السيرة الذاتية
— 528 —

عريضةٌ سبق أنْ أُرسِلتْ إلى ثلاثِ جهاتٍ رسمية

وقد أُرسِلت لتكون مرجعًا لإخواني هناك
أريد منكم أن تُصغوا لشكوى مظلومٍ ظلَّ صابرًا ساكتًا طَوالَ عشرين سنة..
ففضلًا عن أني مُنِعتُ من كلِّ حريةٍ في عهد حكومة الجمهورية التي أتاحت الحريات بأوسع أشكالها، تداعى عليَّ خصومي يقمعونني من كل جهةٍ بكلِّ حرية!! وإن الواجب على حكومة الجمهورية التي تكفُل حرية المعتقد الديني وحرية الفكر العلمي أن تُوفِّر لي كامل الحماية فتُسكِت خصومي المُغرِضين ذوي الهواجس والظنون، أو تتيحَ لي حرية القلم كما أتاحتها لهم فلا تمنعَني من الدفاع عن نفسي؛ لأنه قد صدر أمرٌ رسميٌّ سريٌّ إلى مكتب البريد يمنعني من إجراء أيِّ مراسلة.
وفي الوقت الذي صدرت فيه تحذيراتٌ تمنع أيَّ شخصٍ من أن يلتقيَ بي إلا صبيًّا يأتيني بالماء والخبز، وبينما كنت أنتظر استرداد مؤلفاتي التي نالت استحسان لجنة الخبراء بعد أن صدَّقت محكمة التمييز براءتَنا التامة، انتهزَ خصومي الفرصة فسلَّموا رسالتَين من رسائلي الخصوصية الممنوعة إلى اثنين من أعضاء لجنة الخبراء يعاديان مسلكنا، وقد سمعت أنهما أعدّا تقريرًا سيئًا ضدي، فلم يَبق لي صبْرٌ ولا تحمل، وإنني أُعلنها صريحةً لجميع رجال حكومة الجمهورية، بل للعالَم أجمع:
— 529 —
إن برنامجي وبرنامج رسائل النور - بسرِّ حقيقة القرآن الحكيم وطلسم إعجازه - ومسلكَنا وثمرتَه العملية التي نرجوها ونعمل لها، وهدفَنا وغايةَ عملِنا ليس سوى إنقاذِ المساكين من إعدام الموت الأبدي بالإيمان التحقيقي، وحمايةِ هذا الشعب المبارك من "الفوضوية" بكلِّ أشكالها.
وبناءً على هذا فإن عشرين سنةً من حياتي ومئةً وثلاثين رسالةَ نور إنما هي حجةٌ لا مطعَن فيها، تبرهن على أن رسائل النور التي دقَّقتْها ثلاثُ محاكم وثلاثُ هيئاتِ خبراء ليس لها وراء هاتين الوظيفتَين القدسيتَين أيُّ هدفٍ يَمَسُّ بالقصد شؤونَ الدنيا أو إدارةَ البلاد وأمنَها واستقرارها.
أجل، وهاكم سعيدًا المظلوم الذي لا حول له ولا قوة، والذي لم يراجع الحكومة منذ عشرين سنة، ولا يعرف من رجالها ومسؤوليها أحدًا منذ عشر سنين خلا بضعةِ أشخاص، ولا يعرف عن الحرب العالمية وأحداث العالَم شيئًا منذ أربع سنين ولا يهتم بها، وقد أعلن ذلك أمام المحكمة وصدَّقه جميع أصحابه الذين هم على صلةٍ به.. أفيمكن لمن هذه حاله أن ينشغل بأهل السياسة؟ أو يتدخلَ في شؤون إدارة البلاد؟ أو يكونَ له ميلٌ للإخلال بالأمن؟! فلو كان لديه ذرَّةٌ من ذلك لتساءل: من هم الذين يواجهونني؟ وماذا يجري في العالَم؟ ومن سيساعدني؟ ولاهتمَّ وتدخَّلَ واحتال متخذًا لنفسه موقعًا بين كبار المسؤولين.
وإليكم حادثةً بسيطةً هي الأشدُّ أسًى وإيلامًا؛ فلقد كتبتُ إلى بعض أصحابي رسالةً سلمتهم إياها باليد وقلت لهم فيها: "جِدُوا لي ذريعةً أدخل بها السجن كي أتخلَّص من حالي هذه التي مُنِعتُ فيها من كل اتصالٍ كأنني في زنزانةٍ منفردة.. فلْيأخذوني إلى السجن ولْأَخْلُص من هذا العذاب"، أجل، قلتُ هذا لأكون قريبًا من كتبي في محكمة "دَنِزْلي" وقريبًا من رسائل النور الغرَّاء التي هي رأسُ مال حياتي وثمرتُها فأسعى لاستردادها؛ ولقد كان بين لجنة الخبراء التي تعمل ضدي رجلٌ هو الوحيد الذي يدافع عني، وقد اطلع على رسالتي هذه، فاضطر لمسايرة اللجنة وإصدار الحكم ضدي كي أدخل السجن للأسف!!
— 530 —
وإحدى الذرائع التي تذرَّع بها خصومي الذين زَجُّوا بي في السجن، والتي نِلتُ بسببها البراءة من المحكمة أيضًا، هي "الطُّرُقية"، والحال أني ما فَتِئْتُ أُعلِن في رسائل النور «أن الزمان ليس زمان الطريقة، وإنما هو زمان إنقاذ الإيمان، فالذين يدخلون الجنة بغير الطريقة كثير، لكن لا أحد يدخلها بغير إيمان» ؛ ولهذا عمِلنا بكلِّ قوتنا لأجل الإيمان.
إنني عالِمٌ ولستُ بشيخِ طريقة؛ ليس لي في الدنيا بيتٌ أصلًا حتى تكون لي زاوية، ولا يوجد شخصٌ واحدٌ في هذه العشرين سنةً التي خَلَتْ قال إني لَقَّنتُه طريقة؛ ولم تعثر المحاكم ولا الشرطة على شيءٍ من ذلك.. نعم لا توجد سوى "رسالة التلويحات" التي كتبتُها قديمًا، والتي تبيِّن حقيقة الطُّرُق بيانًا علميًّا، وما هي إلا درسٌ علميٌّ رفيع المستوى.. إنها درسُ حقيقةٍ لا درسُ طريقة.
وإن ثمة وظيفةً مهمةً تقع على عاتق حكومة الجمهورية، ألا وهي حمايةُ المؤلَّف الذي أثبتَ الإيمان التحقيقي وانتصر على الفلسفة، وأثبتَ حقيقةً ارتبطت بها أرواح المليارات من أجداد هذا الشعب وتحدَّوا بها العالَم بأسره.. فحمايةُ هذا المؤلَّف وحمايةُ القائمين على خدمته هي من أهم وظائف هذه الحكومة التي اتخذت من حرية المعتقد الديني أساسًا لها، وإن لم تفعل فلا تسمحْ قوانين هذه الجمهورية بتكبيل ذلك الخادم الضعيف وجعلِه عرضةً لهجوم آلاف الخصوم.
كتبتُ شكواي معتقدًا أن الجمهورية ستستمع إليِّ؛ نعم، وأقول:
﴿ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
٭ ٭ ٭
— 531 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
إخواني الأعزاء الأوفياء..
هذا جوابٌ اضطراريٌّ على سؤالٍ يُطرَح بلسان الحال والمقال.
السؤال: لماذا لا تتواصل مع التيارات الموجودة داخل البلاد وخارجها خصوصًا منها الجماعات السياسية؟ ولماذا تَمنع رسائلَ النور وتلاميذَها من الاتصال بها ما أمكن؟ مع أنك لو تواصلتَ معها وكنتَ على علاقةٍ بها لدخل آلاف الناس في دائرة رسائل النور، ولَنشروا حقائقها الساطعة، ولَما كنتَ عرضةً لكل هذه التضييقات التي لا مبرر لها.
الجواب: إن أهم سببٍ لهذا الاجتناب وعدمِ التواصل هو الإخلاص الذي هو أساس مسلكنا، فإنه هو الذي يمنعنا من ذلك، لأن الناسَ في زمان الغفلة هذا - لا سيما أصحابَ الأفكار المتحزِّبة - قد اتخذوا كلَّ شيءٍ أداةً لمسلكهم، حتى لقد جعلوا أعمالهم الدينية والأخروية بمثابةِ أداةٍ لهذا المسلك الدنيوي، مع أن الحقائق الإيمانية والخدمة النُّورية القدسية لا يمكن أن تكون أداةً لشيءٍ في هذا الوجود، ولا يمكن أن تكون لها غايةٌ سوى مرضاة اللّٰه تعالى.
والحقيقة أن المحافظة على سر الإخلاص هذا وعدمَ اتخاذ الدين أداةً للدنيا قد بات أمرًا بالغ الصعوبة في هذا الزمان الذي تتصارع فيه التيارات الحالية بتحزُّبٍ شديد؛ وأفضلُ حلٍّ لهذا الأمر هو الاعتمادُ على عنايةِ اللّٰه وتوفيقه بدلًا من الاعتماد على قوة التيارات.
وثمة سببٌ آخر من الأسباب الكثيرة لاجتنابنا التياراتِ السياسية، ألا وهو الشفقة وتحاشي الظلم والإضرار، وهو أحد الأساساتِ الأربعة لرسائل النور؛ فقد هيمنَ الظلم الشديد في هذه الأيام مصداقًا لقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، وبات هو السائدَ بدلًا من دستور الإرادة الإلهية القائل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، أي إن المرء لا يؤاخَذ ولا يؤخَذ بجريرةٍ ارتكبها غيرُه أو قريبُه.
— 532 —
وإن الذي يتصرف وفق ما تمليه عليه مشاعر التحيُّز والتحزُّب، لا يُعادي بجريرةِ المجرم أقرباءَ المجرم فحسب، بل يعادي جماعتَه كلَّها، ولو أمكنه أن يُنزِل بهم ظلمًا لفعل، ولو كانت السُّلطة بيده لقَصَف قريةً بجريرةِ رجلٍ واحد؛ مع أنه لا يجوز أن يُضحَّى بحقِّ رجلٍ بريءٍ واحدٍ أو يُظلَم ولو بسببِ مئةِ مجرم؛ بينما الوضع الحالي يَزُجُّ بمئة بريءٍ في المهالك بسبب بضعة مجرمين؛ كأنْ يرتكب رجلٌ جريرةً، فيَطولَ القمعُ أبويه الشيخَين الكبيرَين اللذَين لا حول لهما ولا قوة، وأطفالَه وعيالَه الأبرياء المساكين، ويُشرَّدوا ويُناصَبوا العَداء تحيُّزًا وتحزُّبًا!! فهذا منافٍ لمبدأ الشفقة، ولا يمكن لأمثالِ هؤلاء الأبرياء أن ينجوا من الظلم بوجود التيارات المتحزِّبة بين المسلمين، خصوصًا وأن الأوضاع التي تُسبِّب قيام الثورات والاضطرابات تَنشُر الظلم وتوسِّع دائرتَه.
فإذا حصل ذلك في الجهاد الديني كانت حالُ أبناء الكفار كحال آبائهم، فيمكن أن يقعوا غنيمةً أو يدخلوا في مُلك المسلمين، أما إنْ وُجِد ملحدٌ بين المسلمين فلا يجوز بوجهٍ من الوجوه تملُّك أبنائه أو الاعتداء على حقوقهم، لأنهم مرتبطون برابطة الإسلام وجماعة المسلمين لا برابطة أبيهم الملحد، أما أبناء الكفار فإنهم وإن كانوا من أهل النجاة، إلا أنهم لما كانوا تابعين لآبائهم ومرتبطين بهم في الحقوق وفي الحياة، جاز في الجهاد أن يقعوا أسرى ويُستَرَقُّوا.
السلام على جميع إخواني فردًا فردًا، وأبارك لكم ليلة المعراج التي لها مغانم بالآلاف؛ بلغوا السيد "رأفت" تعزيتي بالمرحوم "حاجي إبراهيم"، وقولوا له ولمن لهم صلةٌ بالمرحوم: إنه - رحمه اللّٰه - من طلاب النور، وإنه مشمولٌ بأدعيتهم على الدوام، وأنا كذلك أدعو له دعاءً خاصًّا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 533 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
تتمةُ الجواب الاضطراري السابق
إخواني الأعزاء الأوفياء..
فصل الصيف هذا هو أوانُ الغفلة والانشغال بهموم العيش، ووقتُ العبادة الجزيلةِ الأجرِ في الشهور الثلاثة المباركة، وزمانُ الصراع الحاد الذي يشهده العالَم دبلوماسيًّا لا عسكريًّا، فإن لم توجد صلابةٌ وثباتٌ في الوظيفة النُّورية القدسية تسرَّبَ الفتور والعطالة والركود، فتضرَّرتْ خدمة رسائل النور.
إخواني الأعزاء.. اِعلموا يقينًا أن الوظيفة التي تُعنى بها رسائل النور ويشتغل بها تلاميذُها هي أكبر من كلِّ القضايا الكبرى على وجه الأرض، فلا تلتفتوا إلى تلك القضايا التي تثير الفضول فتَفْتُروا عن وظيفتكم الباقية؛ أكثروا من مطالعة المسألة الرابعة من "رسالة الثمرة" لكيلا تضعُف قوتكم المعنوية.
أجل، إن جميعَ القضايا الكبرى لدى أهل الدنيا إنما تصبُّ في هذه الحياة الفانية وتتمحور حول "دستور الصراع" الظالم الجائر الغاشم، وتُضحّي بالمقدسات الدينية في سبيل الدنيا، ولهذا يذيقهم القدَرُ الإلٰهي جهنم معنوية في نفس جرائمهم التي يرتكبونها.
وفي مقابل اشتغال هؤلاء للحياة الفانية، فإن الأعمالَ التي تقوم بها رسائل النور وتلاميذُها، والوظيفةَ التي يؤدونها، تُثبِت إثباتًا قطعيًّا بدرجة البداهة أن الموتَ ليس إلا ستارًا للحياة الأبدية الباقية، وأن جلَّادَ الأجل الذي يخوِّف عُشَّاق الحياة الدنيوية أشدَّ الخوف ليس إلا وسيلةً لسعادة أهل الإيمان الأبدية.. أجل، وما نزال نُظهِر هذه الحقيقة.
والحاصل أن أهل الضلالة يناضلون لأجل حياةٍ مؤقتة، أما نحن فنتصدى لقضيةِ الموت بنور القرآن، فأكبر قضاياهم لا تَعْدِل أصغر قضايانا، لأن قضاياهم مؤقتة، وقضايانا تتوجه للبقاء؛ وما داموا لحماقتهم يترفَّعون عن قضايانا ولا يتدخلون بها، فلماذا نتابع قضاياهم الدنيَّة ونهتم بها ملحقين الضرر بوظيفتنا القدسية؟!
— 534 —
إن الآية الكريمة تقول: لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، أي إنْ لم تنشغلوا بضلالِ غيركم دون داعٍ أو حاجة، لم يضرَّ ضلالُهم هداكم؛ وأحد دساتير الأصول الإسلامية المهمة يقول: «الراضي بالضرر لا يُنظَر له» ، أي لا يُنظَر بعين الشفقة والرأفة لمَن رضي الضرر لنفسه؛ فما دامت هذه الآية وهذا الدستور يمنعاننا من أن نتألم لمن يضرون أنفسَهم بعلمٍ، فلا بد أن نحصر جميع قُوانا واهتماماتنا وأوقاتنا لأداء وظيفتنا القدسية، وأن نعدَّ كلَّ ما سواها فضولًا لا يعنينا فلا نضيع أوقاتنا فيها، لأننا نحمل النور لا الهراوة، فليس بمقدورنا أن نعتدي، وحتى لو اعتُدي علينا لا نملك سوى إظهار النور، فحالتنا حالةُ دفاعٍ نوراني.
أحد أسباب كتابة هذه التتمة أنني اختبرتُ أحد طلاب رسائل النور حين وجدتُه يندفع في الخوض فيما لا يعنيه بخصوص المضائق، فسألته سؤالًا أو اثنين لأعرف رأيه تجاه الأوضاع السياسية الحالية، فوجدته يجيب إجابةَ عارفٍ بالأمور وثيقِ الصلة بها، فقلت في قلبي: واأسفاه!! إن هذا الأمر سيضرُّ بالوظيفة النُّورية؛ ثم نبَّهتُه بشدةٍ قائلًا: إن لدينا دستورًا يقول: «أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة» ، فإن كان لديك شفقةٌ على الناس فإن الدستور السابق يسلبهم أهليةَ الشفقة، فجهنم تطلب الناس كما تطلبهم الجنة.
تَلوح من جديدٍ بعضُ الأخبار التي أخبر عنها الشعاع الخامس.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..

.......

ثم إنني أُعلن إعلانًا قاطعًا أن رسائل النور إنما هي بضاعةُ القرآن، وأنَّى لي أن أكون صاحبَها فتسريَ إليها عيوبي؟! أنا لست سوى خادمٍ لذلك النور، نعم، خادمٌ ذو عيوبٍ ونقائص؛ ولست سوى دَلَّالٍ في محلِّ المجوهرات والألماس ذاك؛ ولا يمكن لحالتي المضطربة المشوَّشةِ أن تمسَّها أو تسري إليها.
— 535 —
وإن الدرس الذي علَّمتْنا إياه رسائلُ النور هو حقيقةُ الإخلاص، ورؤيةُ المرء نفسَه مقصِّرًا على الدوام، وتركُ الأنانية، وعدمُ الرياء؛ ونحن لا نَعرِض لأهل الإيمان أنفسَنا، بل نَعرِض لهم الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور؛ ونحن ممتنُّون لكلِّ مَن يُرينا عيوبَنا ويُخبِرنا بها شريطةَ أن تكون حقيقيةً، ونقول له: جزاك اللّٰه عنا خيرًا؛ فكما نَمْتَنُّ لمن وجدَ على جنبنا عقربًا فطرحها عنا قبل أن تلدغنا، فإننا كذلك نُقِرُّ بعيوبنا ونَمْتَنُّ لمن يُرينا إياها، على ألَّا يكون ذلك منه ضغينةً أو عِنادًا أو عونًا للبدعة والضلالة.
إخواني الأعزاء.. كنت قد قلتُ في دفاعي ردًّا عليهم: إن تلك الكرامات لا تعود إليَّ، وليس من حدِّي أن أكون صاحبَها، وإنما هي ترشُّحاتٌ ولمعاتٌ من معجزة القرآن المعنوية، ظهرتْ على هيئةِ كراماتٍ في رسائل النور التي هي تفسيرٌ حقيقيٌّ للقرآن الحكيم؛ وهي كذلك نوعٌ من الإكرامات الإلٰهية جاءتْ تعزيزًا للقوة المعنوية لتلاميذ رسائل النور؛ وإظهارُ الإكرام شكرٌ، وهو أمرٌ جائزٌ مقبول.
وسأبين لكم جزءًا من هذا الرد لسببٍ مهم، فلقد سُئلتُ: لماذا تُظهِر هذه الإكرامات؟ ولماذا تَحشُد الأدلة حول هذه النقطة بالذات؟
والجواب: لقد كان ينبغي أن يوجد في مقابل آلافِ الهدَّامين في هذا الزمان مئاتُ آلافِ البُناة يعملون في الخدمة الإيمانية التي تنهض بها رسائل النور؛ وكان ثمة حاجةٌ ماسَّةٌ لأن يكون إلى جانبي مئةُ كاتبٍ ومساعدٍ على الأقل؛ وكان الواجب على إدارة البلد وأبنائه أن يوثِّقوا صلتهم بهذه الخدمة ويكونوا عونًا لها بالتقدير والتشجيع بدلًا من أن يجتنبوها ويبتعدوا عنها؛ وكان ينبغي على أهلِ الإيمان أن يقدِّموا هذه الخدمةَ على مشاغل الحياة الفانية ومكاسبها، إذْ هي خدمةٌ تتعلق بالحياة الباقية..
لكنني - وأجعل من نفسي مثالًا - حُرِمتُ من كلِّ شيء، ومُنِعتُ من الاتصال بالناس ومن الأعوان والمساعدين، بل سعى القوم جاهدين لإضعاف قوة إخواني المعنوية، وتنفيرهم مني ومن رسائل النور، لتُحَمَّلَ مهمةٌ جليلةٌ لا ينهض بها إلا الآلاف على عاتق رجلٍ عجوزٍ مريضٍ ضعيفٍ غريبٍ وحيدٍ لا حول له مثلي، واضطررتُ للابتعاد عن مخالطة الناس والتواصل معهم كنوعٍ من المرض الناجم عن هذا التضييق
— 536 —
والسجن الانفرادي، فضلًا عن تخويفِ الناس مني بشكلٍ رهيبٍ، حتى أصبح بعض أصحابي المقرَّبين يتحاشَون السلام عليَّ، بل صار بعضهم يجتنب أداء الصلوات..!! فكلُّ هذه كانت أسبابًا دفعتني لبيان الإكرامات الإلٰهية التي جاءت تُعزِّز القوة المعنوية لتلاميذ رسائل النور في مواجهة تلك الموانع، فاضطررتُ لكتابة هذه الإكرامات نوعًا من الحشد المعنوي حول رسائل النور، إظهارًا لها على أنها قويةٌ قوةَ جيشٍ بذاته غيرُ محتاجةٍ لأحد.
وإلا فحاشا أن يكون مرادنا الترويجَ لأنفسنا أو استجلابَ الإعجاب بها، أو مدحَها والغرورَ بها، فإنه يُفسِد سِرَّ الإخلاص الذي هو أساسٌ جليلٌ من أسس رسائل النور؛ وكما دافعتِ الرسائل عن نفسِها بنفسِها وأظهرتْ قيمتَها الباهرة، فإنها ستكون بإذن اللّٰه وسيلةً للدفاع المعنوي عنا والعفوِ عن زلاتنا.
إخواني الأعزاء.. لقد تحقَّقتْ لديَّ قناعةٌ قطعيةٌ - بناءً على إخطارٍ معنويٍّ - أن رسائل النور قد تراءت على نطاقٍ واسعٍ فيَّ وفي قريتنا وناحيتنا وبنحوٍ عجيبٍ من الحسِّ قبل الوقوع، وذلك قبل ظهورها بأربعين سنة؛ وكنتُ أرغب أن أبوح بهذا السر لطلابي القدامى أمثال "شفيق" وشقيقي "عبد المجيد"، غير أني سأذكره الآن لكم، فلقد وهبني اللّٰه تعالى بكم الكثيرَ من أمثال "عبد المجيد" و"عبد الرحمن"؛ وهو أنني حين كنت في سن العاشرة كانت لديَّ حالةٌ من الفخر الشديد، حتى إنها تكون في بعض الأحيان في صورة التمدُّح، فكنتُ أتقلَّد هيئةَ من لهم أعمالٌ جليلة وبطولاتٌ عظيمة مع أن ذلك لم يكن برغبتي، وكنت أقول لنفسي: عَلامَ تتظاهر متمدِّحًا وتتباهى بالشجاعة على الأخص وأنت لا تكاد تساوي فلسًا؟! وكنت أظلُّ في حيرةٍ لا أعرف سرَّ ذلك.
وقد وَرَدَ الجواب عن هذه الحيرة منذ شهرَين، وهو أن رسائل النور تُشعِر بنفسِها مسبقًا، فإنك لما كنتَ مجرَّد بذرةٍ شبيهةٍ بقطعة حطبٍ تافهة كنتَ تشعر بحسٍّ قبل الوقوع كما لو أنك تملك حقًا عناقيدَ الفردوس تلك، فتزهو وتفتخر.
أما قريتُنا "نُورْس" فيَعلَم أبناء المنطقة كما يعلَم طلابي القدامى أن أهلها وَلوعون بالتمدُّح تباهيًا وإظهارًا للتفوق في الشجاعة، فكانوا يرغبون أن يتقلَّدوا دور البطولة كما
— 537 —
لو أنهم فتحوا بلادًا عظيمة، وكنتُ أحارُ من نفسي ومنهم، وقد عَلِمتُ الآن بإخطارٍ حقيقيٍّ أن أبناء هذه القرية الطيبين كانوا يشعرون بحسٍّ قبل الوقوع أن قريتهم ستنال فخرًا عظيمًا بنور رسائل النور، وأن الذين لم يسمعوا بهذه الولاية ولا بهذه الناحية سيَعرفون هذه القرية ببالغ الأهمية، فكان أبناء "نُورْس" يُعرِبون عن شكرهم على هذه النعمة الإلٰهية في صورة التمدُّح.

.......

لقد بُحْتُ لكم بهذا السرِّ لأني أعدُّكم بمثابة طلابي وأصدقائي القدامى، وبمثابة أخي "عبد المجيد" وابن أخي "عبد الرحمن"؛ أجل، فكما أُحِسُّ بالمطر قبل قدومه بأربعٍ وعشرين ساعةً، وذلك بحساسيتي وتأثيرِ الرطوبة في أعصابي، فكذلك شعرتُ أنا وأهل قريتي وناحيتي قبل أربعٍ وأربعين سنة من خلال الحسِّ قبل الوقوع بغيثِ الرحمة الذي في رسائل النور.
نبلغ سلامنا لعموم إخواننا وأخواتنا وندعو لهم، ونرجو دعاءكم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭