السيرة الذاتية
— 537 —

جوابٌ اضطراريٌّ على رسالةٍ مهمةٍ وَرَدَتْ من شخصيةٍ مهمةٍ وضابطٍ رفيع المستوى

باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمةُ اللّٰه وبركاتُه
أخي العزيز الوفيّ.. وأنا أهنئكم كذلك بشهر رمضان الكريم.. إن رؤاكم التي رأيتموها مباركةٌ جدًّا، وهي إشارةٌ إلى أن الحق سبحانه سيجعلكم مظهرَ إحساناتٍ جليلةٍ بإذنه تعالى؛ وعندي أن أعظم إحسانٍ وأجلَّ وظيفةٍ في هذا الزمان إنما هو إنقاذ الإيمان والسعي لتقوية إيمان الآخرين.
— 538 —
كن على حَذَر، واجتنب ما من شأنه أن يكون مبعثًا للأنانية والغرور، فإن التواضع والفناءَ عن الذات وتركَ الأنانية لَمِمَّا يلزَم أهلَ الحقيقة في هذا الزمان، بل هو ألزَمُ ما يلزمهم؛ لأنه لما كانت أعظم المخاطر في هذا العصر آتيةً من الأنانية والعُجب، كان من الضروري لأهل الحق والحقيقة أن يَفْنَوا عن ذواتهم، ويلتفِتوا دائمًا إلى عيوبهم ويتهموا أنفسهم.
وإنه لمقامٌ جليلٌ أن يحافظ مثلكم على إيمانه وعبوديته ببطولةٍ تحت وطأةِ ظروفٍ صعبة؛ وإحدى تعبيرات الرؤى التي رأيتَها هي بشارتك بهذه النقطة تحديدًا.
احصُل على رسالةٍ من رسائل النور تسمَّى "التلويحات التسعة"، وهي رسالةٌ تتناول مسألةَ حقيقةِ الطريقة، وطالعها، وادخل في دائرةِ رسائل النور دخولَ الرجال ذوي القوة والإيمان والحقيقة أمثالك، فإنها لم تُهزَم قطُّ في مواجهةِ هجمات هذا العصر، بل أجبرتْ أعتى أعدائها على السماح رسميًّا بتداولها، حتى إن الجهات الرسمية والقضائية العليا بعد أن قامت بالتدقيق والنظر فيها قبل سنتين صدَّقتْ على السماح بتداولها، وأصدرتْ قرارًا يقضي بردِّ جميع ما صودِرَ من الرسائل والأجزاء - الخصوصية وغير الخصوصية - إلى أصحابها.
إن مسلك رسائل النور لم يُغلَب كما حصل لسائر المسالك والطُرُق، بل هو الذي غَلَبَ وأخذَ بيدِ الكثير من المعاندين إلى الإيمان، وإنَّ شهادة حوادث كثيرةٍ من هذا القبيل تُثبِت أن رسائل النور معجزةٌ قرآنيةٌ معنويةٌ في هذا العصر؛ ولقد أورثتْنا تلك الحوادث قناعةً بأن الخدمة الدينية التي يمكن القيام بها في هذه البلاد خارج دائرة رسائل النور إنما هي في معظمها خدمةٌ خاصةٌ جزئيةٌ شخصيةٌ تقتصر على صاحبها، أو هي خدمةٌ تؤدَّى في الخفاء من موقع المغلوب، أو تأخذ صورة التسامح مع البِدَع، أو تنطوي على نوعٍ من التحريفات من جرَّاء التأويلات.
فما دام لديكم همةٌ عاليةٌ وإيمانٌ قويٌّ فانضووا في سلك تلاميذ رسائل النور بفناءٍ عن الذات وبثباتٍ وإخلاصٍ تامَّين، حتى تشاركوا الآلاف بل مئاتِ الآلاف من
— 539 —
التلاميذ في شَرِكتهم المعنوية الأخروية، فتخرجَ أعمال الخير والبرِّ لديكم من دائرة الجزئية إلى دائرة الكليَّة، فتكون تجارةً رابحةً أتمَّ الربح في الآخرة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
حضرةَ أستاذنا المبارك العزيز الحبيب.. حمدًا للّٰه أن المشاغل الدنيوية لم توقِع طلابكم في "إسبارطة" في كثيرٍ من الغفلة هذا العام، فما تزال جهودنا في الخدمة النورية مستمرةً على نحوٍ جادٍّ، والشوقُ نحو النور الذي تُكِنُّه قلوبُنا تبدو علائمُه على مُحيَّا كلِّ واحدٍ منا، حتى لكأنَّ قلوب طلابك هؤلاء تفيض فرحًا وسرورًا.
أجل أستاذَنا الحبيب، فكل طلابك يقولون: لقد أنعم اللّٰه علينا بعطايا وإحساناتٍ هي خيرٌ من الدنيا وما عليها، فقد استعمَلَنا في هذه الخدمة النورية استعمالًا خالصًا مع أننا لسنا أهلًا لذلك ولسنا بشيءٍ أصلًا، فجعلَنا طلابًا لهذا الأستاذ البديع، وكَتَبَةً له ومخاطَبين؛ وأقامنا سبحانه في سبيله مجاهدين، وللخير ناشرين، وللخلق ناصحين، وللحق تعالى عابدين؛ فمهما شكرناه سبحانه يظلُّ شكرنا قليلًا، بل حتى هذا الشكر الذي نبغي القيام به هو بذاته إحسانٌ من اللّٰه سبحانه، وكلما استشعرنا ذلك امتلأتْ قلوبنا فرحًا وسرورًا.
وإذا كان أهل "نُورْس" الطيبون قد عبَّروا بلسان حالهم عن امتنانهم لرسائل النور بحسٍّ قبل الوقوع، فإننا كذلك نعبر عن امتناننا لها بشكرٍ يتبدَّى في أحوالنا وشؤوننا، فالحمد للّٰه حمدًا لا يُحَدُّ ولا يتناهى أنْ أنقذنا بلطفه وكرمه من أودية الجهل المطلق ومن حَمْأة الكفر والعصيان، وجعلنا طلابًا لأسطعِ نورٍ يأخذ بالألباب.
— 540 —
ولولا أن أستاذنا الحبيب سبق أن بيَّن لنا إمكان اجتماع أكثرِ من نعمةٍ معًا فيما يسمى "الاقتران"، لقرأ من أقلامنا المترجِمةِ عن قلوبنا عظيمَ الامتنان لكل نعمةٍ من هذه النعم.
أجل أستاذَنا الحبيب.. إننا ننظر إلى أنفسنا فلا نراها أهلًا لخطاب رسائل النور، لكننا برغم ذلك نشاهد أن تجلياتِ رحمةِ الخالق الرحيم تَظهَر كلما اشتدت الحاجة.
قلبُ الأستاذ مرآةٌ ساطعة، ومَظهَرٌ متلألئ، ومَعكِسٌ وضَّاء؛ ولسانُ مقاله مُبلِّغٌ رفيع، ومعلِّمٌ بديع، ومرشدٌ جليل؛ أما لسانُ حاله فأجملُ مثالٍ مشخَّص، وأفضل أُنموذجٍ مجسَّم.
حاجاتُ طوائف البشر اليوم تُكتَب وتُعرَض، وحالُ الظَّلَمة الذين يوقدون نيران الحروب منذ سبع سنين قد باتت أشدَّ اضطرابًا، وأصبح كلُّ من له إدراكٌ يصغي إلى المذياع متسائلًا بحَيرةٍ: تُرى ماذا سيحصل غدًا؟ وبينما كان يُنتَظَر حلول الأمن والأمان والصُّلح والسلام في العالَم بهزيمة اليابانيين في الشرق، إذا بحركةٍ دجَّالةٍ في الشمال تَظهَر وتَبرُز للجميع، وهذه الحال تثير القلق والمخاوف لدى كلِّ إنسان، وتجعله يسارع إلى المذياع بقلقٍ واهتمامٍ ظانًّا أن المستقبل مُتَّجهٌ نحو غياهب الظلمات؛ فحمدًا للّٰه أنَّ رسائل النور تُسكِّن ببياناتها السامية أرواحَنا، وتطمئن بدروسها الحقيقية قلوبَنا.
وإن ثمة علائمَ تدل على أن هذا التيار المادي الرهيب لن يُهزَم إلا بقوةٍ سماويةٍ ناتجةٍ عن التعاون بين عالَم الإسلام وعالَم المسيحية، بأنْ تتضافر جهود أهل الإنجيل وأهل القرآن، ويكونَ الإنجيل تابعًا للقرآن، مما يؤذِن - بمعنًى إشاريٍّ - بقربِ الزمانِ المنتَظَرِ فيه مجيءُ عيسى عليه السلام.
ووفقًا لما يُتسامَع في هذه الأيام، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد أمرتْ هيئةً من الهيئات الأربع التي أرسلتْها إلى أنحاء العالَم بغرض التحري والتدقيق، وكلَّفتْها بالبحث عن دينٍ سليمٍ يحقق للبشرية سعادتَها، وما دام الأمر كذلك فإننا نؤمن إيمانًا راسخًا بأن رسائل النور التي أقرَّت المحكمة بمجدِّديَّتِها ستكون أعظم سعادةٍ لهذه البشرية التائهة المضطربة.
— 541 —
وما دام أستاذُنا الحبيب موجِّهًا لنا، وما دمنا متمسكين برسائلِ النور التي تحوي أسمى الحقائق، وتفسِّر كتاب اللّٰه أرفعَ تفسيرٍ وأنفعَه، فإن سعادتنا لا حدَّ لها ولا منتهى.
ولو ظهر كلُّ جزءٍ من أجزاء هذه الحقيقة، وبرَزَ على ساحة الفاعلية، لَجَذَب كلَّ الأطراف لقراءته بغاية الاهتمام والإمتاع، وثمة الكثير من الأدلة البارزة على هذا، أَخُصُّ بالذكر رسالة "الكلمة العاشرة" التي هزمتْ فكرة إنكار الحشر؛ ورسالة "الآية الكبرى" التي دفعت الآخرين لقراءتها علنًا بالرغم من طبعها سِرًّا، وهي رسالةٌ تحوي روائعَ جليلةً في تقوية الإيمان؛ وسوى ذلك من أجزاء رسائل النور التي نسفتْ فكرة إنكار الألوهية من جذورها، كرسالة "الثمرة" ورسالة "الحجة البالغة".
إن رسائل النور ستأتي بإذن اللّٰه على سُوْر الإلحاد المشؤوم الذي يُراد إقامته حول القرآن الكريم فتنقضه من أساسه، وستُطفئ نار الكفر الشريرة، وستقدِّم للعالَم أجمع الأمنَ مع الإيمان، فتَسقيه شراب كوثرها الفياض بماء الحياة.
الباقي هو الباقي
طالبكم خسرو
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أكرر لكم تهنئتي بالعيد مجدَّدًا.. سأتحدث إليكم بخصوص مسألتَين مهمَّتين للغاية حديثًا مختصرًا للغاية، لثقتي بذكائكم من جهة، ولوجودهما في أجزاء متفرِّقةٍ من رسائل النور من جهةٍ أخرى.
أُولاهما: أن تلميذًا من تلاميذِ رسائل النور الحقيقيين وأصحاب الحقيقة، وأحدَ نُسَّاخ القرآنِ المعجِز البيان، كتب إليَّ هذه المرةَ رسالةً مبنيةً على حُسْنِ ظنه المُفرِط بي، والذي يفوق حدي ألف درجة، يسألني عن حقيقةٍ جليلة؛ إذْ شاهَدَ في شخصي
— 542 —
الضعيف جلوةً من جلواتِ الوظيفة القدسية الجليلة للشخص المعنوي لرسائل النور، ورأى تجليَ وظيفةٍ من الوظائف العُلْويَّة لخلافة النبوة.. رأى ذلك وشاهده فِيَّ لكوني أستاذَه، فهو يريد أن ينظر إليَّ على أني مَظهَرٌ لتلك الخلافة المعنوية.
أولًا: إنَّ الحقيقة الباقية لا تُبنى على أشخاصٍ فانين، فإنْ بُنِيَتْ عليهم كان ذلك ظلمًا لها؛ وإنَّ الوظيفة الدائمة المستمرة الكاملةَ من كلِّ وجه لا تُناط بمن هم عرضةٌ للمصائب والفناء والتصفية، فإنْ أُنيطَتْ بهم لحقها ضررٌ بالغ.
ثانيًا: إن ظهور رسائل النور المترشِّحة من القرآن الكريم لم يكن مجرد فيوضاتٍ نابعةٍ من فكر ترجمانها أو من لسان حاجته المعنوية فحسب، ولم تكن متعلِّقةً باستعداده وحدَه، وإنما كان مبعثُ ظهور هذه الأنوار أيضًا أن أشخاصًا أفاضل مخلصين ثابتين صادقين - هم مخاطَبو ذلك الترجمان وأصحابه في درس القرآن - قد طلبوها روحًا وقَبِلوها وصدَّقوها وطبَّقوها، فضلًا عن جهاتٍ أخرى كثيرةٍ تَفُوق استعدادَ ذلك الترجمان بنحوٍ كبير؛ فجميعُ هؤلاء يشكِّلون حقيقة الشخص المعنوي لرسائل النور وتلاميذها، وللترجمان نصيبه من هذا الشخص المعنوي أيضًا، ويمكن أن يكون له شرف الأسبقية ما لم يُفسِده بترك الإخلاص.
ثالثًا: إن هذا الزمان زمان الجماعة، ومهما بَلَغَتْ عبقريةُ الأشخاص الفرديةُ من التفوُّق، فإنها تظلُّ قابلةً للّٰهزيمة في مواجهةِ عبقريةِ الشخص المعنوي للجماعة؛ ولذلك فإن مثل هذه الوظيفة الإيمانية التي هي أنوار عبقريةٍ قدسيةٍ ستنيرُ بنحوٍ ما العالَم الإسلامي كما ذكر الأخ المبارَك في رسالته، لا ينبغي لها أن تُحمَّل على كاهلِ رجلٍ ضعيفٍ مغلوبٍ لا حول له ولا قوة، يحيط به أعداءٌ لا حدَّ لهم، وخصومٌ عُتاةٌ يسعَون للقضاء عليه بالطعن فيه وتشويه سمعته؛ فإنْ حُمِّلتْ على كاهل هذا الشخص ذي النواقص والعيوب، وتزعزعَ تحت حملات التشويه من أعدائه، سقط الحِمْلُ وتبعثر.
رابعًا: لقد دَرَجَ كثيرٌ من الأفاضل منذ زمنٍ بعيدٍ على إحسان الظنِّ بأساتذتهم ومرشديهم ومعلميهم وكبارهم إحسانًا يفوق قيمتَهم الشخصية، وكان حُسن
— 543 —
الظنِّ المُفرِطُ هذا أمرًا مقبولًا بدرجةٍ ما، لكونه وسيلةً للاستفادة من دروس هؤلاء وإرشادهم، فلم يكن يُنتَقَد بأنه خلاف الواقع.
أما اليوم، فإن تلاميذ رسائل النور يعملون بهمةٍ ونشاطٍ لأنهم يَرَون في شخصي الضعيفِ الناقصِ رتبةً وفضيلةً عُلْويَّتَين تناسبان أستاذًا يليق بهم، وهذا أمرٌ يمكن أن يُعَدَّ حُسْنَ ظنٍّ يفوق حدي، لكنْ من الضروري أن يُعلَم أن ما بيدي ليس سوى مُلْكٍ للشخص المعنوي لرسائل النور.
وباعتبار أن الزنادقة وأهلَ الضلالة وأهلَ السياسة وأهلَ الغفلة بل حتى البسطاء من أهل الدِّين يُولُون الأشخاصَ أهمِّيةً زائدة، لذا يسعى الخصومُ بكلِّ ما أوتوا من قوةٍ للحطِّ من شأني وإطفاءِ تلك الأنوار وحملِ البسطاء على تصديقهم، ظانِّين أن شخصًا مسكينًا مثلي هو منبعُ تلك الأنوار، وأنهم بانتقاصهم لهذا الشخص يوجِّهون الضربة للحقائق.
وثمة حادثةٌ في المسألة الثانية تَعرِض هذه الحقيقة مثالًا على ما سبق.
المسألة الثانية: أنني حين خرجتُ للتنزُّه بين الحقول في ثاني أيام العيد تعرَّض لي موظَّفٌ مهمٌّ تعرُّضًا يخالف القانون من خمسة أوجُه، إلا أن الحق سبحانه وتعالى برحمته وكرمه أحسن إليَّ بصبْرٍ وتحمُّلٍ عجيبَين، حفاظًا على عزةِ رسائل النور التي حُمِّلتُها على رأسي وكاهلي، وحفاظًا على مكانةِ وراحةِ تلاميذها التي أُسكِنَت في قلبي وروحي؛ وإلا فلقد تبيَّن أن الرجل كان يريد أن يستفزَّني وفق مخطَّطٍ ما، كي يُسدِل الستار على فتوحات رسائل النور خصوصًا رسالة "الآية الكبرى".
حَذارِ أن تقلقوا أو تحزنوا، وإياكم أن تألَموا لأجلي.. إننا لنرجو من العناية الإلٰهية التي تحفظنا من خلف الحجاب حفظًا لا شكَّ فيه ولا شبهة، أن تجعلنا مَظهَرًا للآية الكريمة: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
لقد فشل مخطَّطهم ذاك، لكن يوجد في هذه الولاية أشخاصٌ يتلقون الدعم مباشرةً من أحد المسؤولين الكبار، ويُكرِّسون جهودهم في التضييق علَيّ؛ ومن
— 544 —
الضروري - إن أمكن - التوسُّط لدى محكمة "دَنِزْلي" ومحكمة التمييز بأنقرة لنقلي إلى مكانٍ آخر مناسب، لعدم ملاءمة الجو هنا، وبما أنه ليس بمقدوري القيام بذلك بنفسي، فإنه إنْ حاول أصحابنا في "دَنِزْلي" فِعْلَ ذلك لكونهم على علاقةٍ بالأمر أكثر مني كان ذلك حسنًا، فإن لم يتيسر ذلك فلتوجَد ذريعةٌ أُعتقَلُ بها إلى سجن "دَنِزْلي".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزَّاء الأوفياء المخلصين..
سؤالٌ في غاية الأهمية يسألني إيَّاه من هم على صلةٍ بي كما تسألنيه نفسي، فهو سؤالٌ ماديٌّ ومعنويٌّ يقول:
لماذا تتجاهلُ قوًى في غاية الأهمية يمكنها أن تساعدك، وتُظهِرُ الاستغناء عنها خلافًا لسائر الناس؟! ولماذا ترفض مقاماتٍ رفيعةً يتشوَّق إليها جميع أهل الحقيقة ويطلبونها، بل تتجنبها بشدة، مع أنه قد اتفق على ثبوتها لك خواصُّ تلاميذ رسائل النور، ومع أنها يمكن أن تمهِّد السبيل أمام انتشار الرسائل وفتوحاتها؟!
الجواب: إن أهل الإيمان في هذا الزمان محتاجون إلى حقيقةٍ عظيمةٍ، تبلغ من العَظَمة والسُّموِّ أنْ تُعلِّم حقائق الإيمان تعليمًا لا تكون معه هذه الحقائق أداةً لشيءٍ في الكون ولا تابعةً له ولا سُلَّمًا إليه، ولا يشوبُها أيُّ مقصدٍ أو غرض، ولا تقدر أيَّةُ شبهةٍ أو فلسفةٍ على النَّيل منها، كي يُحفَظَ إيمانُ أهل الإيمان في مواجهةِ هجمات الضلالات المتراكمة منذ ألف سنة.
فلأجل هذه النقطة لا تهتم رسائل النور بالمساعدين سواءٌ كانوا داخل البلاد أو خارجها، ولا تلتفت لقوَّتهم برغم أهميتها، بل لا تبحث عنهم ولا تَتْبع لهم، وذلك لكيلا تكون في نظر عوامِّ أهل الإيمان سُلَّمًا لبعضِ غايات الحياة الدنيوية، ولِتتمكن
— 545 —
بالقوة والحقيقة اللتين نالتْهما من عدم اتخاذها أداةً لشيءٍ سوى الحياة الباقية أن تزيل جميع الشبهات والتردُّدات التي تهاجمهم.
أما سؤال: لماذا تتجنب ما يوليك إياه خُلَّصُ إخوانك من مقاماتٍ نورانيةٍ ورُتَبٍ أخرويةٍ بحسن ظنهم؟! علمًا بأنها مقاماتٌ معنويةٌ مقبولةٌ لا ضير منها، بل يطلبها جميع أهل الحقيقة، وقد ثبتتْ عند إخوانك بحججٍ وأسانيد لا تُرَدّ، ومع أنك إن قبلتَها لم تضرَّ بإخلاصِك، لكنك مع هذا تجتنبها لا بتواضعٍ وفناءٍ عن الذات، بل بشدةٍ وحِدَّةٍ تكسر بها خواطر إخوانك هؤلاء.
فالجواب: أنه مثلما يضحي الرجل الشهم بحياته لينقذ حياة أصدقائه، فإنني إذا لَزِم الأمر - والأمر لازمٌ حقًّا - مستعدٌّ للتضحية لا بتلك المقامات التي لا أستحقها فحسب، بل حتى بمقامات الحياة الأبدية الحقيقية لأحافظ على حياة أهل الإيمان الأبدية من صولة الأعداء المُحْدِقين؛ وهذا بمقتضى درسِ الشفقة الذي تعلمته من رسائل النور.
أجل، فإن ثمة أمرًا سائدًا في كل زمان، لا سيما في زماننا هذا، وبالأخص في هذا العصر الجيَّاش بالأنانية والمراءاة، حيث تهيمن الغفلةُ العامة الناجمة عن الضلالة، وتَغلِب السياسةُ والفلسفة، وهو أن أصحاب المناصب والمقامات الرفيعة يَعمِدون إلى كلِّ شيءٍ فيجعلونه تابعًا لهم وسُلَّمًا، حتى إنهم يجعلون من مقدَّساتهم أدواتٍ لمقاماتٍ دنيوية؛ أما حين يكون المبتغى مقاماتٍ معنوية، فالتوسُّل إليها والسعيُ نحوها بشتى الوسائل والأدوات أشدُّ وأقوى، والساعي إلى هذه المقامات مُتَّهَمٌ بأنه يجعل بعضَ الحقائق والخدمات القدسية وسيلةً وسُلَّمًا لكي يحافظ على نفسه في نظر العامة، وليقدِّمها لهم على أنها لائقةٌ بتلك المقامات، وعندئذٍ يتعدَّى الضرر حتى إلى الحقائق التي ينشرها، فيَشوبُ رواجَها كثيرٌ من التردُّد؛ فإذا كانت المنفعة العائدة إلى الشخص أو إلى المقام واحدة، فالضرر اللاحق بعامة الناس - لعدم الرواج - ألفٌ.
والحاصل أن حقيقة الإخلاص تمنعني من كلِّ ما من شأنه أن يكون وسيلةً لجاهٍ وسمعةٍ أو مرتبةٍ ماديةٍ أو معنوية؛ نعم، صحيحٌ أن هذا يُلحِق ضررًا كبيرًا بالخدمة النورية من حيث الكَمّ، لكن ليس للكمية أهميةٌ في مقابل النوعية؛ بل إني أرى أن تلقين عشرةِ
— 546 —
أشخاصٍ الحقائقَ الإيمانية التي هي أسمى من كلِّ شيءٍ، وتعليمَهم إياها تعليمًا متحقِّقًا بالإخلاص من موقع الخادم الخالص، أهمُّ من إرشادِ آلاف الناس بصفةِ قُطبيَّةٍ عظيمة؛ لأن أولئك العشرة يرون تلك الحقائق أسمى من كلِّ شيء فيَثبُتون، وعندئذٍ يمكن لقلوبهم التي هي بمثابة بُذورٍ أن تنمو وتترعرع فتغدو أشجارًا، أما هؤلاء الآلاف فإنهم بسبب نظرهم إلى درس ذلك القطب على أنه آتٍ من مقامه الخاص ومن مكانته الخاصة، وبسبب الشبهات والوساوس الآتية من الدنيا والفلسفة، يمكن أن يُهزَموا ويُفرَّقوا.
فلأجل هذا أُفضِّل خدمة الحقائق على المقامات، حتى إنني أشعر الآن بالقلق من أن تَحُلَّ مصيبةٌ بذلك الرجل الذي أساء إليَّ يوم العيد بغير وجهِ حقٍّ ووفق خطةٍ مدبَّرةٍ من أعدائي، لأن المسألة أخذتْ أبعادًا لدى عامة الناس بحيث يمكن أن يُولُوني مقامًا ويعدُّوها كرامةً عجيبةً لي، فدعوت ربي قائلًا: اللّٰهم أصلح شأن هذا الرجل، أو جازِه بما يستحقُّه دون أن يبدو الجزاء على أنه كرامةٌ لي.
وسأبيِّن أمرًا بهذه المناسبة، وهو أنني رأيتُ مؤخَّرًا بين الرسائل التي سُلِّمتْ لي من قِبَل المحكمة رسالةً من طلاب النور عليها تواقيع كثيرة، ولعلَّها أُدرِجتْ في "الملاحق"، وهي رسالةٌ تتحدث عن البركة التي يجدها تلاميذ رسائل النور في معيشتهم، وتتحدث عن الصفعات التي نزلت ببعضهم، ولا ريب أن ها هنا خمسةً تلقَّوا صفعاتٍ مثلما تلقاها بعضٌ آخر في "قسطموني".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭