٌّ أو دليلٌ قاطعٌ يتناولهم بأشخاصهم، لم يكن من الجائز لعنُ شخصٍ بعينه، لاحتمال توبته وموته على الإيمان، وإنما يجوز اللعن على سبيل العموم مثلُ: لعنة اللّٰه على الظالمين والمنافقين؛ وإلا فلا موجب لهذا، بل فيه ضرر.
لم أستطع كتابة جوابٍ مطوَّلٍ عن رسالتك العلمية الرصينة بسبب مرضي الشديد ومشاغلي الضرورية، فهذا ما أمكنني كتابتُه على عجَل.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭