— 503 —
القسم السادس
حياتُه في أميرداغ
مقدمة
إثرَ قرار البراءة الصادر من محكمةِ جناياتِ "دَنِزْلي" شهدت رسائل النور فتوحاتٍ جديدة، إذِ اتسعت رقعة انتشارها لتعُمَّ معظم المدن والقرى والنواحي، وازداد عدد طلابها في زمنٍ يسير ليبلغ مئات الآلاف، وبُدِئَ بنشرها بواسطة آلات النسخ.
استمرت إقامة الأستاذ بی"أميرداغ" مدة ثلاث سنين، ثم اعتُقِل هو وعددٌ من طلابه وزُجَّ بهم في السجن للمرة الثالثة أواخر العام ١٩٤٧م، ثم أُفرِج عنه وعاد إلى "أميرداغ" ثانيةً، فأقام بها ثلاث سنين أُخَر، ثم استقر به المقام في "إسبارطة"؛ على أنه ما يزال يتردد إلى "أميرداغ" بين الحين والآخر، متَّخذًا من مدرستها النُّورية مقرًّا لإقامته، إذ هو اليوم أحوج ما يكون للراحة وتغيير الأجواء بعد أن قارب التسعين من العمر.
وعليه، فإننا سنقصر الحديثَ في هذا القسم على مرحلة إقامته الأولى بی"أميرداغ"، وهي التي تمتد حتى سجنه في "أفيون"، ثم يتلوه حياته في سجن "أفيون"، ثم عودتِه ثانيةً إلى "أميرداغ" وما كان فيها من خدمةٍ نورية.
تُعَدُّ حياةُ الأستاذ في "أميرداغ" بالمقارنة مع ما سبقها أكثر لفتًا للأنظار وإثارةً للاهتمام، وفضلًا عن كونه تحت المراقبة الدائمة، فإنه قد بات أكثر عُرضةً للتُّهَم
— 504 —
والمِحَن، حتى لقد وصل الأمر إلى محاولة تصفيته نهائيًّا؛ وبموازاة ذلك كانت رسائل النور تشهد انتشارًا واسع النطاق إذْ صارتْ تُقرَأُ في أوساط الجامعيين والعاملين في السلك الحكومي وأهل السياسة.
وعلى ذكر التُّهَم الباطلة التي أُلصِقَت بالأستاذ بعد نفيه إلى "أميرداغ"، والافتراءات الظالمة التي رُوِّجت ضدَّه، وبمناسبة الحديث عن الانتشار الهائل لرسائل النور، فإننا نرى لِزامًا علينا أن نبين حقيقةً مهمةً في هذه المقدمة، فنقول:
إن مرادنا من ذكر الأمور العجيبة التي تُشاهَد حقًّا وعِيانًا في أحوال الأستاذ النُّورْسِيّ ونشاطه وخدمته، ليس لفتَ أنظار الإعجاب نحوه أو استجلابَ استحسان الناس إلى شخصه الفاني، كلا، وإنما نذكر الإكرامات التي نالَها باعتباره عبدًا من عباد اللّٰه وفردًا من أفراد أمة محمدٍ (ص) وتلميذًا للقرآن الكريم، لنبيِّن ما تقوم به رسائل النور من خدمةٍ بالغةِ التأثير تنشر السعادة والنور، ونردَّ على من يريدون تشويهَ صورته والحطَّ من خدمته بافتراءاتٍ وأكاذيب باطلة، يبتغون بها صرْفَ الناس عن الخدمة الإيمانية التي تؤديها الرسائل.
ونحن بهذا العمل إنما نصدُّ هجماتِ أعداء الدين الظالمة وتعدياتِهم الباطلة، ونبيِّن براءةَ هذا الرجل؛ حتى إنه لَيمكننا القول: إنه قَلَّ أن نجد في التاريخ رجلًا تعرَّض لاتهاماتٍ وافتراءاتٍ مبطِلةٍ تتعارض تمامًا مع أفكاره ومبادئه وخدمته وغايته كما حصل لبديع الزمان.
ويالَها من حالةٍ مزريةٍ تدعو للرثاء، وتتفطّر لها قلوب أهل الإنصاف كمدًا، أن يُعمَدَ إلى رجلٍ صَرَفَ نشاطه وهمتَه لإنقاذ أبناء البلد وأجيال المستقبل من براثن الفوضوية الهدَّامة، وظلمات الإلحاد واللادينية، ووَهدةِ التحلُّل والرذيلة، فتُكالَ له التُّهَم بخيانة الوطن وتسميم أفكار الشباب وسَوقِهم نحو الرجعية!! إنه لَأمرٌ يُشبه وصْفَ التِّرياق الناجع بأنه سمٌّ ناقع!! وما هذا إلا جنونُ الضلالة الناشئُ عن محض الكفر والإلحاد.
— 505 —
أجل، إنه رجلٌ بريءٌ ابتُلي بمثل هذه الاتهامات التي تجافي الحقيقة، ولم يقع ضحية هذه الاتهامات مرةً أو مرّات، بل تلقى مثلها آلاف المرات؛ غير أنه مثلما كان أنموذجًا فريدًا في خدمته، كان كذلك في أخلاقه وأحواله الخاصة، إذْ عاش مثالًا رائعًا في الأخلاق الحميدة، وأظهَرَ من نفسه أرفعَ نماذج السمو والطهر والنقاء، فكان آيةً في النزاهة وحسن الخُلُق.
إننا - نحن طلابَه الذين لازَموه وقاموا على خدمته، واطَّلعوا على شؤون حياته العامة والخاصة عن كثب - نعلن بأعلى صوتنا أنه كما ظهرتْ أستاذيَّتُه في العلوم الإيمانية التي نَهَلَها من القرآن، وقدَّمها لفائدة أهل الإيمان وبني الإنسان، ظهرتْ أستاذيَّتُه كذلك في أدقِّ معاملاته وأحواله وحياته الخاصة، إذْ تَغلِب عليه السكينة والطمأنينة العالية النابعة من ولايةٍ رفيعةِ المقام، ومن حُسْنِ الخُلُق الذي تحدث عنه القرآن الكريم.
وإن أهل القلوب وأرباب الفضائل الذين نظروا في أحواله بعين التدقيق والفراسة، رأوا في قلبه المنوَّر شمسَ حقيقةٍ ومعرفةٍ تشع نورًا، وبحرًا زاخرًا لا تهدأ أمواجُه، فأعلنوا أن هذه الثمرة اليانعة المنوَّرة التي أثمرتْها شجرةُ الإسلام إنما هي مبعث فخرٍ للإنسان والزمان.
فيا أيها الأشقياء الذين قَصَدوا إلى رجلٍ هو أمثولةٌ في الفضيلة، وأعجوبةٌ في الخُلُق والأدب والإيمان والمعرفة والحقيقة، فعاملوه بسوءِ نيةٍ، وقاسُوه على نفوسهم الخبيثة، فأطلقوا ألسنتهم فيه بالسوء، وافتَرَوا عليه افتراءاتٍ تخجل منها الشياطين، واجتهدوا في تشويه صورته والقضاء عليه.. إنَّ الافتراءات التي عملتم على نشرها بحق هذا الرجل، والسمومَ التي نفثتموها قد ضاعتْ هباءً، فلقد أضاء نورُ الحق وسطع حتى أنار العالَم، أما أنتم فأذلةٌ تُبغِضكم الإنسانية وتنفر منكم، فيالَبؤس حالكم!! إن رداء الإنسانية الذي ترتدونه يعود عليكم بالآلام والفواجع؛ على أن ثمة بابًا للنجاة، فلعلكم إن طرقتموه فُتِح لكم، ولقد أخذ سعيدٌ النُّورْسِيّ على نفسه العهدَ قائلًا: اشهدوا يا إخواني أنني مسامحٌ حتى أولئك الذين سَعَوا لإعدامي، إنْ هم أنقذوا إيمانهم برسائل النور وتمسكوا بها.
— 506 —
أجل، فكما أن معظم الذين حاربوه وسَعَوا لإدانته بالأمس صاروا اليوم أنصارَه وأصحابَه، فكذلك أنتم يا مَن افتريتم عليه ولفَّقتم ضده، فالمأمولُ إن ندمتم وأصغيتم إلى درس رسائل النور أن يَصفَح عنكم رمزُ الشفقة هذا ويدعو لكم.
نعم، فسعيدٌ النُّورْسِيّ بطلٌ عَزَّ نظيرُه، ولقد أظهر بطولتَه في ميادين القتال وفي قاعات المحاكم ضدَّ المستبدين؛ لكن على الرغم من فِعالكم وإساءتكم يا مَن عاديتموه وسعيتم للقضاء عليه، تعالَوا وانظروا كيف رفع يدَيه يدعو بضراعةٍ وعيونٍ دامعةٍ يسأل النجاة والسلامة لمن توجهوا إلى النور منكم، وتأكدوا بأنفسكم كيف يعامل كلَّ طبقات الشعب بكمالِ الشفقة ومنتهى التواضع، وشاهِدوا كيف تتجلى مرتبةُ الإنسانية السامية في هذه الشخصية الرفيعة.
إن الثناء والتقدير الذي يقال بحقه ليس من نوع التصفيق الذي يعرفه أهل الدنيا، وإنما هو اشتراكٌ في المباركة والتقدير الذي ترفعه الموجودات عرفانًا وامتنانًا لمن أنار بالإيمان ظلمتَها وجلَّى به قيمتَها؛ أجل، فإذا تحدثنا عن النُّورْسِيّ بالنظر إلى أنوار الحقيقة التي يمثِّلها ويترنَّم بها لم نجد الإنسانيةَ وحدَها هي من تبارك له وتقدِّره، بل نجد العالَم بأنواعه وأجناسه يفعل ذلك، ونجد الماضي والمستقبل يقدِّران خدمته الإيمانية.
لقد حاز النُّورْسِيّ قصَبَ السبْق في شتى أنواع الكمالات غير المحدودة التي أدرجها الحقُّ سبحانه في الماهية الإنسانية؛ تجده في بعض الأحيان يتجول بمفرده بين الصخور على قمم الجبال الشاهقة ويتنقل بينها بصمت، وتجده أحيانًا أخرى يتأمل متفكِّرًا في الكروم والبساتين والنباتات والحيوانات، ثم يعود إلى المدينة حاملًا بين جنبيه حالةً روحيةً خفَّاقة قادرةً على إلقاء أبلغ الكلمات الأخلاقية والأدبية والخُطَب العقلانية في أهم الاجتماعات السياسية، وإن حياته في الشرق قبل عهد الحرية وبعدها، وكذا حياته الصاخبة في إسطنبول تشهد على هذا بوضوح؛ فبينما تجده حينًا في شرقيِّ الأناضول يجول بين عشائرها ويلقي عليها دروسه الإيمانية ونصائحه الأخلاقية، تجده حينًا آخر في دمشق بين علمائها وأعلامها يُرْسِي دعائم نهضةِ المسلمين وأُسسَ رُقيِّهم من منظور السياسة الإسلامية، ويبيِّنها ببصيرةٍ نافذةٍ وتشخيصٍ دقيق، ويُخبِر عن الفجر
— 507 —
الصادق لسعادة ثلاثمئةٍ وخمسين مليون مسلم، ثم يأتي في عهد المَشْروطِيّة فينادي الأمة الإسلامية بأعلى صوته، عبر خُطَبه في مجلس المبعوثين ومقالاته في الصحف، بأن إقرار الدستور القرآني القدسي والعمل به سيكفُل للأمة سعادة الدارَين، وسيكون منطلق نهضتها ورقيِّها، ثم يدافع عن أفكاره هذه بكل بطولةٍ في المحاكم العسكرية العرفية.
إن هذه النُّبذة اليسيرة التي أوردناها عن أحوال هذا الشخص الفريد والخدمات التي قام بها تُبيِّن أنه كان رجلًا بأمَّة، فلقد اجتمعت فيه الكمالات والمحاسن التي نراها عند ذوي الإيمان الراسخ والعقل الراجح الذين زَيَّنوا ثلاثةَ عشر قرنًا باعتبارهم ثمراتِ شجرةِ الإسلام النورانية وأزهارَها، حتى لكأن العلوم والمعارف الإسلامية بعد اندثارها في هذه الأصقاع قد أُحييتْ على يديه من جديد.
أجل، فلقد تعاقب عبر القرون العلماء والمجتهدون والأساتذة الربانيون الذين بلغوا الحقيقةَ بما نهلوا من درس الرسول الأعظم (ص) وإرشاده، وترقَّوا في مدارج الكمالات، وسلَّكوا -كلٌّ على حدة- طائفةً من جماعة المسلمين في دائرة إرشادهم وتنويرهم، وكأن هؤلاء العلماء الأجلَّة قد عيَّنوا بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ وارثًا لهم في مسلكهم وعِلمِهم، فبرز في زماننا هذا متحلِّيًا بمحاسنهم ومزاياهم، وانخرط في خدمةٍ دينيةٍ وجهادٍ معنويٍّ تحت راية القرآن وعبر رسائل النور، فأدى بفضل اللّٰه تعالى وتوفيقه وظائفَ جمةً وخدماتٍ كلِّيةً لا يقدر على أدائها إلا جماعةٌ بأكملها، أو هيئةٌ رفيعةُ المستوى، أو جيشٌ عظيم.
وإن الشخصية المعنوية لتلاميذ النور التي شكَّلها بديع الزمان بقوةِ نور الإسلام ورابطةِ أُخُوّة الإيمان، قد تصدت لهجوم أهل الضلالة، وشكَّلت للمؤمنين نقطةَ استنادٍ متينةً راسخة، وأقامتْ سدًّا قرآنيًّا منيعًا في وجه الخطر الشيوعي الأحمر الذي يتهدَّد البلاد والعباد، ومدتْ جسور الأُخُوَّة والمحبة والوئام بين العالَم الإسلامي والشعب التركي الذي كان أسلافه أبطالَ الإسلام في سالف الزمان.
وبديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ رجلٌ ذو استعداداتٍ جامعة، وهو فيها صاحبُ سَبْقٍ وقدمٍ راسخ، يرى الكليَّ مع الجزئيِّ في أوسع دوائر الآفاق والأنفُس، فتراه مثلًا
— 508 —
يطالع مدقِّقًا الذرَّة والمجرَّة في آنٍ معًا، فيشاهد فيها أنوار التوحيد، ويَعرِضها ويُثبِتها؛ وتجده حينًا مشغولًا بالخدمة الإيمانية الكُلِّية الممتدة على أنحاء العالَمَين الإسلامي والإنساني، ثم تجده حينًا آخر عاكفًا في خلوةٍ يطالع كتاب الكائنات الكبير متفكرًا في معجزات الصنعة الإلٰهية، متأملًا في آثار الفطرة الربانية النفيسة التي هي مكتوبات قلم القدرة؛ وبهذه الوظائف العُلوِية التي لا يَفتُر عنها يترقى على الدوام فيما لا يُحدُّ من أنوار المعرفة الإلٰهية وأذواق الأُنس والقرب الربانية.
وكما تُشاهَد هذه الحالة الروحية والأحوال القدسية في كلِّ صفحةٍ من صفحات حياة الأستاذ، فإن حياته التي قضاها في "أميرداغ" ملأى بهذه المعاني المذكورة، ولئن ذُكِرَ شيءٌ منها في الرسائل المجموعة في "الملاحق" إلا أنها ظلت ناقصة، أما هذه السيرة فقد اجتُزئ فيها بقطرةٍ من البحر.
٭ ٭ ٭