— 311 —
القسم الرابع
حياته في قَسْطَموني
بعد أن خرج بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ من سجن "أسكي شَهِر"، نُفي إلى مدينة "قسطموني" حيث احتُجِز مدةً طويلةً في مخفرٍ للشرطة، ثم وُضِع تحت الإقامة الجبرية الدائمة في منزلٍ يقع مقابلَ ذلك المخفر تمامًا.
في اليسار المنزل الذي وضِع فيه الأستاذ النُّورْسِيّ تحت الإقامة الجبرية ورقابة المخفر الصارمة مدة ثماني سنوات، ويظهر إلى اليمين مخفر الشرطة المذكور.
— 312 —
ومع أنه أُكره على أن يقضي هناك ثماني سنوات منفيًّا تحت رقابةٍ صارمة واستبدادٍ شديد الوطأة، إلا أنه لم يقف مكتوف اليدين، بل تابع نشر الأنوار القرآنية خُفيةً، فنشأ طلابٌ يتَّقدون نشاطًا وفداءً لا سيما في منطقة "إينه بولو"، شرعوا يعملون بحماسٍ كطلبةِ "إسبارطة" في كتابة رسائل النور ونشرها في النواحي والأطراف سِرًّا، حتى أخذت تلقى إقبالًا كبيرًا في منطقة البحر الأسود.
ورغم طول مدةِ النفي التي قضاها الأستاذ في "قسطموني"، إلا أنه لم ينقطع عن طلابه في "إسبارطة"، فقد كان يعلم بإلهامٍ ربَّانيٍّ أن هذه المدينة ستُخرِّج القسم الأعظم من الرجال المُضحِّين المتفانين والناشرين الذين سيتولَّون مهمةَ الإعلان عن رسائل النور ونشرها في أنحاء العالم، أو أن هذه المهمة ستؤدى من خلال الخدمة الجليلة القائمة في مركز "إسبارطة".
وكان تلاميذ رسائل النور شديدي الاهتمام بأحوال أستاذهم الحبيب المشفق، شديدي الحرص على راحته، توَّاقين على الدوام لمعرفة أخباره وأخبار خدمات رسائل النور التي يقوم بها إخوانهم النوريُّون.
وقد جَرَت بين بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ وبين طلاب النور مراسلاتٌ كثيرةٌ خلال سبعٍ وعشرين سنةً، فكان يكتب إليهم بعض رسائل تتعلق بالخدمة الإيمانية، وتتناول موضوعاتٍ علميةً وإيمانيةً وإسلاميةً، وكانوا يتلقونها ببالغ الشوق، وينشرونها كتابةً بخط اليد.
وحين بلغت تضييقات أعداء الدين من الشدة درجةَ المنع من إرسال رسائل النور ومراسلات الأستاذ عبر مكاتب البريد، تولى طلاب النور مهمة نقل تلك الرسائل والمراسلات بين القرى والمدن والولايات، حتى لقد أنشؤوا فيما بينهم "سُعاة بريد النور" الذين تطوعوا من صميم قلوبهم وأرواحهم لهذا الأمر، وآمنوا بأن هذه الخدمة هي أقدس وظيفةٍ لهم.
إن هذه المراسلات الرائعة ذاتَ الحقائق البالغة والأهمية الفائقة، والتي سُمِّيت: "ملاحق رسائل النور"، قد لبَّتْ حاجاتٍ روحيةً كثيرةً لطلاب النور، وأصبحت بمثابة
— 313 —
المرشد والدليل لهم في خدمة الإيمان والقرآن، كما كان لها الأثر البارز في تشكيل اليقظة والوعي لديهم، وعدم الانخداع بما يبثُّه أعداء الإسلام من حملاتٍ كاذبةٍ ملفَّقة.
لقد سيطر في تلك الحقبة السوداء الحالكة حُكمٌ خدّاعٌ مُبَهْرجٌ يعادي الدين ويحاربه، فوقع الكثيرون فريسةَ اليأس والقنوط، وجاءت هذه الرسائل والمكاتبات فبثَّت السرورَ والانشراح في القلوب، ورسَّخت فيها عِشقَ العمل الجادِّ في خدمة الإيمان، وأنقذت المؤمنين من اليأس، وحملت إليهم البشائر بما سيشهده المستقبل من انتصاراتٍ مجيدةٍ للإسلام من خلال رسائل النور.
أجل، إن هذه الرسائل التي ضمَّتها "الملاحق" ملأى بالحقائق التي تجذب الأرواح وتشرح القلوب وتوجِّه العقول، وسنُدرِج بعضًا منها فيما يأتي، ونُقدِّم المعلومات المتعلقة بحياة الأستاذ في "قسطموني" من خلال مقتطفاتٍ من بعض رسائله التي كتبها هناك، كما نُورِد بعضَ رسائل طلاب النور الأوفياء الخُلَّص هناك أيضُا.
وتَبلغ الرسائل الآتية خمسًا أو عشر رسائل، بعث بها الأستاذ من "قسطموني" إلى طلابه في "إسبارطة"، وقد اقتبسناها من "ملحق قسطموني" الذي يزيد على خمسمئة صفحة؛ وفيها يوضِّح الأستاذ لطلابه أهمية كتابة رسائل النور بخط اليد ونشرها، ويُرسي القواعد ويُحكِم الأساسات لخدمة الرسائل وتبليغها، ويبين أن خدمات طلاب النور التي تُرى اليوم خدماتٍ جزئيةً هي في الحقيقة أعظم قضيةٍ في العالَم، ويبشرهم بأن هذه البلاد ستشهد فتوحاتٍ معنويةً واسعةً بنور رسائل النور.
٭ ٭ ٭
— 314 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. مثلما يشعر أكثر التلاميذ القائمين على خدمة رسائل النور بنوعٍ من الكرامة والإكرام الإلٰهي، يشعر أخوكم العاجز هذا بالكثير من أنواعها وأصنافها لشدةِ احتياجه.
وإن مَن حولَنا من تلاميذ الرسائل في هذه الأيام يعترفون مُقسمين باللّٰه تعالى قائلين: "كلما عملنا في خدمة النور وجدنا سعةً في العيش، وانشراحًا في القلب، وفرحًا باديًا لا يَخفى".
وأنا أجد مثل ذلك أيضًا، حتى إن نفسي وشيطاني سكتا حائرَين إزاء هذه البداهة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
تنبيهٌ مهمٌّ لإخواني في الآخرة، وهو مادتان:
الأولى: إن أهم وظيفةٍ للمنتسب إلى رسائل النور: كتابتُها، واستكتابُها، والمساعدةُ على انتشارها، فمن كان لها كاتبًا أو مستكتبًا أو قارئًا نال وصف "طالب رسائل النور"، وكان له سهمٌ من مغانمي المعنوية ودعواتي الخيِّرة التي أدعو بها كلَّ يومٍ مئةَ مرة أو أكثر، كما يكون له سهمٌ من دعواتِ ومغانمِ الآلاف من إخواني الأعزاء وطلاب رسائل النور الداعين مثلي.
ثم إنه يمكن أن يُحصِّل من كتابتها فوائدَ جمة، إذْ تشتمل كتابتُها على أربعةِ أنواعٍ من العبادات المقبولة من أربعةِ أوجه، فمنها: أنه يُقوِّي إيمانه، ويساهم في إنقاذ إيمان الآخرين من الخطر، وينال ويُنيل التفكُّرَ الإيماني الذي يَعدِل عبادةَ سنةٍ كما ورَدَ في الأثر، فضلًا عن أنه يساعد أستاذَه الذي يعاني أوضاعًا صعبة ولا يُحسِن الخط، فيشاركه في حسناته؛ وسوى ذلك من الفوائد.
— 315 —
وإنني أؤكد مُقسِمًا أن مَن يستنسخ رسالةً صغيرةً يُخاطِب بمضمونها نفسَه، فهو بمثابةِ من يُهدي إليَّ هديةً كبيرة، بل إن كلَّ صفحةٍ منها تُدخل عليَّ السرور كما لو أُهدِيَتْ إليَّ أوقيةٌ من السُّكَّر.
المادة الثانية: إن أعداء رسائل النور من الجن والإنس - وهم أعداء لا إيمان لهم ولا أمان - لمَّا عجزوا عن مجابهة قلاعها المتينة كالفولاذ، أو حُجَجها القاطعة كسيوف الألماس، راحوا يشنون هجومًا شيطانيًّا على كتَّابها، ويُنزِلون بهم الضربات بوسائل وحِيَلٍ خفيَّةٍ من حيث لا يشعرون، ليثبطوا عزيمتهم، ويفتِّروا همتهم، ويصرفوهم عن كتابة الرسائل، لا سيما هنا، حيث الحاجة ماسّة، والكُتَّاب قِلَّة، والأعداء متيقظون، ولما كان بعض الطلبة لا يستطيعون المقاومة فقد حَرموا هذا البلدَ من الأنوار بشكلٍ أو بآخَر.
فمن أراد لقائي ومجالستي في مشرب الحقيقة فلْيفتح أيَّة رسالة، وعندئذٍ لا يلتقي بي، بل يلتقي بأستاذه خادمِ القرآن، فينهَل دروسَ الحقائق الإيمانية ذوقًا.
.......
بينما كانت رسالة "صبري" في طريقها إليَّ، وكنت بتأثيرها المعنوي أتأمل في هذه الآيات وفي آية أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ، وما فيها من الإشارات القرآنية القوية إلى رسائل النور؛ والبِشارات القرآنية المهمة المتعلقة بتلاميذها؛ ومن كونها مَظهرًا لعناية الأقطاب؛ لدرجة أنها نالت من الاستحسان والتقدير القدسيَّين ما لم ينَلْه مؤلَّف، إذْ وَرَدَ على خاطري فجأةً أن الحكمة والسر من وراء هذه الإشارات والبشارات والعنايات إنما هو عَظَمة المُصاب وهولُه.
نعم، فأهمية الرسائل لا تكمن في عَظَمتها الفائقة، بل في جهادِها وتصدِّيها لهذه المصيبة بتخريباتها وأهوالها غير المسبوقة، وقد نالتْ أهميةً عظمى برغم قلة هذا الجهاد، بحيث تحمل هذه الآيات إشارةً وبشارةً قرآنيتَين للداخلين إلى دائرة رسائل النور بأنهم سينقذون إيمانهم الذي يتهدده الخطر، فيدخلون به القبر ليمضوا به إلى الجنة.
— 316 —
أجل، قد يرتقي جنديٌّ عاديٌّ بخدمةٍ أدَّاها إلى ما فوق مرتبة المشير، فينال قيمةً بآلاف الدرجات.
٭ ٭ ٭
إن أكثر حِكَم التكرار الذي في القرآن المبيَّنة في آخر "الكلمة التاسعة عشرة" جاريةٌ كذلك في رسائل النور، لا سيما الحكمة الثانية منها، فهي موجودة بتمامها في الرسائل، وفحواها أن كل إنسان محتاجٌ إلى القرآن في كل آن، لكن ليس بمقدور كل إنسان أن يقرأ جميع القرآن في كل آن، وإنما بمقدوره قراءة سورةٍ منه في الغالب، فلهذا أُدرِجت أهم المقاصد القرآنية في معظم السور الطويلة، فأصبحت كل سورةٍ بحكمِ قرآنٍ مصغر.
وعليه فقد كُرِّرَتْ بعض المقاصد، كالحشر والتوحيد وقصة موسى عليه السلام، لكيلا يُحرَم منها أحد؛ ولأجل هذه الحكمة نفسها تكررت الحقائق الإيمانية الدقيقة وحُجَجُها القوية في العديد من الرسائل، بغير علمي أحيانًا، وبغير رضاي واختياري، وكثيرًا ما كنت أحارُ في الأمر وأتساءل: لماذا أُنسيتُها؟ ثم علمتُ فيما بعدُ بصورةٍ قطعيةٍ أن كل شخصٍ في هذا الزمان محتاجٌ إلى رسائل النور، غير أنه ليس بمقدوره الحصول عليها جميعًا، وحتى إن حصل عليها فليس بمقدوره قراءةُ جميعها، وإنما يمكنه الحصول على رسالةٍ صغيرةٍ جامعةٍ صارتْ بحكم مجموعةِ رسائلِ نورٍ مصغرة، فيمكنه أن يقرأ منها المسائل التي يحتاجها في أكثر الأوقات، وكما تتكرر حاجته في كل وقت إلى الغِذاء مثلًا تتكرر مطالعته أيضًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
لما كانت الشفقة الإنسانية جَلوةً من جلوات الرحمة الربانية، لم يكن لها أن تتجاوز درجة هذه الرحمة، أو تتعدى مرتبةَ شفقةِ مَن أُرسِل رحمةً للعالمين (ص)، فإن تجاوزتْها أو تعدَّتْها لم تكن رحمةً ولا شفقةً بحال، بل تكون مرضًا روحيًّا وسُقمًا قلبيًّا يُفضيان إلى الضلالة والإلحاد.
— 317 —
فمثلًا: إنَّ تَحَرُّج شفقةِ المرء من أُمورٍ كإحراق الكفار والمنافقين في جهنم، والجنوحَ إلى تأويلها، إنما هو إنكارٌ وتكذيبٌ لقسمٍ عظيمٍ من القرآن والأديان السماوية، فضلًا عن أنه ظلمٌ عظيمٌ وقسوةٌ بالغة؛ ذلك أن الشفقة والحنو على الوحوش التي تُمزِّق الحيوانات البريئة قسوةٌ شديدةٌ على هذه الحيوانات المسكينة ووحشيةٌ وانعدامُ ضمير؛ وكذلك الأمر تجاه من يدمِّرون الحياة الأبدية لآلاف المسلمين، ويدفعون المئات من أهل الإيمان إلى الآثام المروعة وسوء العاقبة، فلا شك أن التعاطف بشفقةٍ مع أولئك والدعاء لهم بالنجاة من العقاب رحمةً بهم ليس إلا وحشيةً شنيعة وقسوةً مروِّعة بحق هؤلاء المظلومين من أهل الإيمان.
ولقد أثبتتْ رسائل النور بشكلٍ قطعيٍّ أن الكفر والضلالة إهانةٌ كبرى للكائنات، وظلمٌ عظيمٌ للموجودات، وسببٌ لرفع الرحمات ونزول الآفات؛ حتى لقد جاءت رواياتٌ صحيحة بأن الأسماك في أعماق البحار تشتكي من الظَّلَمة إذْ تَسبَّبوا بسلب راحتها؛ وعلى هذا، فإن الذي يتألم لعذاب الكافرين والمنافقين في الآخرة ويُشفق عليهم، لا يتألم في واقع الحال لمن هم أهلٌ للشفقة من أبرياء لا يُحصَون عددًا.
٭ ٭ ٭
إن رسائل النور تفي بالحاجات المتعلقة بالحقائق الإسلامية فلا تدع حاجةً إلى المؤلّفات الأخرى، ولقد تبيَّن بالتجارب الكثيرة القاطعة أن الطريق الأسهل والأقصر لإنقاذ الإيمان وتقويتِه وجعلِه إيمانًا تحقيقيًّا موجودٌ في رسائل النور؛ أجل، فهي تجتاز هذا الطريق في خمسة عشر أسبوعًا بدلًا من خمسَ عشْرةَ سنة، فتوصل المرء إلى الإيمان التحقيقي.
إن أخاكم الفقير هذا كان قبل عشرين سنةً كثيرَ المطالعة، حتى ربما طالع في اليوم الواحد مجلدًا كاملًا مع الفهم، وإني منذ نحو عشرين سنةً أصبحتُ يكفيني القرآن ورسائلُ النور الواردة منه، فما اقتنَيتُ سواها وما احتجتُ إلى غيرها.
ومع أن رسائل النور تتناول حقائق كثيرةً متنوعة، إلا أني منذ شرعتُ بتأليفها قبل عشرين سنة، لم أجد حاجةً للرجوع إلى كتاب، فلا جَرَمَ أن تكونوا أغنى مني بعشرين درجة عن مثل هذه الحاجة.
— 318 —
ثم إني قنِعتُ بكم وما زلت، فلا ألتفت إلى غيركم ولا أنشغل بسواكم، وما دام الأمر كذلك فيلزم أن تقنَعوا أنتم كذلك برسائل النور، بل هذا هو الألزم في هذا الزمان.
٭ ٭ ٭
الأساس الأول: بشَّرَ "سعيدٌ القديم" بظهور نورٍ في المستقبل، وذلك ردًّا على اليأس الذي خيَّم على أهل الإيمان؛ فقد شعر بحسٍ قبل الوقوع أن رسائل النور ستقوي وتنقذ إيمانَ الكثيرِ من أهل الإيمان في زمنٍ عصيبٍ في قادم الأيام، فنظر بهذا المنظار إلى ميادين السياسة التي أفرزها عهدُ الحرية، وسعى إلى تطبيق ما شعر به من غير أن يُعبِّره أو يُؤَوِّله، وظنَّ أن الأمر سيكون في مجال السياسة والقوة والكمية، فصَدَق فيما أحس، لكنه لم يُحسِن التعبير عنه.
الأساس الثاني: شعر "سعيدٌ القديم" كما شعر بعض السياسيين ونوابغُ الأدباء، بأن ثمة استبدادًا يلوح في الأفق، فأعَدُّوا العدة لمواجهته، ومع أن هذا الحس المُسبق كان بحاجةٍ إلى التعبير والتأويل، إلا أنهم وجدوا أمامهم استبدادًا صُوريًّا اسميًّا ضعيفًا، فراحوا يهاجمونه بغير تَبَيُّن؛ والحال أن الاستبداد الذي أفزعهم وأثار مخاوفهم كان سيأتي لاحقًا، ولم يكن ذاك الاستبدادُ الرسميُّ إلا ظلَّه الباهت، فهاجموه ظانين أنه هو الأصل، فكان المقصَد صحيحًا، وكان الهدف خطأً.
فهكذا، لقد أحسَّ "سعيدٌ القديم" بهذا الاستبداد الحالي الرهيب مِن قَبل، وله في بعض مؤلفاته ما يبين هجومَه عليه؛ وكان يرى في المشروطية المشروعة وسيلةَ نجاةٍ من ذلك الاستبداد الفظيع المروِّع، وكان يبذل مساعيه على أملِ أنْ تدفعَ الحريةُ الشرعيةُ هذه المصيبةَ المروعة من خلال الشورى في دائرة أحكام القرآن.
ثم إن حقيقة المدرسة الزهراء التي وردت في ختام "رسالة المناظرات"، والتي تُعَدُّ أساسَ هذه الرسالة وروضتَها، كانت أرضيةَ التحضير لمدرسة رسائل النور التي ستظهر في المستقبل، بحيث كان يُساق إليها بغير علمه ولا اختياره.
— 319 —
وكان يبحث بحسٍّ مسبقٍ عن هذه الحقيقة النورانية بصورتها المادية، فأخذت تظهر فيما بعد، إذ مَنَحَ السلطان رشاد رحمه اللّٰه مبلغَ تسع عشرةَ ألفَ ليرةٍ ذهبيةٍ لإنشاء المدرسة الزهراء في "وان"، ووُضِع حجر الأساس لها، إلا أن الحرب العالمية الأولى اندلعت، فتأخر إنجاز المشروع.
ثم ذهبتُ بعد نحو ست سنوات إلى أنقرة، وسعيتُ لأجل تلك الحقيقة من جديدٍ، فوافق مئةٌ وثلاثة وستون نائبًا من أصل مئتين على تخصيص مبلغ مئةٍ وخمسين ألف ليرةٍ لإنشاء مدرستنا هذه، ووقَّعوا على ذلك، إلا أن المدارس أُغلقت للأسف الشديد، وتأخر إنجاز تلك الحقيقة من جديد، لكن حمدًا للّٰه بما لا يُحَدّ أنْ تأسست الهوية المعنوية لهذه المدرسة بولاية "إسبارطة"، فأخرجتْ رسائلَ النور، وسيوفَّق تلاميذُ رسائل النور لتأسيس الشكل المادي لهذه الحقيقة العلمية في المستقبل إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
.......
كانت الخدمة الإيمانية القيّمة السامية التي يؤديها تلاميذ النور بی"إسبارطة" تورثهم القناعة بأنها تكفيهم، فقد أَدركت بصائرُ قلوبهم النفَّاذةُ حقيقةً مُفادها أن الخدمة من خلال رسائل النور تنقذ الإيمان، أما الطريقة والمشيخة فتُنِيل مراتبَ الولاية، وأن إنقاذ إيمانِ شخصٍ واحدٍ أهمُّ وأجزل ثوابًا من ترقية عشرة مؤمنين إلى درجة الولاية؛ لأن الإيمان يحقِّق للمؤمن سلطنةً باقيةً أعظم من الدنيا بما فيها، إذ يُنيله السعادة الأبدية، أما الولاية فإنما تُوَسِّع جنةَ المؤمن وتزيدها إشراقًا؛ ولا شك أن جَعْلَ شخصٍ ما سلطانًا هي خدمةٌ أجزلُ ثوابًا من جعلِ عشرة أشخاصٍ ولاةً؛ فهذا هو السر الدقيق الذي أبصرتْه قلوب إخوانك في "إسبارطة" وإن لم تره عقولُ بعضهم، ولهذا فضَّلوا صحبةَ مسكينٍ خطَّاءٍ مثلي على صحبة الأولياء، بل حتى على صحبة المجتهدين إن وُجدوا.
— 320 —
وبناءً على هذه الحقيقة، فإنه لو جاء إلى هذه المدينة قطبٌ أو غوثٌ أعظم، فقال لك: سأرفعك في عشرة أيامٍ إلى درجة الولاية، فتركتَ رسائل النور وتَبِعتَه، ما أمكنك أن تكون كأبطال "إسبارطة".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
محاورةٌ أُخطِرت لتعديل إفراطِ بعض إخواني من طلاب رسائل النور في حسن ظنهم بي بما يفوق حدي.
أسرد محاورةً جرتْ بيني وبين أخي الأكبر المُلَّا عبد اللّٰه رحمه اللّٰه قبل أربعين سنة:
كان أخي رحمه اللّٰه أحدَ خواصِّ مريدي الولي الكبير "الشيخ ضياء الدين" قدِّس سِّره، وأهلُ الطريقة لا يرون بأسًا إن حصل إفراطٌ في حب المرشد وحسنِ الظن به، ومن هذا المبدأ قال لي أخي مرةً: إن الشيخ ضياء الدين يعلم جميع العلوم، وله اطلاعٌ على كل شيءٍ في الكون كالقطب الأعظم.
ثم راح يبين لي مقاماتِه الخارقةَ بُغيةَ أن يربطني به، فقلتُ له: أنت تبالغ، فإني لو قابلته لاستطعت أن أُلزِمه الحجةَ في مسائل كثيرة؛ ثم إنك لا تحبه حبًّا حقيقيًّا كما أُحبه، فإنك تحب ضياء الدين الذي تتخيله في صورة قطبٍ أعظم يعلم ما في الكون، أي إن ارتباطك به ومحبتك له قائمان على هذا الأساس، فلو رُفِع الحجاب وبانتْ حقيقتُه لزالت محبَّتك أو تضاءلت إلى ربعِ ما كانت عليه.
أما أنا فأحب هذا الرجل المبارك حبًّا جمًّا كما تحبُّه، وأقدِّره، لأنه مرشدٌ خالص، ودليلٌ عظيمُ القدر والأثر لأهل الإيمان في دائرة السُّنة السَّنِيَّة ومسلك الحقيقة؛ فلو انكشف مقامُه الشخصي ما تراجعتُ أو تخلَّيتُ عن ارتباطي به، ولا نقَصَتْ محبتي له، بل لارتبطتُ به بمزيد من الاحترام والتقدير.
إذًا، فأنا أحبُّ ضياء الدين الحقيقي، وأنت تحب ضياء الدين الخيالي؛ فقَبِل أخي وجهةَ نظري وقدَّرها، إذْ كان عالمًا منصفًا مدقِّقًا.
— 321 —
فيا طلاب رسائل النور الأعزاء.. ويا إخواني الأوفرَ مني حظًّا والأعظمَ مني تضحية.. قد لا يضركم فرطُ حسنِ الظنِّ بشخصي، إلا أن أمثالكم من الأفاضل طالبي الحقيقة ينبغي أن ينظروا إلى الوظيفة والخدمة، فانظروا من هذه الزاوية، فإنه لو رُفِعَ الستار وانكشفتْ ماهيتي المجلَّلة بالنقائص والمعايب لرَثَيتُم لحالي، فأنا أستُرُ معايبي عنكم لكيلا أُنفِّركم من أُخُوَّتي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
حِكمةُ جوابي الذي أجبتُ بهِ على رسالتكم الواردة قبل أسبوع، والذي يجرح بدرجةٍ ما حسنَ ظنكم بي.
توجد في هذا العصر تياراتٌ مسيطرةٌ سيطرةً تَفُوق التصور، لدرجة أنها تستحوذ على كلِّ شيءٍ وتحوِّله لصالحها؛ وبناءً على هذا فإنه لو جاء في هذا الزمان ذلك السيّد الحقيقي المنتظَر قدومُه بعد قرنٍ من الآن، فإني أقدِّر أنه سيُنَحِّي جانبًا شؤونَ عالم السياسة، وسيُغيِّر هدفه، لئلا تُستغلَّ حركته لصالح تلك التيارات.
ثم إن هناك ثلاث مسائل، هي: الحياة والشريعة والإيمان، فأهمُّها وأعظمُها في نظر الحقيقة مسألة الإيمان، إلا أنه لما كانت مسألتا الحياة والشريعة في نظر العامة، ومن حيث ما تمليه ضروراتُ أحوال العالم أهمَّ المسائل، وكان تغيير أوضاع المسائل الثلاث دفعةً واحدةً على جميع وجه البسيطة أمرًا يخالف سنةَ اللّٰه الجارية في البشر، فإنه لو وُجِد ذلك السيد في هذا الزمان، لاتَّخذ تلك المسألة العظمى أساسًا دون المسألتين الأُخريين، لكيلا تفقد خدمةُ الإيمان صفاءَها ونقاءَها في نظر العامة، وليتحقَّق في أذهان العوام الذين يسهل خداعهم أن تلك الخدمة ليست أداةً لأيِّ مقصِدٍ آخر.
ثم إنه تحت وطأة الظلم الشديد المدمِّر المستمرِّ منذ عشرين سنة فسدت الأخلاق أيَّما فساد، وضاع الوفاء والثبات، حتى لم يعد يوجد في العشَرة أو العشرين من الناس
— 322 —
شخصٌ واحدٌ يُعتَمد عليه، وهذه الحالة العجيبة تستلزم التحلي بأعلى درجات الثبات والصلابة والوفاء والحميّة الإسلامية، وإلا بقيت خدمة الإيمان عقيمةً تعود بالضرر.
إذًا، إن أخلصَ خدمةٍ وأسلَمها وأهمَّها وأحظاها بالتوفيق ليست سوى هذه الخدمة القدسية التي يعمل في دائرتها تلاميذُ رسائل النور.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إن لشهر رمضان المبارك في هذه السنة أهميةً بالغةً وقيمةً عظيمةً سواءٌ للعالم الإسلامي أو لتلاميذ رسائل النور، وإنه بسرِّ الدستور الأساسي لتلاميذ رسائل النور، أعني دستورَ الاشتراك في الأعمال الأخروية، فإن ما يكسبه كلُّ واحدٍ منهم يُسجَّل مثلُه في صحيفة أعمال إخوانه؛ كما أنه بمقتضى هذا الدستور وبمقتضى الرحمة الإلٰهية تغدو مكاسبُ الداخلين إلى دائرة رسائل النور بصدقٍ وإخلاص عظيمةً كُلِّية، إذ ينال كلُّ واحدٍ منهم آلاف المكاسب، وهذه المكاسب تُسجَّل في صحيفةِ أعمالِ كلِّ واحدٍ منهم بإذن اللّٰه من غير انقسامٍ ولا تَجزُّؤ، بخلاف الاشتراك في الأموال الدنيوية، وهم في هذا أشبهُ بمن يُسرِجُ مصباحًا فينعكس نوره في آلاف المرايا من غير انقسام.
وإننا بهذا المعنى نؤمِّل عظيمَ الأمل في سَعَةِ الرحمة الإلٰهية، أنْ إذا فاز أحد تلاميذ رسائل النور الصادقين بحقيقة ليلة القدر وبالمرتبة العليا لشهر رمضان، أن يكون سائرُ التلاميذ الحقيقيين الصادقين شركاء ومساهمين له في ذلك الفوز.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
المسألة الأولى: أنني قلتُ بناءً على ما أظهره أحد إخواننا من تكاسلٍ في تسبيحات الصلاة: إن تسبيحاتِ ما بعد الصلاة طريقةٌ محمدية وأورادُ ولايةٍ أحمدية، على صاحبها الصلاة والسلام، فأهميتها بهذا الاعتبار عظيمة.
— 323 —
ثم انكشفتْ لي حقيقةُ هذه الكلمة بأنه مثلما تعلو الولاية الأحمدية التي انقلبت إلى الرسالة على جميع الولايات، فكذلك طريقةُ هذه الولاية تعلو بالدرجة نفسها على سائر الطُّرُق، وكذلك الأورادُ المخصوصة بهذه الولاية الكبرى، أعني التسبيحات عقب الصلاة، فإنها تعلو على سائر الأوراد.
ثم انكشف لي سرٌّ أيضًا، وهو أنه كما يحصل عند اجتماعِ هيئةٍ تَرابطَ أفرادُها فيما بينهم في حلقةِ ذكرٍ بمجلس، أو في خَتمٍ نقشبنديٍّ بمسجد، إذ يشعُر المرءُ بحالةٍ نورانيةٍ لدى هؤلاء؛ فكذلك ذو القلب الذاكر اليَقِظ حين يُردِّد بعد الصلاة: سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.. يشعر معنًى بأن ثمة مئة مليونٍ بأيديهم السُّبحات يُردِّدون التسبيحات بين يدي الذات الأحمدية (ص) رئيسِ حلقة الذكر هذه، فيُردِّد: سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.. بتلك العَظَمَة والعُلْوِيَّة.
ثم عندما يردِّد: الحمد للّٰه.. الحمد للّٰه.. بأمرٍ معنويٍّ من رئيسِ الذاكرين، يتمعَّن في حمدٍ عظيم صادرٍ عن تحميداتِ مئةِ مليون مُريدٍ في حلقة الذكر ودائرة الختم الأحمدي الرحبة، فيشترك فيها قائلًا: الحمد للّٰه.
وكذلك الأمر بعد ترديد: اللّٰه أكبر.. اللّٰه أكبر، و: لا إلٰه إلا اللّٰه.. لا إلٰه إلا اللّٰه.. لا إلٰه إلا اللّٰه.. ثلاثًا وثلاثين مرةً بعد الدعاء، إذْ يتوجه إلى الذات الأحمدية رئيس حلقة الذكر (ص)، آخذًا بعين الاعتبار إخوان الطريقة في الختمة الكبرى وحلقةِ ذكرِ الطريقة الأحمدية، بالمعنى السابق الذي أوردناه، فيقول: ألفُ ألفِ صلاةٍ وألفُ ألفِ سلامٍ عليك يا رسولَ اللّٰه.
هذا أمرٌ وعيتُه وشعرتُ به ورأيتُه خيالًا، ومن هنا تأتي الأهمية البالغة لتسبيحات الصلاة.
المسألة الثانية: ذُكِر في مبحث الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، عند بيانِ إشارةِ الآية الحادية والثلاثين، أن إحدى خواص هذا العصر أنه يجعل المرءَ يرجِّح الحياةَ الدنيوية على الحياة الباقية وهو يعلم، أي لقد أصبح دستورًا جاريًا أن يرجِّح المرء زجاجًا منكسرًا على ألماسٍ باقٍ وهو يعلم.
— 324 —
ولقد كنت أحار من هذا كثيرًا، حتى أُخطِر على قلبي في هذه الأيام أنه مثلما يحصل عندما يشتكي عضوٌ من الإنسان أو يُجرَح، إذْ تتداعى سائرُ الأعضاء وتترك بعض وظائفها وتسرع لنجدته، فكذلك الأمر بالنسبة للجهاز الإنساني المُدرَجِ في الفطرة الإنسانية، والقائمِ بمهمة الحرص على الحياة وحفظها والاستمتاع بها وعشقها، فإنه قد جُرِح بالكثير من الأسباب، وراحَ يَشغَل بنفسه سائرَ اللطائف وينحطُّ بها ويجتهد في أن يُنسيها وظائفَها الحقيقية.
وكما يحصل إن وُجِد حفلٌ باهرُ الأضواء جاذبُ الأجواء، مع ما فيه من الرذائل والسُّكْر، فكما يَنْشَدُّ إليه الأراذل والأصاغر، ينشدُّ إليه أيضًا الأكابر والحرائر، فيشتركون فيه مُعطِّلين وظائفهم الحقيقية.
والأمر كذلك بالنسبة إلى الحياة الإنسانية في هذا العصر، خصوصًا الحياة الاجتماعية، فإنها قد آلتْ إلى حالٍ مفزعةٍ لكنها جذابة، ومؤلمةٍ لكنها مثيرة، بحيث دفعت لطائفَ الإنسان العُلْوية، لا سيما القلب والعقل، لاتِّباع النفس الأمارة، وجعلتْها تهوي كالفَراش في نيران تلك الفتنة.
نعم، إنْ بلغ الحفاظ على الحياة الدنيوية درجةَ الضرورة فثمة رخصةٌ شرعية لترجيحه مؤقتًا على بعض الأمور الأُخروية، لكن لا رخصةَ ولا ترجيح لمجرد وجود حاجةٍ أو ضررٍ غيرِ مفضٍ إلى الهلاك، والحال أن هذا العصر قد حَقَنَ بخاصيته هذه عروقَ الإنسان حتى صار يترك أمورًا دينية هي كالألماس لأجلِ حاجةٍ صغيرةٍ أو ضررٍ دنيويٍّ بسيط.
أجل، لقد جُرِح عِرقُ الحياة الإنسانية في هذا العصر جُرحًا بليغًا، وأصيب جهاز حفظ الحياة إصابةً بالغةً من جرَّاء الإسراف ورفعِ البركة الناجمِ عن الحرص وعدم القناعة وعدم الاقتصاد، ومن جرَّاء ازدياد الفقر والضرورة وحاجات المعيشة، كما أن أهلَ الضلالة دأبوا على توجيه الاهتمام إلى هذه الحياة الفانية، حتى صار ذلك العِرق يوجِّه الأنظار لنفسه، ويدفع المرءَ لترجيح أدنى حاجةٍ حياتيةٍ على مسائل دينيةٍ جليلة.
— 325 —
ولا يقدر على مواجهة هذا المرض العجيب والداء الرهيب لهذا العصر العجيب سوى رسائل النور الناشرة لأدوية القرآن المعجِز البيان كأنها الترياق، ولا يقدر على مقاومة هذا الداء والمرض سوى تلاميذها الأقوياء الثابتين الصامدين الخالصين الصادقين المضحِّين.
وما دام الأمر كذلك، فاللازم أولًا الدخول في دائرتها، والتمسك بها بولاءٍ وثباتٍ تام وإخلاصٍ جاد واعتمادٍ كاملٍ حتى ينجو المرء من تأثيرات هذا المرض العجيب.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إن ما أسنده الحافظ "علي" لأستاذه من المزيَّة والمكانة التي تفوق حدي كثيرًا، إنما نعدُّه نوعًا من الدعاء بلسانه الصادق، لا مدحًا لشخصي؛ وكذلك ما أخبرنا به من تحول "إسبارطة" وما حولها من الأماكن والقرى مثل "صاو" إلى مدارس نورية، وتَنَوُّرِ تلاميذ النور الصادقين وتَرَقِّيهم ترقيًا فريدًا يومًا بعد يوم، فإنما نَعُدَّ ذلك كلَّه خبرًا مُحقَّقًا يبعث على الفرح والسرور ليس لنا فحسب، بل للأناضول وللعالم الإسلامي كلِّه.
وإنا لندعو ضارعين من أعماق قلوبنا وأرواحنا راجين من الرحمة الإلٰهية أن تتحقق الفقرة الأخيرة من رسالته، بأنه "قد أزِفَ زمانُ الفتوحات المعنوية وتبديد الظلمات كما أخبر بذلك الصادق المصدوق (ص)"؛ غير أن وظيفتَنا نحن تلاميذَ رسائل النور إنما هي القيام بالخدمة.. خدمة الإيمان والقرآن، دون أن نتدخل في الشؤون الإلٰهية أو نقف منها موقف المُجرِّب، هذا مع مراعاة الكيفية لا الكمية.
ثم إن رسائل النور قد صدَّقتْ تمامًا إخبار الصادق المصدوق (ص) وأثبتتْه بالوقائع وما تزال، وذلك بما حققتْ حتى اليوم من فتوحاتٍ رغم الظروف الرهيبة المستمرة منذ زمنٍ بعيد، وهي ظروفٌ تدعو إلى انحطاط الأخلاق وترجيح الحياة الدنيوية على الأخروية؛ وبما كسرتْ من صولات الزندقة والضلالة، وبما أنقذتْ من
— 326 —
إيمان آلاف المساكين، وبما خرَّجتْ من مئات بل آلاف الطلبة المؤمنين الحقيقيين ممن يَعدِل الواحد منهم مئةً بل ربما ألفًا.
وليس بمقدور أيِّ قوة أن تُخرِج رسائل النور من قلب الأناضول، بل هي باقيةٌ بإذن اللّٰه إلى أن يأتي في آخر الزمان الأصحاب الأصليون لدائرة الحياة الواسعة، أي المهدي وتلاميذُه، فيوسِّعوا تلك الدائرة وتتسنبل تلك البذور، فنشاهد ذلك ونحن في قبورنا، فنشكر اللّٰه تعالى.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هذه تتمةُ ما كُتِبَ في فقرتَين سابقتَين عن ترجيح الحياة الدنيوية على الحياة الأخروية.
لقد صعَّب هذا العصرُ العجيبُ الحياةَ الدنيوية، وكثَّر شروطَ العيش وشدَّدها، وصَيَّر الحاجاتِ غيرَ الضرورية حاجاتٍ ضروريةً بسبب الإلف والاعتياد، وبسبب تقليد الآخرين ومحاكاتهم، فجعل غايةَ كلِّ شخصٍ وأعظمَ مقاصده على الدوام: حياتَه ومعيشتَه، فأقام بذلك سدًّا أمام الحياة الدينية والأبدية والأخروية، وأخَّرها إلى درجةٍ ثانية أو ثالثة؛ ولقد تلقى الإنسان صفعةً قاسيةً شديدةً جزاءَ خطيئته هذه، إذِ استحالت دنياه جحيمًا.
والحال أن بعض أهل الدين يقعون في ورطةٍ كبيرةٍ من جرَّاء هذه المصيبة المروِّعة ولا يَعُونَ الأمر على وجهه؛ فمن ذلك أني رأيت بعض الأفاضل من أهل الدين والتقوى قد عقدوا معنا أوثق الصلات، يرغب أحدهم في الدين ويحب العمل به رجاءَ أن يوفَّق في حياته الدنيوية ويلقى التيسير في أموره، بل يرغب في الطريقة الصوفية طلبًا للكشف والكرامات!! بمعنى أنه يجعل من رغبته في الآخرة وما فيها من ثمرات الوظائف الدينية دعامةً للحياة الدنيوية وسُلَّمًا للوصول إليها، ولا يدري أن الفوائد الدنيوية المترتبة على
— 327 —
الحقائق الدينية، وهي حقائقُ عليها مدارُ السعادتين الدنيوية والأخروية، إنما شأنها أن تكون بمنزلة المرجِّح والمشوِّق لا غير، فإن هي بلغت مرتبةَ أن تكون العلةَ أو المقصِدَ من عمل الخير بطَلَ العمل، أو اختلَّ الإخلاص على الأقل، وفات الثواب.
وإن ثمة أربعين ألفِ شاهدٍ يشهدون أن النور الذي نشرتْه رسائل النور بموازينها وموازناتها، مُخلِّصٌ من وباء هذا العصر المريض المتوحش المشؤوم وبلائه، وهو خيرُ منقذٍ من ظلمه وظلماته، فمن كانوا قريبين من دائرة رسائل النور فلم يدخلوها كان احتمال وقوعهم في التهلكة قويًّا.
نعم، بناءً على إشارة يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ دفع هذا العصرُ أهلَ الإسلام لترجيح الحياةِ الدنيوية على الحياة الأخروية؛ وفُرِض على أهل الإيمان نظامُ حكمٍ خبيثٌ بدأ العمل به في العام ١٣٣٤ رومي.
أجل، وإن جملة عَلَى الْآَخِرَةِ تساوي بحساب الجفر والأبجد ١٣٣٣ أو ١٣٣٤، وهذا يتوافق مع بداية النظام السياسي الذي يرجِّح الدنيا على الدين، وقد كان هذا النظام أحد شروط المعاهدة التي أملاها أعداء الإسلام بعد غلبتهم في الحرب العالمية الأولى، وقد ظهرت نتائج ذلك فعليًّا بعد بضع سنين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭