السيرة الذاتية
— 524 —

مصارحةٌ مع وزير العدل وقضاةِ المحاكم المعنيَّة برسائل النور كلاحقة لفقرة "بثُّ شكوى مني لنفسي"

أيها السادة.. لماذا تنشغلون بنا وبرسائل النور من غير مبرِّر؟!
اعلموا يقينًا أننا ورسائلَ النور نَعُدُّ التفكير بكم - فضلًا عن مواجهتكم - أمرًا خارجَ نطاق وظيفتنا، لأن رسائل النور وتلاميذَها الحقيقيين يعملون لأجل أن يقدِّموا للجيل الآتي بعد خمسين سنة خدمةً عظمى، ويخلِّصوه من ورطةٍ كبرى، وينقذوا البلاد والعباد من خطرٍ محدِق؛ وإن الذين ينشغلون بنا اليوم سيكونون في ذلك الحين رميمًا في القبر، فإذا افترضنا جدلًا أن العملَ لتحقيق هذه السلامة والسعادة مواجهةٌ، فينبغي ألَّا يُقحَم فيها مَن أصبح في القبر ترابًا.
— 525 —
أجل، فإذا كان قدرٌ يسيرٌ من التحلل واللامبالاة التي أظهرها دعاة الحرية في العهد السابق في مجال الأخلاق الاجتماعية والدين والسجايا الوطنية قد أفضى بعد عشرين أو ثلاثين سنةً إلى هذه الأوضاع الحالية على صعيد الدين والأخلاق والعفة والشرف، فلا شك أنكم تدركون ما سيكون عليه الجيل القادم بعد خمسين سنة من أبناء هذه الأمة البطلة الشريفة المتمسكة بدينها، وكيف سيكون في دينه وأخلاقه الاجتماعية.
إن هذه الأمة ذات التضحيات الجليلة قد أظهرت بطولةً فذةً في خدمة القرآن من صميم قلبها وروحها عبر ألفِ سنة، لكن على الرغم من ذلك سيَظهَر من أجيالها بعد خمسين سنة مَن سيشوِّهون ماضيها المشرق هذا أو يطمسونه، ونحن نعلم أن تزويدَ هذه الأجيال بحقائق مثل رسائل النور وإنقاذَها من السقوط المروِّع هو أعظم مهمةٍ وطنيةٍ وقومية؛ ولذلك فإننا نفكر في أبناء المستقبل لا في أبناء اليوم.
نعم أيها السادة، صحيحٌ أن رسائل النور تتوجه توجهًا خالصًا إلى الآخرة، وأن غايتَها إنقاذُ الإيمان ونيلُ مرضاة اللّٰه تعالى، وأن غاية تلاميذها العملُ لإنقاذ أنفسهم وإنقاذِ أبناء وطنهم من الإعدام الأبدي والسجن المؤبَّد الانفرادي، إلا أن لها بالدرجة الثانية خدمةً جليلةً تعود فائدتها للدنيا، وتُنقِذ هذا الوطن وأهله من مخاطر الفوضوية الهدَّامة، وتنقذ المساكين من أجيال المستقبل من مهاوي الضلالة المطلقة؛ ذلك أن المسلم لا يشبه غيرَه، فإنه إذا تخلى عن دينه وخرج على قيم الإسلام هَوى في الضلالة المطلقة، وأصبح فوضويًّا لا يمكن إدارته.
أجل، ففي الوقت الذي كان فيه خمسون بالمئة من الناس قد تلقَّوا تربيةً إسلاميةً أصيلة، وكان الخمسون بالمئة الآخَرون يُظهِرون إهمالًا وتحلُّلًا تجاه قيم الإسلام وأعراف الأمة، فكَّرتُ في احتمال أن يصبح تسعون بالمئة من الناس أتباعًا للنفس الأمّارة بعد خمسين سنة، فيقودوا البلاد والعباد نحو الفوضوية المدمِّرة، وبحثتُ عن حلٍّ لمواجهة هذه المصيبة، فمنعني ذلك من السياسة ومن الانشغال بأبناء هذا الزمان منعًا باتًّا قبل عشرين سنة، وكما كانت هذه هي حالي، فكذلك هي حال رسائل
— 526 —
النور وتلاميذِها، فلقد قطعوا علاقتهم بأبناء هذا الزمان، فلا هم يواجهونهم ولا هم ينشغلون بهم أصلًا.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فإن أُولى مهامِّ الجهات القضائية هي أن تحمي رسائل النور وتلاميذَها، لا أن تتهمَني أو تتهمهم، ذلك أنهم يصونون أهمَّ حقٍّ من حقوق هذا الوطن والشعب، ولهذا السبب يواجههم الأعداء الحقيقيون للوطن والشعب، فيهاجمون رسائل النور، ويُضلِّلون الجهات القضائية، ويدفعونها لارتكاب جورٍ شنيعٍ وظلمٍ فادح؛ وأذكر على هذا مثالَين يسيرَين:
المثال الأول: أنني بعثتُ إلى أحد إخواني ممن كانوا معي في السجن رسالةً تتضمن تفقدًا للأحوال، وأرفقتُ بها عشر ليراتٍ هي كلفة طبع إحدى مؤلفاتي العربية، كي تُدفَع للشخص الذي تكفل بمصاريف طباعتها بی"إسبارطة"؛ بعثتُ الرسالة والمال بواسطة أحد الإخوة المقيمين هنا، فسارعتْ كلٌّ من الجهات القضائية والحكومية بالتضييق عليَّ من جهة، وبتفتيش منزل هذا الشخص الذي كان مجرد واسطةٍ من جهةٍ أخرى!!
ولا ريب أن تضخيمَ أمرِ رسالةٍ عاديةٍ لا أهميةَ لها، والتهويلَ من شأن مراسلةٍ يتيمةٍ خلال ستة أشهرٍ هو أمرٌ لا يليق بمكانة القضاء وشرفه.
المثال الثاني: إن تخويفَ كلِّ شخصٍ مني أنا الضيفَ الغريبَ الضعيفَ الطاعنَ في السن الذي ثبتت براءتُه، بل تخويفَ حتى من يقومون على خدمتي، وترهيبَ الناس مني عبر الحملات الرسمية المُغرِضة، والتضييق عليَّ وجعلي في حالٍ يُرثى لها، إنما هو أمرٌ ينافي الحسَّ الوطنيَّ الذي تتمتع به حكومة هذه الولاية.
وإن التهويلَ من شأنِ ضررٍ تافهٍ بل موهومٍ، والمبالغةَ في تضخيمه، وتجييشَ حملاتٍ رسميةٍ مغرِضةٍ ضدي، وإثارةَ قلقِ كلِّ شخصٍ بسؤاله عني: بمن يلتقي هذا؟ ومن يزورُه؟ لَأمرٌ عجيبٌ ما ينبغي لحكمةِ الحكومة وحاكميتها أن تتدنى إلى مثله.
— 527 —
وعلى أية حال فإن ثمة الكثير من هذه الأمثلة التي يَعجَب منها مَن يَطَّلع عليها.
أيها السادة.. إن الضلالات والشرور إن كانت ناجمةً عن الجهل فدفعُها يسير، أما إن كانت ناشئةً عن العلم أو عن المعارف الحديثة فإن إزالتها أمرٌ جِدُّ عسير؛ ولما كانت الضلالة في هذا الزمان من النوع الأخير، كان لا بدَّ من مؤلَّفٍ وافٍ من كلِّ جهةٍ كرسائل النور، لإزالة هذه الضلالة، وإنقاذ مَن يقع فيها من أبناء الجيل القادم، والصمودِ في وجهها.
والدليل على أن رسائل النور تتمتع بهذه القيمة أنها منذ عشرين سنة لم يعارضها أحدٌ من الفلاسفة الذين تلقَّوا صفعاتها الشديدة، ولا أحدٌ من مناوئيَّ وهم ألدَّاءُ كُثْر، ولم يستطع أحدٌ منهم أن يطعن فيها، بل لا يمكنهم ذلك؛ وأنه لم تستطع ثلاثُ جهاتٍ قضائية ولا لجنة الخبراء في مركز الحكومة - بعد تسعة أشهرٍ من التدقيق في أجزائها البالغة مئةَ كتاب - أن تجد فيها مادةً واحدةً تجعلنا تحت طائلة المسؤولية؛ وأنه قد قامت إشاراتٌ قرآنيةٌ وإخباراتٌ غيبيةٌ عَلَويَّةٌ وغوثيةٌ تُوَقِّع على أهمية رسائل النور في هذا العصر وعلى قَبولها، وقد أورثتْ هذه الإشاراتُ والإخبارات تلاميذَ الرسائل - وهُم آلافٌ من أهل النباهة - القناعةَ القطعيةَ بذلك.
أجل، وبما أن وظيفة الجهات القضائية حفظُ الحقوق ووقفُ المتعدين عند حدودهم؛ وبما أن تدقيقَ محكمة "دَنِزْلي" طَوالَ تسعة أشهرٍ في الرسائل وفي أوراقنا الخاصة وغير الخاصة، وتدقيقَ محكمتين أُخريَين ومركزِ حكومةٍ وشرطةِ عدةِ ولاياتٍ منذ عشر سنين لم يُسفِر عن وجود أيةِ مادةٍ تضر الوطن أو الشعب، أو خطأٍ يستوجب العقوبة؛ فضلًا عن ثبوتِ أن رسائل النور المئة قد خدمتْ سعادةَ مئةِ ألفِ شخصٍ خلال عشرين سنة؛ فلا جرَم إذًا أن للرسائل حقوقًا كليَّةً عظيمةً في هذا البلد، وإننا نذكِّركم أن إهمالَ هذه الحقوق البالغة الأهمية، بينما تراعى الحقوق الجزئية للإنسان العاديّ البسيط، ومصادرةَ الرسائل كما لو أنها أوراقٌ عادية، وتجاهلَ أن هذا ظلمٌ فادحٌ للوطن وللمساكين المحتاجين لتقوية الإيمان، لهُو أمرٌ لا يليق بجوهر القضاء وحقيقة العدالة بأي شكلٍ من الأشكال.
— 528 —
ونخشى أن يكون التعرُّض لرسائل النور وعدمُ التعرُّض لمؤلَّفات الدكتور "دوزي" وسائر الزنادقة سببًا لوقوع الغضب الإلٰهي.
أحسن اللّٰه إليكم بالإنصاف والرحمة، وأحسن إلينا بالتحمل والصبر؛ آمين.
في السجن الانفرادي غير الرسمي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭