— 513 —
حديثُه مع زُواره
كان حديث الأستاذ مع زُواره يدور حول رسائل النور وخدمة الإيمان، وكان يبين لهم أن تقوية الإيمان هي مقصد رسائل النور الأوحد، وهي التي ستمنعُ خطر الشيوعية والإلحاد الذي يهدد الوطن والشعب؛ وأن ألزَم وظيفةٍ تقع على عاتق الفرد والمجتمع إنما هي العمل على إنقاذ الإيمان وتقويته؛ وأن أعظم قضيةٍ في هذا الزمان هي الاعتصام بالقرآن؛ وأن رسائل النور لم تُهاجَم إلا لكونها ركَّزت جهودَها وعملتْ بكل قوتها على هذه القضية بالتحديد، فلهذا هاجمها أعداء الوطنِ والشعبِ والملاحدة العاملون في الخفاء، وحرَّضوا عليها بشتى الحجج والذرائع؛ ثم يضيف قائلًا: لا سبيل أمامنا سوى العمل الإيجابي البَنَّاء، فما نحمله بأيدينا هو النور لا هراوة السياسة، وحتى لو كان لنا مئة يدٍ فإنها بالكاد تكفي للنور لا غير.
— 514 —
ويوضح لهم أنْ لهذا العمل الإيجابي البَنَّاء من الأثر ما يفوق أثر أقوى الأسلحة، وأنه هو الذي سيهزم أعداء الدين؛ ويبين كذلك أنه لا علاقة لرسائل النور بالسياسة، إذْ إن أهم أساسٍ في مسلكنا هو الإخلاص، فلا يُبتغى فيه مقصدٌ سوى مرضاة اللّٰه تعالى؛ وهذا هو مكمن قوة النور، فبالإخلاص والعمل الإيجابي البَنَّاء تَعُمُّ الرحمةُ والعنايةُ الإلٰهيةُ رسائلَ النور بالحفظ والحماية.
وبناءً على ما ذكره الذين جالسوه واستمعوا إلى درسه، يمكن القول: إنه مثلما كان درسٌ واحدٌ من دروسه أو مجالسةٌ من مجالساته يغدو وسيلة نجاةٍ لكثيرٍ من الشباب، فإنه كان يغدو كذلك منطلَقًا للقيام بخدمة الرسائل بهمةٍ وتضحية، وهذا ما جرى لأكثر الطلاب الذين حضروا درسَه وتلقَّوا توجيهاته.
ولقد حصل ذات مرةٍ مع أحد الطلاب الذين أرسلهم الأستاذ لخدمة النور في أنقرة أن أصابتْه حالةٌ من اليأس والإحباط بعد أن نظر في أحوال العالَم، فتساءل في نفسه بأسًى: متى سيصغي هؤلاء الناس إلى حقائق النور؟ متى ستنقشع حُجُب الظُّلْمة القاتمة؟ وكيف ستتبدَّد هذه الظلمات المعنوية؟ ولما عاد بعد حينٍ إلى "أميرداغ" والتقى بالأستاذ، قال له هذا المعلِّم الجليل: "إن وظيفتَنا هي خدمة النور، أما التوفيق وتَلَقِّي الناس بالقبول فشأنُ اللّٰه عز وجل، ونحن إنما كُلِّفنا بالقيام بوظيفتنا، فلا تقلق ولا تيأس فتقولَ: متى سيصغي هؤلاء الناس إلى رسائل النور؟ بل اعلم يقينًا أن هذه الرسائل هي محلُّ تبريكٍ وتقديرٍ ممن لا يُحَدُّون من سُكَّان الملأ الأعلى؛ فلا أهمية للكثرة، إن القيمة للكيفية لا للكمية، وإن طالبًا واحدًا مخلِصًا متفانيًا يَعدِل ألفًا"؛ وسرعان ما تبدَّد يأسه بهذه الكلمات.
كان الأستاذ في أول الأمر يخرج إلى ضواحي المدينة سيرًا على الأقدام، ثم صار يستعمل العربة، ولم يَركبها يومًا بغير أجرة؛ وكان يسألنا عن ثمن الشيء الذي يريد شراءَه، فنُخبره بثمنِ الكلفة من غير ربح، فكان يعطينا أكثر مما أخبرناه ويقول: لا أرضى إلا أن أدفع ثمنه، إن الطعام المُهدى إليَّ يُمرِضني إن لم أكافِئ عليه، وهذا كذلك، فلا بد أن أدفع ثمنه.
— 515 —
وكان خروجه إلى ضواحي المدينة وتنزُّهُه بين حقولها يقلُّ في الشتاء ويكثر في باقي الفصول، كانت المدينة منبسطةً من جهاتها الأربع، وثمة أماكن كثيرةٌ قد اتخذ منها مدارسَ نوريةً يعكف فيها على تصحيح الرسائل، ولكونه تحت المراقبة الدائمة من جهة، ولتعقُّبه من قِبَل الشرطة والرقباء من جهةٍ أخرى فقد ظل حتى العام ١٩٤٧م يتجول وحدَه، ويجلس وحدَه، ويشتغل بالرسائل وحدَه، ولم يكن يرافقه سوى طالبٍ من طلابه يقود العربة، حتى إذا بلغ المكان المراد نزل فبقي وحدَه.
أما أكثر ما كان يشتغل به عند خروجه إلى ضاحية المدينة فهو تصحيح رسائل النور المكتوبةِ بخط اليد، ثم بعد مدةٍ استطاع طلابه المتفانون في خدمة الرسائل في كلٍّ من "إسبارطة" و"إينه بولو" الحصولَ على آلتَي نسخ، فشرعوا ينسخون مجموعات الرسائل بواسطتها، وصار الأستاذ يصححها.
كان الأستاذ يولي أهميةً شديدةً لكتابة الرسائل يدويًّا ونسخِها آليًّا، ويَعدُّ خدمةَ النور أهمَّ مسألةٍ في هذا الزمان، ويتصرف بناءً على هذا الأساس، وكان يقول: إن رسائل النور معجزةٌ قرآنيةٌ ستنوِّر هذا العصر والعصور التي تليه.
كانت خدمة النور المباركةُ المقبولةُ المنوَّرةُ هذه تؤدى كلَّ يوم، ولم يكن الأستاذ حَسَنَ الخط ولا سريع الكتابة، فكان يشترك في هذه الخدمة بتصحيح الرسائل؛ وكان عمله في التصحيح يمتد لساعاتٍ طويلةٍ من غير أن يعرف تعبًا، فلقد كان قيامه بخدمة النور يمثل له غذاءً معنويًّا، ولم يكن ينقطع عنها حتى وهو في حالة المرض الشديد.
ومعلومٌ أن الأستاذ كان قد انسحب من الحياة الاجتماعية، ومُنِع من التواصل مع الآخرين، فلم يعد يلتقي بأحد، وبات محرومًا من الأنس والسُّلوان الذي يجده المرء من اجتماعه ببني جنسه، إلا أنه وجد في هذا الحرمان كنزَ غنًى لا يفنى؛ فلقد أحسنتْ إليه الرحمة الإلٰهية بالأنوار، إذْ لم يكن له أولادٌ أو عيال، ولم يكن يملك من متاع الدنيا شيئًا ولا من أراضيها شبرًا، وإنما كان لديه رسائل النور فحسب، فكانتْ كلَّ شيءٍ بالنسبة إليه، وكانتْ محلَّ سروره ومبعثَ سُلوانه؛ لقد كان متوجهًا إلى النور
— 516 —
بكل إمكاناته، وكان يعلم أن وظيفته الفطرية هي تعلُّم الأنوار وتعليمها ونشرُها بين الناس.
كان يصادف في سيره وتجواله أناسًا من شتى الفئات، إضافةً إلى أنه كان يلقى الكثير من المشتغلين بالزراعة والتجارة ويتحدث إليهم سواءٌ في الحقول أو الجبال أو الغابات، فكانت العذوبة التي تطبع كلامه والبلاغة التي تكسو منطقه تفوق الوصف؛ وبغضِّ النظر عن الخدمة القرآنية الكُلِّية الواسعة التي نهضَ بها، فإنه لو لم يكن له من عملٍ وخدمةٍ سوى تعليمه وإرشاده لهؤلاء الناس لكان هذا بحدِّ ذاته خدمةً فريدةً جليلةً بالغةَ الأثر؛ نعم، فالعمل الذي قام به في هذا المجال لا يُستهان به؛ وكما أنه خلال إقامته بی"بارلا" اعتبر أهلها - رجالًا ونساءً - طلابًا للنور وإخوانًا للآخرة، فكذلك كان الأمر في "أميرداغ" وما حولَها من القرى، إذْ كان له فيها كثيرٌ من الطلاب وإخوانِ الآخرة، وكان له مزيدُ صلةٍ وعنايةٍ بالأطفال على نحوٍ خاص.
وعفَّةُ الأستاذ واستقامته أشهَرُ من أن يُعرَّف بها، فهي من الخصال التي عُرِفت عنه وثبتَتْ بالمشاهدة؛ وتُبيِّن بعضُ رسائله أنه كان يتورَّع عن الحديث مع النساء أو النظر إليهن حتى وهو في عنفوان شبابه، وهذا أمرٌ يؤكده كلُّ مَن لازَمَه أو عرفه عن قرب؛ ولقد رأى فيه الأهالي أنموذجًا في الفضيلة، فعقدوا معه أواصر صلةٍ معنويةٍ أخرويةٍ، وكان يُكثِر من دعائه لتلك السيدات الفاضلات وللفتيات اللواتي يلتزمن بالصلاة، ويَعدُّهن أخوات الآخرة، كما يدعو للأطفال الصغار الذين يعدُّهم طلبةً وأبناءً معنويين.
وكان يقول لهن بإيجازٍ: إن المرأة هي رمز الرأفة والشفقة، وإن اشتغالَ نسائنا بالتربية والتنشئة الإسلامية هو أولى ما يلزمهن في هذا الزمان، وهن مسؤولاتٌ عن حياة أولادهن الأخروية، فإن نَشَّأْنَهم على الدين والفضيلة كنَّ شركاء لهم في أجرِ كلِّ عملٍ صالحٍ يقومون به؛ وكان يطلب منهن الدعاء لشدة مرضه وظروفه الصعبة؛ ومع أنه قلما كان يتحدث إليهن إلا أنهن كن يشعرن بصفاء قلوبهن أنه رجلٌ رفيعُ القدر من أهل الحق والحقيقة.
— 517 —
أما حديثه إلى الأطفال وحواره معهم فكان يبعث على السرور وينطوي على كثيرٍ من العِبَر؛ لقد كان الأطفال في "أميرداغ" وما حولها من القرى يسارعون إليه كلما رأوه، وكان يوليهم أهميةً كأنهم كبار، ويتوجه إليهم بقلبه ويقول لهم: أبنائي.. أنتم أبرياء لا إثم بذمتكم، وأنا جِدُّ مريض، فادعوا لي فإن دعاءكم مقبول، لقد أشركتُكم في دعائي باعتباركم طلابي وأبنائي المعنويين.
كانوا يحيُّونه وأعينهم تفيض محبةً، وكان يبادلهم التحية بصدقٍ واحترامٍ أكثر مما يبادل به الكبار الغافلين، ويقول: إن هؤلاء هم طلاب النور في المستقبل، وإن سبب إقبالهم عليَّ وصِلتِهم بي هو أن أرواحهم الطاهرة تشعر أن رسائل النور قد جاءت لتُمدَّهم وتنجدهم، فهم يُظهِرون هذه الصلة والمحبة المتفانية تجاهي عفويًّا باعتباري ترجمانًا ومُبيِّنًا لذلك النور.
وكان الأستاذ يُنبِّه الشباب الذين يأتونه إلى ضرورة الالتزام بالصلاة، ويؤكد لهم أن مداومتَهم على قراءة دروس الرسائل، واجتنابَهم ما يموج به هذا الزمان من الرذائل، من شأنه أن يعود عليهم بعظيم الفائدة والسعادة؛ ولقد نبَّهتْ دروسُ الأستاذ هذه آلافَ الشباب من غفلتهم.
وكان يُذكِّر كلَّ موظَّفٍ أو عاملٍ يلقاه في الطريق أو في الحقل بموعظةٍ تناسبه، ويؤكد لهم على أهمية الصلاة، ويبين لهم أن الأعمال والوظائف الدنيوية التي يقومون بها يمكن أن تصير عبادةً بالنية الصالحة، وكان يوضح بشكلٍ خاص أن مزاعم القائلين بأن الدين مانعٌ من الرقي والتحضر ليست إلا ضربًا من الهذيان، وأن الأمر بعكس ذلك، فإنَّ تحلِّي الإنسان والمجتمع والوطن بنور الإيمان يحقق السعادة والنهضة ماديًّا ومعنويًّا.
أجل، فإن الإنسان إذا التزم أداءَ الصلاة وعمل باستقامة، صار عمله ونشاطه الدنيوي عبادةً يؤجَر عليها في الآخرة، وأورثه أنوارًا وسعادةً أبدية؛ ولا ريب أن هذا المبدأ من شأنه أن يدفع للعمل والسعي بهمةٍ ونشاط؛ وينبغي لحقيقةٍ كهذه
— 518 —
أن تُعلَّم للناس جميعًا، وأن يتخذها الموظفون وأصحاب المِهَن والحِرف دليلًا لهم.
(حاشية): هذه نماذج من الدروس التي علَّمها أستاذنا لزائريه، وهي تؤكد أن قيام الإنسان بالفرائض الدينية يُصيِّر أعمالَه الدنيوية عبادة:
فمن ذلك أننا كنا ذات مرةٍ مع الأستاذ في فندق يِلدز بی"أسكي شَهِر"، وقد جاء لزيارته بضعةُ أشخاصٍ يعملون في معملٍ للسكَّر ومعهم رئيسهم، فتوجَّه إليهم الأستاذ وقال بعبارةٍ موجزة: إنكم إذا صليتم المكتوبات صار جميع عملكم عبادة، لأنكم تقومون بخدمةٍ مباركةٍ تلبي حاجةً ضروريةً للناس.
ومرةً نزلنا إلى جانب طريق "أغريدير" وجلسنا نقرأ في "رسالة مرشد الشباب"، فجاءنا شخصٌ يعمل في الخطوط الحديدية، فبيَّن له الأستاذ أنه إذا أدى الفرائض واجتنب الكبائر صار عملُه الذي يقوم به عبادة، لأنه يُسدي خدمةً للناس ولعباد اللّٰه بهذا القطار الذي يختصر مسيرة عشر ساعاتٍ في ساعة، ولن تضيع هذه الخدمة سدًى، بل ستكون سببًا لسعادته وسروره في الحياة الباقية.
وتحدَّث بالأمر نفسِه لطيارين وضباطٍ وجنودٍ يعملون في سلك الجيش بی"أسكي شَهِر"، فقال لهم: إن هذه الطائرات ستُسدي يومًا ما خدمةً جليلةً للإسلام، فإذا أديتم صلواتكم المفروضة، وقضيتم الصلوات التي لم تقدروا على أدائها لكونكم جنودًا، صارت كلُّ ساعةٍ من ساعات يومكم في حكمِ عبادةِ عشر ساعات، بل إن ساعةً من ساعات الطيار العسكري تُنيله ثوابَ عبادةِ ثلاثين ساعة، ويكفي لهذا أن يكون في قلبه نور الإيمان، وأن يؤدي الصلاة التي هي من لوازم الإيمان.
وكان يقول للرعاة الذين يلقاهم سواءٌ في "بارلا" أو "إسبارطة" أو "أميرداغ": إن رعايتكم لهذه الحيوانات عبادةٌ كبيرة، حتى إن الأنبياء عليهم السلام قد اشتغلوا بالرعي؛ ما عليكم إلا أن تؤدوا الصلاة المفروضة كي تكون خدمتكم هذه في سبيل اللّٰه.
ومرةً قال لمجموعةٍ من العمال يعملون في إنشاء محطة كهرباءٍ بی"أغريدير" ومعهم رئيسهم: إن لهذه الكهرباء منافع عظيمةً لعموم الناس، وإذا أردتم أن يكون لكم نصيبٌ من هذه المنفعة العامة فأدُّوا صلاتكم المفروضة، يصبحْ عملُكم هذا عبادةً وتجارةً أخروية.
ولهذا النوع من إرشاده وتوجيهه أمثلةٌ لا يحصيها العد.
طلابه الملازمون لخدمته
إن هذا الذي سردناه ليس إلا قطرةً من بحر، وليس إلا جزءًا من الخدمة الجليلة التي أسداها الأستاذ، فيالَخسارةِ من يعدُّون الإسلام رجعيةً والمسلمين رجعيين!!
٭ ٭ ٭