— 508 —
الإفراج عن سعيدٍ النُّورْسِيّ من سجن "دَنِزْلي" ونفيُه إلى "أميرداغ"
إثر صدور قرار البراءة من محكمةِ جناياتِ "دَنِزْلي" في حزيران/يونيو ١٩٤٤م، أُفرِج عن طلاب النور وعاد كلٌّ منهم إلى موطنه، بينما نُقِل الأستاذ النُّورْسِيّ للإقامة مؤقتًا في فندقٍ وسط مدينة "دَنِزْلي"بانتظار صدور الأوامر من أنقرة؛ وكان من نتائج اعتقال طلاب النور ثم محاكمتِهم إثارةُ اهتمام أهالي "دَنِزْلي" ودفعُهم للتعرف على رسائل النور، كما أعلن عددٌ من رجال القضاء عن وقوفهم إلى جانبها أثناء سير المحكمة، وعملوا على نشرها في "دَنِزْلي"؛ وفي نهاية المطاف صدر القرار العادل المنتظَر، وأصبح رئيسُ المحكمة - الذي بات يُعرَف في دائرة رسائل النور بالقاضي العادل - وأعضاءُ المحكمة وأصحابُ الهمم العالية الذين خدموا القضية مبعثَ سرورٍ لجميع أهل الإيمان، وتبوَّؤوا مقامًا معنويًّا مشرِقًا خالدًا.
٭ ٭ ٭
— 509 —
بعد إقامة الأستاذ النُّورْسِيّ قرابة شهرين في "دَنِزْلي" صدر الأمر بإقامته الجبرية في "أميرداغ" التابعة لولاية "أفيون"، فنُفي إليها في شهر آب/أغسطس من العام نفسه؛ أقام أول الأمر في فندقٍ خمسةَ عشر يومًا، ثم استقرَّ ببيتٍ معَدٍّ للإيجار، وكان يدفع إيجاره من ماله؛ ويمكن إيجاز القول عن حياته بی"أميرداغ" بأنها كانت حياةً تحت المراقبة الدائمة، فبالرغم من حصوله على البراءة قضائيًّا، وبالرغم من ردِّ مؤلَّفاته المصادَرة، إلا أنه لم يُترَك حرًّا طليقًا، بل على العكس من ذلك: أُحكِمت الرقابة عليه، وبات منزله تحت المراقبة والمتابعة أكثر من أيِّ وقتٍ سبق؛ وقد ذَكر في إحدى رسائله أن المضايقات التي كان يعانيها في يومٍ واحدٍ بی"أميرداغ" تعدِل أحيانًا مضايقاتِ شهرٍ بأكمله في سجن "دَنِزْلي"! ولم تكن تَخفى على الأهالي المعاملةُ السيئة التي كان يلقاها، ولا الوضع الشاق الذي حُمِل عليه؛ وكان من المؤكد أن هذا إنما كان خطةً لجأت إليها المنظمات التي تحارب الدين في الخفاء، بعد أن أُسقِط في يدها بصدور قرار البراءة، إذْ لم تفلح في استصدار قرارٍ قضائيٍّ يقطع الطريق على انتشار رسائل النور وخدمتها الإيمانية، فراحت تسلك سبيلًا آخر من خلال تحريض بعض المسؤولين على الأستاذ النُّورْسِيّ وإثارةِ هواجسهم تجاهه سعيًا للقضاء عليه نهائيًّا.
كان الرقباء يلازمون بابَ منزله فلا يفارقونه، وباتتْ إمكانية اللقاء به أمرًا محفوفًا بالمخاطر، أما أسرة "چالشقان" التي كانت أول مَن اهتم به في "أميرداغ" فقد أظهر أفرادها الودَّ والتقدير لهذا الشيخ الجليل والعالِم الفاضل الذي نُفِي إلى أرضهم، فسارعوا لخدمته، ووثَّقوا صِلتهم به مبتغين بذلك مرضاة اللّٰه وحدَه، غيرَ مبالين بأقاويل المُغرِضين وشائعاتهم، وتشكَّلتْ في "أميرداغ" مجموعةٌ من طلاب النور تضم أفرادًا من أسرة "چالشقان" وعددًا من المؤمنين الصادقين، وانضَوَوا في الخدمة الإيمانية التي أرساها الأستاذ، فشرعوا في قراءة الرسائل ونسخِها ونشرِها في محيطهم القريب، (حاشية): أهل "أميرداغ" اليوم هم بعمومهم أصدقاء لرسائل النور، وفيهم الكثير من طلابها، ولا تزال دروس الرسائل تُقرأ فيها وفي القرى المحيطة بها. وقد شَهدت المدينة - بعد إقامة الأستاذ بها وانتشار دروس
— 510 —
النور فيها - رقيًّا في العلم والإيمان والأخلاق والفضيلة لدى شريحةٍ واسعةٍ من أهلها، وهو أمرٌ يعرفه الجميع وتعترف به الجهاتُ الرسمية أيضًا.
(حاشية): يقول الأستاذ سعيدٌ النُّورْسِيّ: إنه يَعُدُّ "أميرداغ" مدرسةً نُورية، ويذكر كلَّ واحدةٍ من القرى والنواحي التي ساهم معظم أهلها في نشر الرسائل وقراءتها - كی"بارلا" و"صاو" و"أميرداغ" و"أفلاني" وغيرها - باعتبارها عَلَمًا على مدرسةٍ نُورية، ويدعو لعموم أهلها من الأحياء والأموات، والأطفال الأبرياء، والنساء الفاضلات، كما يدعو لقريته "نُوْرْس"، ويشركهم في مكاسبه المعنوية.
٭ ٭ ٭
يتحدث طلاب النور في "أميرداغ" عن حياة أستاذهم فيها فيقولون:
"كان الأستاذ تحت المراقبة الدائمة، وكان من عادته الخروج للتجوال في الهواء الطلق، خصوصًا في الربيع والصيف، فقد كان يخرج فيهما إلى خارج المدينة يخلو بنفسه ساعاتٍ ثم يعود إلى بيته؛ وكان يوجد في غالب الأحيان مَن يتعقبه في مسيره هذا، فمرةً يتعقبه أحدُ الرقباء، ومرةً أحدُ عناصر الشرطة؛ ولقد أُطلِق عليه النار من الخلف ذات مرة، لكنه لم يُصَبْ؛ ولَحِق به ذات مرةٍ أحد موظفي الجهات الرسمية وخاطبه بحدةٍ قائلًا: ممنوعٌ الخروج، وليس لك أن تَعتمِر طاقيّةً أو تَعْتَمَّ بعمامة؛ فعاد الأستاذ أدراجه؛ وأمثال هذا النوع من المعاملة كثير".
وكما كانت حال الأستاذ في الأماكن الأخرى فإن خدمته الإيمانية في "أميرداغ" لم تقتصر على وظيفةٍ واحدةٍ بعينها، ويتبيَّن من رسائله في "الملاحق"، ومن أخبار زُوّاره من الطلاب والأصحاب القدامى أيام التحصيل العلمي، ومن مشاهدات الأهالي والجيران والطلاب الملازمين له، أنه كانت له وظائف عدةٌ نابعةٌ من الحقيقة متوجهةٌ إلى الحق، يجتهد كلَّ يوم في أدائها على وجهها الأتم؛ فبالإضافة إلى انشغاله بتأليف كتبه وتصحيحها ونشرها - كی"الكلمات" و"اللمعات" التي هي أنوارُ حقائق قرآنية - كان شديدَ الشغف بمطالعة كتاب الكون والنظر في موجوداته ومصنوعاته التي
— 511 —
هي كلماتُ القدرة، شديدَ الافتتان بقراءة أسفار الحكمة والرحمة المعجزةِ المسطورة على وجه الأرض، المنشورةِ في صحائف الربيع، والتأملِ في عجائب الصنعة الإلٰهية المبثوثة في الأشجار والنباتات والحيوانات، واستجلاءِ آيات التوحيد الساطعة الجامعة؛ فكان يحلِّق في آفاقٍ لا تتناهى من الحقائق الإيمانية والمعرفة الربانية بالغًا مرتبة حقِّ اليقين.
ولا غرابة في الأمر، فالتفكر هو أحد أُسِس منهجه الذي تلقاه من القرآن الكريم، وهو لا يفتأ في جميع مؤلفاته يدعو الإنسان إلى التفكر ويلقِّنه دروسَه؛ لقد كان يتحرك انطلاقًا من مبدأ أن تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من عبادة سنة، ويردد البيت القائل:
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ
مؤكدًا على أن المعرفة الإلٰهية المكتسَبة بالعلم والتفكر تحقِّق للروح اتساعًا بقدر الكون.
٭ ٭ ٭