— 511 —
حادثة تسميمه
وقعت حادثة التسميم على يد كبيرِ العناصر المكلفين بمراقبة الأستاذ، وقد أغراه بالأمر أحدُ المسؤولين السياسيين بقوله: "لقد تلقينا أمرًا من الجهات العليا بتصفيةِ الرجل"؛ فصعد الرقيب في جنح الظلام إلى نافذةِ بيت الأستاذ بواسطة سلَّمٍ، ودَسَّ السُّم في طعامه؛ فما طلع الصباحُ إلا والأستاذ يتقلب ألمًا من أثر السُّم الذي سرى في جسده؛ وبالرغم من شدة السُّم إلا أن العناية الإلٰهية حفظته، وقد أخبر عن حاله قائلًا: "لقد حُفِظتُ من الموت بمددِ الأوراد القدسية كالجوشن الكبير، لكن المرض والألم شديدان".
بقي الأستاذ أسبوعًا كاملًا في حالٍ يُرثى لها، فلم يذق طعامًا ولا شرابًا إلا النزر اليسير، فلما كُتِب له الشفاء عاد من جديدٍ يشتغل بوظائف رسائل النور من مراجعةٍ
— 512 —
وتصحيحٍ ونحو ذلك؛ ولم يكن ليترك شيئًا من صلاته حتى وهو في شدة المرض، غير أن تسميمه في المرة الثانية والثالثة كان شديدًا يفوق التحمُّل، فلم يقدر في حينها إلا على أداء الفرائض وهو طريح الفراش.
يحدثنا اثنان من طلابه تولَّيا العناية به ذات ليلة، وسَهِرا يحرسانه بعيونٍ دامعةٍ حتى الصباح في تلك الأيام التي شارف فيها على الموت، فيقولان: اعتدل في فراشه قُبيل الفجر.. جلس وهو مغمض العينين.. رفع يديه إلى السماء، وردَّدَ بصوتٍ خفيضٍ بضعَ كلماتٍ دعا فيها لرسائل النور بالظهور والانتشار، ولطلابها بالحفظ والسلامة.. ثم ما لبث أن انطرح في فراشه فاقدًا الوعي.
وطَوالَ مدّة إقامته بی"أميرداغ" كان اثنان أو ثلاثةٌ من طلابه المتفانين يتناوبون على خدمته، وبالرغم من أنهم مُنِعوا من لقائه مدةً من الزمن، إلا أنهم لم يتوانَوا في خدمته، وبذلوا تضحياتٍ عالية.
لقد أفشى أحدُ كبار المسؤولين في "أميرداغ" سِرًّا لصديقه الذي أصبح فيما بعدُ أحدَ أبطال رسائل النور، وكَشَف له عن وجود مخطَّطٍ غيرِ معلَن يهدُف للقضاء على سعيدٍ النُّورْسِيّ بشكلٍ سِرِّي، ما يعني أن جميع صنوف المعاملة الجائرة التي لقيها الأستاذ لم تكن سوى نتيجةٍ لذلك المخطَّط، لقد كان الظلم والمراقبة والضغط الذي أصابه أليمًا وفادحًا، لا لأنه مورِس بحقِّه مرةً أو مرتين، بل لأنه كان مستمرًا من غير انقطاع.
وفي "أميرداغ" كان الأستاذ يصلي الجماعة في المسجد، وكان في معظم الأحيان يصلي العصر في مسجد السوق القريب من مركز المدينة، ثم يبقى فيه حتى صلاة العشاء، ليعود بعدَها إلى بيته، وقد كان هذا دأبه في السنتين الأُولَيَين من إقامته بی"أميرداغ"، ثم منعه والي المدينة من المسجد بحجة أنه يلتقي فيه بالناس!
وكانت رسائل النور في تلك المرحلة ما تزال تُستَنسَخ كتابةً بخط اليد في أماكن كثيرةٍ وفي مقدمتها "إسبارطة"، وكان يأتي لزيارة الأستاذ أشخاصٌ كثيرون ممن قرؤوا
— 513 —
الرسائل واستفادوا منها، إلا أنه لم يكن يوفَّق للقاء به إلا القليل منهم، إذ كان اللقاء يتاح لمن يحملون أُخوَّةً ومحبةً خالصةً لوجه اللّٰه تعالى، ولهم مع هذا مزيدُ استعدادٍ لخدمةِ الرسائل بكمال الإخلاص والولاء، فكان هؤلاء يجالسون الأستاذ ويستمعون إلى درسه، وكان من دأبه مراعاةُ أفهام زائريه على اختلاف استعداداتهم، ومخاطبتُهم بحسب إدراكهم، وكان يوجه أنظارهم نحو رسائل النور والخدمة الإيمانية، ويبين لهم أن القيام بخدمة الإيمان من خلال رسائل النور سيحقق للناس أعظم فائدةٍ ماديةٍ ومعنويةٍ.
والجدير بالذكر أن زُوَّاره كانوا من مختلف طبقات المجتمع، وكان فيهم الكثير من الشباب وأهل العلم؛ ولا يخفى أن قرار البراءة الصادر من محكمة "دَنِزْلي" قد أثار الاهتمام في أوساط العاملين في سلك الدولة، وزاد من عدد طلاب النور.
٭ ٭ ٭