السيرة الذاتية
— 519 —

بعضٌ من الرسائل المتبادلة بين الأستاذ وطلابه أثناء إقامته بأميرداغ

إخواني في "أميرداغ"..
قولوا لمن تساورهم الهواجس والظنون تجاهي: إن هذا الرجل الذي نقوم على خدمته قد حصلت الحكومة بعد تفتيشٍ دقيق على جميع كتبه وأسراره ومراسلاته الخاصة وغير الخاصة الممتدة على مدى عشرين عامًا، ودققتْ فيها الجهاتُ القضائيةُ في كلٍّ من "إسبارطة" و"دَنِزْلي" وأنقرة طَوالَ تسعة أشهرٍ، فلم تجد في كتبه وأوراقه التي ملأتْ خمسة صناديق مادةً واحدةً تستوجب عقوبتَه أو عقوبةَ أحدٍ من طلابه ولو بسجنِ يومٍ واحد، فصدر قرار براءته عن كلٍّ من محكمةِ "دَنِزْلي" ولجنةِ الخبراء بأنقرة.
ثم إن هذا الرجل الذي نتولى رعاية شؤونه الضرورية احترامًا لشيخوخته، قد ادعى أمام المحكمة وأشهَدَ على دعواه جميعَ مَن حضر المحكمة من أصحابه فصدَّقوه بأنه ما قرأ صحيفةً منذ عشرين سنةً، ولا طالع كتابًا سياسيًّا، ولا استفسر عن شيءٍ من ذلك ولا تحدَّث به؛ وأنه منذ عشر سنين لا يعرف أحدًا من رجال الدولة وكبار المسؤولين سوى رئيسَي حكومةٍ ووالي مدينةٍ ونائبٍ في البرلمان، وليس لديه فضولٌ لمعرفتهم.
وأنه لم يَسأل منذ ثلاث سنين عن الحرب العالمية الثانية، ولم يعلم عنها شيئًا، ولا اهتم بأمرها، ولا استمع إلى مذياع.
وأن مؤلَّفاته المنتشرةَ البالغةَ مئةً وثلاثين مؤلَّفًا قد قرأها بتمعنٍ مئةُ ألفٍ من الناس على مدى عشرين سنة، ومع هذا لم ترَ الحكومة منها ما يُخِلُّ بإدارة البلاد أو يضرُّ بالأمن والاستقرار والوطن والشعب.
وأن هذه المؤلفات قد وقعت بأيدي الجهات الأمنية والمفتشين في خمس ولايات، وأُحيلَت على أربعِ محاكم جنائيةٍ في أربع ولاياتٍ من بينها العاصمة، فلم تعثر فيها جميعُ هذه الجهات على أدنى جُرمٍ، مما اضطرها إلى رفع الحظر عنها، وإطلاق سراحه هو وطلابه.
— 520 —
فلو كان لهذا الرجل رغبةٌ في الدنيا أو ميلٌ إلى السياسة أفما كانت تَظهَر منه بوادرُ وأماراتٌ تدلُّ على ذلك؟! والحال أنهم لم يستطيعوا أن يعثروا في محاكمته على شيءٍ من هذا القبيل، مما دفع مدعيًا عامًّا معاندًا إلى استعمال تعبير إمكان الوقوع بدلًا من التعبير عن الوقوع ذاته، فكرَّر في لائحة ادعائه قولَه بحقي: "يمكن أن يفعل كذا"، ولم يقل: "قد فَعَل كذا"؛ وأين هذه من تلك؟! حتى إن سعيدًا قال له أثناء المحكمة: يمكن لكلِّ شخصٍ أن يَقتُل، إذًا ينبغي بناءً على ادعائك هذا أن يُحال كلُّ شخصٍ - حتى أنت - إلى المحكمة!!
والحاصل: إما أن هذا الرجل مجنونٌ جنونًا مُطْبِقًا لدرجة أنه لا يكترث لشيءٍ من أوضاع العالَم المروِّعة، وإما أنه لا يتنزَّل لشيءٍ ولا يولي أهميةً لشيءٍ كَيما يعمل بإخلاصٍ لتحقيقِ أعظم سعادةٍ لهذا الوطن وأبنائه؛ وما دام الأمر كذلك فإن مضايقته والتشديد عليه ليس إلا خيانةً للوطن والشعب والأمن والاستقرار، وليست هذه الهواجس والمخاوف تجاهه سوى جنون.
٭ ٭ ٭