— 483 —
المسألة السادسة من رسالة الثمرة
إشارةٌ مختصرةٌ إلى برهانٍ واحدٍ من آلاف البراهين الكُلِّية على ركن الإيمان باللّٰه الذي سبق إيضاحُه وبيانُ حُجَجِه القطعية غير المحدودة في مواضع كثيرةٍ من رسائل النور.
جاءني فريقٌ من طلاب الثانوية في "قسطموني" قائلين: عرِّفْ لنا خالقَنا، فإن مدرِّسينا لا يذكرون شيئًا عن اللّٰه.
فقلتُ لهم: إن كلَّ علمٍ من العلوم التي تدرسونها يتحدَّث عن اللّٰه بلسانٍ مخصوص، ويعرِّف بالخالق على الدوام، فأصغوا إلى تلك العلوم دون المدرِّسين.
ولنضربْ على هذا مثلًا بصيدليَّةٍ مجهَّزةٍ أتمَّ تجهيز، مشتملةٍ في كلِّ وعاءٍ وقارورةٍ منها على مُضادَّاتٍ ومُركَّباتٍ حيويةٍ مستحضَرةٍ بمقاديرَ دقيقةٍ وموازينَ حسَّاسة، فكما تدلُّ بلا ريبٍ على وجود صَيدلانيٍّ كيميائيٍّ حكيمٍ حاذق، فكذلك صيدلية الكرة
— 484 —
الأرضية، فإن فيها أربعمئة ألف نوعٍ من النباتات والحيوانات، كلٌّ منها بمثابة أوعيةٍ وقوارير تحتوي على مُضادَّاتٍ ومُركَّباتٍ حيويةٍ؛ وبقَدْرِ ما تَفُوق صيدليةُ الأرض الكبرى هذه صيدليةَ السوق تلك ضخامةً وفخامةً، تدلُّ بالقَدْرِ نفسه على الحكيم ذي الجلال الذي هو صيدلانيُّها بمقياس علم الطب الذي تدرسونه، وتُعرِّف به حتى لمن هو أعمى.
ونضرب مثلًا كذلك بمعملٍ عجيبٍ يَنسُج من مادةٍ بسيطةٍ آلافَ أنواعِ الأقمشة، فكما يُعرِّف بلا شكٍّ بصاحبه ومهندسه الميكانيكيّ الماهر، فكذلك هذه الماكينة الربانيةُ السيارةُ والمعملُ الفائقُ المسمَّى الكرةَ الأرضية، فإن فيها مئات آلاف المعامل، في كلِّ معملٍ مئاتُ آلافِ الآلات تامَّةِ التجهيز، وبقَدْرِ ما تَفُوق هذه الماكينةُ معملَ البشر ذاك ضخامةً وفخامةً، تُنْبِئ وتُعرِّف بالقَدْرِ نفسه بصاحب هذه الكرة الأرضية ومهندسِها بحسَب مقياس علم الهندسة الميكانيكية الذي تدرسونه.
ونضرب مثلًا آخر أيضًا بمتجرٍ أو مخزنٍ ومستودعِ أغذيةٍ وأقوات، فيه ألفُ نوعٍ ونوعٍ من أجود المُؤَن والأرزاق، جُلِبتْ إليه من شتى الأنحاء، ورُتِّبتْ فيه بعنايةٍ ونظام، فكما يُنْبئ هذا بلا شكٍّ عن وجود مالكٍ فوق العادة قَيِّمٍ على هذه الأرزاق والأقوات، فكذلك المتجر والمخزن الرباني، ومستودع الأقوات الرحماني، الذي يحوي ألف نوعٍ ونوعٍ من اللوازم والأرزاق والمعلَّبات، وهو المسمَّى الكرةَ الأرضية التي تَسيح كلَّ سنةٍ بانتظامٍ - كسفينةٍ سُبحانيةٍ - في دائرةٍ مقدارها مسيرةُ أربعٍ وعشرين ألف سنة، وتحمل على متنها مئات آلاف الأنواع من طوائف المخلوقات المحتاجِ كلٌّ منها لأرزاقٍ مختلفة، وتُعرِّج في سياحتها على الفصول، فتمتلئ في الربيع بآلاف الأطعمة المختلفة كأنها قاطرةٌ عظيمة، لتَحمِل الأقوات لذوي الحياة المساكين الذين استنفذوا أرزاقهم في الشتاء؛ وبقَدْرِ ما يَفُوقُ هذا المتجرُ الربانيُّ ذاك المتجرَ ضخامةً وفخامةً، يُنْبِئ كذلك بنفس الدرجة والقطعية عمَّن هو صاحب مستودع الكرة الأرضية وفق مقياس علم التموين والتغذية الذي تدرسونه وستدرسونه، ويُعرِّف به ويُحبِّب به.
وكذلك لو كان ثمة جيشٌ قِوامه أربعمئة ألفِ أمةٍ أو قوم، وكانت المُؤنة التي تحتاجها كلُّ أمةٍ مختلفةً عن الأخرى، وكذا السلاحُ الذي يستعمله كلُّ قوم، والزِّيُّ
— 485 —
واللباسُ الذي يرتديه، والتدريبُ الذي يتلقَّاه، والتسريحُ الذي يُنهي به خدمتَه؛ وكانت جميع هذه المُؤَن المختلفة تصل لكلِّ قومٍ من أقوام هذا الجيش، ويؤمَّن لكلٍّ منها سلاحُه المخصوص ولباسُه المميَّز وعتادُه المتنوع المختلف، يقومُ بذلك قائدٌ فذٌّ يتولى جميع تلك الشؤون بمفرده، دون أن ينسى منها شيئًا أو يختلط عليه منها شيء؛ فكما أن مثل هذا الجيش العجيب بمعسكره يدلُّ بداهةً على قائده الأعجوبة، ويُحبِّب به بإكبارٍ وتقدير، فكذلك تمامًا معسكر الربيع الذي تشهده الكرة الأرضية، حيث يُجَنَّد فيه مع كلِّ ربيعٍ جيشٌ سبحانيٌّ جديدٌ يضمُّ أربعمئة ألف نوعٍ من أممِ الحيوانات والنباتات، يُسلَّمون فيه لباسَهم وأرزاقَهم وأسلحتَهم وتدريباتهم وتسريحاتهم على اختلافها وتنوعها، يُسلَّمونها بمنتهى الكمال والنظام من لدن قائدٍ عظيمٍ متفرِّدٍ دون أن ينسى منها شيئًا أو يختلط عليه شيءٌ منها؛ وبقَدْرِ ما يَفُوق هذا الجيش الربيعيُّ ومعسكرُه نظيرَه البشري المذكورَ ذاك ضخامةً وفخامةً، يُنْبئ بالقَدْرِ نفسه عمَّن هو حاكمُ الكرة الأرضية وربُّها ومدبِّرُها وقائدُها الأقدس وَفْقَ مقياس العلوم العسكرية التي ستدرسونها، أجل، يُنْبئ عنه بإعجابٍ وتقدير، ويُحبِّب به بتسبيحٍ وتحميد، لكلِّ عاقلٍ يَقِظ.
ونضرب مثلًا آخر بمدينةٍ عجيبةٍ فيها ملايين المصابيح الكهربائية تَجُولُ في أرجائها من غير أن يَنفَد وَقودُها، فكما أن هذه المصابيح السيَّارة والمحطات التي تولِّد كهرباءَها تدلُّ دلالةً بدهيةً لا يشوبها شكٌ على خبيرٍ مبدعٍ ومهندسٍ كهربائيٍّ قديرٍ بارعٍ، هو مَن صنع تلك المصابيح وأنشأ تلك المحطات، وهو مَن يدير كهرباءَها ويؤمِّن وقودَها، وكما تعرِّف به وتُحبِّب به على نحوٍ يثير الإعجاب والتقدير، فكذلك مصابيح النجوم التي تزيِّن قبةَ قصر الدنيا في مدينة هذا العالَم، فرغم أن بعضها يَفُوق الكرة الأرضية مئة مرةٍ حجمًا، ويتحرك أسرعَ من قذيفة المدفع بسبعين مرة وفقًا لما يقوله علم الفلك، إلا أنها مع ذلك لا يختلُّ نظامها، ولا تتصادم فيما بينها، ولا ينطفئ ضَوءُها، ولا تَنفَد مادةُ اشتعالها، وأقرب مثالٍ لها شمسُنا التي هي - بحسب علم الفلك الذي تدرسونه - أكبر من الأرض بأكثر من مليون مرة، وأقدم منها بمليون سنة، والتي هي مصباحٌ ومدفأةٌ لدار الضيافة الرحمانية هذه، والتي يلزمها في كلِّ يومٍ إحراقُ
— 486 —
ما يعادل بحارَ الأرض غازًا وجبالَها فحمًا، أو ما يعادل ألف ضعفِ الأرضِ حطبًا كي تبقى مشتعلةً فلا تنطفئ؛ فهذه المصابيح التي تضيء قصر الدنيا في مدينةِ الكون المَهيبة، وما تستلزمه من إدارةٍ وتدبير، إنما تشير بأصابع الضياء إلى قدرةٍ وسلطنةٍ غيرِ متناهيةٍ توقِد هذه النجوم العُلويَّة وأمثالَها بلا غازٍ ولا فحمٍ ولا حطب، وتُبقيها وهّاجةً مضيئةً بلا انطفاء، وتُجريها معًا وبسرعةٍ دون اصطدام.
وهذه المصابيحُ وإدارتُها بقَدْرِ ما تَفُوق نظيرتَها المذكورةَ في المثال ضخامةً وفخامةً، تُعرِّف بالقَدْرِ نفسه بمن هو - وَفْقَ مقياس علم الكهرباء الذي تدرسونه أو ستدرسونه - سلطانُ هذا الكونِ المعرِض الأعظم، ومدبِّرُه ومنوِّرُه وصانعُه، وتقيم النجومَ النيِّرةَ شاهدةً عليه، وتُحبِّب به وتدعو لعبادته بالتسبيح والتقديس.
وكذلك لو وُجِدَ كتابٌ ما على نحوٍ بديع، بحيث كان مكتوبًا في كلِّ سطرٍ من سطوره كتابٌ بخطٍّ رفيع، وكان مكتوبًا في كلِّ كلمةٍ من كلماته سورةٌ قرآنيةٌ بقلمٍ دقيق، وكان مع هذا غزير المعنى قد بلغ الغاية في الدلالة، وكانت جميعُ مسائله يؤيِّد بعضُها بعضًا، بحيث غدا سِفْرًا عجيبًا يُظهِر ما يتمتع به كاتبُه ومؤلِّفه من مهارةٍ وقدرةٍ فائقة؛ فكما أنه ينبئ عن كمالاتِ كاتبه بلا شكٍّ، ويُعرِّف ببراعةِ مصنِّفه جليَّةً كالنهار، ويستجلب عبارات التقدير: ما شاء اللّٰه! تبارك اللّٰه!؛ فكذلك كتابُ الكونِ الكبيرُ هذا، فإننا نشاهد بأعيننا ما يفعله القلم الذي يكتب على وجه الأرض التي هي صفحةٌ واحدةٌ من صفحاته، وفي الربيع الذي هو كُرَّاسٌ من كراريسه، إذْ يكتب ثلاثمئةِ ألف نوعٍ من أنواع النباتات والحيوانات التي تُعدُّ بمثابة ألفِ كتابٍ متنوعٍ مختلف، يكتبها معًا منتظَمةً مكمَّلةً بلا خطأٍ ولا خلل، وبلا اختلاطٍ ولا اضطراب، ويَخُطُّ قصيدةً في كلمةٍ من كلمات هذا الكتاب، أعني الشجرة؛ ويضع فِهرِسَ كتابٍ بأكمله في نقطةٍ من نقاطه، أعني البذرة.
وهذا العالَم هو القرآن الأكبر المجسَّم، وسِفْرُ الكون الذي لا تتناهى معانيه، والذي تنطوي كلُّ كلمةٍ فيه على حِكَمٍ جَمَّة، وهو بقَدْرِ ما يَفُوق نظيرَه المذكور في المثال ضخامةً وفخامةً ومعنًى، يُعرِّف بالقَدْرِ نفسِه بمن هو كاتبُ كتاب الكون ونقَّاشُه
— 487 —
بحسب علوم الطبيعة التي تدرسونها، ووفق المقاييس الأشمل لعلم القراءة والكتابة الذي تمارسونه، وتبعًا لمنظاره، فهو يُعرِّف بكمالاته غير المحدودة، ويُنبئ عنه بجملة: اللّٰه أكبر، ويقدِّسه بی: سبحان اللّٰه، ويُحبِّب به بی: الحمد للّٰه.
وهكذا.. وبالقياس على العلوم المذكورة آنفًا فإن كلَّ علمٍ من العلوم - وهي بالمئات - يُنبِئ عن خالق الكائنات بأسمائه جلَّ جلاله، ويُعرِّف صفاته وكمالاته، كلٌّ بحسب منظاره ونَظَرِ عِبرته ومقياسه الشامل ومرآته الخاصة.
وقلتُ لأولئك الطلاب الشباب: إن القرآنَ المعجِزَ البيانِ يُعرِّف لنا خالقَنا أكثرَ ما يُعرِّف بآياتٍ مثل: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، و رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كي يُعلِّمنا هذه الحُجَّة المذكورة التي هي برهانٌ عظيمٌ ساطعٌ من براهين الوحدانية؛ فقالوا مُقِرِّين مصدِّقين: الحمد للّٰه حَمدًا لا يتناهى أنْ تلقَّينا درسًا قدسيًّا تامًّا هو الحقيقة بعينها، فجزاك اللّٰه عنا خيرًا.
وقلتُ لهم: إن الإنسان ماكينةٌ حيَّةٌ تتألم بآلافِ أنواعِ الآلام وتتلذَّذ بآلافِ أنواعِ اللذائذ، وهو مخلوقٌ مسكينٌ يتلقَّى صفعات الزوال والفراق على الدوام؛ وهو مع عجزه غيرِ المتناهي مُحاطٌ بأعداءٍ مادِّيين ومعنويين بلا حد؛ ومع فقره غيرِ المتناهي له حاجاتٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ لا تُحَدّ؛ غير أنه ما إنْ ينتسبْ إلى السلطان العظيم ذي الجلال بالإيمان والعبودية حتى يجد نقطةَ استنادٍ في مواجهة جميع أعدائه، ونقطةَ استمدادٍ لجميع حاجاته.
وإذا كان كلُّ امرئٍ يَفخَر بشرفِ سيده الذي ينتسب إليه وبمقامِه، فكيف بمن انتسب إلى سلطانٍ عظيمٍ لا منتهى لقدرته ورحمته؟! كيف بمن انتسبَ إليه بالإيمان، ودخل في خدمته بالعبودية، وبَدَّلَ أجَلَه من قرارِ إعدامٍ إلى بلاغِ تسريحٍ وإعفاء؟! لكم أن تقدِّروا مبلغَ فخره وامتنانه، ومقدارَ شكره وعِرفانه.
وأُعيد فأقول للسجناء المُبْتلين ما قلتُه لأولئك الطلاب الشباب: إن مَن عَرَفَه وأطاعه فهو سعيدٌ وإنْ كان في السجن، وإن مَن نَسِيَه فهو شَقِيٌّ في سجنٍ وإنْ كان في القصور.
— 488 —
ولقد قال يومًا رجلٌ مظلومٌ - لكنه سعيد - للظَّلَمة الأشقياء من على منصة الإعدام: لا تحسَبوا أنني أُساق إلى الإعدام، إنني أمضي بالتسريح والإعفاء إلى حيثُ السعادة، ولكني أراكم محكومين بالإعدام الأبدي، وهذا ما يجعلني أقتصُّ منكم تمامَ القصاص؛ ثم أسلَمَ روحه مسرورًا مُردِّدًا: «لا إلٰه إلا اللّٰه».
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
٭ ٭ ٭