— 488 —
المسألة السابعة من رسالة الثمرة
غَلَّةُ يومِ جمعةٍ في سجن دَنِزْلي
﴿ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾
﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾
﴿ فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
كان السجناء الذين استطاعوا التواصل معي في سجن "دَنِزْلي"، قد قرؤوا الدرس الذي ألقيتُه بلغة العلوم المدرسية على طلاب الثانوية بی"قسطموني" يومَ أتوني قائلين: "عرِّفْ لنا خالقَنا" كما تقدَّم في المسألة السادسة، فتحصَّل لهم من هذا الدرس الذي قرأوه قناعةٌ إيمانيةٌ تامة، وشعروا بشوقٍ نحو الآخرة، فقالوا لي: "أخبِرْنا أيضًا عن آخرتنا خبرًا تامًّا لا تُغوينا بعده أنفسُنا ولا شياطينُ العصر، فنُزجَّ ثانيةً في مثل هذه السجون"؛ فلَزِم بيانُ خلاصةٍ عن ركن الإيمان بالآخرة إجابةً لطلبِ هؤلاء، وتلبيةً لرغبةِ تلاميذ رسائل النور في سجن "دَنِزْلي"، فقلتُ بخلاصةٍ موجزةٍ من رسائل النور:
— 489 —
مثلما سبق في المسألة السادسة أنْ سألْنا السماواتِ والأرضَ عن خالقنا فعَرَّفتْنا به بألسنةِ العلوم تعريفًا جليًّا كالشمس، فإننا سنَسأل بالطريقة نفسِها عن آخرتنا، وأول مَن نسألُه ربُّنا الذي عَرَفناه، ثم نبيُّنا (ص)، ثم قرآنُنا، ثم سائرُ الأنبياء والكتبِ المقدَّسة، ثم الملائكة، ثم الكائنات.
إذًا في المرتبة الأولى نسأل اللّٰه تعالى أولًا عن الآخرة، فيبلِّغنا عبر جميع مبعوثيه وأوامرِه، وعبر جميع أسمائه وصفاته أنْ نعم.. الآخرة موجودة.. وأنا أسوقكم إليها.
ولما كانت الكلمة العاشرة قد أثبتت الآخرةَ وأوضحَتْها باثنتي عشرة حقيقةً ساطعةً قاطعةً مستقاةً من بعض الأسماء الحسنى، فإننا سنشير إليها هنا إشارةً بغاية الإيجاز، مكتفين بما ورد ثمة من بيان .
أجل، فما دامت لا توجد سلطنةٌ لا يُكافأ طائعوها ولا يُعاقَبُ عاصوها، فكيف بسلطنةٍ سرمديةٍ بمرتبة الربوبية المطلقة؟! لا ريب أنَّ ثمة مكافأةً يُكافَؤ بها مَن انتسبوا لهذه السلطنة بالإيمان، وخضعوا لقوانينها بالطاعة، وأنَّ ثمة عقابًا يُعاقَب به مَن جحدوا هذه السلطنة العزيزة بالكفر والعصيان.. هذا ما يجيبنا به اسم «ربِّ العالمين» واسم «السلطانِ الدَّيَّان» سبحانه، ولا ريب أن تلك المكافأة تجري على وجهٍ يليق برحمته وجماله سبحانه، وأن ذلك العقاب يجري على وجهٍ يليق بعزته وجلاله سبحانه.
ثم إننا نشاهد على وجه الأرض رحمةً عامة، وشفقةً شاملة، وكرمًا محيطًا، ونرى جميع ذلك بأعيننا جليًّا كالشمس، واضحًا كالنهار، ومن أمثلته أنْ تُلْبِسَ تلك الرحمةُ الأشجارَ والنباتاتِ المثمرةَ أبهى حُللّٰها في الربيع، وتُزيِّنَها كأنها حُوْر الجِنان، وتملأَ أيديَها بأنواع الثمار، وتُدنيَها إلينا قائلةً: هَلُمُّوا.. خذوا وكُلوا؛ وأنْ تُطعِمنا عسلًا شافيًا حلوَ المذاق من يد حشرةٍ سامَّة؛ وأنْ تُلبِسَنا أنعَمَ حريرٍ من دودةٍ لا أيدي لها؛ وأنْ تَدَّخر لنا في حفنةٍ من صغار البذور والنوى أطعمةً تَزِن آلاف الأرطال، جاعلةً منها مستودعاتٍ صغيرةً ذات مخزونٍ احتياطي.
فما دمنا نشاهد هذه الرحمة والشفقة والكرم كالشمس، فلا ريب أن الكريم الرحيم الذي يرعى أحباءه المؤمنين الشاكرين العابدين، ويَغْذُوهم بهذا القدر من اللطف
— 490 —
والرأفة لا يُعدِمهم، بل يُعفيهم ويسرِّحهم من أعباء وظيفة الحياة الدنيوية، ليكونوا مَظهَر رحمةٍ أسطع.. هذا ما يجيبنا به اسم «الرحيم» واسم «الكريم» قائلًا: إن الجنة حق.
ثم إننا نشاهد بأعيننا يدَ حكمةٍ بالغةٍ تعمل في هذه الأرض وفي جميع المخلوقات، ونشاهد الأعمال تجري وفق مقاييسِ عدالةٍ فائقة، بحيث يعجز عقل البشر أن يتصوَّر ما هو أفضل من ذلك؛ إذْ نشاهد مثلًا حكمةً أزليةً أوجدتْ في الإنسان قوةً حافظةً، وجعلتْها بمثابةِ مكتبةٍ مصغَّرةٍ تُوثِّق فيها قصةَ حياته وما يتعلق بها من أحداثٍ لا تحصى، وأودعتْها في ناحيةٍ من دماغه لا تتجاوز حجمَ حبةٍ صغيرةٍ كمستندٍ صغيرٍ يذكِّر الإنسانَ على الدوام بدفتر الأعمال الذي سيُنشَر عند محكمة الإنسان يوم الحشر؛ وما هذا التذكير إلا حكمةٌ واحدةٌ من حِكم الأجهزة الكثيرة التي رُكِّبتْ فيه.
ونشاهد كذلك مثلًا عدالةً سرمديةً تُركِّب أجزاءَ المخلوقات وأعضاءَها كلٌّ في موضعه بميزانٍ في غاية الدقة والحساسية، وتنشئ المصنوعات تُحفًا بديعةً بتناسبٍ وتوازنٍ وانتظامٍ وجمالٍ وفق مقاييس لا يشوبها إسراف، من الجرثومة إلى الكركدن، ومن الذبابة إلى الرُّخّ، ومن النبتة المُزْهِرة إلى زهر الربيع الذي يتفتح عن ملايين بل مليارات الأزهار، وتَمنح كلَّ ذي حياةٍ حقوقَ حياته بكمال الميزان، وتُرتِّب النتائجَ السيئة على الإساءة والنتائجَ الحسنة على الإحسان، وتُشعِر بوجودها بقوةٍ من خلال الصفعات التي تُنزلها بالطغاة والأقوام الظالمين منذ عهد آدم إلى الآن.
فما دمنا نشاهد هذا عِيانًا، فلا ريب أنه مثلما لا تكون الشمس بدون نهار، فكذلك هذه الحكمة الأزلية والعدالة السرمدية لا تكونان بدون آخرة، ولا تسمحان بأيِّ وجهٍ أن تجري الأمور على نحوٍ مُريعٍ من الظلم والجور والعبثية، بحيث يَمضي أعتى الظلمة وأضعف المظلومين معًا إلى الموت من غير عاقبة.. هذا ما تجيبنا به أسماء اللّٰه تعالى «الحكيم» ، "الحَكَم"، "العدل"، "العادل"، جوابًا قطعيًّا لا شبهة فيه.
ثم إننا نرى جميعَ الكائنات الحيةِ تُعطى جميعَ حاجاتها التي لا تَقدِر عليها ولا تبلغها أيديها، وذلك بمجرد أن تطلبها بلسان الاستعداد الفطري والاحتياج الضروري الذي هو نوعٌ من الدعاء، فتؤتاها من يدِ غيبٍ رحيمةٍ سميعةٍ مشفقة؛ ونرى الدعوات
— 491 —
التي يدعو بها الإنسان طواعيةً تلبَّى وتُجاب، لا سيما دعوات الأنبياء والخواص التي يُجاب معظمها إجابةً خارقةً للعادة؛ بحيث يتبيَّن قطعًا أن خلف حجاب الغيب سميعًا مجيبًا يسمع آهات كلِّ مكروب ودعوات كلِّ محتاج، بل يرى أدنى حاجةٍ يحتاجها أدنى ذي حياة، ويسمع أخفى تأوُّهاته، فيرأف به ويجيبه إجابةً فعليةً تُرضيه.
فما دمنا نرى ذلك، فكيف بطلبِ أمرٍ متعلِّقٍ بعموم الكائنات وعموم الأسماء والصفات الإلٰهية، ألا وهو طلب البقاء الأخروي الذي هو أهمُّ وأعمُّ دعاءٍ يدعو به البشرُ صفوةُ المخلوقات، وهو الدعاء الذي دعا به محمدٌ (ص)، وأمَّنَ عليه جميع الأنبياء المؤْتَمِّين به وهم شموس البشرية ونجومها وقادتها، ويُؤَمِّن عليه كلُّ مؤمنٍ من أمته في كلِّ يوم مراتٍ عديدةً على الأقل بالصلاة عليه، بل يشترك في هذا الدعاء جميعُ المخلوقات قائلين: أجل يا ربَّنا، آتِهِ سُؤْلَه، فإننا كذلك نطلب ما يطلب.. لا ريب أنه لو لم يكن من الأسباب غيرِ المحدودة التي توجِب الحشر للبقاء الأخروي والسعادة الأبدية إلا دعاؤه (ص) ضمن هذه الشرائط التي لا يُرَدُّ فيها الدعاء، لكان ذلك كافيًا لوجود الجنة وإيجاد الآخرة التي هي سهلةٌ على قدرته سبحانه سهولةَ إيجاد الربيع.. هذا ما تجيبنا به أسماء اللّٰه تعالى «السميع» ، "المجيب"، "الرحيم"، جوابًا جَليًّا لا يدع شبهةَ احتمال.
ومثلما يُجلِّي النهارُ الشمسَ بلا امتراء، فإنَّ تَبَدُّلَ الفصول على وجه الأرض، وما يجري في تعاقُبها من موتٍ وحياةٍ كُلِّيَّين، يُجلِّي متصرِّفًا من خلف الحجاب، يُخَطِّط بقلمِ القدرة الكرةَ الأرضيةَ الهائلة تخطيطًا في منتهى الانتظام، بنفسِ السهولة والانتظام التي يَخُطُّ بها حديقةً بل شجرة، ويرسم الربيعَ المهيبَ بالسهولة والزينة الموزونة التي يرسم بها زهرة، ويَسطُر على صحيفة الأرض أنواعًا من النباتات والحيوانات، هي بمثابةِ ثلاثمئةِ ألفِ كتابٍ يَعرِض ثلاثمئةِ ألفِ نموذجٍ ومثالٍ للحشر والنشر، يَسطُرها مكمَّلةً منتظمةً بليغةً، فلا يُخطئ فيها ولا يسهو رغم تشابهها، ولا تلتبس عليه رغم تداخلها، ولا تختلط عليه رغم اختلاطها، ويُظهِر في هذه العَظَمةِ رحمةً لا تُحَدّ وحِكمةً لا تُعَدّ؛ فضلًا عن أن ذلك المتصرِّف سبحانه أعطى الإنسان مقامًا رفيعًا لا يُدانى، إذْ منحه خلافةَ الأرض التي أشفقتْ من حَمْلِها السماواتُ والأرض والجبال، وسخَّر له هذا الكون
— 492 —
العظيم وزيَّنه له وفرشَه حتى كأنه منزلٌ له، وكرَّمه بأنْ جعله سيدًا على سائر الأحياء، وشرَّفه بالمكالمة والمخاطبة السُّبحانية، ووعدَه وعدًا قاطعًا وتعهَّد له بالسعادة الأبدية والبقاء الأخروي في جميع كتبه السماوية؛ فلا ريب ولا شبهة أنه سيُنشئ لهذا الإنسان المكرَّم المشرَّف دارَ السعادة التي هي سهلةٌ على قدرته سبحانه سهولةَ فصل الربيع، وسيقيم له القيامةَ والحشر، وسيفتح له دار السعادة تلك.. هذا ما تجيبنا به أسماء خالقنا «المحيي» ، "المميت"، "الحي"، "القيوم"، "القدير"، "العليم"، سبحانه.
أجل، إن القدرة التي تُحيي الأشجارَ وجذورَ النباتات بأعيانها في كلِّ ربيع، وتوجِد في كلِّ ربيعٍ ثلاثمئةِ ألفِ نموذجٍ نباتيٍّ وحيوانيٍّ للحشر والنشر، وتُظهِرُ في ألفَي ربيعٍ مضى ألفَ مثالٍ للحشر والنشر وألفَ دليلٍ عليه، (حاشية): كلُّ ربيعٍ مضى قامتْ قيامتُه ومات، والربيع الذي تلاه كان بمثابة حشرٍ له؛ المؤلِّف. وذلك إنْ نظرنا خيالًا إلى ألف سنةٍ قضتْها كلٌّ من أمة محمدٍ وموسى عليهما الصلاة والسلام وقابلْنا بينها، لا جَرَم أن استبعادَ الحشر الجسمانيِّ بحقِّها سيكون عمًى وحماقةً بألف درجة.
ثم ما دام مئةٌ وعشرون ألفًا من الأنبياء الذين هم أشهر البشر قد أعلنوا بالاتفاق عن السعادة الأبدية والبقاء الأخروي، مستندين إلى وعود اللّٰه تعالى وعهوده التي تبلغ الآلاف، وأثبتوا صدقَهم بمعجزاتهم، ووقَّع على هذه الحقيقةِ ما لا يُحَدُّ من أهل الولاية ذوقًا وكشفًا، فلا شكَّ أن هذه الحقيقة جَليَّةٌ كالشمس، وأن المُرتاب فيها مجنون.
أجل، فكما أن حُكمَ واحدٍ أو اثنين من المتخصصين في علمٍ أو فنٍّ وقولَهما في تخصُّصهما يُسقِط أقوالَ الآلاف من مخالفيهم غير المتخصِّصين وإنْ كانوا علماء مختصِّين في علومٍ أخرى، كما هي الحال مثلًا في إثبات هلال رمضان يومَ الشك، أو كما لو ادعى اثنان وجود بستانٍ على وجه الكرة الأرضية يحوي جوزَ الهند الشبيه بمعلبات الحليب، وأثبتا دعواهما هذه، فإنهما يَغلِبان ألفًا من نُفاة هذه الدعوى ومنكريها، ويَكسِبان القضية؛ لأن المُثبِت يَكسِب دعواه بسهولةٍ بمجرَّد أن يُبرِز جوزَ الهند هذا أو يَعرِض مكانه، أما النافي والمنكِر فلا يمكنه إثباتُ دعواه إلا بإظهار أنه بحَثَ وفتَّشَ وجهَ الأرض كلَّه فلم يعثر على شيءٍ من ذلك؛ فكذلك الحال مع مَن
— 493 —
أخبروا عن الجنة ودارِ السعادة وأثبتوها، فإنهم يكسَبون دعواهم بمجرَّد إظهارهم أثرًا من آثار الجنة أو ظلًا من ظلالها أو أمارةً من أمارتها كشفًا، أما النافي والمنكِر فيلزمه أن يستعرِض ويَعرِض الكونَ بأجمعه والزمانَ بأكمله من الأزل إلى الأبد حتى يمكنَه إثباتُ نفيِه وإنكارِه وكَسْبُ دعواه؛ ولهذا اتفق أهل التحقيق على الدستور العام الذي ينصُّ على أنه: لا يمكن إثبات النفي والإنكار الذي يتناولُ الكون عامةً ولا يتعلَّق بمحلٍّ خصوصي - كنفي الحقائق الإيمانية - ما لم يكن مُحالًا في ذاته.
وبناءً على هذه الحقيقة القطعية، فإنه في الوقت الذي ما ينبغي لأقوال آلافِ الفلاسفة أن تُورِث شبهةً ولا حتى وسوسةً إزاء مُخبِرٍ صادقٍ في مثل هذه المسائل الإيمانية، نجد مَن وقع في الشبهات في الأركان الإيمانية التي اتفق عليها مئةٌ وعشرون ألفًا من المخبرين الصادقين المُثبِتين من أهل الاختصاص، وما لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ من أهل الحقيقة وأرباب التحقيق المُثبِتين المتخصِّصين!! أجل من وقع في الشبهة مِن جرَّاء إنكارِ شرذمةِ فلاسفةٍ ماتتْ قلوبهم، وانحدرتْ عقولهم إلى مستوى أعينهم، وتباعدوا عن المعنويات حتى عَمُوا، فلكم أن تقدِّروا مقدارَ الحماقةِ بل الجنونِ الذي بلغه شخصٌ كهذا.
ثم إننا نشاهد في أنفسنا وفيما حولَنا رحمةً عامة، وحكمةً شاملة، وعنايةً دائمة، نشاهدها بأعيننا جَليَّةً كالنهار، ونرى آثارًا وجَلَواتٍ تشير إلى سلطنةِ ربوبيةٍ مَهيبة، وعدالةٍ عاليةٍ دقيقة، وإجراءاتٍ جلاليةٍ عزيزة؛ حتى إننا لَنشاهد حكمةً تُقيم في الشجرة الواحدة حِكمًا بعدد أثمارها وأزهارها؛ ورحمةً تَهَبُ الإنسانَ إحساناتٍ وإنعاماتٍ بعدد أجهزته ومشاعره وقواه؛ وعدالةً ذاتَ عزةٍ وعنايةٍ تحفظ حقوقَ أدنى ذوي الحياة، وتَصُبُّ سَوطَ العذاب على الأمم العاصية كقومِ نوح، وكعادٍ قومِ هود، وثمودَ قومِ صالح، وكقوم فرعون؛ ونرى كذلك سلطنةَ ربوبيةٍ تتجلى عظَمَتُها غيرَ المتناهية فيما قرَّرتْه الآية الكريمة بإيجازٍ بالغِ العَظَمة:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾
— 494 —
إذْ كما هي الحال مع جنودٍ مطيعين مرابطين في ثُكْنتَين عسكريتَين، ما إنْ يدعوهم القائد عبر مكبِّر الصوت حتى يهُبُّوا من مَهاجعهم ويتقلَّدوا سلاحَهم ويقوموا على رأس عملهم، فكذلك الأرضُ والسماوات العظيمة، هما ثُكنتان مطيعتان تَضُمَّان جنود السلطان الأزليِّ سبحانه، وما إنْ ينادي إسرافيلُ ببوقه الهاجعين فيهما بالموت حتى يَهُبُّوا من الأجداث سِراعًا مُرتَدِين لباسَ الجَسَد؛ وهي نفسُ الحال التي تُثبتها سلطنةُ الربوبية هذه وتُظهِرها في كل ربيعٍ حين يَهدِر بوقُ مَلَكِ الرعد بالموجودين في ثكنة الأرض.
فما دمنا نشاهد هذا كلَّه ونراه عِيانًا، فلا ريب أنه بعدمِ إقامةِ الدارِ الآخرة ودارِ الحشر والنشر التي تقتضيها هذه الرحمة والحكمة والعناية والعدالة والسلطنة السرمدية اقتضاءً في غاية القطعية - كما سبق إثباتُه في "الكلمة العاشرة" یی، ينقلب جمالُ الرحمة اللامتناهية قسوةً قبيحةً لامتناهية، وينقلب كمالُ الحكمة التي لا تُحَدّ عبثيةً مُشِينةً لا تُحَدّ، ويعود هدرًا وإسرافًا لا جدوى منه، وتستحيلُ تلك العناية المتناهية في اللطف غدرًا في منتهى الإيلام والأسى، وتتبدَّل تلك العدالة البالغةُ غايةَ الحقَّانية والقِسْط مظالمَ في غاية الشدة، وتَسقُط تلك السلطنة السرمدية بكلِّ أُبَّهتها وجلالها وقوتها، وتتلاشى هيبتُها بعدم مجيء الحشر، وتَشُوبُ كمالاتِ الربوبيةِ شوائبُ العجز والنقص.. وهذه حالٌ لا سبيل لإمكانها بأيِّ وجه، ولا يُجيزها عقلٌ بحال، بل هي باطلةٌ ممتنعةٌ خارجةٌ عن دائرة الإمكان داخلةٌ في مئةِ مُحال؛
لأن كلَّ مَن له شعورٌ يَفهم ما أشدَّ قسوةَ الإعدام الأبديِّ بحقِّ مَن رُبِّي وغُذِّي بعنايةٍ ورِقَّة، وأُودِعتْ في أجهزته - من عقلٍ وقلبٍ ونحوِهما - مشاعرُ الشوق نحو السعادة الأبدية والبقاء الدائمي في الآخرة!! وما أشدَّ مجافاةَ الحكمة في الإسراف الذي لا فائدة منه ولا جدوى ولا غاية، وذلك حين تُهدَر أجهزةٌ واستعداداتٌ فيها آلاف الفوائد وتُبدَّد بموتٍ لا إحياء بعده ولا عاقبة لمن أُودِع في دماغه وحدَه مئات الفوائد الحكيمة!! وما أشدَّ منافاةَ عَظَمَةِ السلطنة وكمالِ الربوبية حين يَظهر الجهل والعجز بإخلافِ آلاف العهود والوعود!! حاشا ثم حاشا.. وقِسْ على ما سبق العنايةَ والعدالة.
— 495 —
فهذه أسماءُ خالقنا «الرحمٰن» ، "الحكيم"، "العدل"، "الكريم"، "الحاكم"، تُجيبُنا من خلال هذه الحقائق عن سؤالنا الذي سألناها إياه عن الآخرة، وتُثبِتها لنا جَليَّةً من غير شكٍّ ولا شبهةٍ كالشمس.
ثم إننا نرى بأعيننا حَفِيظيَّةً عظيمةً محيطةً مهيمنة، بحيث تُسجِّل جميعَ صور الأشياء والحوادث المتعلِّقة بكلِّ حيٍّ على كثرتها، وتسجِّل دفترَ وظيفته الفطرية، وصحيفةَ أعماله المتعلِّقةَ بتسبيحاته بلسان حاله إزاء الأسماء الإلٰهية، تسجِّلها وتُمليها وتحفظها موثَّقةً مضبوطةً في ألواح المثال، وفي البُذيرات والنوى، وفي القوى الحافظة التي هي نموذجٌ مصغَّرٌ عن اللوح المحفوظ - خصوصًا القوة الحافظة التي في دماغ الإنسان، إذْ تُشبِه مكتبةً صغيرةً جدًّا في صورتها، كبيرةً جدًّا في معناها - وكذا في سائر المرايا العاكسة الماديةِ منها والمعنوية؛ حتى إذا آن الأوان أظهرتْ تلك الحفيظيَّةُ جميعَ تلك المكتوبات المعنوية في صورةٍ ماديةٍ أمام أعيننا، وأعلنتْ بمليارات الألسنة في فصل الربيع - الذي هو زهرةٌ من زهَرات القدرة، والذي هو بذاته زهرةٌ كبرى - عن واحدةٍ من أعجب الحقائق الحَشْريَّة التي في الآية: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ.. أعلنتْ عنها بقوةِ ملايين الأمثلة والأدلة والنماذج؛ وأثبتتْ بغاية القوة أن جميع الأشياء وجميع الأحياء وفي مقدمتهم النوعُ الإنساني، لم يُخلَقوا ليكون مصيرهم الإعدامَ سقوطًا في مهاوي الفناء وتلاشيًا في غياهب العدم، كلا، إنما خُلِقوا ليترقَّوا في مدارج البقاء، ويتزكَّوا لأجل الخلود، ويتأهَّلوا للدخول في وظيفةٍ سرمدية.
أجل، فإننا في كلِّ ربيعٍ نشاهد أن كلَّ شجرةٍ وكلَّ جَذْرٍ وكلَّ بذرةٍ ونواةٍ من النباتاتِ غيرِ المحدودةِ التي تُوفِّيَتْ عند قيامةِ الخريف قد أخذتْ تتلو عند حشرِ الربيع آيةَ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ.. تتلوها فتُفسِّر معنًى من معانيها وفردًا من أفرادها، بلسانها الخاص وبأمثلةِ وظائفها التي أدَّتها في السنين الماضية، وتَشهَد على عظَمَة تلك الحفيظية، وتُعلِّمنا درسَها بأعظم درجة، وتبيِّن لنا أن الحشر سهلٌ وقطعيٌّ بقدرِ سهولةِ الربيع وقطعيَّته، وتُجلِّي في كلِّ شيءٍ الحقائقَ الأربعةَ الجليلة التي في الآية الكريمة:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾
— 496 —
أجل، فإن جَلَوات هذه الأسماء الأربعةِ قائمةٌ في جميع الموجودات من أدنى جزئيٍّ إلى أعظم كُلِّيٍّ، وكمثالٍ على هذا فإن البذرة التي هي منشأ الشجرة، هي من حيث مَظهريَّتُها لاسم «الأول» حُقَّةٌ صغيرةٌ تحوي برنامجَ عمل الشجرة بغاية الدقة والإحكام، وأجهزةَ إيجادها وشرائطَ تشكُّلِها تامةً من غير نقصان، على نحوٍ يُثبِت عظَمَةَ تلك الحفيظية.
أما الثمرة التي هي مَظهَر اسمِ «الآخِر» ، فهي بما فيها من نوى صندوقٌ صغيرٌ يحوي فِهرِسًا بجميع الوظائف الفطرية التي أدَّتها هذه الشجرة، كما يحوي جدول أعمالها ودساتيرَ حياتها الثانية، بحيث تَشهَد على الحفيظية بأعظم درجة.
وأما شكل الشجرةِ وصورتُها التي هي مَظهرُ اسم «الظاهر» ، فقد كُسِيَتْ حُلَّةً موشَّاةً متناسقةً بديعة، وزُيِّنتْ بأرْدِيَةٍ جميلةٍ ونقوشٍ متنوعة وأوسمةٍ مرصَّعة، حتى كأنها ارتَدَتْ لباسًا من لباس الحور العين ذي السبعين لونًا، بحيث أظهرتْ للعِيان ما في الحفيظية من عَظَمة القدرة، وكمال الحكمة، وجمال الرحمة.
وأما ما تنطوي عليه الشجرة من آليةٍ تُمثِّل مرآةً لاسم «الباطن» ، فهي معملٌ منتظم، ومُعدَّاتٌ بديعة، ومخبرٌ كيميائيٌّ مُعجِز، وقِدْرُ طعامٍ موزون، إذْ لا تَدَعُ غصنًا ولا ثمرةً ولا ورقةً إلا تسوق إليها غذاءَها بحيث تُثبِت ما في الحفيظية من كمالِ القدرة وعدالتها، وجمالِ الرحمة وحكمتها إثباتًا جَليًّا كالشمس.
وكما شاهدنا جَلَواتِ هذه الأسماء في مثال الشجرة المذكور، نشاهدها أيضًا بتمامها في الكرة الأرضية التي هي بالنظر إلى فصولها السنوية بمثابة شجرة، فأما جَلوة اسمِ «الأول» فإن جميع البذور والنوى المستودَعةِ لدى الحفيظية في فصل الخريف ما هي إلا مجموعاتٌ مصغَّرةٌ من الأوامرِ الإلٰهيةِ المتعلِّقةِ بتشكيلها أشجارًا تتفتَّق أغصانُها وفروعُها وتتفتح أزهارُها وتؤتي ثمارَها بالمليارات حين تكتسي الأرضُ حُلَّة الربيع، وهي أيضًا قوائمُ دساتيرِها التي حدَّدها لها القَدَر، مثلما هي في الوقتِ نفسِه سِجِلَّاتُ خدماتٍ وصحائفُ أعمالٍ مصغَّرةٌ للوظائف المؤدَّاة في الصيف، بحيث
— 497 —
تُظهِر هذه البذور والنوى بداهةً أنها إنما تؤدي أعمالَها هذه بقدرةٍ وعدالةٍ وحكمةٍ ورحمةٍ لا تُحَدّ من الحفيظ ذي الجلال والإكرام سبحانه.
أما آخِرُ شجرة الأرضِ السنوية هذه، فيضع في الخريف التالي الوظائفَ التي قامتْ بها تلك الأشجار، والتسبيحاتِ الفطريةَ التي أدَّتْها إزاء الأسماء الإلٰهية، وصحائفَ أعمالها التي ستُنشَر في حشرِ الربيع القادم.. يضعها جميعًا في نُوَيَّاتٍ وحُقَقٍ متناهيةٍ في الصِّغَر، ويُسلِّمها إلى يَدِ حكمةِ الحفيظ ذي الجلال سبحانه، تاليًا اسمَ «الآخِر» بآلاف الألسنةِ على مسامع الكائنات.
وأما ظاهرُ هذه الشجرة - شجرةِ الأرض - فيَفتح ثلاثمئة ألفِ نوعٍ كُلِّيٍّ من الأزهار، مُظهِرًا ثلاثمئة ألفِ مثالٍ وعلامةٍ على الحشر، ويَبسُط موائد الرحمانية والرزَّاقية والرحيمية والكريمية بلا حدٍّ مُقدِّمًا القِرى لكلِّ ذي حياة، ويَذكُر اسمَ «الظاهر» ويَحمَدُه ويُثني عليه بألسنةٍ بعددِ الزهرات والثمرات والمطعومات، ويُجلِّي حقيقةَ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ كالنهار.
وأما باطنُ هذه الشجرة المَهيبة فقِدْرٌ عجيبٌ ومُعَدّاتٌ أعجب، تُشغِّل بكمال الدقة والانتظام معاملَ موزونةً وآلاتٍ منظومةً لا يُحيط بها حَدٌّ ولا حساب، إذْ يُخرِج من مقدارِ درهمٍ قناطيرَ مقنطرةً من الأطعمة.. يَطبُخها ويوصلها إلى الجياع، ويعمل بغايةِ الدقَّة والميزان فلا يَدَعُ مجالًا للصدفة ولو بمقدار ذرَّة، بحيث يُثبِت باطنُ الأرض هذا اسمَ «الباطن» سبحانه، ويُعلن عنه بمئات آلاف الأشكال كبعض الملائكة الذين يسبحونه تعالى بمئة ألف لسان.
ثم إن الأرض مثلما كانت - من حيث حياتُها السنوية - بمثابة شجرة، ومثلما جعلتْ من هذه الأسماء الأربعة الحسنى وما تتضمنه من حفيظيةٍ مفتاحًا لِباب الحشر، فكذلك هي تمامًا من حيث دهرُها وحياتُها الدنيوية، فهي شجرةٌ منتظمةٌ تُرسَل ثمراتُها إلى سوق الآخرة، وهي كذلك مَظهرٌ ومرآةٌ بديعةٌ لتلك الأسماء الأربعة الحسنى، وهي بهذه الاعتبارات تَفتح طريقًا إلى الآخرة هو من السَّعة بحيث تتقاصر عقولنا عن الإحاطة به أو التعبير عنه، غير أننا نقتصر على القدر التالي:
— 498 —
وهو أنه كما تتناظر أميالُ الساعة العادَّةُ للثواني والدقائقِ والساعاتِ والأيام، وكما يُثبِتُ بعضُها بعضًا بحيث إن مَن يشاهد حركةَ مِيل الثواني يَلزمه تصديق حركة سائر الأميال، فكذلك تمامًا هذه الدنيا التي هي ساعةٌ كبرى لخالق السماوات والأرض ذي الجلال سبحانه، إذْ تتناظر فيها الأيامُ التي تَعُدُّ ثوانيَها، مع السنين التي تَحسُب دقائقَها، والقرونِ التي تشير إلى ساعاتها، والأعصارِ التي تُخبِر عن أيامها، ويُثبِتُ بعضُها بعضًا، وكما يَعقُب هذه الليلةَ صباحٌ، ويَعقُب هذا الشتاءَ ربيعٌ، تُخبرنا أميالُ هذه الساعةِ الكبرى بالقطعية نفسِها، وبأماراتٍ لا تُحَدُّ أنه بعد هذا الشتاءِ الحالك.. شتاءِ الدنيا الفانية سيأتي ربيعٌ باقٍ وصباحٌ سرمدي.
فبهذه الحقائق المذكورة تجيبنا أسماء خالقِنا سبحانه: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، إضافةً لاسم «الحفيظ» عن سؤالنا حول الحشر.
ثم ما دمنا نشاهد بأعيننا وندرك بعقولنا أن الإنسان هو آخرُ ثمرةٍ لشجرةِ الكائنات وأجمعُها..
وأنه من جهةِ الحقيقة المحمدية هو البذرةُ الأساسية لهذه الشجرة..
وأنه الآيةُ الكبرى في قرآن الكون..
وأنه لهذا القرآن آيةُ كرسيِّه الحاملةُ للاسم الأعظم..
وأنه أكرمُ ضيفٍ في قصر الكون، وأوسعُ موظفيه صلاحيةً وإذنًا في التصرُّف بسائر سُكَّانه..
وأنه بالنسبة لمحَلَّةِ الأرض الكائنةِ في مدينة الكون هو الموظَّفُ المكلَّفُ بالإشراف على بساتينها وحقولها زراعةً وإيراداتٍ وصرفيَّاتٍ؛ وأنه فيها هو الناظرُ المُزوَّدُ بمئاتِ العلوم وآلاف الفنون، والمشرفُ الأعظمُ مسؤوليةً والأعلى جَلَبَةً..
وأنه المفتش في ولاية الأرض التابعة لدولة الكون تحت رقابة سلطان الأزل والأبد سبحانه..
وأنه خليفةٌ في الأرض متصرِّفٌ فيها تُسجَّلُ جميعُ تصرُّفاته الجزئية والكليَّة..
— 499 —
وأنه عبدٌ كُلِّيٌّ مكلَّفٌ بعبوديةٍ جِدِّ واسعة، إِذْ حَمَلَ على كاهله الأمانةَ الكبرى التي أشفقتْ مِن حَمْلِها السماواتُ والأرض والجبال، وفُتِح أمامه طريقان عجيبان بحيث يغدو في الأول منهما أشقى الأحياء، ويغدو في الآخَر أسعدَهم..
وأنه مَظهرٌ للاسمِ الأعظم لسلطان الكائنات وأجمعُ مرآةٍ لأسمائه سبحانه..
وأنه مخاطَبٌ خاصٌّ من مخاطَبيه، وهو أوعاهم بمكالماته وخطاباته السُّبحانية..
وأنه فضلًا عن كونه أحوجَ ذوي الحياة في هذا العالَم، فإنه كائنٌ مسكينٌ له رغباتٌ ومقاصدُ لا تُحَدّ؛ وفضلًا عن كونه عاجزًا فقيرًا بلا حدٍّ، فإنه مُحاطٌ بأعداءٍ ومخاطرَ لا تُعَدّ..
وأنه أغنى ذوي الحياة من حيث الاستعدادات..
وأنه أشدُّهم ألمًا بالنظر إلى لذائذ الحياة، إذْ تَشُوب لذائذَه آلامٌ مُنغِّصة..
وأنه أشدُّهم شوقًا وحاجةً إلى البقاء، وهو أحقُّهم وأليَقُهم به..
وأنه يطلب البقاء والسعادة الأبدية ويتوسَّلُهما بأدعيةٍ لا تُحَدّ..
وأنه لو أُعطي جميع مباهج الدنيا ولذائذِها ما لبَّتْ حاجتَه إلى البقاء..
وأنه معجزةُ قدرةٍ صمدانيةٍ بديعةٌ، وأُعجوبةُ خَلقٍ فريدةٌ، أنشأها المُحسِن المتفضِّل سبحانه، فهو محبوبه من خلقه، وهو يُحب هذا المحسِنَ إليه حبًّا يبلغ درجة العبادة، ويُحبِّب به..
وأنه قد انطوى فيه العالَم الأكبر، وشَهِدتْ جميعُ أجهزته الإنسانية على أنه خُلِق ليمضي إلى الأبد..
أجل، ما دام هذا الإنسانُ متَّصلًا باسم اللّٰه «الحق» سبحانه عبر هذه العشرين حقيقةً كُلِّيةً، وما دامتْ تُسجَّل أعمالُه على الدوام من خلال اسم «الحفيظ» ذي الجلال الذي يرى أدنى حاجةٍ لأدنى ذي حياة، ويسمع تضرُّعَه، ويُجيبُه إجابةً فعليةً، وما دامتْ تُكتَب أفعالُه ذاتُ العلاقة بالكائنات.. يَكتبها الكرام الكاتبون بسرِّ ذلك الاسم، وما دام هو نفسُه أجلى مَظهرٍ لذلك الاسم، فلا شكَّ ولا ريب ولا شبهة أنه بموجَبِ هذه الحقائق
— 500 —
العشرين سيكونُ للإنسان حشرٌ ونشر، وسيُكافأ على ما أسلَف من خِدماته، ويُعاقَبُ على ما اقترف من سيئاته بموجَب اسم «الحق» ، وسيُحاسَب ويُسأل عن جميع أعماله المُحصاةِ عليه جُزئيِّها وكُلِّيها بموجَب اسم «الحفيظ» ، وأنه ستُفتَح في دار البقاء أبوابُ دارِ ضيافةِ السعادة الأبدية، وأبوابُ سجنِ الشقاء الدائم، وأن من كان ضابطًا يقود كثيرًا من طوائف المخلوقات في هذا العالَم ويتدخل في شؤونها ويُفسِد أمرَها في بعض الأحيان، لن يُعفى من المساءلة بدخوله تحت أطباق الثرى، ولن يتوارى هناك من غير بعث.
وإلا، فإنه من الباطل البيِّنِ البُطلان، والممتنعِ الخارجِ عن الإمكان، والقبح المتناهي في الظلم، أن يُسمَعَ من الذبابة طنينُها فتُجابَ إجابةً فعليةً بإعطائها حقَّ الحياة، ثم لا تُسمَعَ أدعيةٌ تَهدِر كالرعد، وتبلغ العرشَ والفرش، تدعو بها الحقوقُ الإنسانيةُ غيرُ المحدودة سائلةً البقاءَ بألسنة الحقائق العشرين المذكورة، فتضيعَ بذلك حقوقٌ لا حدَّ لها.
وكذا إنه لَمِنَ الباطل والممتنع والقبيح بحقِّ حكمةٍ لم تُسرِف ولو بمقدارِ جناح بعوضة - بشهادةِ انتظامِ الجناح نفسه - أن تُسرِف كلَّ الإسراف بإهدارِ الاستعدادات الإنسانية المتعلقة بتلك الحقائق العشرين، وتبديدِ الآمال والرغبات المتطلِّعة إلى الأبد، وتضييعِ ما يغذِّي هذه الاستعدادات والآمال من حقائقَ كثيرةٍ تنطوي عليها الكائنات وروابطَ جمَّةٍ تربط الإنسانَ بها.
أجل، إن هذا لَباطلٌ قبيحٌ خارجٌ عن الإمكان، بحيث ترفضه جميع الموجودات الشاهدةِ على أسماء «الحق» ، "الحفيظ"، "الحكيم"، "الجميل"، "الرحيم"، قائلةً: إنه محالٌ بمئة درجة، ممتنعٌ بألف وجه.
فهكذا تجيبنا أسماءُ خالقنا سبحانه عن سؤالنا المتعلق بالحشر، وتقول لنا: "مثلما نحن حقٌّ وحقيقة، فالحشر حقٌّ مُحقَّقٌ كتحقُّقِ الموجودات الشاهدة علينا".
ثم ما دام...
كنت سأكتب المزيد، لكنني اختصرتُ لكون الأمر معلومًا كالشمس.
— 501 —
إذًا فبالقياس على ما سبق من الأمثلة واللزوميات المُصدَّرة بی "ما دام"، فإن كل اسمٍ من أسماء اللّٰه الحسنى المئة بل الألف الناظرةِ إلى الكائنات، مثلما يُثبِت مسمَّاه بداهةً من خلال جَلَواته ومراياه في الكائنات، يُجلِّي كذلك الحشرَ والدارَ الآخرة ويُثْبِتها قطعًا.
وكما أجابنا ربُّنا سبحانه عن سؤالنا هذا جوابًا قدسيًّا قطعيًّا عبر جميع بلاغاته وكُتبه المُنزلة، وعبر معظم أسمائه التي سمَّى بها نفسَه، يجيبنا كذلك عبر ملائكته وبألسنتهم جوابًا بأسلوبٍ مختلف، إذْ تقول لنا الملائكة: إننا نُبيِّن لكم بيانًا قاطعًا أنَّ ثمة الكثير من وقائع لقائكم بنا وبالروحانيين، وهي وقائعُ بالمئات منذ عهد آدم تبلغ قوة التواتر، وإنَّ ثمة دلائلَ وأماراتٍ لا تُحَدّ تدل على وجودنا وعبوديتنا نحن والروحانيين، وكنا قد أخبرنا قادتَكم الأنبياءَ عند لقائنا بهم وما زلنا نُخبِر بأخبارٍ متطابقةٍ عن تجوالنا في عوالم الآخرة وفي بعض منازلها، ولا ريب أن هذه العوالم الرائعةَ الباقيةَ التي جُلْنا فيها وفيما وراءها من قصورٍ ومنازل مهيأةٍ مزيَّنةٍ إنما هي لضيوفٍ في غاية الأهمية بلا شك، فهي تنتظر حلولَهم وسُكناهم فيها.
فهذا ما تجيبنا به الملائكة عن سؤالنا.
ثم ما دام خالقُنا جلَّ شأنه قد عيَّن لنا محمدًا العربي عليه الصلاة والسلام أعظمَ معلمٍ وأكملَ أستاذٍ وأصدقَ هادٍ لا يَضِلُّ ولا يُضِلّ، وأرسله إلينا آخرَ سفيرٍ، فيلزمنا إذًا أن نسأله أولًا نفسَ السؤال الذي سألْناه خالقَنا سبحانه، لنتكمَّل ونترقّى من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فحقِّ اليقين، لأن هذا السيِّد المصطفى (ص) مثلما أثبتَ أن القرآن حقٌّ وأنه كلام اللّٰه من خلال المئات من معجزاته التي كلُّ واحدةٍ منها علامةُ تصديقٍ له من قِبَل اللّٰه تعالى، ومن خلال كونه هو ذاتُه (ص) معجزةً من معجزات القرآن، فإن القرآن بالمقابل قد أثبت بأربعين نوعًا من الإعجاز أنه معجزةٌ من معجزات هذا السيد الكريم (ص)، وأثبت أنه (ص) صادقٌ وأنه رسول اللّٰه حقًّا؛ وبناءً على هذا فإن حقيقة الحشر التي أَعلَنَتْ عنها وأثبتتْها هاتان المعجزتان بآلاف الآيات - إحداهما لسانُ عالَم الشهادة إذْ أعلن عن هذه الحقيقة طَوالَ حياته، مع تصديق الأنبياء والأولياء، والأخرى
— 502 —
لسانُ عالَم الغيب بتصديقِ البلاغات السماوية وتصديقِ حقائق الكائنات - هي بلا ريبٍ حقيقةٌ قطعيةٌ كالشمس وكالنهار.
أجل، فإن مسألةً تتجاوز طور العقل، وتُعَدُّ من أعجب المسائل وأرهبِها كمسألةِ الحشر، لا تُحَلُّ ولا تُفهَم إلا بتعليم هذين الأستاذين الجليلَين.
أما سببُ عدمِ تفصيل الأنبياء السابقين هذه المسألةَ لأقوامهم كما فصَّلها القرآن الكريم، فهو أن البشرية كانت تعيش في تلك الأعصار مرحلةَ بداوتها وطفولتِها، والتفصيلُ يَقِلُّ في الدروس الابتدائية.
والحاصل أنه ما دامت أكثرُ الأسماء الحسنى تقتضي الآخرةَ وتتطلَّبها، فلا ريب أن جميع الدلائل والحُجج الدالَّةِ على هذه الأسماء دالَّةٌ بجهةٍ ما كذلك على تحقُّق الآخرة.
وما دامت الملائكة قد أخبرت عن مشاهداتها للآخرة ومنازل عالَم البقاء، فلا ريب أن الدلائل الشاهدة على وجود الملائكة والأرواح والروحانيين وعلى عبوديتهم دالَّةٌ بالتالي على وجود الآخرة أيضًا.
وما دام أهمُّ إعلانٍ أعلنه محمدٌ (ص) وداوم على الدعوة إليه طَوالَ حياته - بعد الوحدانية - هو الآخرة، فلا ريب أن جميع المعجزات والحُجج الدالَّةِ على نبوَّته وصدقه شاهدةٌ بدورِها بجهةٍ ما على تحقُّق الآخرة ومجيئها.
وما دامت ربعُ آياتِ القرآن الكريم تتناول الحشر والآخرة، وما دام القرآن يُثبِت الحشرَ والآخرة ويُخبر عنهما بألفِ آية، فلا ريب أن جميع الحُجج والدلائل والبراهين الدالَّة والشاهدة على حقانيَّة القرآن دالَّةٌ وشاهدةٌ بدورِها على وجود الآخرة وتحقُّقها وإقامتها.
فانظروا وشاهدوا ما أقوى هذا الركنَ الإيمانيَّ وما أشدَّ قطعيَّته.
٭ ٭ ٭