السيرة الذاتية
— 437 —

القسم الخامس

حياته في دَنِزْلي
كانت دائرة انتشار رسائل النور تتسع وتتوالى فتوحاتها باطِّراد، ويزداد قُرَّاؤها المتعطشون يومًا بعد يوم؛ وحين شاهد أعداء الإسلام العاملون في الخفاء نتائجَ ما تنطوي عليه هذه الرسائل من قوةٍ عجيبةٍ وتأثيرٍ نَفَّاذٍ شرعوا بالتآمر عليها وعلى مؤلِّفها من جديد، فوُجِّهتْ ضدَّه مجموعةٌ من الاتهامات الملفَّقة، ونُسِب إليه القيام بعددٍ من المخطَّطات المُغرِضة، منها: أن بديع الزمان يؤسِّس منظمةً سِرِّيَّة، ويحرِّض الناس على الحكومة، ويُقوِّض منجزات الثورة من أساسها، ويقول عن مصطفى كمال: إنه دجَّالٌ سفيانيٌّ هدَّامٌ للدين، ويُثبِتُ ذلك بنصوصٍ من الأحاديث.
وبناءً على هذا نُقِل الأستاذ من "قسطموني"،وأحيل مع مئةٌ وستةٌ وعشرون من طلابه إلى محكمةِ جناياتِ "دَنِزْلي"، وكان ذلك في العام ١٩٤٣م.
(حاشية): لم يكن من سببٍ للزَّجِّ في سجن "دَنِزْلي" سوى انتشار رسائل النور في سائر المحافظات انطلاقًا من مركَزَيها في "إسبارطة" و"قسطموني"، وما تَرتَّبَ على هذا الانتشار من إقبالٍ على الدين متزايدٍ بشكلٍ مطَّرد؛ حتى إن رسالة الآية الكبرى - وهي الشعاع السابع - كانت قد طُبِعتْ في إسطنبول قُبَيل حادثة "دَنِزْلي" بقليل، فأثارت مخاوفَ الملاحدة بما أثبتتْه وأوضحتْه من حقائق الإيمان بأسلوبٍ رائع، فقُدِّمتْ كأحد الأسباب الموجِبة للحكم بالسجن.
— 438 —
كما شُكِّلتْ لجنةٌ من بضعةِ موظَّفين دُعِيَتْ لجنةَ الخبراء كانتْ مُهمَّتُها النظر في رسائل النور ومراسلات الأستاذ المصادَرة، والتدقيق فيما إذا كانت تحتوي على مواضيع سياسية؛ وما إن باشرت اللجنة عملَها حتى أعلن بديع الزمان قائلًا: "لا يمكن للجنةِ الخبراء هذه التي ليس لها من اسمها نصيب أن تدقِّق في رسائل النور.. فلْتُشكَّل لجنةُ خبراء علميةٌ رفيعةُ المستوى في أنقرة، ولْيُؤتَ بالفلاسفة من أوروبا، فإن وجدوا فيها جُرمًا رضيتُ بأشدِّ العقوبات".
وبناءً على طلبه هذا أُحيلتْ كُلِّيَّاتُ رسائل النور ومراسلات الأستاذ على لجنة خبراء مؤلَّفةٍ من كبار العلماء وأساتذة الجامعة في أنقرة، فدقَّقوها سطرًا سطرًا، ثم أصدروا تقريرهم الذي ينُصُّ على أنه "ليس لبديع الزمان نشاطٌ سياسي، ولا وجود لما يسمى الطريقة الصوفية أو المنظمة في مسلكه، وأنَّ مؤلفاتِه عبارةٌ عن كتبٍ علميةٍ وإيمانية، وهي مجرَّد تفسيرٍ للقرآن"؛ وتَبيَّن أن الاتهامات المقدَّمة إلى المحكمة لم تكن سوى أمورٍ مدبَّرةٍ وذرائع ملفَّقة لا تقوم على سندٍ ولا دليل؛ وأنه لا يمكن إثبات تهمة "ادِّعاء بديع الزمان أنه المهدي"، بل لقد تأكد لديهم عكس هذا الأمر من خلال الرسائل التي وجدوها أثناء التفتيش، والتي تُفيد أن بديع الزمان لا يدَّعي أيَّ مقام معنوي، بل يصف نفسه بأنه لا شيء، ولا يرتضي ما يُطلِقهُ عليه البعضُ من الرُّتب والمقامات المعنوية، وأنه غضب كثيرًا حينما تلقَّى الرسائل التي كتبها السّادةُ العُلماءُ حولَ كونِه المَهديَّ، ورفض هذا الأمر بشدّة، وكسر بذلك خواطِرَهم.
وفي النتيجة أدلى بديع الزمان بدفاعٍ باهر، وأصدرت المحكمةُ أخيرًا قرار البراءة بالإجماع رقم ١٣٦/١٩٩ بتاريخ ١٦/٦/١٩٤٤م، وقضت برفع الحظر عن رسائل النور بأجزائها المئة والثلاثين، وبردِّ جميع النُّسَخ المُصادَرة إلى أصحابها، وصدَّقتْ دائرةُ التمييز الجزائيةُ الأولى قرار البراءة بالإجماع بتاريخ ٣٠/١٢/١٩٤٤م، واكتسبتْ حقَّانيةُ دعوى رسائل النور صفةَ القضية المُبرَمة.
وبناءً على قرار البراءة هذا أُطلِق سراح بديع الزمان وعددٍ من طلابه بعد أن لَبِثوا في السجن تسعة أشهر، على أن الأستاذ النُّورْسِيّ كان قد سُمِّم أثناء سجنه حتى شارف
— 439 —
على الموت لولا أن العناية الإلٰهية أنقذتْه، ولقي في سجنه من الظلم والإيذاء ما لم يَلْقَه أحدٌ قبلَه، لكن لم يكن ذلك ليثنيَه عن الصَّدع بالحق والحقيقة دون خوفٍ ولا وَجَل، ولا رهبةٍ من الأجل، حتى في هذه المحكمة التي سيقَ إليها تمهيدًا لإعدامه، وقد كان هذا شأنه في جميع المحاكم التي أُحيلَ عليها بتدبيرٍ من المنافقين الملحدين العاملين في الخفاء.
وفي سجن "دَنِزْلي" ألَّف الأستاذ "رسالة الثمرة" التي نُشِرتْ لاحقًا في مستهلِّ مجموعةِ "عصا موسى"، وكان قد ألَّفها في يومَي جمعة، ونسخَها طلابُ النور المسجونين معه وغيرُهم من المساجين، وأقبلوا على العمل بحقائقها، وكان ذلك في ظروفٍ شديدة الوطأة حيث كان من الممنوع إدخال الورق إلى السجن، فكانت تُكتَب سِرًّا حتى لقد كُتِبَتْ على عُلَب الكبريت.
(حاشية): تتألَّف "رسالة الثمرة" من عشر مسائل، وقد أدرجنا في نهاية هذا القسم المسألتَين السادسة والسابعة منها كنماذج.
٭ ٭ ٭