— 548 —
رسالةٌ مختصرةٌ من الأستاذ تبيِّن مكائد الذين يريدون إبعاد طلاب النور عن رسائل النور، وبِمَ يُرَدُّ عليهم
إخواني الأعزاء الأوفياء..
تلقيتُ إخطارًا معنويًّا قويًّا بأن أتحدث إليكم مجدَّدًا في مسألةٍ بالغة الأهمية، وهي نفس المسألة التي سبق أنْ بيَّنتُها لكم بيانًا مجملًا؛ وفحواها أن أعداءنا المنافقين العاملين في الخفاء لما فشلوا في هجومهم الذي شنوه علينا مستخدمين القضاء والسياسة ومؤسسات الدولة أداةً بيدِ الإلحاد كما هو ظاهرٌ حتى اليوم، تخلَّوا عن مخططاتهم القديمة التي عادت بالنفع على فتوحات رسائل النور، وراحوا يدبِّرون مخطَّطًا نِفاقيًّا يَحار منه الشيطان نفسُه، وثمة علائم هنا تدلُّ على ذلك.
وأحدُ أهم أسس هذا المخطط هو تفتير همةِ خواصِّ إخواننا الثابتين وثَنْيُ عزائمهم، بل حملُهم على التخلي عن رسائل النور إن أمكن، وهم يستخدمون في هذه النقطة بالذات أكاذيب وحِيَلًا بالغةَ العَجَب، بحيث لا بد لمقاومتها من ثباتٍ وولاءٍ وصلابةٍ كالفولاذ كما هي حال التلاميذ الأبطال في "إسبارطة" وما حولها.
إن بعض هؤلاء المنافقين يندسُّون في الصفوف مُظهِرين أنفسهم بمظهر الصَّديق الموالي، حتى إذا ما سنحت لهم الفرصة بَثُّوا المخاوف، وضخَّموا الأمور، وأثاروا الهواجس في النفوس، واجتهدوا في صرف الضعفاء وتخذيلهم قائلين لهم: "إياكم ثم إياكم أن تقتربوا من سعيد، فإن الحكومة تراقبه".
— 549 —
حتى إنهم يسلطون الفتيات على بعض طلاب النور الشباب لإثارةِ غرائزهم؛ ويَعمِدون إلى مَن هم أركانُ رسائل النور، فيُظهِرون لهم معايبي ونواقصي، ثم يقدِّمون بعض الشخصيات المشهورة ذات التديُّن الظاهري من أصحاب البدع ويقولون: "نحن أيضًا مسلمون، والدِّين ليس مخصوصًا بمسلك سعيدٍ وحدَه"، ويَعمِدون إلى البُسطاء السُّذَّج من الشيوخ وأهل الدين فيستعملونهم أداةً ضدنا لمصلحة الزنادقة والفوضويين الذين يواجهوننا من وراء الكواليس؛ لكن مخططاتهم هذه ستبوء بالفشل أيضًا بإذن اللّٰه.
فقولوا لهؤلاء الوُضَعاء: نحن تلاميذُ لرسائل النور، وسعيدٌ تلميذٌ مثلُنا، أما منبعُ الرسائل وأصلُها وأساسُها فالقرآن الكريم، ولقد أثبتتْ قيمتَها وسجلت انتصارَها حتى على أعتى أعدائها بالرغم مما لقيتْه خلال عشرين سنةً من تدقيقاتٍ وملاحقاتٍ لا نظير لها؛ ومهما كانت حالُ سعيدٍ الذي ليس سوى ترجمانٍ ومبلِّغٍ وخادمٍ للرسائل، بل حتى لو انقلب ضدها والعياذ باللّٰه، فإن علاقتنا بها وولاءنا لها لن يتزعزعا بإذن اللّٰه.
أجل، قولوا هذا الكلام وسُدُّوا هذا الباب، لكن من الضروري الانشغال برسائل النور ما أمكن، ونسخُها إن تيسَّر ذلك، وعدمُ إيلاءِ أيِّ أهميةٍ للحملات المغرِضة المبالِغة، وأخذُ الحِيطة التامة كما كانت الحال في الماضي.
نُسلِّم على جميع إخواننا وندعو لهم فردًا فردًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إن هؤلاء الذين يتَّخذون من السياسة أداةً للإلحاد واللادينية، ويعملون خفيةً لتمكين الكفر المطلق، ليحطِّموا أعظم قوةٍ يتمتع بها أبناء هذا الوطن، ألا وهي انتماؤهم للعالَم الإسلامي، وأُخوَّتُهم مع أبنائه، والثقةُ التي يوليها هؤلاء لهم، بل ليَبُثُّوا الكراهية والبغضاء بينهم.. أقول: إن هؤلاء قد استغفلوا الحكومة، وضلَّلوا العدالة مرتين، وزعموا أن تلاميذ رسائل النور يتخذون الدين أداةً للسياسة، ويُحتَمل أنْ يَضرُّوا بالأمن والاستقرار.
— 550 —
والحال أن رسائل النور بركةٌ ماديةٌ ومعنويةٌ لهذا البلد، وأن لها خدمةً جليلةً فائقة، وأنها جامعةٌ لحقائقَ تتعلق بعموم العالَم الإسلامي، وهذا أمرٌ ثَبَتَ وتحقَّق بإشارةِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنية، وثلاثِ كراماتٍ غيبيةٍ لسيِّدنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه، وإخبارٍ غيبيٍّ من الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني قُدِّس سِرُّه؛ ألا أنه ليس لرسائل النور علاقةٌ بالسياسة، غير أنها لكونها تحطِّم الكفر المطلق، فإنها بطبيعتها ترفض وتنقُض ما تحته وهو الفوضوية، وترفض وتهدِم ما فوقه وهو الاستبداد المطلق، وتُحقق الأمن والاستقرار والحرية والعدالة؛ وعليه فلا يجوز الاعتداء عليها بذريعةِ أنها تمسُّ بأمن الوطن وإدارته، بل لم يعُد بمقدور أولئك أن يحملوا أحدًا على التصديق بهذه الدعوى المزعومة، إلا أن المنافقين سيغيِّرون جبهةَ المواجهة، وسيلجؤون إلى مواجهةِ رسائل النور بخبثٍ ومكرٍ تحت شعار الدين نفسه، مستخدِمين لهذا الغرض بعضَ المشايخ البسطاء، أو أصحابِ البِدَع، أو الأنانيين من أتباع المشارب الصوفية، وقد حصل مثل هذا قبل سنتين في إسطنبول وحول "دَنِزْلي"، لكنهم لن يوفَّقوا بإذن اللّٰه.
٭ ٭ ٭
أظن أنه قد حان الوقت - أو أوشك - لتعليم رسائل النور وإخراجها مطبوعةً لدفعِ بلاءَين معنويَّيَن رهيبَين، إذْ هي منقذٌ معنويٌّ لهذا الوطن المبارك.
أحد هذين البلاءَين هو تيار الإلحاد الفظيع المروِّع الذي ظهر في الشمال، وتغلَّبَ على النصرانية، ومكَّن للفوضى والقلاقل، وأخذ يغزو هذا الوطن معنويًّا، فإن رسائل النور يمكنها أن تؤدي وظيفة سدٍّ قرآنِيٍّ شبيهٍ بسدِّ ذي القرنين في مواجهة غزو هذا التيار الرهيب.
والثاني هو الاتهامات والاعتراضات الشديدة الموجَّهة نحو أبناء هذا الوطن المبارك من أبناء العالَم الإسلامي، وقد بات من اللازم مخاطبتهم بلسان المطبوعات لإزالة اتهاماتهم واعتراضاتهم؛ فهذا ما أُخطِر على قلبي. (حاشية): تحقَّقت هذه الحقيقة بعد كتابة هذه الرسالة بعشر سنوات، إذْ طُبِعت رسائل النور في مطابع أنقرة.
— 551 —
أنا لا أعرف وضع العالَم الحالي.. لكنني أعرف أن حقائق رسائل النور مثلما هي قلعةٌ في مواجهة هذا التيار الرهيب الذي يجتاح أوروبا ولا يقوم على دينٍ سماوي، فإنها كذلك معجزةٌ قرآنيةٌ ستكون وسيلةً لإزالة الاتهامات والاعتراضات التي تسود حاليًّا بين أبناء العالَم الإسلامي وقارة آسيا، وستُعيد الأخوة والمحبة بينهم كما كانت في الماضي.
وعلى السياسيين الذين يحبون هذا الوطن وأهله أن يبادروا لطبع الرسائل ونشرها رسميًّا لتكون حِصنًا منيعًا في مواجهة هذين البلاءَين.
(حاشية): حظِيَت الحكومة الجديدة بهذا الشرف الكبير والخدمة الإسلامية العظمى على مستوى العالَم أجمع، وكشفتْ عن عمق إدراكها وبُعد نظرها بسماحها بطبع رسائل النور في المطابع سنة ١٩٥٦م، ونالتْ بذلك تقديرًا كبيرًا من أبناء الأمة الإسلامية وحظيتْ بتوفيقٍ يزيدها قوةً وثباتًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭