— 463 —
جوابٌ مُحِقٌّ عن سؤالٍ مهم
سألني عددٌ من الشخصيات من كبار المسؤولين: لماذا لم تقبل عرضَ مصطفى كمال بتعيينك واعظًا عامًّا في "كردستان" والولايات الشرقية بدلًا من الشيخ السنوسي، مع منحِك راتبًا مقداره ثلاثمئة ليرة؟! فلو كنتَ قَبِلتَ العرضَ حينَها لكنتَ سببًا في إنقاذ مئاتِ آلافِ الأرواحِ ممن راحوا ضحية الثورة هناك!!
فأجبتهم: إنني بدلًا من أن أُنقِذَ لهؤلاء حياةً دنيويةً مقدارُها عشرون أو ثلاثون سنة، قامتْ رسائل النور بعملٍ يعوِّض تلك الخسارات أضعافًا مضاعفةً آلاف المرات، إذْ صارتْ وسيلةً لإكسابِ مئات الآلاف من أبناء الوطن حياةً أخرويَّةً تمتد ملايين السنين؛ ولو أني قبلتُ ذلك العرض لما ظهرتْ رسائل النور التي تحمِل سرَّ الإخلاص، والتي لا يمكن أن تكون أداةً لشيءٍ ولا تابعةً لشيء.
حتى إني في معرِض الحديث عن أولئك الذين حكموا عليَّ بالإعدام من جراء الصفعات الشديدة التي توجهها رسائل النور، قلتُ لمن معي من إخواني الأعزاء في السجن: اشهدوا أنه إنْ أنقذَ هؤلاء إيمانَهم برسائل النور ونَجَوا بها من الإعدام الأبدي فإنني مُسامحٌ لهم من كلِّ قلبي.
وبعدما صدر قرار براءتنا قلتُ لمن كانوا يضايقونني بمراقبتهم الصارمة في مدينة "دَنِزْلي" ولرؤسائهم ولقائد الشرطة وللمفتشين:
— 464 —
إن من كرامات رسائل النور التي لا تَقبل الإنكار، أنه بعد تسعةِ أشهرٍ من التدقيق والتمحيص في عشرين سنةً من حياتي قضيتُها مظلومًا، وفي المئات من رسائلي ومراسلاتي، وفي أحوال الآلاف من التلاميذ، لم يُعثَر على أيَّةِ وثيقةٍ تدل على وجود تيارٍ أو تنظيم، ولا على أيَّةِ علاقةٍ بمنظمةٍ داخليةٍ أو خارجية، بحيث إن مثل هذا الوضع العجيب لا يمكن أن يكون نِتاجَ تفكيرٍ وتخطيط؛ ذلك أنه لو جيء بشخصٍ ما فكُشِفَ عن أسراره وشؤونه الخاصة على مدى بضعِ سنين، لظهرتْ حتمًا عشرون مادةً تُخجِله أو تُدينه.
فما دامت هذه هي الحقيقة، فإنكم إما أن تقولوا: إن هذا عملٌ يديره ويقف وراءَه دهاءٌ شديدٌ لا يُبارى، أو تقولوا: إنه حِفظٌ إلٰهيٌّ بغاية العناية؛ فإن كان دهاءً فلا شك أن مواجهةَ دهاءٍ كهذا خطاٌ فادحٌ يعود بالضرر على الوطن والشعب، وإن كان حفظًا إلٰهيًّا، فالتعرُّض لمثل هذا الحفظ الإلٰهي والعناية الربانية ليس إلا تمرُّدًا فرعونيًّا.
فإنْ قلتم: إننا إنْ تركناك وشأنَك فلم نراقبْك ولم نتعقَّبْك، لأمكنَ أن تعكِّر علينا حياتَنا الاجتماعية بدروسك وأسرارك التي تُخفيها؛ أقول لكم: لقد وقَعتْ جميعُ دروسي بلا استثناء بيدِ الحكومة والقضاء، فما عُثِر فيها على مادةٍ تستوجِب سجنَ يومٍ واحد.
ثم هذه رسائلي المئة والثلاثون، يوجد منها ثلاثون أو أربعون ألف نسخةٍ يتداولها أفراد الشعب بعنايةٍ واهتمام، ولا تعود عليهم بشيٍ سوى النفع؛ وقد نظرتْ فيها المحكمتان السابقةُ والحالية فلم تعثرا فيها على مادةٍ تستوجب المسؤولية، فأصدرت المحكمةُ الحاليةُ حكمَها بالبراءة، بينما أصدرت المحكمةُ السابقةُ حكمَها بالسجن ستة أشهرٍ على خمسةَ عشر شخصًا من بين إخواني المئة والعشرين الموقوفين، ولم تنطلق في هذا الحكم من أرضيةٍ قانونية، بل من قناعةٍ شخصيةٍ، متذرِّعةً بوجودِ بضع كلماتٍ في مئةٍ وثلاثين رسالة تمسُّ من شأن شخصٍ مشهورٍ ذي مقامٍ دنيوي، وليس هذا إلا حجةً قاطعةً على أن تعرُّضكم لي ولرسائل النور ظلمٌ شنيعٌ مبناه وهمٌ باطل؛ على أنه ليس لي من درسٍ جديدٍ، ولم يبق لي سرٌّ خفيٌّ كي تعملوا على تعديله وتقويمه من خلال المراقبة.
إنني محتاجٌ اليوم إلى حريتي أشدَّ الاحتياج.. كفى ملاحقاتٍ ومراقباتٍ ظالمةً لا داعي لها ولا جدوى منها طَوالَ عشرين سنة.. لقد نَفِد صبري.. ولعلي أدعو عليكم
— 465 —
دعاءً لم أدعُ به من قبل لضعفي وشيخوختي.. وإنها لحقيقةٌ لا شكَّ فيها أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين العرش حجاب.
ثم إن أولئك الظلمة الأشقياء الذين يتبوَّؤون مناصبَ دنيويةً مهمةً قالوا لي: إنك منذ عشرين سنةً لم تعتمر قبعتَنا ولو مرةً واحدة، ولم تحسِر عن رأسك في المحاكم السابقة والحالية، وبقيتَ على زِيِّك التقليدي، مع أنه قد التزم بالزي الحديث سبعةَ عشر مليونًا؟!
فقلتُ لهم: إنني أُفضِّل أن آخذ بالتقوى والعزيمة الشرعية، فأرتدي الزيَّ الذي يرتديه سبعةُ ملياراتٍ من الأماجد الكرام، على أن أرتدي بالإكراه القانوني والرخصة الشرعية زيًّا يرتديه لا سبعةَ عشر مليونًا، ولا حتى سبعةُ ملايين، بل سبعةُ آلافٍ من السِّكِّيرين المفتونين بأوروبا، هم وحدَهم من يرتديه راضين مختارين.
ولا ينبغي أن يقال عن رجلٍ مثلي ترك الحياة الاجتماعية منذ خمسٍ وعشرين سنة: "إنه يعاندنا ويعارضنا"؛ بل حتى لو كان الأمر عِنادًا، فما دام مصطفى كمال نفسُه عجز عن كسره، ولم تقدر عليه محكمتان، ولم يقدر على النيل منه رجالُ الحكومة في ثلاث محافظات، فمن أنتم حتى تحاولوا عبثًا كسرَ هذا العناد، فتَضرُّوا بسعيكم هذا الحكومةَ والشعب؟!
ولنفرض أنني معارضٌ سياسي، فإنه لا يُتصوَّر من رجلٍ قطع صلتَه بالدنيا ومات معنًى منذ عشرين سنة - بإقراركم یی، أن يُبعَث ثانيةً ليخوض في مواجهتكم غمارَ حياةٍ سياسيةٍ تضرُّه ولا تنفعُه.. إنَّ توَهُّمَ المعارضة السياسية من رجلٍ كهذا ليس إلا جنونًا؛ وما دام الكلام الرصين مع المجانين جنونًا، فإنني أترك الكلام مع أمثالكم.
وقلتُ لهم: افعلوا ما شئتم، لا مِنَّة لكم عليَّ؛ فأغضبهم قولي هذا وأسكتهم في الوقت نفسه.
وآخر قولي: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.. حَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
٭ ٭ ٭
— 466 —
حين نُقِل بديعُ الزمان سعيد النُّورْسِيّ وطلابُه إلى المحكمة، عَمِل أعداء الإسلام على نشر أجواء الخوف والرهبة، ودفعوا الجهات الرسمية لنشرِ معلوماتٍ مِلْؤُها الكذب والافتراء، وسَعَوا في إبعاد الناس عنه وعن رسائل النور، ودبَّروا المكائد للإيقاع بين طلاب النور وشقِّ صفِّهم وزعزعةِ تساندهم.
وكان الإجراء المتَّبع غالبًا بحقِّ الأستاذ النُّورْسِيّ في كلِّ سجنٍ دخله أن يوضَع في زنزانةٍ انفراديةٍ ويُمنَع من مقابلة الآخرين، ولهذا كتبَ كعادته رسائلَ إلى طلابه الذين كانوا معه في سجن "دَنِزْلي" نفسه ينبههم ويوصيهم فيها ألا ينخدعوا بالحملات المغرِضة، ويُطَمْئِن حاجتهم الروحية إذ كانوا بأحرِّ الشوق إلى لقاء أستاذهم الحبيب، وكانوا في المقابل يتولَّون خفيةً عملية الحصول على رسائل الأستاذ ومؤلفاته التي يكتبها في السجن، ونُدرِج هنا بعضًا من هذه الرسائل.
٭ ٭ ٭
(ضُمَّتْ هذه الفقرة إلى "الملاحق" لوقوعها بيد المسؤولين الرسميين عن طريق أحد المُخبِرين)
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
قبل حلول شهر رمضان المبارك بيومٍ واحد، كانت درجةُ حرارتي قد أخذتْ تتجاوز الأربعين نتيجةَ تسمُّمٍ كما أكَّد الطبيب، وهو أمرٌ نرجِّح بقوةٍ أنه من تدبير أعدائنا الزنادقة العاملين في الخفاء؛ في ذلك الحين حضر كلٌّ من مدعي عام "قسطموني" ومفتشون من الشرطة إلى منزلي لتفتيشه؛ وعلى إثر تلك اللحظة شعرتُ من قبيل الحسِّ قبل الوقوع أن ثمة خطبًا جَللًا سيَحُلُّ بي، وأن هذا التسمُّم الحادَّ مُفْضٍ إلى الموت، فتضرَّعتُ من أعماق قلبي أن تُقبَض روحي في أحضان إخواني الأعزاء في ولاية "إسبارطة" وأُدفَن في ثراها المبارك.
— 467 —
وفتحتُ الحزب القرآني الأكبر، فظهرتْ لي الآية الكريمة: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وقالت لي: تأمَّل فيَّ، فتأمَّلْتُ فإذا بمعناها الإشاريِّ يقدِّم لي ولنا سُلْوانًا بثلاث أماراتٍ قويَّة، ويأتي على مصيبتي هذه فيجعلُها بوجهٍ ما في حكم العدم، ويجعلُ نفييَ في المرة الخامسة إلى "إسبارطة" دليلًا على قبول دعائي القلبيِّ ذاك.
الأمارة الأولى: أن حروفها تُساوي بالحساب الأبجدي مع حساب الشَّدَّات ألفًا وثلاثمئةٍ واثنين وستين، وهو ما يوافق تاريخ السنة الحالية بحسب التقويم الهجري ويقول معنًى: اصبر.. وسلِّم للقضاء الرباني النازل بك.. أنت تحت نظر العناية فلا تهتم.. داوم على التسبيح والتحميد في جوف الليل.
التحليل: ٣ر : ٦٠٠؛ ٤ن : ٢٠٠؛ س، م : ١٠٠؛ ص، ف، م : ٢١٠؛ ٤ ك، ع : ١٥٠؛ ٣ ح، و، ي : ٤٠؛ ل، ٩ ب، د، و، ٤ا : ٦٢. المجموع يساوي ألفًا وثلاثمئةٍ واثنين وستين. فتَوافُقُ هذا الرقم مع نفس تاريخ هذه السنة في نفس الوقت الذي أصابتنا فيه هذه المصيبة يُعدُّ أمارةً قوية.
.......
لم تُمْلَ الأمارة الثالثة لعدم لزوم بيانها الآن.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
وبتأثير هذه الحادثة قَرأتُ دعاءً من أدعية سيدنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه، في وقتٍ عزمتُ فيه جازمًا أن أفتدي إخواني الأبرياء بنفسي راضيًا من قلبي، وشرعتُ أبحثُ عن السبيل لذلك، فخطر ببالي فجأةً أن سيدنا عليًّا نفسَه قد دعا قائلًا: ربِّ آمِنِّي، وأنكم ستَخرجون بسلامةٍ بسرِّ هذا الدعاء إن شاء اللّٰه.
أجل، فقد أخبر سيدُنا عليٌّ رضي اللّٰه عنه في دعائه هذا عن رسائل النور بصورتين، حيث أشار إلى "رسالة الآية الكبرى" بقوله: «وبالآيةِ الكبرى آمِنِّي من الفَجَتْ» ، وهو بهذه
— 468 —
الإشارة يومئ إلى أنه سَيَحُلُّ بطلاب رسائل النور خطْبٌ جَلَل بسبب "رسالة الآية الكبرى"، ثم يتضرَّع قائلًا أنْ آمِن تلاميذَ النور من هذه المصيبة والفَجَتِ بحقِّ "الآية الكبرى"، فيجعل من هذه الرسالةِ ومنبعِها شفيعَين.. نعم؛ فالمصيبة التي وقعتْ بحجةِ طباعةِ "رسالة الآية الكبرى" قد صدَّقَتْ تمامًا ذلك الرمز الغيبي.
كما أنه بعد الإشارة بالتسلسل في نهاية هذا الدعاء إلى أجزاء مُهِمّةٍ من رسائل النور، يقول في خاتمة هذا الدعاء في الصفحة المقابلة لها:
وتِلكَ حُرُوفُ النُّورِ فَاجمَع خَوَاصَّهَا
وحَقِّق مَعَانِيهَا بِهَا الخَيرُ تُمِّمَتْ
أي: "إن كلمات رسائل النور هي حروفها، ولقد أشرنا إلى تلك الكلمات، فاجمع أنت خواصَّها، وتحقَّق من معانيها، فإنَّ جميعَ الخير والسَّعادة بتمامها"، وليس المراد بفقرة: "تحقق من معاني الحروف" حُروفَ الهجاء التي لا تُعبِّر عن المعنى المراد، بل المقصود معاني الكلمات الواردة في الرسائل المسماة بی"الكلمات".
لا يعلم الغيب إلا اللّٰه
﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إخواني الأعزاء الأوفياء.. أهنئكم من جميع كياني بليلةِ القدر التي انقضتْ، كما أهنئكم بالعيد القادم، وأستودعكم وحدانيَّةَ أرحمِ الراحمين ورحمتَه.
ومع أني أراكم غيرَ محتاجين للسُّلْوان، لأن مَن آمَن بالقدَر أَمِنَ من الكَدَر، إلا أنني أقول لكم: لقد رأيتُ السُّلْوانَ التام الذي تَبثُّه الآيةُ الكريمة بمعناها الإشاريِّ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.
وبيان ذلك أنني في الوقت الذي كنتُ أخطط فيه للانصراف عن الدنيا والإقبال على تقضيةِ شهر رمضان في سكينةٍ وراحةِ بال، إذْ وقعتْ هذه الحادثة التي لا تطاق ولا
— 469 —
تخطر بالبال، فوجدتُها عينَ العناية لي ولكم ولأُخوَّتنا ولرسائل النور ولشهر رمضان؛ فأما ما يتعلَّق منها بي فأبيِّن فائدتَين أو ثلاثًا من فوائدها الجمَّة الكثيرة.
فأُولاها: أنها دفعتني للجِدِّ والاجتهاد في رمضان بنشاطٍ شديدٍ وعزمٍ والتجاءٍ وتضرُّعٍ، مغالِبًا المرضَ الشديد الذي ألمَّ بي.
وثانيتُها: أنه كانت لي رغبةٌ شديدةٌ - كما في كلِّ عام - في أنْ ألتقي بكم وأكون قريبًا منكم، ولقد كنتُ أرضى أن أتحمل هذه المشاقَّ التي قاسَيتُها على أمل أن آتي إلى "إسبارطة" وألتقي ولو بواحدٍ منكم.
وثالثتُها: أن جميع الأحوال الأليمة، سواءٌ منها ما كان في "قسطموني" أو في الطريق أو هنا، قد أخذتْ تتبدَّل فجأةً بشكلٍ يفوق العادة، وظهرتْ يدُ العناية في كلِّ أمرٍ جرى على خلافِ ما كنتُ أرجو وأتوقَّع؛ مما يجعل المرء يردِّد: الخير فيما اختاره اللّٰه.
وأكثر ما يثير تفكيري أن هذه الحادثة قد دفعتْ أشدَّ الناس وقوعًا في الغفلة - أعني مَن يشغلون مناصبَ دنيويةً رفيعة - واضطرَّتْهم لقراءةِ رسائل النور بمنتهى التدقيق والانتباه، فمهَّدت بذلك الطريقَ لفتوحاتٍ في ميادين جديدة.
ثم إنه برغمِ جميعِ الآلام والحسرات التي توالتْ عليَّ من جرَّاء ما تلاقون من شدائد، وهذا أكثر ما يحُزُّ في نفسي فضلًا عن آلامي، إلا أن وقوعَ هذه الحادثة في شهر رمضان المبارك الذي تُضاعَف فيه العبادة إلى مئةِ ضعف، وكونَها مصيبةً يتضاعف بها الأجر إلى عشرة أضعاف، قد ضاعف أجورَكم إلى الألف، وإن وقوع حادثةٍ كهذه مع أشخاصٍ أفاضل مخلصين أمثالكم قد تلقوا الدرس تامًّا من رسائل النور، وعلموا أن الدنيا فانية، وأنها ليست سوى مَتْجر، وضحَّوا بكلِّ شيءٍ في سبيل الإيمان والآخرة، وآمنوا بأن كلَّ هذه الشدائد المؤقتة في هذه المدرسة اليوسفية ستعود عليهم بفوائد ومَسَرَّاتٍ دائمة، أقول: إن وقوع حادثةٍ كهذه لأمثالكم تُبَدِّل حالكم التي تثير الشفقة والرثاء إلى حالٍ تستحق التهنئة والتقدير والاستحسان لصبركم وثباتكم؛ فقلتُ كذلك: الحمد للّٰه على كلِّ حالٍ سوى الكفر والضلال.
— 470 —
وفضلًا عن هذه الفوائد العائدة إليَّ، فإن لهذه الحادثة فوائد أخرى كثيرةً تعود عليكم وعلى أُخوَّتنا وعلى رسائل النور وعلى شهرنا المبارك هذا، بحيث إنني على يقينٍ من أنه لو رُفِع الحجاب لقلتم: لك الشكر يا ربنا.. فلقد كان هذا القضاء والقدر الإلٰهيان عنايةً لنا.
فلا تَعتُبوا على مَن كان سببًا لهذه الحادثة، فإن المخطط الرهيب الشامل لهذه المصيبة كان قد رُسِم منذ أمدٍ بعيد، لكنها وقعتْ خفيفةً معنًى، وستزول سريعًا إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إخواني الأعزاء..
لا تجعلوا لليأس إليكم سبيلًا بسرِّ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
أنا محظوظٌ جدًّا لوجودي بقربكم.. أُكلِّم خيالَكم بين الفَيْنة والفَيْنة فأجد السُّلْوان.
اعلموا أنه لو أمكن تحمُّلُ الشدائد التي تعانونها لتحمَّلتُها عنكم بكل فخرٍ ومحبة.. لقد أحببتُ من أجلكم "إسبارطة" وما حولها.. أحببتُها بأحجارها وترابها، حتى إنني أقول - وسأقولها رسميًّا یی: لو أن حكومة ولايةِ "إسبارطة" حكمتْ عليَّ بالعقوبة، وبرَّأتني حكومةُ ولايةٍ سواها، لاخترت الأولى على الأخرى.
أجل، فأنا من "إسبارطة" نظرًا لثلاثة اعتبارات، ومع أني لا أستطيع إثبات ذلك تاريخيًّا إلا أن لدي القناعةَ بأن سعيدًا الذي جاء إلى الدنيا بناحية "إسپاريت" قد مرَّ بأصله من هنا.
ثم إن ولاية "إسبارطة" قدَّمتْ لي إخوةً حقيقيِّين وأيَّ إخوة.. حتى إنني لأفدي كلَّ واحدٍ منهم لا بی"عبد المجيد" و"عبد الرحمن"، بل بسعيدٍ نفسه مع الرضا والامتنان.
إنني لأحسِب أن تلاميذ رسائل النور هم أقلُّ مَن يقاسي الشدائد قلبًا وروحًا وفكرًا على وجه الكرة الأرضية اليوم، لأن قلوبَهم وأرواحَهم وعقولَهم التي عَمَرَها
— 471 —
نورُ الإيمان التحقيقي لا تقاسي شدةً؛ أما المشاقُّ المادِّية فيقابلونها بالشكر والصبر إذْ تعلَّموا من دروس رسائل النور أنها مشاقُّ آنيَّةٌ زائلة، وأنها تافهةٌ لا أهمية لها، وأن صاحبها مع ذلك مأجورٌ عليها، وأنها وسيلةٌ لفتح آفاقٍ جديدةٍ في الخدمة الإيمانية، وبذلك يُثبِتون بلسان حالهم أن الإيمان التحقيقيَّ هو مدار سعادةٍ حتى في الدنيا.
أجل، إنهم يسعَون بجِدٍّ ليستبدلوا بهذه المشاقِّ الفانية رحماتٍ باقيةً قائلين: لننظرْ ماذا يقضي المولى، فما يقضيه هو الأحلى؛ أسأل اللّٰه أن يكثِّر من أمثالهم، ويجعلَهم مبعث شرفٍ وسعادةٍ لهذا الوطن، ويَمُنَّ عليهم بالسعادة الأبدية في جنة الفردوس؛ آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
مع تهنئتي لكم بالعيد مجدَّدًا أقول لكم: لا تأسفوا لعدمِ تلاقينا صورةً، فنحن دائمًا معًا حقيقةً، وهذه المعيَّةُ ستدوم بإذن اللّٰه في طريق الأبد.
إنني على قناعةٍ من أن ما تنالونه في خدمتكم الإيمانية من ثواباتٍ أبدية، وفضائل روحية، ومسرَّاتٍ قلبية، يجعل الهموم الزائلة والمشاقَّ المؤقتة التي تعانونها اليوم في حكم العدم.
إنه لم يسبق أنْ وُجِد إلى اليوم مَن يقاسي أقلَّ المشاقِّ في سبيل أعظم خدمةٍ قدسيةٍ كما هي حال تلاميذ رسائل النور؛ أجل، فالجنة ليست رخيصة، وإنقاذُ الناس من الكفر المطلَق الذي يدمِّر الحياتَين عملٌ بالغُ الأهمية في هذا الزمان، فحتى إنْ وُجِد في هذا العمل مشقةٌ جزئيةٌ وَجَبَ أن تُقابَل بالهمة والشكر والصبر، وما دام خالقنا الذي أقامَنا في هذا العمل رحيمًا حكيمًا، فعلينا أن نتلقَّى ما يصيبنا بالرضا والسرور معتمدين على رحمته وحكمته سبحانه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 472 —
وقلتُ في دفاعي الوجيز هذه المرة: إن الرأفة والحقَّ والحقيقة التي تَفيض بها رسائلُ النور قد منَعَتْنا من الاشتغال بالسياسة، لأنه سيَنْجُم عن ذلك تَوَرُّطُ البسطاء الأبرياء في المهالك، وبذلك نكون قد ظلمناهم.
وقد طلبَ مني بعض الشخصيات إيضاحَ هذا فقلتُ: إنه بالنظر إلى ما نشأ عن المدنيَّةِ الظالمة من أنانيةٍ وعصبيةٍ عنصرية، وما أفرزتْه الحرب العالمية الثانية من استبداداتٍ عسكرية، وبالنظر إلى ما تورِثُه الضلالةُ من قسوةٍ وبطش، استحوذ على الساحة في هذا الزمانِ العاصفِ المضطربِ أشدُّ أنواع الظلم والاستبداد؛ بحيث آلَ الأمرُ بأهل الحق إنْ هم دافعوا عن حقِّهم بالقوة المادية أن يكونوا بين أمرين:
إما أن يَصطلي بسببهم كثيرٌ من المساكين المستضعفين بأشدِّ نيران الظُّلم، بحجة أنهم يوالونهم، وفي هذه الحال يكون أهلُ الحق ظالمين أيضًا؛
وإما أن يظلُّوا مغلوبين على أمرهم؛ لأن الظَّلَمة الذين يتعرَّضون لهم بالدوافع والمشاعر المذكورة آنفًا، لا يبالون أن يأخذوا بجريرةِ واحدٍ أو اثنين عشرين أو ثلاثين رجلًا، ويبطشوا بهم متذرِّعين بأوهى الحُجج.
فإن التزم أهلُ الحقِّ طريقَ الحقِّ والعدالة في الردِّ، فبطشوا بمن بطَش بهم فحسْب، كانت مكاسبهم واحدًا وكانت خسارتُهم ثلاثين، وبذلك يظلُّون في موقع المغلوب أيضًا.
وإن نكَّلوا بعشرين أو ثلاثين من البسطاء المساكين لجريرةِ واحدٍ أو اثنين، عملًا بقاعدة المقابلة بالمثل، كانوا مرتكبين ظلمًا شنيعًا باسم الحق.
فهذه هي الحكمة الحقيقية والسبب الحقيقي وراء فِرارنا من السياسة والتدخُّلِ في شؤونها فرارًا شديدًا مصحوبًا بغاية النفور والإعراض، وما ذاك إلا بأمر القرآن الكريم، وإلا فإنَّ لنا من قوةِ الحق ما نستطيع به الدفاع عن حقِّنا أتمَّ دفاعٍ وأكملَه.
ثم ما دام كلُّ شيءٍ مؤقتًا فانيًا، وما دام الموت لا يموت، وباب القبر لا يُغلَق، وما دامت المشقَّة تنقلب إلى رحمة، فإننا لا مَحالة نلتزمُ الصمت متوكِّلين آخذين
— 473 —
بالصبر والشكر، أما العمل على إخراجنا من صمتنا بالقوة والإكراه فمخالفٌ ومُنافٍ كليًّا للإنصاف والعدالة والغَيرةِ الوطنية والحَميَّة القومية.
وخلاصةُ الكلام أنه ليس لدينا أيُّ عملٍ يدفع رجالَ الحكومة وأهلَ السياسة والقائمين على إدارة البلاد ورجالَ القضاء والشرطة والأمن للانشغال بنا؛ بل إنْ كان لا بدَّ ثمة أمرٌ يستدعي الملاحقة فعلًا فهو أن هناك فريقًا من الزنادقة العاملين في الخفاء، يحملون طاعونًا بشريًّا رهيبًا، ويروِّجون لكفرٍ مطلقٍ لا تقبله أيُّ حكومةٍ في الدنيا، ولا يرضاه صاحب عقل، قد جمعهم التعصُّب لزندقتهم الناجمةِ عن الفلسفة المادية، فضلَّلوا بأساليبهم الشيطانية بعضَ المسؤولين الرسميين، وأثاروا هواجسهم ومخاوفهم ضدنا.
ونحن نقول: لو حرَّضوا علينا العالَم بأسره لا مجرد حفنةٍ من الأشخاص المتوجِّسين كهؤلاء، ما تولَّينا عن المواجهة بقوة القرآن وعناية الرحمٰن، ولا استسلمنا لتلك الزندقة والكفر المطلق المرتد.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الصِّدِّيقين.. إن ثباتَكم وصلابتَیكم قد أَحبطا جميع مخطَّطات الماسونيين والمنافقين؛ أجل يا إخوتي، لا داعيَ لإخفاء الأمر، فلقد قاس أولئك الزنادقةُ رسائلَ النور وطلابَها على الطُّرُق الصوفية خصوصًا الطريقة النقشبندية، وشَنُّوا هجومَهم علينا بنفس المخطَّطات التي تغلبوا بها على أهل تلك الطُّرُق، أملًا في أنْ يُفرِّقوا صفَّنا ويقضوا علينا.
فأولُ هذه المخططات: التنفيرُ من المسلك والتخويفُ منه، وإبرازُ ما وقع فيه من إساءة استعمال.
وثانيًا: التشهيرُ بعيوب رجاله ومنتسبيه.
— 474 —
وثالثًا: هدمُ التساند القائم بين أبنائه من خلال إفسادهم بالفلسفة المادية ورذائلِ المدنيَّة الجذَّابة وسمومها اللذيذة المخدِّرة؛ والحطُّ من شأن شيوخهم وعلمائهم بالقدح والطعن والتجريح؛ ودفعُهم لازدراء مسلكهم بناءً على بعض دساتير العلم والفلسفة.
لقد هاجمونا بنفس السلاح الذي هاجموا به النقشبندية وأهلَ الطُّرُق، لكنهم واهمون، لأن مسلكَ رسائل النور الأساسي: الإخلاصُ التام، وتركُ الأنانية، واستشعارُ الرحمة في المشاق، وتحرِّي اللذائذ الباقية في الآلام، وإظهارُ ما تنطوي عليه اللذة المحرَّمة الفانية من آلامٍ فظيعة، وبيانُ أن الإيمان مدارُ لذائذ غيرِ محدودةٍ حتى في الدنيا، وتعليمُ حقائقه وقضاياه التي تعجز عن بلوغها أيَّةُ فلسفة، وهذا ما سيُفشِل مخطَّطاتهم بإذن اللّٰه ويُسكتُهم قائلًا: لا يُقاس مسلَك رسائل النور بالطُّرُق الصوفية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء..
أنا على قناعةٍ أن هؤلاء الأماجد الذين صمدوا في الامتحان العسير في هاتين المدرستَين اليوسفيَّتَين - السابقة والحالية - ولم ينسحبوا من دروسها، ولم يتركوا التلْمَذَة فيها برغم شدة وطأتها، ولم تنكسر قوتُهم المعنويةُ برغم كل هذا الهجوم عليهم.. أنا على قناعةٍ من أنهم سيَلقَون الاستحسان والتقدير من أهل الحقيقة والأجيال القادمة مثلما يلقَونه الآن من الملائكة وسائرِ الأرواح الطيبة.
وإن وجود مرضى وضعفاء وفقراء بينكم قد زاد من متاعبكم، ولقد أهمَّني هذا الأمر إلى أن وجدت لكم السُّلوان يا من هم أحبُّ إلي من روحي، وهو أنه عندما يكون كلُّ واحدٍ منكم سُلوانًا لأخيه، ومثالًا يُحتذى في الصبر والأخلاق، وأخًا مشفقًا في التساند والمواساة، ومخاطَبًا ذكيًّا ومجيبًا فطِنًا في مذاكرة العلم، ومرآةً تعكس السجايا الكريمة، فعندئذٍ تتلاشى تلك المتاعب حتى تصير في حكم العدم.
— 475 —
سأرسل لكم يومًا ما جبةَ "مولانا خالد" التي يبلغ عمرها مئةً وعشرين سنة، فكما ألبَسَنيها هذا الإمام سأرسلها إليكم في أيِّ وقتٍ تشاؤون لأُلبِسها - بالنيابة عنه - كلَّ واحدٍ منكم تبرُّكًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن إحدى الحِكم من سَوقِ عدالةِ القدَر الإلٰهيِّ إيَّانا إلى مدرسة "دَنِزْلي" اليوسفية، هي حاجةُ سجنائها وأهلها، بل حتى موظفيها وعدليَّتها، إلى رسائل النور وتلاميذِها أكثر من حاجةِ أيِّ مكانٍ آخر، وبناءً على هذا فإننا دخلنا هذا الامتحان الشاقَّ لنؤدِّيَ وظيفةً إيمانيةً أُخروية.
أجل، فلم يكن يوجد بين عشرين أو ثلاثين سجينًا سوى واحدٍ أو اثنين يؤدُّون الصلاة مستوفاةَ الأركان، ولكن ما إنْ دخل أربعون أو خمسون من تلاميذ رسائل النور جميعُهم يؤدُّون الصلاةَ على وجهها الأكمل، حتى قدَّموا درسًا وإرشادًا فريدًا رائعًا بلسان الحال والأفعال تتلاشى معه هذه الشدة والضائقة، بل تغدو محبَّبة؛ وكما قدَّموا هذا الدرس بأفعالهم فإننا نرجو من رحمة اللّٰه وعنايته أنْ يجعلهم - بالإيمان التحقيقي الراسخ في قلوبهم - قلعةً فولاذيةً تحمي أهل الإيمان هنا من أوهام أهل الضلالة وشبهاتهم.
إن ما فعله أهل الدنيا بنا حين منعونا من اللقاء والتواصل مع الآخرين لن يضرَّنا شيئًا، فلسان الحال أبلغ وأقوى من لسان المقال؛ وإذا كانت الغاية من السجن التربية، وكانوا يحبون هذا الشعب حقًا، فليسمحوا بالتواصل بين تلاميذ النور وبين المساجين كي يُحصِّل هؤلاء من التربية في شهرٍ بل في يومٍ أكثر مما يحصِّلونه في سنة، وليكونوا أفرادًا ينفعون أنفسهم في مستقبلهم وآخرتهم، وينفعون كذلك أمتهم ووطنهم.
لو توفَّرتْ معنا "رسالةُ مرشد الشباب" لكانت عظيمةَ النفع.. عسى أن تَدخُل يومًا ما إلى هنا إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 476 —
إخواني الأعزاء الأوفياء..
تذكرتُ اليوم الحوارَ الذي دار بيني وبين أخي الأكبر "المُلَّا عبد اللّٰه" بخصوص "الشيخ ضياء الدين" كما تعلمون، ثم فكرتُ فيكم وقلتُ بقلبي:
لو كُشِف حجاب الغيب عن هؤلاء المسلمين الملتزمين والمتدينين الصادقين الذين لم يتزعزعوا في هذه الظروف الملتهِبة المُستعِرة، والذين يُظهِرون ثباتًا عجيبًا في هذا الزمان الذي قلَّ فيه الثبات.. نعم، لو كُشِف حجاب الغيب عن هؤلاء، فظَهَرَ كلُّ واحدٍ منهم وليًّا بل قطبًا ما زاد ذلك في أهميتهم عندي ولا في علاقتي بهم إلا يسيرًا؛ أو لو ظَهَرَ كلُّ واحدٍ منهم إنسانًا عاديًّا من عامة الناس ما نقص ذلك شيئًا من أهميتهم عندي.
نعم، هكذا قَررتُ، لأن خدمة إنقاذ الإيمان في ظروفٍ شديدةِ الوطأةِ كهذه هي أسمى من كلِّ شيء؛ أما الشيوخ فلهم مزايا تُضْفيها عليهم المقاماتُ الشخصية وحُسْنُ ظنِّ أتباعهم، ومتى تَصدَّع حُسْن الظنِّ في مثل هذه الظروف المضطربة المتقلِّبة قَلَّتِ المحبة، فيجد صاحب المزية نفسَه مضطرًّا للتصنُّع والتكلُّف والوقار المصطنَع ليحافظ على مكانته عند أتباعه؛ فحمدًا للّٰه بلا حدٍّ أنْ أغنانا عن مثل هذه التكلُّفات الباردة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
.......
إخواني.. بالرغم من أن أوضاعنا هذه قد سبَّبتْ حالةً من الخوف والإحجام تجاه رسائل النور لدى مَن يؤيِّد الحكومة ولدى بعض المسؤولين، إلا أنها بالمقابل لفتت انتباه المتدينين والموظفين المعنيِّين ومَن يعارض الحكومة، وأثارت فضولهم تجاهها، فلا تقلقوا.. فالأنوار ستسطع.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 477 —
إخواني الأعزاء..
إنني أتوقع أن تكون الرسالة الصغيرة التي أثمرها سجن "دَنِزْلي" لائحةَ دفاعنا الحقيقية والأخيرة، لأن المخطَّطات التي رُسِمَتْ للقضاء علينا بأوسع نطاق، وجرى العمل لها منذ سنةٍ اعتمادًا على هواجس وأوهامٍ سابقة، كانت تقضي بمهاجمتنا بناءً على ذرائع باطلة كالطُّرُقيَّة، والتنظيمِ السري، واستغلالِ المشاعر الدينية لتحقيق أغراضٍ سياسية، ومناهضةِ الجمهورية، والتدخلِ في شؤون الدولة، والإخلالِ بالأمن، ونحوِ ذلك من التُّهَم التي تذرَّعوا بها للّٰهجوم علينا، فالشكر للّٰه شكرًا لا يتناهى أنْ باءتْ جميع مخطَّطاتهم بالفشل.
لقد فتشوا مئات الرسائل، واستجوبوا مئات الطلاب المنتشرين على امتداد هذه الرقعة الواسعة، ودقَّقوا في الكتب والمراسلات الممتدة على مدى ثماني عشرة سنة، فلم يعثروا في جميع ذلك على شيءٍ سوى العملِ لأجل الحقيقة الإيمانية والقرآنية، وتحقيقِ الآخرة والسعادة الأبدية؛ ولهذا شرعوا يبحثون عن حججٍ تافهةٍ يسترون بها مخططاتهم.
إلا أن ثمة احتمالًا لأنْ تهاجمَنا في هذه الآونة منظَّمةُ زندقةٍ رهيبةٌ تعملُ في الخفاء، وتَحيكُ المكائد ضدَّنا مُضلِّلةً بعضَ رجال الحكومة، وتستهدفنا بشكلٍ مباشرٍ خدمةً لصالح الكفر المطلق، وإزاء هذا الاحتمال فإني أظن أننا دُفِعنا لكتابةِ "رسالة الثمرة" لتكون أقوى دفاعٍ يواجههم ويُسْكِتهم، إذْ هي واضحةٌ كالشمس لا تدع مجالًا لشبهة، متينةٌ كالجبل لا تتصدع.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء..
بينما كنت أقرأ وِرْدًا جليلًا في يوم الجمعة هذا إذْ خطرتُم ببالي وقلتم بلسان الحال: ماذا نعمل للخلاص من هذه المصيبة؟ فوَرَدَ على قلبي الأمر التالي:
— 478 —
تساندوا وتماسكوا كالبنيان المرصوص، لأن الذين لجؤوا إلى تدابير من قبيل التبرُّؤِ مني، وإنكارِ الصلة برسائل النور وطلابها، والتزلُّفِ للقوى التي تعمل في الخفاء للقضاء علينا، لم يجنوا شيئًا سوى الضرر.
وأؤكد لكم أنني لو علمتُ أن خلاصكم يكون بالتبرُّؤِ مني لسَمَحْتُ لكم بتجريحي وتحقيري وغِيبتي، ولسامحتُكم في ذلك، ولكنَّ تلك القوى تعرفكم جيدًا ولا تنخدع بمثل هذه الأمور، بل تستمد شجاعةً من ضعفكم وتبرُّئكم فتزيد من بطشها.
ثم إنه لما كان مسلكُنا مسلكَ الخلَّةِ والأُخوَّة لم يكن فيه تنافسٌ تمليه الأنانية والمصلحة الشخصية؛ فلْيوجَّه النظر إلى كمالات رسائل النور، لا إلى نقائصِ مسكينٍ ضعيفٍ كثيرِ العيوب مثلي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن لقاء الأحِبَّة والإخوان الصادقين هو مبعثُ سُلوانٍ عظيم إزاء ما يلقاه الإنسان من سرعةِ تبدُّلِ الحياة الدنيا وزوالها، ولذَّاتها الخسيسة الفانية، وما فيها من صفعات الفراق والافتراق.
أجل، فربما سافر المرء مسيرة عشرين يومًا وليلة، وأنفق المال الكثير، كي يلتقيَ بصديقه الحميم سُوَيعاتٍ معدودة؛ فكيف بلقاءِ أربعين أو خمسين صديقًا حميمًا دفعةً واحدةً في هذا الزمان العجيب الذي خلا من الأصدقاء، ومجالستِهم في اللّٰه ومبادلتِهم السُّلوان الحقيقي على مدى شهرٍ أو شهرين؟! لا شك أنه يجعل المشاقَّ التي نزلتْ بنا والخسارات المادية التي أصابتْنا تافهةً لا أهمية لها؛ وأنا شخصيًّا أرضى بهذه المشاق في سبيل أن ألتقيَ ولو بواحدٍ من إخواني الموجودين هنا بعد فراقٍ دام عشر سنين.
الشكوى انتقادٌ للقدر، والشكر تسليمٌ له.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 479 —
إخواني الأعزاء الأوفياء..
ما دمتم قد ارتبطتم برسائل النور لأجل الخير والآخرة، ولأجل العبادة والثواب، ولأجل الإيمان والقرآن، فلا ريب أنه يلزمكم أن تشكروا اللّٰه على مجيئكم إلى هذا المكان تأخذون فيه مخصَّصاتكم ومقدَّراتكم التي حدَّدها لكم القدَر، وتأكلون ما قُدِّر لكم من رزق، وتفوزون بالأجر والثواب في مكانٍ تَعدِل كلُّ ساعةٍ فيه في هذه الظروف الصعبة عبادةَ عشرين ساعة، وتَعدِل هذه العشرون ساعةً مئةَ ساعةٍ بالنظر إلى الجهاد المعنوي في خدمة الإيمان والقرآن.
هذا فضلًا عن أنكم في هذه المدرسة اليوسفية في قاعة امتحانٍ مفتوحةٍ، تلتقون فيها بإخوةٍ حقيقيين مجاهدين يَعدِل كلُّ واحدٍ منهم مئةَ رجل، وتعقدون معهم أواصر الأُخُوَّة، وتُقَوُّونَهم ويُقَوُّونكم، وتجدون بهم السُّلْوان ويجدونه بكم، وتستمرون معهم في الخدمة القدسية بثباتٍ وتسانُدٍ حقيقي، وتستفيدون من كريم سجاياهم، وتنالون أهلية التلمذة في المدرسة الزهراء.
فحريٌّ بكم أن تتفكَّروا في هذه الفوائد إزاء جميع المشاقِّ فتقابلوها بالصبر والتحمل.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء الثابتين..
أبيِّن لكم بعضًا من حالي لا لأُحزِنَكم أو أدفعكم للقيام بتدابير فعلية، بل لأنتفع بمزيدٍ من دعواتكم بمقتضى الشراكة المعنوية، ولِتحافظوا على تساندكم بمزيدٍ من رباطة الجأش والحيطة والصبر والتحمُّل والجَلَد.
إن ما أقاسيه من الشدة والأذى في اليوم الواحد هنا يفوق ما كنتُ أقاسيه في شهرٍ بسجن "أسكي شَهِر"، فلقد سلَّط عليَّ الماسونيون الألدَّاء رجلًا متحاملًا عديمَ
— 480 —
الإنصاف، كي يَنفَد صبري إزاء هذا العسف والأذى فأقولَ مُحْتدًّا: كفى!! فيجعلوا من قولي هذا ذريعةً يسوِّغون بها تعدِّياتهم الظالمة ويسترون بها أكاذيبهم، لكنني بفضل اللّٰه وإحسانه أصبر شاكرًا وسأظل كذلك؛ إذْ ما دمنا نُسَلِّم للقدَر، ونعتبر هذه الشدائد نعمةً معنويةً لما فيها من جزيل الثواب بسرِّ: خيرُ الأمور أحْمَزُها، وما دامت معظم المصائب الدنيوية العابرة تَؤول إلى خيرٍ وفرح، وما دمنا على قناعةٍ قطعيةٍ بدرجةِ حقِّ اليقين من أننا وقَفْنا حياتَنا لأجل حقيقةٍ عظيمةٍ ساطعةٍ كالشمس بل أسطع، جميلةٍ كالجنة، رائعةٍ عذبةٍ كالسعادة الأبدية، فيلزمنا لا محالة أن نمتنع عن الشكوى، ونقولَ بكلِّ فخرٍ وشكرٍ إزاء هذه الشدائد: نحن في جهادٍ معنوي.
إخواني الأعزاء.. وصيتي الأولى والأخيرة لكم أنْ حافظوا على تساندكم، واحذروا من الأنانية وحب الذات والمنافسة، والزموا الحذر والانضباط.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
لقد تبيَّن من لائحةِ ادعاءِ المدعي العام أن مخططات الزنادقة السِّريين الذين ضلَّلوا بعض رجال الحكومة وحرَّضوهم علينا قد باءت بالفشل وبان كَذِبُها؛ وهم اليوم يَسعَون لستر أكاذيبهم بأباطيل من قبيل اتهامنا بأننا تنظيمٌ سياسيٌّ أو منظمةٌ سرية، ونتيجةً لهذا منعوا أيَّ شخصٍ من التواصل معي، وكأنه إنْ تواصل أصبح من فوره واحدًا منا، حتى إن كبار الموظفين كثيرًا ما يتحاشَونني، بل يتودَّدون إلى رؤسائهم بتشديد الخناق عليّ.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
بالرغم من أني لا أستطيع اللقاء بكم، إلا أنني محظوظٌ وممتنٌّ جدًّا لوجودي معكم وبالقرب منكم في المبنى نفسه.
— 481 —
يخطر على قلبي في بعض الأحيان - دون اختيارٍ مني - اتخاذُ بعض التدابير الضرورية؛ منها مثلًا أن الماسونيين أرسلوا إلى الزنزانة المجاورة جاسوسًا في هيئة سجين، وقد علمتُ من خلال كثرة مضايقاته لي وإفسادِه للشباب أنه يعمل على مواجهة ما تقومون به من إصلاحٍ وإرشادٍ ببثِّ الزندقة وإفساد الأخلاق، إذِ التخريب سهلٌ، خصوصًا مع الشباب الفارغين العاطلين كهؤلاء؛ وإزاء هذا الوضع يغدو من اللازم بل من الضروري أن نأخذ بالحيطة والحذر، ونجتنبَ ما أمكن التبرُّمَ من السجناء القدامى أو إزعاجَهم، ونتحلَّى بالانضباط وسَعَةِ التحمُّل، ولا نُفسِحَ المجال للفُرقة، كما ينبغي على إخواننا أن يوثِّقوا عُرى أُخوَّتِهم وتساندِهم ما استطاعوا بالتواضع والفناء عن الذات وترك الأنانية.
إن الانشغال بأمور الدنيا أمرٌ يرهقني، فلا أستطيع النظر في شؤونها لغير ضرورة، ولهذا أعتمد على خبرتكم ودرايتكم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني..
يلزم أن أُبيِّن مسألةً أُخطِرتْ هذا الصباح ردًّا على أيِّ احتمالٍ قد يَرِد، وهي أن نفسي وشيطاني كثيرًا ما قلَّبا النظر منذ عشرين سنة في الحقائق التي تلقيناها من القرآن، وهي حقائق كالشمس أو كالنهار، لا تقبل شَكًّا ولا شبهةً ولا تردُّدًا، وكثيرًا ما تساءلا: ماذا يقول الفلاسفة الزنادقة عنها؟ وما مستندهم فيما يقولون؟
فلما لم يجِدا فيها أيَّةَ ثغرةٍ لَزِما الصمت؛ وأعتقد أن الحقيقة التي أَسكتتْ نفسي وشيطاني المعنيَّين بهذا الأمر الحسَّاسَين تجاهه، ستُسكت أعتى المتمرِّدين.
ثم ما دمنا نعمل لأجل حقيقةٍ راسخةٍ هي الأهمُّ والأعظم، وهي حقيقةٌ لا تُقدَّر بثمن، بل تَهون دونَها الدنيا، وتَرْخُص لها الأرواحُ والمُهَج، فلا بد أن نواجِه جميع ما يَعرِض لنا من مصاعب ومشاقَّ وأعداء بمنتهى الثبات.
— 482 —
ثم إننا قد نواجَه ببعض المخدوعين أو المنخدعين من العلماء والشيوخ ومَن يُظهِرون التقوى، ولا بد لنا في هذه الحال أن نحافظ على وحدتنا وتَسانُدنا، ونجتنبَ الانشغال بهم والجدال معهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
عندما كنت في "قسطموني" شكا لي رجلٌ من أهل التقوى الأفاضل حالَه قائلًا: لقد سقطتُ.. فَقدتُ حالي التي كنتُ عليها في سابق عهدي وما كان فيها من أذواقٍ وأنوار؛ فقلتُ له: بل ترقَّيتَ بحيث خلَّفتَ وراءك الأذواق والكشوفات التي تلاطف هوى النفس وتُذيق الثمرات الأخرويةَ في الدنيا وتُشعِر بالغرور، وحَلَّقتَ إلى مقامٍ أعلى بالفناء عن الذات وترك الأنانية والانصراف عن الأذواق الفانية.
أجل، إن من عظيم الإحسان الإلٰهي ألَّا يُشعِر بإحسانه مَن لم يترك أنانيَّتَه، لئلا يقع في العُجْب والغرور.
وبناءً على هذه الحقيقة أيها الإخوة، فإن مَن يفكِّر كهذا الرجل أو يهتم بالمقامات الباهرة التي تتأتى من حُسْنِ ظنِّ الناس، عندما ينظر إليكم فيرى فيكم تلاميذ عليهم سيما التواضع والخدمة والفناء عن الذات، يحسبكم أناسًا عاديِّين من عامة الناس، فيقول: أهؤلاء هم أبطال الحقيقة؟! أهؤلاء مَن يَتَحَدَّون الدنيا؟! هيهات!! أين هم من مجاهدي هذه الخدمة القدسية التي عجَزَ عنها حتى الأولياء في هذا الزمان؟! فيَخيب ظنُّه إن كان ممن يوافقكم، ويرى نفسه مُحقًّا إن كان ممن يخالفكم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 483 —
حين كان الأستاذ بديع الزمان في سجن "دَنِزْلي" ألَّفَ "رسالةَ الثمرة" في يومَي جُمُعة، وهي رسالةٌ قيِّمةٌ تتألف من تسع مسائل في غاية الأهمية، وتجمع حقائقَ رسائل النور بإيجازٍ؛ وكان طلاب النور قد عكفوا مدةَ سجنهم على كتابتها وقراءتها مراتٍ عديدة، وكانت في أول أمرها كُتِبَت ونُشِرت بين غُرَف السجن سِرًّا ضمن عُلب الكبريت، ثم صارت تُكتَب بحريَّةٍ بعد أن تبيَّن أنها رسالةٌ في غاية النفع والأهمية، وأنها مفيدةٌ لمن في السجون كأنها التِّرياق؛ كما أُرسِلتْ هذه الرسالة إلى محكمة "دَنِزْلي" ومحكمة التمييز والجهات الرسمية في أنقرة بوصفها وثيقةَ دفاعٍ حقيقيةً عن رسائل النور.
ونظرًا للأثر البارز الذي تركتْه رسالة الثمرة في سجن "دَنِزْلي"، ولكونها أصبحت بوجهٍ ما سببًا للبراءة لما تحمله من حقائق إيمانية، رأينا من المناسب أن ندرِج هنا المسألتَين السادسة والسابعة منها.