— 440 —
فقراتٌ من دفاعِ بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ
في محكمة "دَنِزْلي"
نعم، نحن تنظيم.. وإنه لَتنظيمٌ عظيمٌ فريدٌ له في كلِّ قرنٍ ثلاثمئةٍ وخمسون مليون فردٍ ينضوون تحت لوائه، ويُعلنون بصلواتهم الخمس كلَّ يومٍ عن ارتباطهم به وخدمتهم له مع كمال الاحترام لمبادئه، ويسارعون لمساعدة بعضهم بعضًا بالأدعية والمكاسب المعنوية عملًا بالبرنامج القدسي: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
فنحن من أفراد هذا التنظيم القدسي العظيم، ووظيفتُنا الخاصةُ فيه أن نبلِّغ أهلَ الإيمان حقائقَ القرآن الإيمانيةَ بصورةٍ تحقيقية، فننقذَهم وننقذَ أنفسَنا من الإعدام الأبدي، ومن السجن البرزخي المؤبَّد الانفرادي؛ وليس لنا أيَّةُ علاقةٍ أو صلةٍ مع التنظيمات السريَّة الباطلة التي تتهموننا بها، ولا بغيرها من الجمعيات والمنظَّمات السياسية الدنيوية التي تحيك المؤامرات والمكائد، بل لا نتنزَّل لهذا أصلًا.
.......
ولو كانت لنا رغبةٌ في التدخُّل في أمور الدُّنيا، لكان لهذا وَقْعٌ كهدير المدافع لا كطنين الذُّباب؛ وإن مَن يقصِد إلى رجلٍ دافع عن نفسِه دفاعًا شديدًا لاذعًا في المحكمة العسكرية، وواجه حِدَّةَ مصطفى كمال في مكتبه الرئاسي مواجهةً حادةً، فيتهمُه بأنه يدير مؤامراتٍ ومكائدَ منذ ثماني عشرة سنة دون أن يُشعِرَ أحدًا، لا بد أن يكون حاقدًا مُغرِضًا.. ألا إنه ما ينبغي أن تُهاجَم رسائل النور لخطأٍ صَدَرَ مني أو من بعضِ إخواني، فإنها مرتبطةٌ بالقرآن مباشرةً، والقرآن مرتبطٌ بالعرش الأعظم، فمَن له أن يمدَّ يده إلى تلك العروة الوثقى فيفصِمَها؟!
— 441 —
ثم إن رسائل النور قد تحقَّقتْ خدمتُها الباهرة وبركاتُها المادية والمعنوية في هذه البلاد بإشاراتِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنية، وبكراماتٍ غيبيةٍ ثلاثٍ لسيدنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه، وبإخبارٍ قطعيٍّ من الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني قُدِّسَ سِرُّه، فلا يصحُّ بل لا يمكن أن تكون مسؤولةً عن أخطائنا الشخصية التافهة، وإلا حاق بهذه البلاد ضررٌ ماديٌّ ومعنويٌّ لا يمكن تلافيه.
(حاشية): كُتِبَتْ عريضةُ الدفاع هذه قبل عشرين يومًا من وقوع الزلزال الذي ضرب ولاية "قسطموني"، وكانت قد ظلَّتْ محفوظةً من الآفات أكثر من سائر الولايات ببركة رسائل النور، وقد بدأت المصائب تتوالى الآن فصدَّقتْ دعوانا؛ المؤلِّف.
إن الهجمات والمخطَّطات التي يديرها بعضُ الزنادقة بخبثٍ شيطانيٍّ ضدَّ رسائل النور ستَفشل بإذن اللّٰه؛ وإن تلاميذ رسائل النور لا يمكن قياسهم بغيرهم، فليسوا ممن تُفرَّق صفوفُهم أو ممن يُحمَلون على تركِ دعوتهم، إنهم - بعنايةِ اللّٰه - لا يُغلَبون؛ ثم إنهم موجودون في كلِّ مكان، ويَحظَون بالثقة والتقدير لدى عموم الناس، بل هم بمثابةِ عصب الحياة لهذا الشعب، ولولا أن القرآن منعهم من سلوك سبيل الدفاع المادي، لما وجدتم منهم حوادثَ محدودةً غيرَ مُجديةٍ كحادثة "الشيخ سعيد" وحادثة "مَنَمَن"؛ وإلا فإنه - لا قدَّر اللّٰه - إنْ نزل بهم ظلمٌ يجعلهم في حالة الاضطرار للدفاع عن النفس، وهوجمتْ رسائل النور، فلَيَنْدَمَنَّ الزنادقة والمنافقون المضلِّلون للحكومة ندامةً ما بعدها ندامة.
والحاصل: ما دمنا لا نتعرَّض لدنيا أهل الدنيا، فلا يتعرَّضوا هم لآخرتِنا ولا لخدمتنا الإيمانية.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 442 —
رسالةٌ بخطِّ يده إلى طلابه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. لقد تبيَّن من لائحة الادعاء هذه أن الخُطط التي حاكها ضدَّنا الزنادقة المتستِّرون مستغفلين بعضَ رجال الحكومة ليحرضوهم علينا قد باءت بالفشل وظهر كذبها، وهم اليوم يسعون لستر أكاذيبهم بإطلاق تهمةِ تشكيل المنظمات والجمعيات، ويمنعون بالتالي أيَّ شخصٍ من الاتصال بي، كأن من يتواصل معنا يغدو من فوره واحدًا منا!!
حتى إن ثمة موظفين كبارًا باتوا يجتنبون كثيرًا الاتصال بي، ويتودَّدون إلى آمريهم بالتضييق عليَّ، خصوصًا "حا ص م د بر". وكنت قد هممتُ أن أذكر في آخر لائحة الاعتراض الفقرة التالية، لكن منعني من ذلك أمرٌ ما، والفقرة هي:
— 443 —
الصفحة الثانية من الرسالة
نعم نحن تنظيم، وياله من تنظيم!! له في كل قرنٍ ثلاثمئة مليون منتسبٍ يدخلون فيه، ويُظهِرون علاقاتهم وخدماتهم بكامل الاحترام خمسَ مراتٍ كل يومٍ وفقًا لمبادئ هذا التنظيم المقدَّس، ويَهُبُّون لمساعدة بعضهم بعضًا بأدعيتهم ومكاسبهم المعنوية طبقًا للبرنامج القدسي: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
فنحن من أفراد هذا التنظيم المقدس العظيم، ووظيفتنا الخاصة إبلاغُ أهل الإيمان حقائق القرآن الإيمانية بصورةٍ تحقيقية، وإنقاذ أنفسنا وإياهم من الإعدام الابدي والحبس الانفرادي؛ ولا صلة لنا بسائر المنظمات والتنظيمات الدنيوية أو السياسية المحتالة، ولا ننحطُّ إلى ذلك أصلًا.
— 444 —
باسمه سبحانه
أيها السادة..
أُخبركم إخبارًا قطعيًّا بأن لي ما شئتم من إخوةٍ صادقين وأصحابٍ مخلصين على درب الحقيقة، فضلًا عن الأفاضل الموجودين هنا ممن لا تربطهم بنا ولا برسائل النور صلة، أو ممن لهم بها صلةٌ محدودة.. ونحن جميعًا على قناعةٍ راسخةٍ تبلغ حدَّ البداهة اكتسبناها من كشفيَّاتِ رسائل النور القطعية، هي أن الموت المحتوم قد تحوَّل عندنا بسرِّ القرآن من إعدامٍ أبديٍّ إلى مذكِّرةِ إعفاءٍ وتسريح؛ بينما هو عند معارضينا وعند السالكين دربَ الضلالة إمَّا إعدامٌ أبديٌّ لمن لا يؤمن بالآخرة، وإما حبسٌ انفراديٌّ مظلِمٌ مؤبَّدٌ لمن هو منغمسٌ في الضلالة والإثم والرذيلة مع إيمانه بالآخرة.. فهل في العالَم يا تُرى قضيةٌ إنسانيةٌ أخرى أعظمُ وأهمُّ من قضية الموت حتى يكون أداةً لها؟ فما دام الجواب أنه لا توجد ولا تُعقَلُ قضيةٌ أهم منه، فإني أسألكم: لِمَ كلُّ هذا العَناء والانشغال بنا؟!
إننا نَعُدُّ أقسى عقوباتكم مذكِّرةَ إعفاءٍ وبطاقةَ سفرٍ إلى عالَم النور، ولهذا ننتظرها بكل ثبات؛ غير أننا نَعلم أن الذين رفضونا وأدانونا خدمةً لمصالح الضلالة سيُحكَم عليهم بالإعدام الأبدي والحبس الانفرادي، وسيَلقَون عما قريبٍ جزاءً مروِّعًا.. نعلَم هذا علمَ اليقين، بل نراه كما نراكم الآن في هذا المجلس، ونرثي لهم رثاءً شديدًا بمقتضى المشاعر الإنسانية.
إنني على استعدادٍ لإثبات هذه الحقيقة القطعيَّة المهمة وإلزامِ ألدِّ المعاندين بها، أجل، وأتعهَّد بإثباتها لا أمام لجنة الخبراء الحاقدة عديمةِ الخبرة التي ليس لها من المعنويات نصيب، بل أمام أكبر علمائكم وفلاسفتكم.. فإن لم أثبتْها لهم كالشمس في رابعة النهار رضيتُ بكلِّ عقوبة.
وأُقدِّم لكم "رسالةَ الثمرة" التي ألَّفناها للسُجناء في يومَي جُمُعة، وعَمِلنا في أصعب الظروف لكتابتها بالحروف اللاتينية الجديدة كي نوصلها إلى الجهات الرسمية
— 445 —
بأنقرة، فقد غدتْ بمثابة لائحة دفاعٍ عن رسائل النور بما بيَّنتْ من ركائزها وأُسِسها وخلاصتها، خذوها أُنموذجًا فاقرؤوها وتمعَّنوا فيها، فإن لم تصدِّقني قلوبُكم - لا أقول نفوسكم - فسأسكت حينئذٍ مهما ألحقتم بي من إساءةٍ وأذًى في الحبس الانفرادي.
الحاصل: إما أن تُطلقوا لرسائل النور حريتَها الكاملة، وإما أن تحطِّموا حقائقَها القوية المتينة إن استطعتم؛ أنا لم أكن أهتم بكم ولا بدنياكم حتى اليوم، بل لم أكن أريد ذلك أصلًا، لكنكم اضطررتموني إلى ذلك اضطرارًا، ولعله كان من الضروري تنبيهكُم بحيث ساقنا القدَرُ الإلٰهيُّ إلى هذا الطريق، أما نحن فنسترشد بالدستور القدسي: «من آمَنَ بالقدَر أَمِنَ من الكَدَر» ؛ وقد عزمْنا على أن نقابل شدائدكم بالصبر.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
كنا قد اتخذنا وِرْدًا قرآنيًّا من مئاتِ الآيات القرآنية الشهيرة التي تمثِّل المنابعَ الخاصة لرسائل النور، كحزب السُّور والأدعية المأثورة، وذلك أخذًا بالعادة الإسلامية الجارية منذ عهد النبوة، فجعل القومُ هذا مأخذًا علينا وقالوا: إنني أُجري تحريفاتٍ في الدين.
ثم عمدوا إلى "رسالة الحجاب" التي سُجِنتُ لأجلها سنةً، والتي ظلَّتْ خصوصيةً لا تُتداوَل، حتى لقد عُثِرَ عليها واستُخرِجتْ من تحت أكوام الحطب كما جاء في محضر الضبط.. فأرادوا أن يتهمونا بها وكأنها كُتِبَتْ ونُشِرَتْ في هذا العام!!
ثم إني كنتُ قد بيَّنتُ في سالف عهدي حقيقةَ حديثٍ شريفٍ، وكتبتُها في رسالةٍ خصوصيةٍ لا تُتداوَل؛ ثم حصل بعد ذلك بزمنٍ أنْ قابلتُ الشخصَ الذي تولَّى زمام الحكم بأنقرة، وواجهتُه باعتراضاتٍ وكلامٍ شديد اللّٰهجة، فالتزم الصمت ولم يردَّ بشيء؛ ثم إن هذه الرسالة المذكورة كانت قد تضمنت انتقاداتٍ أصليةً لازمةً عامَّةً كَشَفتْ
— 446 —
عن أخطاء هذا الرجل بعد أن مات، فراحوا يحملونني مسؤوليتَها!! فأين مراعاةُ خاطرِ شخصٍ طواه الموت وانقطعت صلتُه بالحكومة من مراعاة خاطر الحكومة والشعب، أعني مراعاةَ القوانين والعدالة التي هي تجلٍّ من تجليات حاكمية اللّٰه جلَّ شأنه؟!
وكذلك الحال مع مبدأ حرية المعتقد الديني الذي هو أهم أساسٍ من أُسس الحكومة الجمهورية نستند إليه وندافع عن أنفسنا به، فقد جعلوه ذريعةً لإدانتنا وتحميلِنا المسؤولية وكأننا نعارض هذا الأساس!!
ثم إنهم ينسُبون إليَّ في محاضر الضبط أمورًا لا تخطر بالبال ولا بالخيال، بسبب انتقادي سيئاتِ المدنية المعاصرة وعيوبَها، فيتهمونني بمعاداة ما أَنتجه التقدُّم الحديث، كما لو أنني أرفض استعمال المذياع والطيارة والقطار.
(حاشية): سبق لي أن قلتُ في معرِض الحديث عن مقابلةِ نعمةٍ عظيمةٍ كالمذياع بالشكرِ العظيم: فلْيَقرأِ المذياعُ القرآنَ، ولْيُسمعْه كلَّ إنسانٍ على وجه البسيطة، ولْيكن الأثيرُ حاملًا للقرآن.
ومن هنا فإن محكمة "دَنِزْلي" ومدَّعيَها العامَّ العادلَين المنصفَين سيُظهِران بإذن اللّٰه - قياسًا على هذه الأمثلة - أن هذه المعاملة تخالف العدالة أوضحَ مخالفة، ولن يُعيرا أهميةً لما ورد في محاضر الضبط من أوهام.
والأعجب من ذلك أن مدَّعيًا عامًّا في محكمةٍ أخرى سألني: إنك قلتَ في "رسالة الشعاع الخامس" - وهي رسالةٌ خصوصيةٌ لا تُتداوَل یی: "إن زمام الجيش سيُفلِت من قبضة ذلك الرجل الرهيب"، فهل تقصد بقولك هذا تحريضَ الجيش على التمرُّد على الحكومة؟ فقلتُ له: إن مقصدي أن هذا القائد إما سيموت وإما سيُستَبدَل، وهذا يعني أن الجيش سيتخلَّص من استبداده.
فيا تُرى كيف يمكن أن يؤتى برسالةٍ خصوصيةٍ لم تُتداوَل، ولم تقع في يدنا سوى مرتين خلال ثماني سنواتٍ فأخفيناها عن الأنظار، وهي مجرد رسالةٍ تُبيِّن معنى حديثٍ من أحاديث آخر الزمان بيانًا إجماليًّا كلِّیيًّا، على أن أصلَها كان قد أُلِّفَ منذ زمنٍ بعيد، ولم يحصل أن اطَّلع عليها أحدٌ من أفراد الجيش.. كيف يمكن أن يؤتى برسالةٍ كهذه فتُجعَلَ سببًا للاتهام؟! ومع الأسف، فلقد أدرج هؤلاء المتحامِلون اتهامَهم العجيبَ هذا في لائحة الادعاء.
— 447 —
والأغرب من ذلك أنني سبق أنْ قلتُ في موضعٍ ما: كان اللازم على البشر أن يقابلوا نِعمَ اللّٰه العظيمةَ - كالطائرة والقطار والمذياع - بالشكر العظيم، فلم يفعلوا، فأمطرتْهمُ الطائرات بالقنابل؛ وقلتُ: إن المذياع نعمةٌ إلٰهيةٌ وأيُّ نعمة، وشكرُها أن يصير المذياع نفسُه قارئًا عالَميًّا يتلو القرآن بملايين الألسنة، فيُسمِع آياتِه لكل إنسانٍ على وجه البسيطة، (حاشية): الحقيقة التي أخبر عنها أستاذُنا وتمنَّاها قد أخذتْ تتحقق في بلادنا، فها هو القرآن الكريم يُتلى في إذاعاتنا وللّٰه الحمد، وسيأتي يومٌ تُبَثُّ فيه على المذياع دروسُ رسائل النور التي تَعرِض حقائق القرآن، فتنالُ البشرية من ذلك فوائدَ جمَّةً بإذن اللّٰه. كما أنني حين بيَّنتُ في "الكلمة العشرين" إخباراتِ القرآن الغيبيةَ عن عجائب المدنيَّة الحديثة، ذكرتُ إشارةً من آيةٍ قرآنيةٍ إلى أن الكفار سيتغلَّبون على العالَم الإسلامي بواسطة القطار؛ ومع أنني كنت أُرغِّب المسلمين بهذه العجائب، إلا أن مدَّعيًا عامًا في محكمةٍ سابقةٍ جعل من هذا سببًا للاتهام حقدًا وضغينةً منه، فاتهمني في ختام لائحة الادعاء بأنني أعادي ما أَنتَجه التقدُّم الحديث من طيارةٍ وقطارٍ ومذياع!!
ثم إن أحد الأشخاص كان في معرِض حديثٍ عن أمرٍ لا صلةَ له بقضيتنا هذه، فقال عن تعبير "رسالة النور" - وهو الاسم الآخَر لرسائل النور یی: "إنها رسالةٌ وإلهامٌ من نور القرآن"؛ ففُسِّر قولُه في لائحة الادعاء بمعنًى مغالِطٍ تمامًا، وجُعِل سببًا لاتِّهامي كما لو أن العبارة كانت: "إن رسائل النور رسول"!!
ثم إني كنت قد أثبتُّ بحججٍ قطعيةٍ في عشرين موضعًا من دفاعنا أن الدين والقرآن ورسائل النور لا تُتَّخَذُ أداةً لشيء، وأننا لا يمكن أن نتخذها وسيلةً لكسبِ شيءٍ حتى لو كان الدنيا بأسرِها، وأننا لا نستبدل بحقيقةٍ منها مُلْكَ العالَم بأجمعه، ونحن فعلًا كذلك، ودلائلُنا على هذه الدعوى تبلغ الألوف على مدى عشرين سنة؛ فما دام الأمر كذلك فإني ومَن معي نقول بكلِّ قوتنا: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 448 —
باسمه سبحانه
تتمةُ الاعتراض على لائحة الادعاء
إن مخاطَبِيَّ في هذا الاعتراض ليسوا محكمةَ "دَنِزْلي" ولا مدَّعيَها العام، بل الموظَّفين الذين امتلأت نفوسهم هواجسَ وأحقادًا، فرفعوا ضدَّنا لائحةَ الادعاء العجيبةَ هذه معتمدين على أوراق ضبوطهم المغلوطة الناقصة، وفي مقدِّمتهم المدَّعيان العامَّان لكلٍّ من "إسبارطة" و"إينَه بولو".
فأولًا: إن وصف طلاب النور الأبرياء بوصفٍ لا أصل له ولا فصل، ولم يخطر ببالي قطُّ، أعني وصفَهم بأنهم تنظيمٌ سياسيٌّ، وهم الذين ليس لهم أيُّ صلةٍ بالسياسة، ثم تجريم المساكين الداخلين في دائرة رسائل النور الذين لم يعرِفوا مقصِدًا سوى الإيمان والآخرة، ثم تقديمهم للمحاكمة على أنهم من مروِّجي أفكار هذا التنظيم المزعوم أو من نشطائه أو من منتسبيه، أو بدعوى أنهم قرؤوا رسائل النور أو أقرؤوها أو استنسخوها.. أقول: إن هذا يُعَدُّ مجافاةً صارخةً لحقيقة العدالة.
أجل، وحجتنا القطعية على هذا أنه لم يُجرَّم قُرَّاء مؤلَّفات الدكتور "دُوزي" وغيرِه من الزنادقة، مع أنها مؤلَّفاتٌ مُسيئة تتهجَّم على القرآن، وذلك بحجةِ دستورِ "حريَّة الفكر والحريَّة العلمية"!! بينما جُرِّمَتْ قراءةُ رسائل النور واستنساخُها، مع أنها إنما تبيِّن الحقائق الإيمانية والقرآنية للمتلهِّفين والمتعطشين إليها، وتُجلِّيها لهم كالشمس.
ثم إنهم عَمَدوا إلى ثلاث رسائل من بين مئة رسالةٍ، فاستخرجوا منها بضعةَ جُمَلٍ جعلوها ذريعةً لاتِّهامنا، مع أننا سبق أنْ أبقينا هذه الرسائل في حيِّز الخصوصيَّة، ولم نسمح بنشرِها ولا تَداوُلِها لئلا يُساء فهمُها، فضلًا عن أن محكمة "أسكي شَهِر" دقَّقَت اثنتَين منها وقامتْ بما يلزم بهذا الخصوص، وأُجيبَ عن الثالثةِ إجابةً قطعيَّةً في كلٍّ من الدِّفاع ولائحة الاعتراض، وأثبتْنا إثباتًا قاطعًا بعشرين وجهًا في محكمة "أسكي شَهِر" أننا نحمل نورًا لا هراوةَ سياسة؛ لكن بالرغم من هذا كلِّه، فإن أولئك المدَّعين المتجنِّين المتحاملين، مثلما اقتطعوا بضعةَ جملٍ من تلك الرسائل الخصوصية غير
— 449 —
المنشورة، فعمَّموا بها الحكم على جميع رسائل النور، فإنهم جرَّموا كذلك كلَّ مَن قرأها أو استنسخَها، ووجهوا إلي التهمة بأنني أُناوِئ الحكومة.
وإنني أُشهِد نفسي والقريبين مني وأصحابي الذين يلتقون بي وأؤكد لهم مُقسمًا، أنني فيما ينوف على هذه السنوات العشر لم أعرف من رجال الحكومة والوزراء والقيادات والمسؤولين ونوَّاب البرلمان سوى رئيسَين اثنَين ونائبًا واحدًا وواليَ "قسطموني"، ولم أهتم بمعرفةِ أحدٍ منهم، أفيمكن لرجلٍ ألَّا يَعرِف الأشخاص الذين يجابههم ولا يهتمَّ بمعرفتهم ولا يوليهم أهميةً حتى يَستَبينَ عدوَّه من صديقه؟!
إنه لَيتبيَّن ضرورةً من هذا الذي سُقناه أنهم يختلقون الذرائع مهما كانت باطلةً لإدانتي على كلِّ حال، وما دام الأمر على هذه الشاكلة فإنني أتوجه بخطابي لا إلى هذه المحكمة، بل إلى أولئك المُتَجَنِّين المتحاملين فأقول لهم: إن أقسى عقوباتكم التي ستُنزِلونها بي لا أهميَّة لها عندي، بل لا تساوي الحِبر الذي كُتِبَتْ به؛ فأنا عند باب القبر قد بلغتُ السبعين، ويالها من سعادةٍ عظمى أن أنال مرتبة الشهادة بدلًا من حياةٍ بسيطةٍ مظلومةٍ مدَّتُها سنةٌ أو سنتان!!
وإنني على إيمانٍ قطعيٍّ مؤيَّدٍ بآلاف الحجج في رسائل النور أن الموت عندنا ليس سوى مذكِّرة تسريحٍ وإعفاء، فإن كان الحكمُ هو الإعدامَ، فإنه بالنسبة إلينا مشقَّةُ ساعةٍ هي مفتاحُ سعادةٍ ورحمةٍ أبديَّتَين.
أما أنتم أيها الظَّلَمَةُ الذين ضلَّلتُم العدالة لصالح الزندقة، وشَغَلتم الحكومة بنا بغير سبب، ألا فَلْتَعلموا يقينًا وَلْتَرتعدوا خوفًا أنكم محكومون بالإعدام الأبدي والسجن المؤبَّد الانفرادي!! إننا نرى كيف يُنتَقَمُ لنا منكم أضعافًا مضاعفةً لدرجة أننا نَرثي لحالكم.
أجل، إن حقيقة الموت التي أفرغَتْ هذه المدينةَ في المقابر مئات المرات لا بدَّ أنها تطلُب مطلبًا وراء هذه الحياة، وإن الحاجة إلى حلٍّ يُخلِّصُ من إعدام الموت هي حاجةٌ ضروريةٌ قطعيَّةٌ أعظمُ وأهمُّ وألزَمُ من جميع قضايا البشر؛ ولقد وجد تلاميذ النور هذا الحلَّ، وقدَّمتْه رسائل النور بآلاف الحُجج، أفلا يدري الذين يتَّهمون
— 450 —
الرسائلَ وتلاميذَها بذرائع واهيةٍ أنهم هم المتَّهَمون بنظر الحقيقة والعدالة؟! إنه لأمرٌ يدريه حتى المجانين.
إن ثمة ثلاثَ موادَّ تُلَبِّس على هؤلاء المتجنِّين المتحاملين، وتُوهِمُهم بوجود تنظيمٍ سياسيٍّ مزعوم:
أولُها: العلاقة الوثيقة بيني وبين طلابي، وهي علاقةٌ ممتدةٌ منذ القديم كأنها أُخُوَّة، وقد حسِبوها تنظيمًا.
ثانيتُها: أن انتشار طلاب رسائل النور في كلِّ مكان، وسماحَ قوانين الجمهورية لهم دون تعرُّض، وتصرُّفَ بعضِهم كأنهم جماعةٌ إسلاميةٌ، دَفَعَ للظن بأنهم تنظيم، والحال أنه ليس لهؤلاء الطلاب الثلاثة أو الأربعة نيةٌ في تنظيمٍ ولا ما شابهه، وإنما هي الأُخُوَّة الخالصة والتسانُد الأخرويُّ في الخدمة الإيمانية المحضة.
ثالثتُها: يقول أولئك المتجنُّون المتحاملون: "إن سعيدًا وإخوانَه هم على كل حالٍ معارضون لنا ولقوانين الحكومة التي تسمح لنا أن نمارس رغباتنا غيرَ المشروعة باسم المدنية والتحضُّر، وعلى هذا فهم بالضرورة تنظيمٌ سياسيٌّ معارض"؛ يقولون هذا الكلام في أذهانهم لما يعرفونه من أنفسهم من ضلالةٍ وتهافتٍ على الدنيا.
وأنا أقول: أيها الأشقياء المساكين.. لو كانت الدنيا أبديَّةً، وكان الإنسان مخلَّدًا فيها، وكانت وظائف الإنسان منحصرةً في السياسة وحدَها، لأمكن أن يكون لافتراءاتكم هذه معنى.
ثم إني لو دخلت الأمر من باب السياسة لما وجدتم عشرَ جُمَلٍ في مئةِ رسالة، بل لوجدتم آلاف الجُمَل السياسية المناهِضة.
ثم لو فرضنا جدلًا أننا مثلَكم نعمل بكل قوتنا لأجل الدنيا ومُتَعِها وسياستِها - وهو فرَضٌ لا يمكن حتى للشيطان أن يقبله أو يُقنِع به أحدًا - فإليكم إذًا سيرتَنا، فما دامت لم تقع منا حادثةٌ واحدةٌ طَوالَ عشرين سنة، وما دام لكلِّ حكومةٍ معارضون ألدَّاء، وكانت الحكومة تنظر إلى ما باليد وليس لها أن تنظر إلى القلب، فليس لكم أن
— 451 —
تُحمِّلونا أيَّةَ مسؤولية؛ وآخر قولي أنْ حَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
أسرُد ذكرى قديمةً وواقعةً لطيفةً على سبيل الدفاع، كانت بقيتْ سِرًّا في محكمة "أسكي شَهِر"، ولم تَرِدْ رسميًّا في الضبط، ولم تُسجَّل في دفاعاتي.
سألوني هناك: ما رأيك في النظام الجمهوري؟ فأجبتهم قائلًا: إن سيرة حياتي التي بحوزتكم تُثبت أنني جمهوريٌّ متديِّنٌ مِن قَبْلِ أن تولدوا أنتم جميعًا باستثناء رئيس المحكمة، وخلاصة ذلك أنني كنتُ في ذلك الحين - مثلما أنا اليوم - مُختَليًا تحت قبةِ ضريحٍ مهجور، وكان يأتيني الحَساء، فكنتُ أنثر حباته للنمل، وأكتفي بالخبز والمرَق؛ فكان الذين يسمعون بهذا الأمر يسألونني عن سببه فأجيبهم: إن أُمم النمل والنحل هذه أممٌ جمهورية، وأنا أنثر حبات الحَساء للنمل احترامًا لحرصها على الجمهورية.
ثم قالوا لي: إنك تخالف السلف الصالح!! فأجبتهم: لقد كان كلُّ واحدٍ من الخلفاء الراشدين خليفةً ورئيسَ جمهوريَّةٍ في الوقت ذاته، فالصِّدِّيق الأكبر رضي اللّٰه عنه كان بلا شك بمثابة رئيسِ جمهوريةٍ فيها العشرة المبشرون بالجنة والصحابة الكرام رضي اللّٰه عنهم؛ إلا أنهم لم يكونوا رؤساء اسمًا بغير مسمَّى، وشكلًا بغير مضمون، بل كانوا رؤساء جمهوريةٍ متديِّنين يحملون معاني العدالةِ والحرية الشرعية بحقيقتها.
فيا أيها المدعي العام.. ويا أعضاء المحكمة.. إنكم تتهمونني بنقيضِ ما أنا عليه منذ خمسين سنة!! فإن تسألوني عن الجمهورية العَلمانية، فإني أعلم أن العَلمانية تعني لزوم الحياد، فكما أنها لا تتعرض للملاحدة وأهل الفجور بمقتضى دستور حرية المعتقد الديني، فإنها كذلك لا تتعرض للمتدينين وأهل التقوى، فهذا ما أعدُّه حكومةً عَلمانية.
— 452 —
لقد انسحبتُ من الحياة السياسية والاجتماعية منذ عشر سنين - وقد أصبحتِ الآن عشرينَ سنة - ولا أدري الحال التي آلَتْ إليها الحكومة الجمهورية، فإن بلغت بها الحال من الخطورة أن تسنَّ قوانين تحاسب العاملين لأجل الإيمان والآخرة، أو تأخذَ بمثل هذه القوانين لصالح الزندقة والعياذ باللّٰه، فإنني أعلن لكم وأحذِّركم دون خوفٍ ولا وجل، أنْ لو كانتْ لي ألفُ نفسٍ ما تردَّدْتُ في التضحيةِ بها في سبيل الإيمان والآخرة، فافعلوا ما شئتم.
وأقول لكم ردًّا على حكمكم الظالم الذي أنزلتموه بحقي، حكمِ الإعدام والأشغال الشاقة: إنني وفقًا لكشفيَّات رسائل النور القطعية لا أُعدَم.. بل أُعطى مذكِّرة تسريحٍ وإعفاء، وأَرحل إلى عالَم النور والسعادة؛ أما أنتم أيها الأشقياء الذين تسحقوننا لصالح الضلالة.. فإنني أعلم أنكم محكومون بالإعدام الأبدي والسجن المؤبَّد الانفرادي انتقامًا تامًّا لنا منكم.. أعلم ذلك وأراه.. ولأجل هذا فإني مستعدٌ لتسليم روحي بقلبٍ مطمئن؛ وآخر قولي أنْ: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
أيها السادة.. لقد بِتُّ على قناعةٍ قطعيةٍ مبنيَّةٍ على أماراتٍ كثيرةٍ أن الهجوم علينا ليس ناشئًا عن دعوى استغلال المشاعر الدينية أو الإخلال بالأمن الداخلي كما زُعِم.. كلا.. إن هذا ستارٌ كاذب.. وإنما يُتَهَجَّمُ علينا لإيماننا ولخدمتِنا للأمن والإيمان، وهو هجومٌ يجري لصالح الزندقة لا لصالح الحكومة؛ وأسوق على هذا حُجةً واحدةً من الحجج الكثيرة:
وهي أنه خلال عشرين سنة قرأ عشرون ألف شخصٍ عشرين ألف نسخةٍ وجزءٍ من رسائل النور وتلقَّوها بالقبول، ومع ذلك لم تقع من تلاميذ رسائل النور أيَّةُ حادثةٍ
— 453 —
تُخِلُّ بالأمن، ولم تسجِّل الحكومةُ عليهم شيئًا من هذا القبيل، ولم تستطع المحكمتان - السابقة والحالية - أن تعثر لهم على أيَّةِ حادثةٍ من هذا النوع؛ والحال أن مثل هذه الحملة المُغرِضة الشديدة المكثَّفة لا بد أن يَظهَر مصداقُها بحوادث في غضون عشرين يومًا، ما يعني أن المادة القانونية الفضفاضة رقم (١٦٣) التي تشمل بحكمها جميع المتديِّنين والدُّعاة شمولًا يناقض مبدأ حرية المعتقد الديني، ليست سوى قناعٍ زائفٍ يرتديه الزنادقة ليستغفلوا بعضَ رجال الحكومة ويُضلِّلوا العدالة، ليحقِّقوا ما يَصْبُون إليه من القضاء علينا.
فما دامتْ هذه هي الحقيقة، فإننا نقول بكلِّ ما أوتينا من قوة: أيها الأشقياء الذين باعوا الدين بالدنيا وتَرَدَّوا في حضيضِ الكفر المطلق.. افعلوا ما بدا لكم.. ألا فلْتكنْ دنياكم وبالًا عليكم في الحال والمآل.. ولْتكنْ رؤوسُنا فداءً للحقيقة القدسية التي فدَتْها من قبلُ رؤوسُ مئاتِ ملايين الأبطال.. إننا مستعدون لكلِّ ما عندكم من عقوباتٍ وإعدام.. فالحال خارج أسوار السجن أسوأ مئةَ مرةٍ منها في داخله.. فلا وجود للحرية في ظل هذا الاستبداد المطلق.. لا وجود لحرية الضمير ولا للحرية الدينية ولا العلمية.. ولم يبق لأهل الشرف والدين وأنصار الحرية من سبيلٍ سوى السجن أو الموت.. إننا على ربنا معتمدون.. و إِنَّا للّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
السيد علي رضا رئيسَ المحكمة..
إن لي طلبًا ورجاءً مهمًّا للدفاع عن حقوقي، ذلك أني لا أعرف الحروف الجديدة اللاتينية، وكتابتي بالحروف القديمة يشوبها نقصٌ كثير، فضلًا عن أنهم لا يسمحون لي بالتواصل مع الآخرين، بل أنا أشبه ما أكون في زنزانةٍ منفردة، حتى إن
— 454 —
لائحة الادعاء سُحِبَتْ مني بعد خمس عشرة دقيقةً من تسليمها لي؛ ثم إني ليس لي القدرة على توكيل محامٍ، حتى إن دفاعي الذي قدَّمتُه إليكم لم أستطع الحصول على نسخته بالحروف الجديدة إلا بمشقةٍ بالغة، ولم يصلني قسمٌ منه إلا سِرًّا.
ثم إني كنت قد استكتبتُ "رسالةَ الثمرة" التي تعدُّ لائحةَ دفاعٍ عن رسائل النور وخلاصةً لمسلكها، استكتبتُها لأقدِّم نسخةً منها للمدعي العام وأُرسِل نسخةً أو نسختَين إلى الجهات الرسمية بأنقرة، فصادروها مني ولم يردُّوها إلى الآن، مع أننا حين كنا في محكمة "أسكي شَهِر" أرسلتْ عدليَّتُها آلةً كاتبةً إلى السجن، فكتبْنا بواسطتها نُسَختين من دفاعاتنا، وكتَبَتِ المحكمةُ بدورها نُسخًا أخرى؛ ومن هنا فإن طلبي المهمَّ هو أن توفِّروا لنا آلةً كاتبة أو تسمحوا لنا بجلبها، كي نكتبَ دفاعنا بالحروف الجديدة، ونكتبَ أيضًا الرسالةَ التي هي بحكم لائحة دفاعٍ لرسائل النور، ثم نُرسلَ نسخًا منها إلى كلٍّ من وزارة العدل ومجلس الوزراء والبرلمان ومجلس شورى الدولة؛ لأن رسائل النور هي أساس لائحة الادعاء بأجمعها، والدعوى أو الاعتراض الموجَّه ضدها ليس حادثةً جزئيةً أو مسألة شخصية حتى لا تُولى كبيرَ أهميَّة، بل هي مسألةٌ عامةٌ بمثابةِ حادثةٍ كليَّةٍ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه البلاد وشعبِها وحكومتها، وهي بالتالي تستقطب اهتمام العالَم الإسلامي بصورةٍ بالغة الأهمية.
أجل، إن الذين يهاجمون رسائل النور من وراء الكواليس هم أنفسهم الذين يمكِّنون للكفر المطلق بذريعة السياسة اللادينية، تحرِّكهم في ذلك أيادٍ أجنبية، بغيةَ أن يحطِّموا أعظم قوةٍ للشعب في هذا البلد، ألا وهي المحبة والتقدير والأخوة التي يُكِنُّها العالَم الإسلامي تجاهه، وليبثُّوا بدلًا منها الكره والقطيعة معه، ولهذا استغفلوا الحكومة، وشوَّشُوا القضاء مرتين، وقالوا: "إن طلاب رسائل النور يتخذون الدين أداةً للسياسة، وقد يَضرُّون بأمن البلاد".
أيها الأشقياء.. صحيحٌ أن رسائل النور لا علاقة لها بالسياسة.. غير أنها في سبيل تحطيمها الكفرَ المطلق تنقض أساسَه وهو الفوضوية الهدَّامة المتمرِّدة، وترفض رأسَه وهو الاستبداد المطلق؛ وبذلك حقَّقتْ وتُحقق الأمن والاستقرار والحريَّة والعدالة؛
— 455 —
وما "رسالة الثمرة" التي هي لائحة دفاعها إلا حجةٌ من مئات الحجج على ذلك، فلْتدقِّقها هيئةٌ علميةٌ واجتماعيةٌ رفيعة المستوى، فإن لم تصدِّق ما قلتُه رضيتُ بكل عقوبةٍ، بل حتى بأقسى إعدام.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
السيد رئيسَ المحكمة.. اتُّخِذَتْ ثلاثُ موادَّ أساسًا في لائحة القرار:
أولُها: تُهمة الجمعية أو التنظيم.
وأنا أُشهِدُ جميعَ تلاميذ رسائل النور الموجودين هنا، وجميعَ مَن التقى بي أو قرأ الرسائل أو كَتَیبَها، أُشهِدُهم جميعًا بأعيانهم؛ فاسألوهم: هل قلتُ لأحدٍ منهم: إننا سنشكِّل تنظيمًا سياسيًّا أو جماعةً نقشبندية؟!
إن ما أردِّده على الدوام هو أننا نعمل على إنقاذ إيماننا، وليس بيننا من صفة التنظيم سوى أننا أفرادُ جماعةٍ إسلاميةٍ مقدَّسةٍ ينتسب إليها عموم أهل الإيمان، ويربو عدد أفرادها على الثلاثمئة مليون؛ وأننا - بالنظر إلى خدمتنا للقرآن وأُخوَّتِنا مع عموم أهل الإيمان الذين سمَّاهم القرآنُ حزبَ اللّٰه - قد وجدنا أنفسنا في دائرة حزب اللّٰه وحزب القرآن.
فإن كان هذا هو المعنى المقصود في لائحة القرار، فإننا نعترف به من صميم قلوبنا بكلِّ فخر، أما إن كان المقصود شيئًا آخر فلا علم لنا به.
المادة الثانية: يريدون إعادتَنا إلى ما كانت الحال عليه قبل تسع سنين، وتحميلَنا مسؤوليةَ جرمٍ قضينا عقوبتَه، من خلال إساءتهم تفسيرَ جُمَلٍ وردتْ في بعض الكتب، كی"رسالة الحجاب" و"رسالة الخطوات السِّتِّ وذيلِها"، وهي رسائلُ كان سبَقَ لمحكمةِ "أسكي شَهِر" أن دقَّقتْها وانتقدتْها وصدر بسببها عقوبةٌ مخفَّفة، واعترف
— 456 —
قرارُ الاتهام وصدَّقه تقريرُ ضبطِ "قسطموني" بأنها رسائل خصوصيةٌ لا تُتداوَل، وأنها كانتْ موضوعةً في صناديق مُسمَّرةٍ تحت أكوام الفحم والحطب بهيئةٍ تؤكد أنها لم تكن معدَّةً للنشر على الإطلاق.
المادة الثالثة: استُخدِمتْ في مواضع عدةٍ من لائحة القرار عباراتُ "إمكانِ الوقوع" بدلًا من "الوقوع" نفسِه، كعبارة: "يمكن أن يُخلَّ بأمن الدولة"، و: "يمكن أن يقوم بكذا"؛ فإذا كان لكلِّ إنسانٍ إمكانيةُ أن يَقتُل، أفيُحاسَب على هذا الإمكان؟!
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
السيد رئيسَ المحكمة.. أقدِّم لكم لائحة دفاعي التي أرسلتُها عريضةً إلى رئيس الجمهورية والجهات الرسمية بأنقرة، وأُرفِق بها الرسالةَ الجوابية الواردة من رئاسة الوزراء، والتي تُبيِّن اهتمامَها بلائحة الدفاع هذه وقبولها بها.
يتضمن هذا الدفاعُ الردَّ القطعيَّ على الهواجس والأوهام الباطلة التي صاغَ منها مقامُ الادِّعاء اتهاماتٍ ضدَّنا؛ كما أن تقرير لجنة الخبراء كان قد بُني على مَحاضرِ ضبطٍ سطحيَّةٍ مغرِضةٍ مرفوعةٍ من أماكن أخرى، وحوى الكثيرَ من الأقوال المغالِطة المخالِفة للواقع، وقد سبق أن قُدِّم دفاعي هذا لائحةَ اعتراضٍ على تلك اللجنة، وأُورِد أمثلةً على ذلك:
سبق أن ذكرتُ لكم أنهم حين أرادوا إدانتي بالمادة رقم (١٦٣) في محكمة "أسكي شَهِر" قلتُ لهم:
إن موافقة نوابٍ يساوي عددُهم نفسَ رقم المادة المذكورة، أقصد موافقةَ مئةٍ وثلاثةٍ وستين نائبًا من أصل مئتي نائبٍ في حكومة الجمهورية، على تخصيص مبلغ مئةٍ وخمسين ألف ليرةٍ تركيةٍ لإنشاء جامعة دار العلوم في "وان".. أقول: إن موافقةَ
— 457 —
هذا العدد من النواب على مشروعي هذا، والحفاوةَ التي لقيتُها من حكومة الجمهورية تجاهه، يُسقِطان عني حكم المادة رقم (١٦٣).
إلا أن لجنة الخبراء عَمَدتْ إلى كلامي هذا فحرَّفتْه وجعلتْه: "إن مئةً وثلاثةً وستين نائبًا طالبوا بملاحقة سعيد"!!
ثم جاء مقام الادعاء يحمِّلُنا المسؤولية بناءً على هذه الاتهامات الباطلة جملةً وتفصيلًا، في حين أن الهيئة العلمية رفيعةَ المستوى التي شُكِّلتْ بقرارٍ من مجلسكم، بعد أن دقَّقت جميع أجزاء رسائل النور أصدرتْ قرارها بالإجماع ونصُّه: "لقد تَبيَّن أنه لا يوجد في كتابات سعيدٍ وتلاميذِ رسائل النور ما يدل صراحةً أو ضمنًا على نيةِ اتخاذِ الدين أو المقدَّسات أداةً للتحريض على الإخلال بالأمن، أو إنشاءِ تنظيم، أو تدبير مؤامراتٍ ضد الحكومة، كما تَبين من مراسلات تلاميذ سعيدٍ أنهم لا يضمِرون أيَّة نوايا سيئةٍ تجاه الحكومة، ولا يهدُفون لإنشاء تنظيمٍ سياسيٍّ أو انتهاجِ منهجِ طريقةٍ صوفية".
كما قررت الهيئة بالإجماع "أن تسعين بالمئة من رسائل سعيدٍ النُّورْسِيّ لا تخالف أصولَ العلم والحقيقة والدين في شيء، فضلًا عن أنها كُتِبَتْ بإخلاصٍ وتجرُّدٍ عن الغايات الدنيوية، وقد أُلِّفَتْ كلُّ واحدةٍ منها لتفسير آيةٍ أو بيانِ معنى حديثٍ شريف، وسِيْقَتْ فيها الأمثلة لتوضيح العقائد المتعلقة بالدين والإيمان والإلٰه والنبوة والآخرة، وهي رسائل تحوي في تسعين بالمئة منها آراءً علميةً، ونصائحَ أخلاقيةً للشيوخ والشباب، ومناقبَ رفيعة، ووقائعَ ذاتَ عبرةٍ مستقاةً من تجارب الحياة، وليس فيها شيءٌ يمكن أن يُعَدَّ مَساسًا بالحكومة أو إدارة البلاد أو استقرارها؛ وهي صريحةٌ في أنها لا تهدُف للإخلال بالأمن سواءٌ بتشكيل تنظيمٍ ما أو اتخاذ الدين أداةً لغرضٍ ما، وأن مراسلات تلاميذ الرسائل فيما بينهم ومراسلاتِهم مع سعيدٍ النُّورْسِيّ تندرج في هذا الإطار، أما بقية الرسائل التي تبلغ قرابة العشر رسائل، فهي رسائل خصوصيةٌ فيها نوعٌ من الشكوى وليست ذات طابعٍ علمي".
ومن هنا فإنه لَيؤسِفُنا أشدَّ الأسف ما أقدم عليه مقامُ الادِّعاء حين صرف النظر عن هذا التقرير الصادر عن الهيئة العلمية الرفيعة المستوى، ووجَّه إلينا الاتهامات على
— 458 —
نحوٍ يثير العجَب، بناءً على تقريرِ لجنة الخبراء القديم الناقص المشوَّش، وإننا بلا شك نرى هذا أمرًا لا يليق بالإنصاف الذي عُرِفَتْ به هذه المحكمة العادلة.
لقد كان صنيعهم برسائل النور أشبه بصنيع البكتاشي - إن جاز التشبيه - إذْ قيل له: لِمَ لا تصلي؟ فقال: إن القرآن يقول: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ، فقيل له: أكمِل الآية، أي: وَأَنْتُمْ سُكَارَى، فقال: لستُ حافظًا!!
فكذلك كان أمرهم مع رسائل النور إذِ اقتطعوا منها جُمَلًا، وتركوا ما يتمِّمها ويبيِّن نتيجتَها، وسيُشاهَد في لائحة دفاعي التي سأقدِّمها - إن قورنتْ بلائحة الادعاء - ثلاثون أو أربعون مثالًا على هذا، وسأبيِّن واقعةً لطيفةً من هذه الأمثلة:
فقد صَدَرَ من مقام الادعاء في محكمة "أسكي شَهِر" - نتيجةَ سهوٍ ما - عبارةٌ تقول عن دروس رسائل النور الإيمانية: إنها تُفسِد الناس، ثم تَراجَعَ مقام الادعاء عن هذه العبارة؛ وبعد مضيِّ سنةٍ على هذه الحادثة تحدَّث أحدُ تلاميذ رسائل النور - واسمه عبد الرزاق - إلى الشخص الذي صدرتْ منه تلك العبارة فقال له: أيها الشقي!! إنك تتطاول على إرشاداتِ رسائلِ النور التي هي مَظهَرُ تقديرٍ بإشاراتِ ثلاثٍ وثلاثين آية قرآنية، والتي تحقَّقتْ قيمتُها الدينية بإخبارٍ غيبيٍّ لثلاثِ كراماتٍ من كرامات سيدنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه، وبإخبارٍ قويٍّ للغوث الشيخ عبد القادر الگيلاني قُدِّس سرُّه، والتي لم تُلحِق بالبلاد ولا بالعباد أيَّ ضررٍ طَوالَ هذه السنوات العشرين، بل أرشدت الآلاف من أبناء البلد وعلَّمتْهم، وقَوَّتْ إيمانَهم، وقوَّمَتْ أخلاقهم، فتقول عنها: إنها تُفسِد!! ألا تخشى اللّٰه؟! قطع اللّٰه لسانَك.
فعَمَد مقامُ الادعاء في هذه المحكمة إلى كلام هذا التلميذ المُحِقِّ الذي ردَّ به على الشخص القائل: "إن سعيدًا ينشر الفساد فيما حوله" فاقتطع هذه العبارة واكتفى بها!! وأنا أُحيل هذا العمل على إنصافكم وضميركم.
ثم إن مقام الادعاء أراد الطعن في دروس رسائل النور ذات البُعد الاجتماعي فقال: "إن محلَّ الدين ومقامَه الضمير والوجدان، ولا ارتباط له بالحكم والقانون،
— 459 —
بل إنه حين ارتبط بهما في السابق حصلت اضطرابات اجتماعية"، وأنا أقول: إن الدين ليس مجرَّد الإيمان وحدَه، بل العملُ الصالح هو جزؤه الآخَر، فهل تظنون أنه يكفي الخوفُ من السجن أو التوجُّسُ من مُخبري الحكومة لردعِ مرتكبي الموبقات التي تسمِّم الحياة الاجتماعية من قتلٍ وزنًى وسرقةٍ وخمرٍ وقمار؟! إن كان الأمر كذلك فيلزم إذًا تعيينُ شرطيٍّ ومُخبرٍ في كلِّ بيتٍ بل إلى جانب كلِّ شخص ليحجزوا الغُواةَ عن الموبقات؛ ومن هنا فإن رسائل النور تقيمُ مع كلِّ شخصٍ في كلِّ وقتٍ رقيبًا معنويًّا من جهة الإيمان ومن جهة العمل الصالح، يذكِّره بسجن جهنم وبالغضب الإلٰهي فيَقِيْه السيئات بسهولة.
ثم إن مقام الادِّعاء وجد تواقيعَ على توافقاتِ رسالةٍ لطيفةٍ ذاتٍ كرامةٍ بديعةٍ، فزعم أن هؤلاء الموقِّعين هم أفرادُ جمعيةٍ أو تنظيم!! أفرأيتم التواقيع الموجودة في دفاتر الباعة.. أتعني وجود جمعيةٍ كذلك؟!
ولقد وقع شيءٌ من هذا القبيل في محكمة "أسكي شَهِر"، فلما أجبتُهم عن ذلك وأظهرتُ لهم "رسالةَ المعجزات الأحمدية" عَجِبوا من الأمر؛ فلو كان ما بيننا تنظيمًا دنيويًّا لانفضَّ عني مَن تضرَّروا بسببي، ولَسادت بيني وبينهم القطيعة والبغضاء بلا شك؛ إذًا فكما أن لي أنا ومَن معي صلةً بالإمام الغزالي لا تنقطع، لأنها صلةٌ أخرويةٌ لا تتوجه إلى الدنيا، فكذلك هي حال هؤلاء المتديِّنين الأتقياء الأنقياء الخُلَّص، فقد أبرموا صلةً وثيقةً بمسكينٍ مثلي لأجل دروس الإيمان لا غير، وهذا هو منشأ الوهم المزعوم حول وجود تنظيمٍ سياسي.
أختم قولي بی حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
الموقوف في الحبس المنفرد
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 460 —
هذا القِسْم بالغُ الأهمية
باسمه سبحانه
مقطعٌ مهمٌّ من الكلمة الأخيرة
السيد رئيسَ المحكمة.. أيها السادة.. كونوا على حذر.. فإن إدانةَ رسائل النور وتلاميذِها هو بمثابة إدانةِ الحقيقة القرآنية والحقائق الإيمانية خدمةً لمصلحةِ الكفر المطلق لا غير، وهو بالتالي محاولةٌ لإغلاق الجادة الكبرى المُقامة منذ ألفٍ وثلاثمئةِ سنة، والتي يسير عليها في كل قرنٍ ثلاثمئة مليون مسلم، تلك الجادة المؤدِّية إلى الحقيقة وإلى سعادة الدارَين لثلاثمئة مليار مسلم.. إنه عملٌ يستجلِب عليكم نقمةَ هؤلاء واعتراضَهم عليكم، لأن السالكين في هذه الجادة يدعو خَلَفُهم لسَلَفِهم ويعينونهم بحسناتهم وأدعيتهم، فضلًا عن أن عملَكم هذا سيجلِب الويلات لهذا الوطن المبارك.
فيا تُرى ماذا سيكون جوابكم إن سُئلتُم في المحكمة الكبرى أمام هؤلاء الثلاثمئة مليار مدَّعٍ: لماذا لم تتعرضوا لكتاب الدكتور "دوزي" المسمَّى: "تاريخ الإسلام"، وهو من أوَّلِه إلى آخره هجومٌ سافرٌ على دينكم وإسلامكم ووطنكم؟! ولماذا سمحتم بقراءة مؤلَّفات الزنادقة في مكتباتكم؟! ولماذا لم تتعرضوا لتلاميذها مع أنهم يشكِّلون جمعيةً بمقتضى قوانينكم؟! بل لماذا لم تتعرضوا حتى للجمعيات والتنظيمات التي تعارض سياساتكم كالتنظيمات الإلحادية والشيوعية والثورية الفوضوية والمنظمات العريقة في الإفساد والتخريب؟! ثم لماذا تعرَّضتم لأشخاصٍ لا علاقة لهم بشيءٍ من السياسة، يقرؤون مؤلَّفاتٍ تُعنى بالحق والحقيقة كرسائل النور التي هي مجرَّد تفسيرٍ لحقائق القرآن، يقرؤونها ليسيروا على جادة الإيمان والقرآن الكبرى، ولينقذوا أنفسَهم وإخوانَهم في الوطن من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي؟! ولماذا أطلقتم على الأخوَّة والصحبة الأخروية القائمة بين هؤلاء المتديِّنين الخُلَّص وصفَ التنظيم مع أنهم لا صلة لهم بأيِّ تنظيمٍ سياسي؟! ولماذا حكمتم بإدانتهم وأصررتم على إدانتهم بقانونٍ عجيبٍ غريب؟! ونحن كذلك نسألكم السؤالَ نفسَه.
— 461 —
إن خصومَنا من الزنادقة والمنافقين الذين ضلَّلوكم وضلَّلوا العدالة، وأشغلوا الحكومة بنا على نحوٍ يُلحِق الضرر بالبلاد والعباد، إنما يفعلون ما يفعلون من خلال إطلاقهم على الاستبداد المطلَق اسم "الجمهورية"، وتمريرهم الارتداد المطلَق عن الدين تحت اسم "نظام الحكم"، وتسميتهم التحلُّلَ والرذيلةَ: "مدنيةً"، والأوامرَ المزاجيَّةَ التعسفيَّةَ الكُفريَّةَ: "قانونًا"، وبذلك يضللونكم ويشغلون الحكومة ويُنزلون بنا النكبات والمِحَن، فيوجهون ضرباتهم للوطن والشعب وحاكميةِ الإسلام خدمةً للمصالح الأجنبية.
أيها السادة.. إن وقوع أربع زلازل مروِّعةٍ في أربع سنواتٍ متزامنةً تمامًا مع تعرُّض تلاميذ رسائل النور للظلم والاضطهاد، وتوقُّفَ الزلازل مع توقُّف الهجوم عليهم، إنما يشير إلى أنكم أنتم المسؤولون عن البلايا والمصائب السماوية والأرضية التي ستنجُم عن قرار الإدانة الذي ستصدرونه بحقنا الآن.
الموقوف في السجن الانفرادي والتجريد المطلق بسجن دَنِزْلي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
جزءٌ من الكلمة الأخيرة
أيها السادة.. خطر بقلبي خاطرٌ حين كنتُ مستغرقًا في استغرابٍ وحيرةٍ شديدين من إصراركم على تهمة التنظيم.. وهي تهمةٌ فنَّدناها بردٍّ قطعيٍّ صدَّقتْه هيئةُ الخبراء بأنقرة بالإجماع، بينما تُصِرُّون على سَوقِها ضدَّنا لتكون ذريعةً لإدانتنا المدبَّرة مسايرةً لمقام الادِّعاء.. أسرد لكم هذا الخاطر وأنا في وضعٍ لا يتيح لي معرفة أوضاع الحياة الاجتماعية الحالية، فأقول:
— 462 —
إن الصداقة، والجماعة المتآخية، والاجتماعات الأَخَوية، والتجمُّع والتآخي الأخرويَّ الخالص، هي حجرُ أساسٍ في الحياة الاجتماعية، وحاجةٌ ضروريةٌ في الفطرة البشرية، ورابطةٌ من أهمِّ الروابط وأقواها في حياة الناس، بدءًا من الأسرة والقبيلة وصولًا إلى الشعب وعالَم الإسلام وعالَم الإنسان، ونقطةُ استنادٍ لكل إنسانٍ في مواجهة الموانع المادية والمعنوية التي تُعيقُه عن القيام بوظائفه الإنسانية والإسلامية، ومَبعثُ سُلْوانٍ له في مواجهة ما يضرُّه ولا يقدر على ردِّه.
وما دامت هذه الصداقة والجماعةُ والاجتماعات نزيهةً عن الأغراض السياسية، لا سيما ما يقوم به تلاميذ النور من اجتماعاتٍ على دروس الإيمان الجديرة بكلِّ تقديرٍ واستحسان، وهي اجتماعاتٌ تنطوي على أُخوةٍ في طريق الحقيقة، وتساندٍ في مواجهةٍ ما يضر الوطن والشعب، وصداقةٍ خالصةٍ في درس الإيمان والقرآن تكون وسيلةً قطعيةً لسعادة الدين والدنيا والآخرة، فلا شك أن مَن يطلق عليها وصفَ "التنظيم السياسي" هو إما مغفَّلٌ مخدوعٌ غايةَ الخديعة؛ وإما فوضويٌّ شريرٌ يعادي الإنسانية بهمجيَّة، ويناوئ الإسلام باستبدادٍ وتسلُّط، ويخاصم الحياة الاجتماعية بأحطِّ وأفسدِ ما في الفوضوية الهدَّامة، ويحارب الوطنَ والشعبَ وحاكميةَ الإسلام والمقدساتِ الدينية بارتدادٍ وتمرُّدٍ وعِناد؛ وإما شيطانٌ زنديقٌ يعمَل على إفساد هذا الشعب وقطع شريان حياته خدمةً للأجنبي؛ فيستغفل الحكومة ويضلِّل العدالة بغيةَ أن يصِل إلى سلاحِنا المعنوي الذي ما زلنا نستعمله ضد أولئك الشياطين والفراعنة والفوضويين، ليوجِّهَه إلى وطننا وإخواننا أو يُحطِّمه.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
أيها السادة.. اسمحوا لي أن أتحدث أمامكم بحديثٍ هو في الظاهر حديثٌ معكم، لكنه في الحقيقة خطابٌ أَرُدُّ به على منظَّمةِ إفسادٍ سريةٍ تَتَّخذ أشكالًا مختلفة، وتهاجم حقيقةَ القرآن وحقائقَ الإيمان بشتَّى الوسائل منذ ثلاثين أو أربعين سنة، بغيةَ إفساد الشعب وتمزيق الوطن خدمةً لمصالح الأجنبي والكفر والإلحاد؛ كما أخاطب
— 463 —
به المسؤولين المتحاملين ذوي التفكير السطحي، والجهاتِ التي ضلَّلتْ هذه المحكمة وروَّجتْ لهذه المنظَّمة بلَبوسٍ إسلامي.
(أُلغِي هذا الحديث الخطير مع صدور قرار البراءة في اليوم التالي)
الموقوف في السجن الانفرادي والتجريد المطلق
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭