— 595 —
عريضةٌ جزئيةٌ لكنها مهمةٌ مقدَّمةٌ إلى مجلس الوزراء ورئاسة مجلس الشعب
أبيِّن هذه المرة وعلى نحوٍ خاص مسألةً راهنةً تتعلق بالوطن والشعب والأمن، رغم انسحابي من الحياة السياسية منذ ثلاثين سنةً؛ وهي أننا بِتنا على قناعةٍ قطعيةٍ مبنيَّةٍ على أماراتٍ كثيرةٍ أن ثمةَ نوايا مبيَّتةً تعمل لصالح الفوضوية، وتستهدفني وتستهدف "أميرداغ"، وتستهدف هذا الوطن بالتالي، إذْ تُضخَّم الأمور ويُجعَل من الحبة قبةٌ بل قباب، وتُصوَّرُ أمورٌ تافهةٌ لا تساوي جناحَ بعوضةٍ كأمثال الجبال، وأُتَّخَذُ ذريعةً للّٰهجوم علينا، أي على تلاميذ النور الذين يسعون لإنقاذ أبناء وطننا المساكين من الإعدام الأبديِّ والشُّبهات الأخروية، وما هو إلا هجومٌ تعسفيٌّ يخالف القانون كليًّا، ويجري بمخططاتٍ أجنبيةٍ خدمةً للفوضوية في هذا الوطن المحتاج إلى الاستقرار.. لقد جُعِلتُ ذريعةً لاستهداف هذا الوطن واستقراره بحقدٍ ظاهرٍ وهواجس باطلةٍ، في عملٍ أشبهَ ما يكون بصبِّ الزيت على النار.
وذلك أنه بالرغم من أن ثلاث محاكم دققت بتمحيصٍ بالغٍ جميعَ كتبي ومراسلاتي وشؤوني على مدار عشرين سنةً، ثم أصدرت قرار البراءة بحقِّنا وبحقِّ كتبنا؛ وبالرغم من أني تركت التأليف منذ ثلاث سنين، ولا أكاد أقدر على كتابة مكتوبٍ واحدٍ في الأسبوع؛ وبالرغم من أني لا أستقبل أحدًا لغير ضرورةٍ سوى بضعةِ فتيانٍ يعملون في الخياطة، ويتناوبون على مساعدتي في شؤوني الضرورية؛ وبالرغم من عدم
— 596 —
عودتي إلى بلادي بعد إخلاء سبيل المنفيين.. أجل برغم هذا كلِّه فقد استفزوني بصورةٍ رسميةٍ وبأسلوبٍ لم أرَ مثله في حياتي، متعمِّدين الإساءة والإهانة، كي يفتعلوا حادثةً ما، فداهموا بيتي بحقدٍ وبشكلٍ غير قانوني، وكسروا قفلَه، وأخذوا مصحفي ولوحاتي المكتوبة بالعربية وكأنها منشوراتٌ خطيرة، وفضلًا عن ذلك خاطب مسؤولٌ مهمٌّ في السلك القضائيِّ الموظفين الرسميين هنا، وكلَّمهم بلهجةٍ آمرةٍ قائلًا: "كان عليكم أن تُخرِجوا سعيدًا على الملأ بواسطةِ اثنين من عناصر الشرطة العسكرية، وأن تُرغموه على ارتداء القبعة الإفرنجية، وأن يؤتى به إلى الاستجواب بهذه الهيئة، وكان عليكم أن تقبضوا على كلِّ مَن يحاول التدخل لصالحه"؛ نعم؛ قال هذا الكلام في اجتماعٍ مهمٍّ حين كانت تُتلى إفادتي التي هي عين الحقيقة.
فلم يبق بعد هذا شكٌّ ولا شبهةٌ في أن ثمة خطةً تهدُف لضرب الأمن والاستقرار من خلال الإساءة إليَّ واستفزازي.
فالشكر للّٰه بلا حدٍّ أنْ أحسن إليَّ بحالةٍ روحيةٍ تجعلني أُضحِّي بمكانتي وجاهي مهما بلغا في سبيل راحةِ أبناء هذا الوطن المستضعفين ودفعِ البلايا عنهم، ولقد قررتُ أن ألتزم التحمُّل إزاء ما يفعله وما ينويه القومُ بحقِّي من إساءةٍ وأذى؛ فأنا على استعدادٍ للتضحية بكلِّ حياتي وجاهي مهما بلغا في سبيل أمنِ هذا الشعب واستقرارِه، وبالأخص في سبيل الراحة الدنيوية والسعادة الأخروية لأطفاله الأبرياء، وشيوخه الموقَّرين، ومرضاه وفقرائه المساكين.
وإحدى الأمارات على ما قام به القوم من تهويلٍ حتى جعلوا من جناح الذبابة جبلًا، ما حصل خلال عشرة أيامٍ فقط لرجلٍ ضعيفٍ طاعنٍ في السن مريضٍ يعيش وحيدًا في الغربة مثلي، إذْ حَضَرَ والي "أفيون" وقائد الشرطة خمسَ مراتٍ إلى هنا، وحَضَرَ المدعي العام مرتين، وراقبتْني خمسُ مروحياتٍ حلَّقتْ فوقي أثناء تجوالي في يومين على التوالي، وعُيِّنَ خمسة عناصر إضافيين من رجال الأمن الذين كانوا يراقبونني للتجسس على أحوالي، وصدرَ أمرٌ رسميٌّ إلى مكاتب البريد بمصادرةِ جميع الرسائل المتعلقة بي.. فهذا يبين أنهم كانوا يخططون لوقوع حادثةٍ تفوق حادثة
— 597 —
"الشيخ سعيد" أو حادثة "مَنَمَن" بعشرةِ أضعاف، فضخَّموا الأمور، وجعلوا من الحبة قبةً، فاتخذوا هذه الإجراءات الأخيرة.
لقد حَسِبوا أنني أعيش سيرتي القديمة، وتوقَّعوا أن تثور ثائرتي ردًّا على الإساءة؛ ولكنهم كانوا واهمين، فإننا نعمل بكلِّ قوتنا على تأسيسِ سدٍّ قرآنِيٍّ كسدِّ ذي القرنين في مواجهةِ الفوضوية، وإن الذين يتعرَّضون لنا إنما يمهدون السبيل للفوضوية، بل للشيوعية.
أجل، لو كان رفضُ أيِّ شكلٍ من أشكال الإساءة والإهانة موجودًا لديَّ كما كان في سالف عهدي حفاظًا على العزة العلمية، ولو لم تكن وظيفتي الحقيقيةُ خالصةً لأجل الآخرة ولإنقاذِ المسلمين من الإعدام الأبدي للموت، ولو كانت وظيفتُنا مجرَّد العمل لأجل الدنيا ولأجل السياسة الهدامة كما يفعل الذين يتعرَّضون لنا، لتسبَّبَ الذين يعملون لصالح الفوضوية بحادثةٍ تَعدِل عشَرة أضعاف حادثة "الشيخ سعيد" وحادثة "مَنَمَن".
ومع النظر بعين الاعتبار إلى أن ثلاثَ محاكم وشرطةَ عدةِ ولاياتٍ لم تتعرض لزيِّي من ناحيةٍ قانونيةٍ طَوالَ عشرين سنة، ولم أُبلَّغ مطلقًا بتبديل زِيِّي مراعاةً لحالتي وعزلتي، فإن هذا النوع من محاولاتِ إجباري على ارتداء القبعة الإفرنجية تعسُّفًا وقسرًا أمام الأهالي سيثير غضبًا عارمًا لدى مئات آلاف الرجال في هذا الوطن، لا سيما الذين تربطهم علاقة الأُخوَّة في درس الإيمان التحقيقيِّ منذ أربعين سنة، وسيكون مدعاةً لويلاتٍ ومآسٍ تسيل لها العبرات.
لقد تحقق لدينا بناءً على أماراتٍ كثيرةٍ أنَّ الإجراءات غيرَ القانونية التي عوملتُ بها، والتي نُفِّذت بإيعازٍ أجنبيٍّ بغيةَ كسرِ توجُّه الناس نحوي، إنما قاموا بها لأجل ذلك المقصد المذكور.
ولكنْ حمدًا للّٰه بلا حدٍّ أنه لم تبق أيَّةُ أهميةٍ لإهاناتهم غيرِ القانونية التي يلقاها رجلٌ مثلي يقف عند باب القبر، وقد قطع جميع علائقه، وسَئِم الدنيا، وفرَّ من إقبالِ الناس وتقديرهم، ولم يعد له ميلٌ إلى أيِّ نوعٍ من أنواع الرياء كالشهرة والجاه والعُجْب.. فإلى اللّٰه تعالى أُحيل أمرَهم.
— 598 —
إنني أفكِّر في أن هؤلاء الذين يلحقون بي الأذى لمجرَّد هواجس لا موجب لها سيقاسون الإعدام الأبدي بالموت عما قريب، فأرثي لحالهم، فاللّٰهم أنقذ برسائل النور إيمانَهم، وحوِّل بسرِّ القرآن إعدامَهم الأبديَّ إلى مذكرة تسريح، وإنني كذلك أسامحهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
فقرة تعرِّف بحقيقة الأستاذ، وتُعَدُّ عينَ الحقيقة، كتبها طالبٌ مخلصٌ وشجاعٌ، تحقَّقَ بدروس بديع الزمان سعيد النورسي وإرشاداته، وكان له أثرٌ كبير في خدمة الأنوار:
اليوم أيضًا مبعثُ سرور الملأ الأعلى بمن هم في الأرض..
اليوم أيضًا مبعثُ فخرِ سكَنةِ الأرض في الملأ الأعلى..
اليوم مَحَطُّ نظرِ حبيبِ اللّٰه..
اليوم تاج الإسلام..
اليوم سلطانُ طرائق الحق..
اليوم أيضًا إمام الحقائق.
اليوم محبوب الهدى كذلك..
اليوم علَّامة الأعصار كذلك..
اليوم نور الظلمات..
اليوم قائد الهداية..
كذلك هو منلا سعيد النورسي..
كذلك هو بديع الزمان فخر العالمين.
خسرو
٭ ٭ ٭
— 599 —
قصيدة المرحوم حسن فيضي حول رسائل النور
﴿ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
إنَّ رسائل النور هي تفسيرٌ حقيقي للحقيقة القرآنية، ومرآةٌ للمبعوث رحمة للعالمين في هذا العصر، وذلك من جهة الوراثة الأحمدية (ص) للآية: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، ومراعاةً للمعنى الإشاريّ؛ فهي إذًا جَلوةٌ من تلكم الرحمةِ الكُلِّية، ونموذجٌ من نماذجِها؛ لذا لم أَتعرَّض لهذه القصيدة السّاطعة على اعتبارِ أنَّ قسمًا من أوصاف الحقيقة المُحمَّدية تُمنَح بالمعنى المجازيِّ لوارثٍ نسبيٍّ مِن وُرَّاثِه، لكن تمَّت إضافةُ بعض الكلمات للإشارة إلى فروقاتِ مرآةِ الحقيقة الأحمدية (ص).
سعيدٌ النُّورْسيُّ
اليوم يبلغ العالمُ بك الطُّمأنينة..
يا رحمة العالم في هذا العصر، رسائل النور..
اليوم ينالُ بنو آدم بك السعادة..
يا رحمةَ العالم، رسائل النور..
منذ زمن والقلوبُ المريضة مضطربة
فإن كان لديك وسامٌ من لقمان
تفضَّل بتقديم الدواء، يا محبوبَ ذي الشّان
يا جلوة الرحمة للعالم، رسائل النور
هلّا انتهى هذا الهجاء الطويل؟
متى تزول هموم ليلة الحداد هذه؟
امتدت الجراح، ونفِد صبیرُ الكثيرين..
يا جلوة رحمة العالم، رسائل النور..
— 600 —
فخرُ العالم امتدَّ من العرش إلى الأرض
وأقبل سلطان الأولياء وركبُ "الدندل"
وسمي ذو الفقار اليوم بی "النور"
يا رحمة العالم في هذا الزمان، رسائل النور
...........
دواء المرضى ومحبوب القلوب أنت
جامع الأسماء والقرآن كذلك أنت
وإحسانٌ إلينا من نور الحق
يا رحمة العالم، رسائل النور
في هذا العالم أنت اللبُّ ولست المادة
وعينٌ جامعة تنظر من كل ذرة
ووجهٌ نال إعجابَ الكون كلِّه
يا مثال رحمة العالم، رسائل النور
...........
لأنك في هذا العصر جلوة المبعوث رحمةً للعالمين
لأنك الآنَ وارثُ شفيعِ المذنبين
ومظهر أدعية الداعين: أغثنا يا غياث المستغيثين
يا شُعلة رحمة العالم، رسائل النور..
لتَطِبِ الآن جِراحُنا شيئًا ما..
لتَزدَدْ قيمةُ نقودِنا بخيسةُ الثَّمن
لتَنشُر نورَك كي ينقلب سوادُنا بياضًا
يا ضياءَ رحمة العالم، رسائل النور
...........
— 601 —
لسنا نَملِكُ الميولَ لِدُنيا كاذبة
لقد تخلَّصنا من الرياء والبدع
ولسنا ننجرفُ نحو أحلامٍ واهية
يا حقيقة رحمة العالم، رسائل النور
لا نملك حلم تأسيس جمعية
وليس لدينا فضولُ المضيِّ في سُبُلٍ أُخرى
أصبحنا عُشّاقَ النور فقط
يا رحمة العالم المرضى، رسائل النور
...........
لقد تخلينا عن المدح والثناء
وأدرنا ظهورنا للأموال والثراء
نبتغي النورَ قبل الرحيل عن هذه الدنيا الفانية
يا رحمة العالم في هذا العصر، رسائل النور
...........
غياثُ العُشّاقِ المرفوع إلى السماء
يُبكي أجدادنا أصحاب الأرواح النقية
أغثنا لوجه اللّٰه
يا رحمة العالم المحتاجين، رسائل النور
بلايا نزلت من السماء، ومصائب فاضت من الأرض
واضطراب شديد هزَّ الكون كله
فارحم العالم يا نور المولى
يا جلوة رحمة العالم، رسائل النور
— 602 —
عواصفُ من جهة ودماءُ من أخرى
ستُحرق نيرانُ هذه المصيبة العالمَ كلَّه
وأنظار البشرية الباكيةِ مُتوجِّهةٌ نحوَك
يا نَمُوذجَ رحمة العالم، رسائل النور
هذه الدنيا العظيمة تحولت بالنار
وغلت البحار كأنها جهنم
يا سلطان الأولياء المَدَد
يا رحمة العالم في هذا الزمان، رسائل النور
...........
هاجمتَ الكفر والزندقة
رفعتَ الهموم عن النفوس
وأغرقتَنا في بحر النور
يا رحمة العالم للمساكين، رسائل النور
ليس لأحد أن يطولَك بيدِه
من القلب والروح نعتمد عليك
أمل العالم ورجاؤه أنت
يا ضياء رحمة العالم، رسائل النور
لا بالضباط والأفراد تشكِّل جيوشَك
ولا بالمدافع والحراب تشنُّ حروبك
فأمسك بزمام هذا العصر واحتضنه بنورك
يا رحمة العالم الآن، رسائل النور
كفى، لينتهِ هذا الطوفان الشديد
ولينطلق عصرٌ جديد سعيد
وليكن لثمانية عشرَ ألف عالم عيد
يا رحمة العالم لأهل القرآن، رسائل النور
— 603 —
الظلماتُ آتيةٌ من جهة الأمام
إلا أنك اليوم عطاء رحمة
وستغرقينه بالتأكيد بنورك
يا رحمة العالم، رسائل النور
لا يدخل التنين الأحمر منازلنا
لا يضع أياديه المسمومة في أعناقنا
ليقف نورُك أمامَه وليَحُل دون بذلك
يا سيف رحمة العالم، رسائل النور
لينقشع الدخان الأسود عن آفاقنا
لينطفئ اللّٰهيبُ الأحمر وليتنبَّه العالم
وليُخلَّد حتى يوم المحشر نصرك هذا
يا ذا الفقار رحمة العالم، رسائل النور
من ذلك الطائفة أولئك الذين قَتلوا الكثيرين
من ذلك النسب أولئك الذين دمَّروا البيوت وخربوها
من ذلك الفئة أولئك الذين ينظرون بعين الثأر
يا حجة رحمة العالم، رسائل النور
يمتصون دماء المسلمين
ويفوقون أبا جهل والنمرود
يختارون لأنفسهم الموت
يا رحمة العالم الآن، رسائل النور
إنهم كالجراثيم ينهشون الجسد
ويتغذَّون من دمائنا وعلى دمائنا
يلوِّثون البلاد النقية ويدنِّسون طهرَها
يا صيدلية رحمة العالم، رسائل النور
— 604 —
موطن المجاهدين والفاتحين
منزل السادة والأولياء والعارفين
مرقد الشهداء في هذا الوطن
يا جلوة رحمة العالم، رسائل النور
تلطَّخت أكفان الشهداء باللون الأحمر
أجسادهم أشبهُ بالورود يفوحُ منها المسك
تقبل الملائكة نعشَهم المنوَّر
يا جلوة رحمة العالم، رسائل النور
يخبرُ القرآن أنهم أحياءٌ غير أموات
كالأسد من جنود الحق كل واحد منهم
تهز قبورُهم نياطَ القلوب
يا مرآة رحمة العالم، رسائل النور
إنك هدية لهذه الأمة الأصيلة
ونرجو ألّا نسقط يومًا في مهاوي الذل
فخُذ بأيدينا إلى أرجاء الوطن العظيم المجيد
يا مثال رحمة العالم، رسائل النور
ليفتخروا دائمًا بنورك
ولترفع هذه الأمة مجدها عبر الانتصارات
لتنشُر هذا الدولة الضياء للشرق والغرب
يا رحمة العالم لنا، رسائل النور
جناحك من النور وتملك ذراعًا قويّة
لك طريق من النور تودِّي إلى الحق
فأرجو أن تقبل فيضي المذنبَ هذا
يا رحمة العالم في هذا العصر، رسائل النور
— 605 —
السَّلامُ عَلَيكُم ورَحمَةُ اللّٰهِ وبرَكَاتُهُ
حضرة أستاذي وسيدي..
لقد جاءت كتابتي على هذا النحو بفضل النور، وقدَّمتُ إليكم ذرّةً واحدة مما أمكنني تلقِّيه من أَحَدِ أنوار الآية: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فأرجو قبوله، وأبلغُكم سلامي، وأقبِّل يدَكُم المباركة.
طالبكم المسكين
حسن فيضي
(رحمة اللّٰه عليه أبدًا دائمًا)
٭ ٭ ٭
نظم المرحوم حسن فيضي دروسَ الحقيقة التي تعلَّمها من الأنوار على هيئة قصيدة شعرية مشيرًا فيها إلى الأنوار؛ تدرج في المُلحق.
سعيدٌ النُّورْسيّ
اِقرأ جيدًا.. ففي كلِّ ذرة معانٍ جيّاشة..
وثمّة أداء يقدِّم الأرواحَ لأهل الهموم..
حتى ينشر البريق.. انظر إلى قفص القلب المهموم ولو مرة..
ستجد جلاءً أجلى من الآخر..
دقِّق في هذا الأمر بأناة وتأملٍ عميق..
فثمّةَ غذاءٌ للأرواح الضَّعيفة على هيئة الجبال..
إن رغبت في رأس مال وثروة لا تنفد..
فافتح عينيك وشاهد الأنوار.. ففيها غنًى كالسيول..
في كل نَفَس نداءٌ من ربِّنا الرحيم يقول:
اعرفني، ثم توكَّل يا عبدي وامضِ..
إن سمعت هذا النداء من لسان كلِّ ذرّة..
فبُشرى لك، فإن لك نعيمًا يسمَّى الجنة..
— 606 —
لا تنظر إلى البعيد، شاهد الأنوار وتوكَّل، فالعالم مرآته..
ألا تشاهد؟ فله ضياءٌ في كل وجه من نفسِ اللون..
كالشمس تضرب بضيائها على كل ذرة فتلمع..
إنَّ لك أيضًا نصيبًا منها.. ألستَ تدري؟
ارفع يديك وتوكَّل، فهنالك ضياءٌ كافٍ اليوم من رسائل النور..
هنالك رخاءٌ في كل ذرّة تَشبَع من النور وتقتدي بالعشق
فليس مهارةً أن تجعل الصديقَ عدوًّا وتتركَ الحبيب غريمًا..
اعلم جيدًا أن الوفاء فقط في الصديق..
وأنَّ المهارةَ أن ترى الورقَ كالحرير والترابَ كالألماس..
إذ لا بقاءَ متجسِّدًا في الورق ولا في التراب..
لا تَستهِن بالبحار ولا تنظر إليها كأنَّها قطرات..
فوراءَ كل قطرة في الحقيقة بحرٌ مخفيّ..
ورغمَ أنَّ أصلك قطرةٌ، إلا أنَّك تفوق الجبال والصخور وتكتشف السماوات..
كذلك أنت أيها النور تملك العبقرية نفسها..
فاجعل من النقطة عالمًا، وكن حاكمًا عليها..
لأن في نقطةٍ منك ذكاءً بحجم الشمس..
قبلةُ كل ذرة قلبها، أمعِن النظرَ في نفسك..
فالهدى فيها في كل شيء..
إياك يا فيضي أن تَثني نفسَك عن جادة الحق..
فمن شاهد حقائق الحق نال عطاءً بقدر استحقاقه..
بطل دَنِزلي المرحوم
حسن فيضي
٭ ٭ ٭
— 607 —
قصيدة "حسن فيضي" أحدِ أهل التحقيق، وصاحبِ الباع الطويل في مدرسة الفنون والعلوم الإسلامية:
سيَخبُو نورُ الهداية وتَضطرِمُ الظلُماتُ مرةً أخرى..
سيُخيِّمُ الفِراقُ والحسرةُ والخسرانُ مرةً أخرى..
فلتَبكِ يا عينُ كذلك، وليَسِل منك الدمُ بدلَ الدُّموع..
فقَلبي الطافِحُ بالفِراق سيتعرَّض أيضًا للفِراق..
لا تُخبِر مجنونًا بأنَّ ثمةَ هجرةً أخرى..
فسيُقام أيضًا مأتمٌ وبكاءٌ ونحيب..
إنَّ وردة التوحيد التي تفتَّحَت، ربَّما تذبُل..
وتُغلَق قبلةُ العِرفان، ويَحُلُّ الدمارُ والخراب..
بلَغَني أن الحبيبَ سيَبقى لنا بعد اليوم ذكرى..
ما أعظَمَها من جراح! ومن سيكون لها الدواء؟!
لمن أشكو هذا المرضَ الأليم؟!
فإنَّ من يسمعُ بكائي سوف يبكي مثلي ويصرخ..
لو سُحِبَت أنوارُك التي تمنح الشِّفاء..
فمن ذا يمنحُني النور؟ ومن يكون لي لقمان؟
إن تلكم الأنفاسَ العَطِرة هي ماءُ حياةٍ لهذه الصحراء..
فلا تُدعها بعيدًا، لِيرتوِ منها كلُّ شخص..
فما لامَسَ نورُك الشريفُ أحدًا إلا..
أصبح قمرًا منيرًا، ولو كان بحجم ذرّة..
— 608 —
كلَّما قبَّلتُ تلك اليد الكريمة الحانية..
غمر الفرحُ والسُّرورُ قلبي الحزين الصغير..
لستُ أحتَمِلُ البِعادَ عن باب فيضِك..
ونَذرِي هو الموتُ في سبيلِك..
فلو توَجَّه نظرُك نحوي يا نور الهدى..
لَأُترِع قلبي الصغيرُ بحارًا ومحيطات..
مهما أَسدَلت هذه العناصر الحجابَ على وجهها..
فإنَّ دعوتك حقٌّ بشهادة القرآن..
تلقَّيتُ درسي من قاب قوسين، وعلمتُ علمَ العِيان..
أن هذا النور البديع سيغدو سلطانًا معنويًّا..
فاعرِض اليومَ سيرتَه لفيضي المسكين هذا دون تردُّد..
وسيعود مجدَّدًا للنحيب والبكاء..
...........
طالبكم المسكين
حسن فيضي
٭ ٭ ٭