— 327 —
رسالةٌ مهمةٌ كتبها الأستاذ بديع الزمان أثناء الحرب العالمية الثانية
باسمه سبحانه
لقد آلمني وهزَّ مشاعري لفرطِ الرِّقة والشفقة ما حَلَّ بالمساكين من نكباتٍ وشدائدَ ومجاعاتٍ جَرَّاءَ هذه المصيبة البشرية، فضلًا عن برد الشتاء القارس والبرد المعنوي الشديد؛ ولقد أُخطِرتُ فجأةً بأن في هذه المصائب وأمثالها من الرحمة والمكافأة المعنويَّين - حتى للكفار - ما يُهوِّن من وَقْعِها، وأن أمثال هذه المصيبة السماوية تُعَد نوعًا من أنواع الشهادة بالنسبة إلى الأبرياء.
— 328 —
ومع أني مقطوعُ الصلة بأحوال العالَم وحربه منذ ثلاثةِ أو أربعةِ أشهر، إلا أني تذكرت بأسًى الأطفالَ والضعفاءَ في أوروبا وروسيا، فبَيَّنَ ذلك الإخطارُ المعنويُّ تقسيماتٍ صارت مرهمًا يداوي هذه الشفقة المؤلمة؛ وأسرد هذه التقسيمات فيما يلي:
فأما الذين قضوا نحبهم أو شُرِّدوا وتقطعت بهم السُّبُل جَرَّاء تلك المصيبة السماوية، أو جَرَّاء تلك النكبة التي حلَّتْ بهم لِیجناية مَنْ ظلموا منهم، فإن كانوا دون سن الخامسة عشرة فهم في عِداد الشهداء مهما يكن دينُهم، والمكافأةُ المعنوية التي تنتظرهم كما هي حال المسلمين تجعل تلك المصيبة بحكم المعدوم.
وأما من كانوا فوق سن الخامسة عشرة، وكانوا أبرياء مظلومين، فمكافأتهم كبيرةٌ كذلك، ولعلها تُنجيهم من عذاب جهنم؛ ذلك أنه ما دام الدين قد صار في آخر الزمان بدرجة الدين في زمان الفترة، وأُسدِل على دين محمدٍ (ص) ستار اللامبالاة، وما دام الدين الحق لسيدنا عيسى عليه السلام سيَحكم في آخر الزمان ويتكاتف مع الإسلام، فلا شك أنه يمكن القول بأن النكبات التي تعرض لها المظلومون من المنتسبين لسيدنا عيسى عليه السلام، الباقين في ظلماتٍ كظلمات الفترة، هي بالنسبة لهم نوعٌ من الشهادة، خصوصًا منهم الشيوخ وأهل المصائب والفقراء والضعفاء والواقعون تحت شدائد المستبدين الطغاة وجبرهم.
كما أُخبِرتُ من قِبَل الحقيقة بأن تلك المصيبة ربحٌ لهؤلاء بمئة ضعف، فضلًا عن أنها كفَّارةً لذنوبهم الناجمة عن رذائل المدنية وكفرانها، وضلال الفلسفة وكفرها.
فشكرتُ أرحم الرحمين شكرًا بلا حد، ووجدت السُّلوان إزاء تلك الشفقة والألم الأليم.
أما إن كان الذين أصيبوا بهذه النكبات من سَفَلَة شياطين الإنس، ومن الظَّلَمة المتوحشين صانعي مآسي البشر والأنانيين الذين لا يبالون بأن يضرموا النيران في عالم الإنسان لأجل منافعهم الشخصية، فقد استحقوها عدالةً ربانيةً محضة.
— 329 —
وأما إن كان الذين عانوا من هذه الفواجع ممن يهرعون لنجدة المظلوم، ويناضلون لسلام البشرية، والحفاظ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية، فلا شك أن النتائج المعنوية والأخروية المترتبة على تضحياتهم عظيمةٌ جدًّا، لدرجة أنها تجعل من تلك المصيبة مبعثَ شرفٍ لهم وتُحبِّبُها إليهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء المباركين..
حينما كانت هديتكم النورانية في طريقها إلى "قسطموني" قبل ثلاثة أيام، كنت أرى في الرؤيا أن مرسومًا معظَّمًا يأتينا من جانبٍ معنويٍّ يقضي برفع الرتبة والمقام، ويُحمَلُ إلينا بكل احترام؛ فلما نظرنا إلى هذا المرسوم السامي إذا به القرآن العظيم الشأن؛ وحينذاك ورد على القلب هذا المعنى:
سنتلقى - نحن تلاميذَ رسائل النور وشخصَها المعنويَّ - بلاغَ رفعٍ وترقيةٍ من عالَم الغيب، كرامةً للقرآن الكريم.
أما تعبيره الآن فهو ما تلقيناه بأقلام الأبرياء من تفسيرٍ معنويٍّ للقرآن يمثِّل ذلك البلاغ.
كما أن التعبير الذي بيَّنه "فيضي" و"أمين" قبل ساعةٍ أو ساعتين من ظهور هذا التعبير الآن هو كذلك تعبيرٌ حقٌّ ومهمٌّ.
ثم إن روحي كانت قد شعرت مُسبقًا بهذه الهدية النورانية مدارِ الفرح والسرور، إلا أنها لم تخبر العقل بذلك، بحيث إني قبل أن تصل الهدية بيومين، وفي صبيحة الرؤيا التي بيَّنَها "فيضي" و"أمين" شعرتُ بفرحٍ وسرورٍ على نحوٍ لم أعهده من قبل، واستمر حتى المساء، بل إلى شطرٍ من اليوم التالي، وتبسَّمتُ ضاحكًا ثلاثين أو أربعين مرةً مُبديًا فرحي لأدنى سبب!! ولقد عجبنا أنا و"فيضي" من هذا أشد العجب، وحِرْنا في الأمر، إذ كيف لمن لم يضحك مرةً واحدةً في ثلاثين يومًا أن يضحك في يومٍ واحدٍ ثلاثين مرة؟!
— 330 —
ولقد تبيَّن الآن أن ذلك الفرح والسرور إنما مبعثه تلك الهدية التي لمَّا تصل، والتي هي كتابات الأُميين والأطفال الأبرياء التي تمثِّل ذلك المرسوم المعنوي المذكور؛ وهي تُخبر أن رسائل النور ستَنشر الأنوار في صحائف الأجيال القادمة، وفي صحيفة مقَدَّرات العالَم الإسلامي، وفي صحائف أهل الإيمان المستقبلية؛ كما تُخبر أن حسنات أولئك الأبرياء من أعمالهم الخالصة وخدماتهم الصافية ستُكتَب وتُسجَّل في صحائف أعمالنا، وتنبئ عن إدامة مُقَدَّرات تلاميذ رسائل النور إدامةً تُكللّٰها السعادة.
وكنت قد شعرتُ روحًا بجزءٍ من ألفٍ من حصتي في ذلك المجموع العظيم، فأثار ذلك فيَّ مشاعر البهجة والسرور.
نعم، فالأعمال المقبولة والأدعية المجابة الصادرة عن مئاتٍ من أمثال هؤلاء الأبرياء، حين تدخل صحيفةَ أعمال خَطّاءٍ مثلي، وصحائفَ أعمال سائر إخواني، تبعث آلاف الأفراح والمسرَّات.
إننا نهنئ هؤلاء الأبرياء والأُميين ومعلميهم على جهودهم البطولية وبراعتهم الفائقة تحت وطأة هذه الظروف الصعبة والزمان الحالك، كما نهنِّئ آباءهم وأمهاتهم، ونهنئ قراهم ومدنهم وأمتهم، ونهنِّئ الأناضول كذلك؛ ولو كنت أقدر أن أكتب لكل واحدٍ من هؤلاء المباركين بطاقة تهنئةٍ وشكر خاصةً بهم لفعلت، فليقبلوا تمنياتي هذه كما لو أنها مكتوبة فعلًا.
سأكتب أسماءهم على هيئة دائرة وأنظر إليها وقت الدعاء، كما سأدخلهم في دائرة الخواص من تلاميذ رسائل النور، وسأشاركهم في مكاسبي المعنوية.
بلِّغوا سلامي نيابةً عني لآبائهم وأمهاتهم، ولأقربائهم ولأساتذتهم، وأسأل اللّٰه سبحانه أن يُسعِدهم ويُسعِد أبناءهم في الدنيا والآخرة؛ آمين، آمين، آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 331 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء..
بينما كان اللازم أن تكون الحقائق الإيمانية المقصِدَ الأولَ المقدَّمَ على كل شيءٍ في هذا الزمان، وأن تبقى سائر الأشياء في درجةٍ ثانيةٍ أو ثالثةٍ أو رابعة؛ وبينما كان اللازم كذلك أن تبقى خدمة هذه الحقائق برسائل النور الوظيفةَ الأُولى، وتكونَ موضعَ العناية والاهتمام والمقصودَ بالذات؛ إذا بأحوال العالَم اليوم، وبالحياة الدنيوية لا سيما منها الحياة الاجتماعية، أخص بالذكر الحياةَ السياسية، وبالأخص الحربَ العالمية التي هي تجلٍّ من تجليات الغضب الإلٰهي النازل جزاءً على ضلالة المدنية ورذائلها، قد هيجتْ عِرْقَ التحيُّز وأثارت نوازعَه، حتى وصلتْ إلى باطن القلب، فأقامت الرغبات الفانية الضارة مقام الحقائق الإيمانية النفيسة نفاسةَ الألماس.
لقد حقنَ هذا العصرُ المشؤومُ العروقَ ولقَّحها بهذه الأمور وما يزال، لدرجة أن بعض السطحيين بل بعض ضعاف المشايخ ممن هم خارج دائرة رسائل النور جعلوا حكمَ الحقائق الإيمانية في درجةٍ ثانيةٍ أو ثالثة، بسبب علاقاتهم في الحياة الاجتماعية والسياسية، وراحوا يوادُّون مَن شاكَلَهم في الفكر من المنافقين مجاراةً لتياراتهم، ويعادون من يخالفهم من أهل الحقيقة بل من أهل الولاية وينتقدونهم؛ حتى لقد جعلوا المشاعر الدينية تابعةً لتلك التيارات.
فإزاء هذا الخطر المحدق لهذا العصر، أسقطتْ خدمةُ رسائل النور والاشتغالُ بها السياسةَ الحاضرةَ وتياراتها من نظر اهتمامي، لدرجة أني منذ أربعة أشهر لم أُوْلِ هذه الحرب العالمية اهتمامًا ولم أسأل عنها.
ثم إنه ما ينبغي لخواصِّ طلاب رسائل النور، المشتغلين بوظيفة الحقائق الإيمانية التي هي بحكم ألماسٍ باق، أن يَفْتُروا عن وظائفهم القدسية، أو يلوِّثوا أفكارهم بالتفرُّج على ألعاب شطرنج الظَّلمة، فلقد أعطانا الحق نورًا ووظيفةً نورانية، وأعطى أولئك ألعابًا ظالمةً مُظلِمة، وإنه لمن الخطأ التدني لمشاهدة ألعابهم المُظلِمة على حساب وظيفتنا، في الوقت الذي استغنَوا فيه عنا فلم يمدُّوا لنا يد العون ولم
— 332 —
يرغبوا بما في أيدينا من أنوار قدسية؛ وإن ما في دائرتنا من الأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية تكفينا وتَفي بحاجتنا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
لقد ضِقْتُ ذرعًا بالذين يضايقونكم ويُبيِّتون النوايا السيئة لرسائل النور في هذه الأيام، فهممتُ بالدعاء عليهم، إلا أنني أشفقت على "إسبارطة"، فدعوت وما زلت أدعو: "اللّٰهم إن إسبارطة مدرسةٌ من مدارس رسائل النور الزهراء، فأصلح مَن فيها حتى المسؤولين السيئين، واكتب لهم حسن الخاتمة".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء المضحِّين.. لقد آذَنَتِ الأنوارُ هنا بالظهور مقابل توقُّفها في "إسبارطة"، فالحمد للّٰه.. هذا من فضل ربي.
ولقد جاءني شخصٌ معنيٌّ بمراقبتنا، وهو ذو مكانةٍ مرموقةٍ وعلى صلةٍ وثيقةٍ بشؤوننا وبالسياسة، فقلت له:
إنني لم أراجعكم ولم أقرأ صحيفةً منذ ثماني عشرة سنة، ولم أسأل مرةً واحدةً منذ ثمانية أشهر عما يجري في العالَم، ولم أستمع منذ ثلاث سنواتٍ إلى المذياع المسموع هنا، وما ذاك إلا تحاشيًا أنْ يصيب خدمتَنا القدسية ضررٌ معنوي، ذلك أن خدمةَ الإيمان وحقائقَه أسمى من كل شيءٍ في الكون، ولا يمكن أن تكون تابعةً أو أداةً لشيء.
ولقد منعتْنا خدمة القرآن الحكيم من السياسة منعًا قطعيًّا في هذا الزمان، حذرًا من أهل الغفلة والضلالة، وحذرًا من الغافلين الذين يبيعون الدين بالدنيا ويستبدلون
— 333 —
بالألماس الباقي خَزَفًا، لئلا يَعدُّوا هذه الخدمة الإيمانية أداةً أو تابعةً لتياراتٍ قويةٍ في الخارج، ولئلا تنحطَّ قيمتُها في نظر العوام.
فيا أهل السياسة والحكومة.. دعوكم من الهواجس تجاهنا ومن الانشغال بنا، إذ يلزمكم بعكسِ ذلك أن تقدموا لنا التسهيلات، لأن خدمتنا تؤسِّس الأمن والاحترام والرحمة، وتعمل لتحقيق الأمن والانضباط وإنقاذ الحياة الاجتماعية من الفوضى، وبذلك تضع حجر الأساس لوظيفتكم الحقيقية وتقوِّيها وتؤيِّدُها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. قبل عشر دقائق من الآن انضم إلى دائرة رسائل النور رجلان جاء أحدهما بالآخر، كلاهما من أهل الفتوة والنجدة، لكنهما أُمِّيان لا يعرفان القراءة ولا الكتابة؛ وقد قلتُ لهما:
إن هذه الدائرة تتطلب في مقابل ما تقدمه من نتائج عظيمةٍ ولاءً لا يتزعزع وصلابةً لا تلين؛ فإن أساس ما قدَّمه أبطال "إسبارطة" من عجائب وخدماتٍ نورية أذهلت العالم ليس سوى ولائهم الفَذِّ وصلابتهم الفائقة، وإن المنبع الأول لهذه الصلابة هو القوة الإيمانية وخَصلة الإخلاص، أما المنبع الثاني فالشجاعة الفطرية.
وقلتُ لهما: لقد عُرِفتما بالشجاعة والفتوة، فإن كنتما تبذلان تضحيةً في سبيل أمور دنيوية لا أهمية لها، فلا شك أنكما تُظهِران الرجولة والشجاعة والتضحية في خدمة رسائل النور القدسية، وتحافظان على ولائكما لها، مقابلَ النتائج الأخروية التي هي خيرٌ من الدنيا وما عليها؛ فقبِلا ذلك أتم قبول.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 334 —
باسمه سبحانه
لما كانت حقائق الإيمان أعظمَ مسألةٍ بين المسائل الثلاث العظمى في العالَمين الإنساني والإسلامي، أعني الإيمان والشريعة والحياة، كان الخواصُّ الصادقون من طلاب رسائل النور يفِرُّون من السياسة أشدَّ الفِرار، وينفِرون منها غايةَ النفور، وما ذاك إلا صونًا للحقائق الإيمانية القرآنية أن تُتَّخَذ أداةً بيد التيارات والقوى الأخرى أو تصبح تابعة لها، وصونًا لحقائق القرآن النفيسة كالألماس أن تنحطَّ إلى منزلةِ قطعِ زجاجٍ في نظر من يبيعون الدين بالدنيا أو يجعلونه أداةً لها، ورعايةً لخدمة إنقاذ الإيمان التي هي أقدسُ خدمةٍ وأعظمُها، كي تؤدَّى على وجهها الأتم.
بل إنكم تعلمون أن أخاكم هذا لم يراجع الحكومة قطُّ خلال ثماني عشرة سنةً خَلَتْ بالرغم من شدة حاجته، لئلا يكون له اتصالٌ بالسياسة والحياة الاجتماعية، كما لم يَسأل مرةً خلال هذه الشهور الثمانية أو التسعة عما يجري في الكرة الأرضية مِنْ هَرْجٍ ومَرْج، ولم يرغب في معرفته.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
تعلمون يا إخواني أننا نَفِرُّ في مسلكنا من الأنانية وحب الذات وطلب المقام خلف ستار الشهرة والسمعة فرارَنا من السُّمِّ الزُّعاف، ونجتنب تمامًا كلَّ حالةٍ تُشعِر بهذا.
ولا بد أنكم شاهدتم بأعينكم على مدى سبع سنين، وتَبيَّن لكم بالتحقيق خلال عشرين سنةً، أنني لا أبتغي منح شخصي تقديرًا ومقامًا، وقد نبَّهتُكم على هذا الأمر بشدَّة، ويسوءُني أن ترفعوني فوق حدِّي، غير أني أقبل منكم أن تنظروا إليَّ باعتباري واحدًا من تلاميذ رسائل النور التي هي إحدى معجزات القرآن الحكيم المعنوية في هذا الزمان، وأرتضي شاكرًا اللّٰه ارتبطاكم بها وتسليمكم لها بخالص التصديق.
— 335 —
فأيُّ معنى وأيُّ مبرر للّٰهواجس التي تُساوِرُ رجالَ الحكومة والأمن والإدارة تجاه أُناسٍ يجتنبون الأنانيةَ وحبَّ الذات والرياءَ المستتر خلف ستار الشهرة والسمعة، بل يجعلون هذا الاجتنابَ دستورًا لعملهم؟! ألا إنه لأمرٌ يفهمه حتى المجانين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. تأمَّلتُ هذه الأيام في أساسَي التقوى والعمل الصالح، وهما أهمُّ أساسَيْن يُتَمسَّك بهما بعد الإيمان كما يُبيِّن القرآنُ الحكيم.
أما التقوى فهي اجتناب المنهيات والآثام، وأما العملُ الصالح ففعل الخير والتحرك في دائرة الأمر، وإذا كان درء المفاسد مقدَّمًا على جلب المصالح في كل زمان، فإن التقوى باعتبارها درءًا للمفاسد وتركًا للكبائر تُعَدُّ أسَّ الأساس والأَولى بالتقديم في هذا الزمان، زمانِ الإفساد والرذيلة والأهواء الجذابة.
وهي أعظم أساسٍ في مواجهة الإفساد والتيارات السلبية الهدَّامة المستشرية في هذا الزمان، فمؤدِّي الفرائض التاركُ للكبائر ناجٍ، والتوفيقُ للعمل الصالح بإخلاصٍ في خضَمِّ هذه الكبائر العظيمة أمرٌ جدُّ قليل، ثم إن العمل الصالح المؤدَّى في هذه الظروف الصعبة هو بحكم عملٍ كثير، على أن في التقوى نوعَ عملٍ صالح، لأن ترك الحرام واجب، وفِعْلَ الواجب الواحد له من الأجر ما يعادل أجور سننٍ كثيرة؛ وفي مثل هذا الزمان الذي تهاجمُ المرءَ فيه آلافُ الآثام، يصبح اجتنابٌ واحدٌ يؤديه باليسير من العمل بمثابة تركِ مئات الآثام وفعل مئات الواجبات.
ومن هذه النقطة المهمة نجد أعمالًا صالحةً جليلةً تأتَّت من عبادةٍ قِوامُها الكفُّ والتركُ لا الفعل، وذلك بمجرد النية وقصد اجتناب الإثم باسم التقوى؛ وإن أهم وظيفةٍ تَلْزَم تلاميذ رسائل النور في هذا الزمان هي أن يتخذوا التقوى أساسًا لهم، ويتحركوا وفقًا لها في مواجهة الإفسادات والآثام.
— 336 —
وما دام الإنسان يواجه مئات الآثام على مدار الدقائق في نمط الحياة الاجتماعية اليوم، فلا شك أن يصير بالتقوى وبنيَّة الاجتناب بمثابة من يعمل مئات الأعمال الصالحة.
ومعلومٌ أنه لا يمكن لعشرين رجلًا أن يُعيدوا في عشرين يومًا بناءَ قصرٍ دمَّره رجلٌ واحدٌ في يومٍ واحد، فإذا كانتْ مواجهة إفساد رجلٍ واحد تستلزم جهودَ عشرين رجلًا، فإن مقاومة مصلحٍ واحدٍ كرسائل النور وتأثيراتِها في مقابل آلاف المفسدين لتُعَدُّ جِدَّ خارقة، ولو أن هاتين القوتين المتقابلتين كانتا على سويةٍ واحدة لشوهِد في إصلاحات رسائل النور فتوحاتٌ ونجاحاتٌ أشبهُ بالمعجزات.
ونضرب على هذا مثلًا.. فالاحترام والرحمة هما أهم الأسس التي تدير الحياة الاجتماعية، وقد تصدَّعا وتزعزعا في هذا الزمان، وأفضى ذلك إلى عواقب وخيمةٍ ونتائج أليمةٍ على الشيوخ والآباء والأمهات في أماكن شتّى، إلا أن رسائل النور حيثما حَلَّتْ واجهتْ هذا الإفساد الرهيب ورممتْ ما هَدَّمه، وللّٰه الحمد.
وكما يعيث يأجوج ومأجوج فسادًا في الأرض بخراب سد ذي القرنين، فإنه مع تَزَلْزُل سدِّ القرآن - أعني الشريعة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام - شرعت الفوضوية المظلمة واللادينية الظالمة تعيثان فسادًا وإفسادًا في الأخلاق وفي الحياة العامة هما أفظع من فعل يأجوج ومأجوج؛ وإن الجهاد المعنوي الذي ينهض به تلاميذ رسائل النور في مثل هذه الحوادث هو بإذن اللّٰه مدارُ أعمالٍ صالحةٍ وثوابٍ عظيمٍ بعملٍ قليلٍ كما كان الأمر في زمن الصحابة رضي اللّٰه عنهم.
فيا إخواني الأعزاء.. مثلما يكتب كلُّ واحدٍ منا بقلمه حسناتٍ في صحيفة أعمال أخيه، وذلك وفقًا لدستور الاشتراك في الأعمال الأُخروية، وهو دستورٌ يمثِّل في هذا الزمان والحوادث الرهيبة أعظمَ قوةٍ لنا بعد الإخلاص، كذلك يقوي كلُّ واحدٍ منا بلسانه قلعة تقوى أخيه ويرسل الإمدادات لخندقه.
وإن شأن الأبطال الأوفياء الرحماء أمثالِكم أن يَهُبُّوا للمساعدة في هذه الشهور الثلاثة المباركة والأيام المشهورة، خصوصًا لمساعدة أخيكم العاجز هذا الذي أمسى
— 337 —
هدفًا لهجومٍ شرس، فأرجو من أعماق روحي هذه النجدة المعنوية منكم، وإني وفقًا لدستور الاشتراك في الأعمال الأخروية، أُشْرِك بدوري طلبةَ رسائل النور في جميع أدعيتي ومكاسبي المعنوية، وربما شملهم دعائي أكثر من مئة مرة في اليوم، شريطة أن يكونوا من طلاب النور بإيمانٍ وولاء.
بلغوا سلامَنا لعموم الإخوة والأخوات، وفي مقدمتهم الشيوخ الأُميون والصغار الأبرياء، وكذلك لهيئات "الورد" و"النور" و"المباركين" و"المدرسة النورية"، مع دعائنا لهم بالسعادة والسلامة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
حمدًا للّٰه بلا حدٍّ أن رسائل النور تنتشر من تلقاء نفسها، وتمتد فتوحاتها في كل جهة، وتَعجِز حِيَلُ أهل الضلالة عن إيقافها؛ بل يُلقي كثيرٌ من الملحدين واللادينين سلاحَهم بين يديها ويستسلمون، وكما قال "الحافظ علي" فإن خوفهم منها شديدٌ جدًّا، وهم اليوم يحاربونها خوفًا منها لا تعصبًا لإلحادهم، وسينقلب هذا الخوف لصالحها بإذن اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
.......
ثم إني أبيِّن لذلك الصَّديق القديم الفاضل، ولأهل النباهة ولكم كذلك، أن "سعيدًا الجديد" يذكر بفيض القرآن المُعجزِ البيان براهينَ للحقائق الإيمانية في أعلى درجات من الحق والمنطقية، بحيث إنها ألزمتْ وما تزال تُلزِم أشدَّ فلاسفة أوروبا عِنادًا وتحملهم على التسليم لها، فضلًا عن علماء المسلمين.
— 338 —
أما لفتُ القرآنِ معجزِ البيانِ الأنظارَ إلى إحدى معجزاته المعنوية في هذا الزمان - أعني رسائلَ النور - وإيماؤُه ورمزُه إليها على سبيل المعنى الإشاري بنحوِ ما أخبر عن قيمتها وأهميتها إشارةً أو رمزًا سيدُنا عليٌّ والغوثُ الأعظم، فإنما هو شأن الإعجاز، ومقتضى البلاغة المعجزة لهذا القرآن الذي هو لسان الغيب.
أجل، فبينما كنا بأمسِّ الحاجة إلى سلوانٍ قدسيٍّ في زمنٍ عصيب في سجن "أسكي شَهِر"، إذْ قيل لي بإخطارٍ معنوي: إنك تورِد لرسائل النور شواهد من كلام الأولياء السابقين، مع أن القرآن هو الأَولى بهذه المسألة بسرِّ آية: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ فهل يقبل القرآنُ الكريم رسائلَ النور يا ترى؟ وبأيِّ نظرٍ ينظر إليها؟
وجدتُ نفسي أواجه هذا السؤال العجيب، فطلبتُ المدد من القرآن، فإذا بي أشعر في غضون ساعةٍ أن رسائل النور مندرجةٌ ضمن ثلاثٍ وثلاثين آيةً كفردٍ داخلٍ في كُلِّيةِ معناها الإشاري الذي هو طبقةٌ من طبقاتِ معناها الصريح وتفرعاته، وبأن ثمةَ قرينةً قويةً على دخولها فيه وامتيازها؛ ورأيت بعضَ ذلك واضحًا بدرجةٍ ما، وبعضَه الآخر مُجملًا، فلم يعد يُخالج قناعتي شيءٌ من الشك أو الشبهة أو الوسوسة أو الوهم، وكتبتُ قناعتي القطعيةَ هذه بنيَّةِ الحفاظ على إيمان أهل الإيمان برسائل النور، وأعطيتُها لخواصِّ إخواني بشرط الحفاظ على خصوصيتها؛ ولسنا نقول في تلك الرسالة: إن هذا هو المعنى الصريحُ للآية، حتى يقولَ عنه المشايخ: فيه نَظَرٌ؛ كما لم نَقُل: إن هذا هو كُلِّيةُ المعنى الإشاري وتمامُه.
وإنما نقول: إن تحت المعنى الصريح طبقاتٍ متعددةً من المعاني، إحداها طبقةُ المعنى الإشاري والرمزي، ثم إن هذا المعنى الإشاريَّ كليٌّ، له جزئياتٌ وأفرادٌ في كل عصر، ورسائل النور هي أحد أفراده في هذا العصر؛ فإذا عُرِضت قرائنُ - بل حججٌ - بدستورٍ جِفْريٍّ رياضيٍّ جارٍ بين العلماء منذ القديم تشيرُ إلى أنَّ هذا الفردَ سيكون محطَّ الأنظار قصدًا، وأنه سيؤدي وظيفةً جليلة، فليس في هذا ما يخدش ظاهرَ آيات القرآن أو صريحَه، بل إنما يخدم إعجازَه وبلاغتَه، فلا اعتراض على هذا النوع من الإشارات الغيبية.
— 339 —
وإن لأهل الحقيقة استنباطاتٍ لا تُعَدّ، استنبطوها من إشاراتٍ قرآنيةٍ لا تُحَدّ، فلا ينكر تلك من لا يستطيع إنكار هذه، بل لا يمكنه ذلك.
أما ذلك المعترض الذي استغرب واستبعد ظهورَ مؤلفاتٍ مهمةٍ على يد رجلٍ لا أهمية له مثلي، فإنه لو تفكَّر في أن من دلائل العَظَمة والقدرة الإلٰهيتين خَلْقَ شجرةِ صنوبرٍ كالجبل من بذرةٍ بحجم حبة قمح، لوجد نفسه مضطرًّا للقول بأن من دلائل سَعَة الرحمة الإلٰهية ظهورَ مثل هذه المؤلفات في زمن الحاجة الماسّة على يدِ من هو في عجزٍ مطلقٍ وفقرٍ مطلقٍ مثلي.
وإنني من موقع رسائل النور ومكانتها أُطمئنكم وأُطمئن المعترضين بأن هذه الإشارات، وتلك الإخبارات والرموز الإيمانية من الأولياء قد دفعتني دومًا إلى الحمد والشكر، وإلى الاستغفار من نواقصي وعيوبي، وأنها لم تُورِث نفسيَ الأمارةَ أنانيةً أو حبًّا للذات يكون مبعث فخر وغرورٍ لها ولو لحظةً واحدة، وهذا أمرٌ أُثبته لكم بما هو مُشاهَدٌ من أحوالي على مدى عشرين سنةً خَلَت.
أجل، وفضلًا عن هذه الحقيقة، فلا أحد يخلو من العيب والسهو والنسيان، وإن لي نواقص وعيوبًا كثيرةً لا أعرفها، وربما كنت في بعض الأحيان مشوَّش الذهن فتقع في الرسائل أخطاء.
وإذا كانت المسالك والمشارب في هذا الزمان، مع ما فيها من ملايين المُضحِّين الأقوياء الصادقين، قد هُزِمت ظاهرًا أمام هجوم الضلالة الشرس، فإن مَن كان مثلي عديمَ الحيلة وشِبهَ أُمِّيٍّ يعيش وحيدًا تحت مراقبةٍ دائمة، ويسكن مقابل المخفر، وتُشَنُّ عليه حمَلاتٌ مغرِضةٌ رهيبةٌ من شتى الجهات، ويُنَفَّر الناس عنه، لا يمكن أن يكون هو صاحبَ رسائل النور التي سبقت تلك المسالك، وصمدت في تلك المواجهات؛ أجل، ولا يمكن أن تكون هذه المؤلفات من بنات أفكاره، وليس له أن يفتخر بها، وإنما هي محضُ معجزةٍ معنويةٍ من معجزات القرآن الحكيم في هذا الزمان، جاءتْ إحسانًا من الرحمة الإلٰهية؛ فمدَّ الرجل ومعه آلافٌ من أصحابه أيديَهم نحو تلك الهدية القرآنية فوقعت عليه بنحوٍ ما وظيفةُ التُّرجمان الأول.
— 340 —
والدليل على أن رسائل النور بأجزائها البديعة ليست نتاجَ فكره وعلمه وذكائه، أن منها ما كُتِب في ست ساعات، ومنها ما كُتِب في ساعتين، ومنها ما كُتِب في ساعة، ومنها ما كُتِب في عشر دقائق!! وأنا أؤكد مُقسِمًا أنْ لو كانت لي قوةُ حفظ "سعيدٍ القديم"، ما استطعتُ أن أُنجزَ في عشر ساعات بفكري العملَ الذي أُنْجِزَ هنا في عشر دقائق، ولا أستطيع أن أنجز في يومين بذهني واستعدادي الرسالةَ التي كُتِبَتْ في ساعة، ولا أستطيع أنا ولا غيري من أشدِّ الحكماء المتدَيِّنين بحثًا وتمحيصًا أن ننجز في ستة أيامٍ التحقيقات التي تَضَمَّنَتْها رسالةٌ كُتِبَتْ في ستِّ ساعات، أعني "الكلمة الثلاثين"، وعلى هذا فقِس.
إذًا.. فمع أني مُفلِس، إلا أني صرتُ دلَّالًا وخادمًا في محلِّ مجوهراتٍ بالغ الثراء.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. أثناء أذكار الفجر في أحد هذه الأيام، هاجتْ نفسي الأمارة متقلِّدةً مشاعرَ "سعيد القديم"، متأثرةً بغِيبةٍ شنيعةٍ حاقدةٍ تهجَّم بها عليَّ ذلك الشيخُ المقيم في إسطنبول، وقالت: "أنا مظلومة، وهذا الظلم لا يطاق" وطَلَبَت الانتقام، فَوَرَدَ على قلبي فجأةً إخطارٌ يقول: عسى أنْ يكون هذا وسيلةً لنشر رسائل النور في إسطنبول، ومادمتَ تبذل حياتَيْكَ الدنيوية والأخروية فداءً لرسائل النور، فلتبذل عِزَّة نفسك فداءً لها أيضًا.
ثم إنه كما وُجِد مَن وَصَفَ فخرَ العالَم وسببَ خِلقةِ الكائنات (ص) بالمجنون، فلا تبالِ بانكسار عزة نفسك التي ليست سوى ذُرَيْرَةٍ بالنسبة إلى تلك الشمس؛ فاطمأن قلبي لهذا الإخطار.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 341 —
باسمه سبحانه
إن الشيخ "علي رضا" أحد كبار علماء إسطنبول ومحقِّقيها، والذي شَغَل لمدةٍ طويلةٍ منصبَ أمين الفتوى المعروف بی"مفتي الأنام"، بعد أن طالع رسالة "الآية الكبرى"، والإشارات القرآنية الواردة في رسالة "الشعاع الأول" ونحوها من الرسائل، قال للحافظ "أمين" أحدِ طلاب رسائل النور البارزين ما نصُّه: "إنني على يقينٍ جازمٍ من أن بديع الزمان قد أسدى أعظم خدمةٍ للإسلام في هذا الزمان، وتفرَّغ وجرَّدَ نفسَه لهذه المهمة في هذا الزمان العصيب الرهيب، أما مؤلفاتُه فنفيسةٌ في غاية الصِّحَّة، وإن رسائل النور مجدِّدةٌ للدين؛ أسأل اللّٰه تعالى له التوفيق، آمين".
كما دافع عنه بخصوص اعتراض البعض على عدم إعفائه لحيَته، واستشهد بقصة سلطانِ العلماء والدِ جلال الدين الرومي، وأضاف: "لا بد أنَّ لبديع الزمان اجتهادَه في المسألة، وليس المعترضون على حق" وأملى على "الشيخ مصطفى رحمه اللّٰه" ما نصُّه:
أُبلِّغ بديعَ الزمان سلامي بكلِّ احترام، وأرجو من اللّٰه أن يعينكم على إكمال مؤلفاتكم، فاستمروا في جهادكم، ولا تتأثروا من تعرضكم لانتقاد بعض علماء السوء، فإنما يُرمى بالحجر مُثْمِرُ الشجر كما هو معلوم؛ أسأل اللّٰه الفياضَ المطلقَ سبحانه أن يوفقكم للخيرات، ويبلِّغكم مرادكم ومطلوبكم عاجلًا.
دمتم في عناية اللّٰه الحق الباقي
أمين الفتوى السابق
علي رضا
٭ ٭ ٭
— 342 —
إخواني الأعزاء الأوفياء المدقِّقين المستقيمين.. ثمة حقيقةٌ لا بد من بيانِها بتنبيهٍ في غاية الجدِّيِّة، وهي أن أهل الولاية لا يعلمون شيئًا من الأمور الغيبية إنْ لم يُعْلَموا بها، مصداقًا لسرِّ: لا يعلم الغيب إلا اللّٰه.
وإن الحرب التي جرت بين بعض العشرة المبشرين بالجنة تُظْهِر منازعةَ أكبر وليٍّ لخصمه بغير حقِّ، لعدم علمه بحقيقة حاله؛ بمعنى أنه إنْ أنكر وليٌّ أو أحدٌ من أهل الحقيقة أمرًا على آخر، لم يَسقطا بذلك من مقامهما، إلا أن يكون مخالفةً تامَّةً لظاهر الشريعة أو اجتهادًا ظاهرَ الخطأ.
فبناءً على هذا السر.. واتباعًا لدستورِ علوِّ الجناب الذي نصَّتْ عليه الآية: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
وبناءً على وجوب حفظِ إيمان عوامِّ المؤمنين من التزعزع بعدمِ كسرِ حسنِ ظنهم تجاه المشايخ، ووجوبِ التجرُّد من الانفعالات الضارة - وإن كانت مُحِقَّة - عند الردِّ على الاعتراضات الباطلة الواردة على أركان رسائل النور..
واجتنابًا لاستفادةِ أهل الإلحاد من الخصومة بين طائفتين من أهل الحق، إذْ يَجرحون إحداهما بسلاح الأخرى واعتراضِها، ويدحضون الأخرى بدلائل الأولى، ثم يُجْهِزون عليهما معًا ويهزمونهما..
أقول بناءً على هذه الأسس الأربعة: يجب على تلاميذ رسائل النور ألَّا يقابلوا المعارضين بالحدة والتهوُّر ولا بالمثل، وإنما عليهم أن يلتزموا المسالمة ويقدِّموا الإجابة والإيضاح عن نقاط الاعتراض دفاعًا عن أنفسهم لا غير، فإن الأنانية قد طَغَتْ في هذا الزمان حتى بات كلُّ امرئٍ يأنف من أن يذيب أنانيته التي تُشبِه قطعةَ جليدٍ بطولِ قامته، بل يرى نفسه معذورًا، ومن هنا ينشأ النزاع، فيتضرر أهل الحق، ويستفيد أهل الضلالة.
وإن حادثة الاعتراض المعلومة تومِئ إلى أن رسائلَ النور ستَلقى في المستقبل هي وتلاميذها اعتراضاتٍ من بعض المعجَبين بمشربهم ممن لهم منزلةٌ بين الناس،
— 343 —
ومِن بعضِ أنانيي المشارب الصوفية، وبعضِ أهل الحق وأهل الإرشاد ممن لم يَفْنَوا عن نفوسهم الأمارة ويتخلصوا من ورطة حب الجاه، حفاظًا على رواج مسالكهم ومشاربهم وحُسْنِ توجُّه أتبَاعهم، بل ربما واجهوا رسائل النور وتلاميذها مواجهةً تثير الدهشة، فالواجب علينا في مثل هذه الحوادث أن نتحلى بالثبات ورباطة الجأش، وألا ننجرَّ إلى العداوة أو نوجِّه لرؤساء تلك الفئاتِ المعارِضة سهامَ الرد والتفنيد.
اضطررتُ لإفشاء سرٍّ لم يكن يخطر ببالي إفشاؤه، وهو أن كلًّا من الشخص المعنوي لرسائل النور، والشخص المعنوي لخواصِّ تلاميذها، وهم ممثِّلو شخص الرسائل المعنوي، هما مظهرُ مقام "الفريد"، وعليه فإنهما مثلما كانا خارج دائرةِ تصرُّفِ القطب الأعظم الذي يكون أكثر ما يكون في الحجاز - فضلًا عن أن يدخلا تحت تصرفِ قطبِ بلدٍ ما - فإنهما لَيسا مضطرَّين كذلك للدخول تحت حكمه أو الاعتراف به، كما هي الحال في مسألة وجود الإمامين في كل زمان.
ولقد كنت أظن منذ زمن بعيد أن شخص رسائل النور المعنوي هو أحد الأئمة، ثم تبين لي الآن أنه لما كانت "الفردية" قد اجتمعت مع "القطبية" و"الغوثية" في القطب الأعظم، كانت رسائل النور التي يرتبط بها تلاميذ الغوث الأعظم في آخر الزمان مظهرَ "مقام الفردية" ذاك.
وبناءً على هذا السر العظيم الجدير بالكتمان فلو فرضنا مُحالًا وُرودَ اعتراضٍ على رسائل النور حتى من القطب الأعظم بمكة المكرمة، فينبغي على تلاميذ رسائل النور ألَّا يضطربوا لذلك الأمر، وإنما عليهم أن يَعدُّوا اعتراض ذلك القطب الأعظم المبارك بمثابة تحيةٍ وثناءٍ منه، كما عليهم أن يوضحوا لأستاذهم الجليل هذا نقاطَ الاعتراض ويقبِّلوا يديه لينالوا إقباله.
فيا إخواني.. إن هذا الزمان الذي يعُجُّ بالتيارات الرهيبة، والحوادث الهائلة التي تضطرب لها الدنيا وتتزعزع لها حياة الناس.. يحتاج إلى ما لا يُحدُّ من الثبات ورباطة الجأش والتحلي بروح التضحية.
— 344 —
أجل، إن تفضيل الناس الدنيا واستحبابَهم إياها على الآخرة رغم عِلمهم بها وإيمانهم بها، وترجيحَهم - بعلمٍ ومحبةٍ ورضًى - زجاجًا منكسرًا على ألماسٍ باقٍ، وإيثارَهم - بسيطرة دوافع الحس العمياء التي لا تبصر العقبى - درهمَ لذةٍ عاجلةٍ مسمومةٍ على قنطارِ لذةٍ آجلةٍ صافية، لَهُوَ الداء الوبيل والمصيبة الرهيبة لهذا العصرِ كما يستفاد من المعنى الإشاري للآية:
يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ
وإنه من جَرَّاء هذه المصيبة يقع أحيانًا بعض المؤمنين الحقيقيين في أخطاء جسيمة كموالاة أهل الضلالة، نسأل اللّٰه تعالى أن يحفظ أهل الإيمان وتلاميذ رسائل النور من شرِّ هذه المصائب، آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني.. إن تلاميذ رسائل النور مُلزَمون في هذا الزمان، خصوصًا في هذا الحين، بأنْ يكونوا في أتم درجات الثبات والتساند والحذر؛ ولقد صار أبطال "إسبارطة" وما حولها مثالًا يُحتذى بما أظهروه من ثباتٍ كالجبال.
وأنتَ يا "خسرو".. تلقيتُ رسالتك الجميلة المؤثرة، لقد سرَّتْنا عودتك إلى وظيفتك سرورًا يفوق الوصف، فأهلًا بك ومرحبًا.
لا تهتم من تعطُّل قلمك المادي سنةً ونصفًا، فإن ذكرى قلمك ذي الكرامة - أقصد إحدى نُسَخِ "المعجزات الأحمدية" - تجول بدلًا منك في الولايات الشرقية تجوالًا فعالًا مجديًا، وإن النسخة التي كتبتَها مؤخرًا تعمل في إسطنبول بدلًا منك، وستقوم بفتوحاتٍ بإذن اللّٰه.
— 345 —
ففكِّر في عظيم الثواب والاستحسان والتبريك الذي ستُنيلُك إياه نُسختاك المعجزتان للقرآن العظيم الشأن في هذه الأماكن خصوصًا في شهر رمضان المبارك، وفكِّر أيضًا بما سينهمر على روحك من دعوات الرحمة من أنحاء العالم الإسلامي بدخول هاتين النسختين المطبعة عما قريب إن شاء اللّٰه، واشكرِ اللّٰه تعالى.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. إنني نتيجةَ تجاربي التي تُقارب الألف، بتُّ على قناعةٍ تامةٍ من أنني في اليوم الذي أخدُم فيه رسائل النور، أجِد على قدر خدمتي جِلاءً في القلب، وانبساطًا في البدن، وصفاءً في الذهن، وبركةً في المعيشة؛ وأشعر بهذا في أكثر الأيام، ويعترف كثيرون قائلين: إننا نشعر بهذا أيضًا؛ حتى إن سرَّ معيشتي بأقل القليل من القوت كما كتبتُ لكم في السنة الماضية، إنما هو تلك البركة.
ثم إنه يروى عن الإمام الشافعي قولُه: "أنا ضامنٌ رزقَ طالبِ العلمِ المخلص"، لأن في أرزاقهم سعةً وبركة.
فما دامت هذه هي الحقيقة، وما دام تلاميذ رسائل النور قد أظهروا في هذا الزمان الأهلية التامة لنيل وصف طالب العلم المخلص، فلا شك أن الحلَّ الأنجع إزاء القحط والجوع في هذه الأيام هو الشكر والقناعة والتمسك بالتلمذة لرسائل النور بدلًا من ترك خدمتها واللّٰهاث خلف شؤون المعيشة بحجة ضرورات المعيشة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 346 —
باسمه سبحانه
.......
فرسائل النور وتلاميذها الذين تلقَّوا منها الدرس التام لا يمكن أن يقايضوا بها الدنيا بما فيها، فضلًا عن أن يجعلوها أداةً للسياسة الدنيوية، وما زالوا يبرهنون على هذا حتى اليوم.
نحن لا نتدخل في دنيا أهل الدنيا، ومن الحماقة أن يُتَوَهَّم منا الضرر..
فأولًا: لقد مَنَعَنا القرآنُ من السياسة، صونًا لحقائقه النفيسة كالألماس من أن تَنْحَطَّ إلى مرتبةِ قِطع زجاجٍ بنظرِ أهل الدنيا.
وثانيًا: تمنعُنا الشفقةُ والوجدان والحقيقةُ من السياسة أيضًا؛ لأنه إن كان المنافقون الملحدون المستحقون للصفعات اثنين من عشرة، فالذين لهم صلةٌ بهم من الأطفال والضعفاء والمرضى والمسنين الأبرياء المساكين سبعةٌ أو ثمانية، فإذا وقعت الكارثة وحلَّت المصيبة تَضرَّر هؤلاء الأبرياء ولم يَلْحَق أولئك المنافقين الملحدين - إنْ لَحِقَهما - إلا اليسير من الضرر.
ولهذا فإن الشفقة والرحمة والحق والحقيقة التي تنطوي عليها رسائل النور تَمنَعُ تلاميذَها من الدخول في السياسة بأسلوبِ الإخلال بالأمن والنظام، فضلًا عن أن تَحقُّق نتائجها أمرٌ مشكوكٌ فيه.
ثالثًا: إن هذا الوطن وهذا الشعب وهذه الحكومة أيًّا كان شكلها بِأمَسِّ الحاجة إلى رسائل النور، ويجب حتى على أعتى الملاحدة واللادينيين أن ينحازوا إلى دساتيرها المتمسِّكة بالدين والحق بدلًا من أن يُعادوها أو يتخوَّفوا منها، إلا أن يكونوا خَوَنَةً للشعب والوطن والحاكمية الإسلامية؛ ذلك أنه لا بد من خمسة أسسٍ ضروريةٍ لازمةٍ لحفظِ الحياة الاجتماعية لهذا الوطن والشعب من الفوضوية الهدَّامة.
فأولها: الرحمة، وثانِيها: الاحترام، وثالثها: الأمن، ورابعها: معرفة الحلال والحرام واجتنابُ الحرام، وخامسها: الالتزام بالنظام وترك الفوضى والتسيُّب.
— 347 —
إذًا، فعندما تتناول رسائل النور شؤونَ الحياة الاجتماعية تؤمِّن هذه الأسس الخمسة وتضع حجرَ أساسِ الأمن وتُحَقِّقه، فليَعلم الذين يتعرضون لها أن تعرُّضهم يصب في حساب الفوضوية ومعاداة الشعب والوطن والأمن.
قلتُ خلاصةَ هذا الكلام لذلك الجاسوس، وقلت له: اُنقلْه لمن أرسلوك، وقل لهم أيضًا: إن هذا الرجل لم يراجع الحكومة طَوالَ ثماني عشرة سنةً ولو مرةً واحدةً ليحصل على راحته، ولم يتلقَّ أيَّ خبرٍ عن الحروب التي جعلت العالم في هَرْجٍ ومَرْجٍ منذ واحدٍ وعشرين شهرًا، ورفض أن يعقد أواصر صداقةٍ مع شخصياتٍ مهمةٍ في مناصب رفيعةٍ واستغنى عنهم، فأيُّ معنى لتخوُّفِكم وتوجُّسكم منه ثم مضايقتِه بالمراقبة والترصُّد تحسُّبًا من احتمال تدخُّله بدنياكم؟ وأيُّ مصلحةٍ تقتضي ذلك؟ أم أيُّ قانونٍ يسمح بذلك؟
ألا إنه حتى الحمقى يَعْلمون أن التعرض لهذا الرجل حماقة!!
قلتُ هذا الكلام للجاسوس، ثم قام وانصرف.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء.. بعد أن شاهدتُ نُسخًا من رسالة "الإخلاص" بين ما كتبتموه هذه المرة، لم أجد حاجةً إلى مزيدٍ من الدروس، فأحيلكم على دروسِ أمثالِها من الرسائل، غير أني أنبه إلى ما يلي:
لما كان مسلكُنا مسلكَ الحقائق الإيمانية المعتمدَ على سر الإخلاص، كنا مُلزَمين بترك التدخُّل في الحياة الدنيوية والحياة الاجتماعية ما لم نضطر لذلك، ومُطالَبين بالتجرُّد عن كلِّ حالةٍ تدعو إلى التنافس والتحزُّب والتنازع.
فوا أسفاه على أهل العلم وأهل الدين الذين تهاجمهم اليوم ثعابين مرعبة، بينما هم منهمكون في انتقاد بعضهم بعضًا متذرعين بهفواتٍ جزئيةٍ أشبه بلسعات البعوض،
— 348 —
وبذلك يقدِّمون خدمةً لهؤلاء الثعابين والزنادقة المنافقين فيما يقومون به من إفساد، بل يساعدونهم حتى في قتل أنفسهم على أيديهم.
ففي رسالةٍ من أحد إخواننا المخلصين أن عالمًا واعظًا كبيرًا في السن أراد التعرض لرسائل النور على نحوٍ يَضرُّ بها، فقدح في شخصي بدعوى أن شخصًا ضعيفًا مثلي فيه آلاف العيوب قد ترك سنةً نبوية، مع أنني إنما تركتها لعذرٍ مهم.
فأولًا: اعلموا وليعلم ذلك الشيخ أنني لست سوى خادمٍ لرسائل النور ودلَّالٍ في ذلك الحانوت، أما رسائل النور فتفسيرٌ حقيقيٌّ مرتبطٌ بالقرآن العظيمِ الشأنِ المتصلِ بالعرش الأعظم، وأن ما فيَّ من النواقص والعيوب لا يسري إلى رسائل النور.
وثانيًا: بلِّغوا ذلك العالم الواعظ الفاضل سلامي؛ إنني أَقبل على الرأس والعين ما وجَّهَه إلى شخصي من اعتراضٍ وانتقاد، أما أنتم فلا تدفعوا ذلك الشيخ ولا أمثالَه إلى المناقشة والمناظرة، بل حتى لو وقعتْ إساءةٌ فلا تردُّوا عليها ولو بالدعاء، إذْ ما دام في هذا الشخص إيمان، فهو أخونا كائنًا من كان، وحتى إن عادانا فلا يمكننا بحسَب مسلكنا أن نقابله بالمثل، إذ يوجد أعداءُ أقوى وثعابين أشدُّ، ونحن إنما نحمل النور لا الهِراوات، والنور لا يؤلِم، بل يلاطف بضيائه؛ فلا تستثيروا الأنانيات، لا سيما إن كان المرء من أهل العلم، وكانت تأتيه من العلم أنانيةٌ، بل استرشدوا ما استطعتم بدستور الآية: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا.
ثم إنه ما دام ذلك الشيخ الفاضل قد دخل من قبلُ في رسائل النور واشترك في كتابتها فهو إذًا في دائرتها، فسامحوه إن كان عنده خطأٌ فكريّ.
ثم إن هذا الزمان العجيب يقتضي منا - مثلما يقتضي مسلكُنا وخدمتُنا القدسية - ألَّا ننشغل بأمثال هؤلاء المسلمين المتدينين والمنتسبين إلى الطريقة، بل ولا ننشغل بمن كان على إيمانٍ وإنْ كان من الفِرَق الضالة، بل حتى بالنصارى الذي يعرفون اللّٰه ويؤمنون بالآخرة، وألا نجعل من نقاط الخلاف مع هؤلاء مثار نقاشٍ وجدال.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 349 —
باسمه سبحانه
أما مسلك رسائل النور فهو القيام بوظيفتها مع عدم التدخل في شؤون اللّٰه عز وجل، فوظيفتُها التبليغ، أما الاستجابة والقبول فشأنُ اللّٰه تعالى.
ثم إنه لا أهمية للكمية، فإنك إن وجدتَ في تلك الأنحاء "عاطفًا" واحدًا فكأنك وجدتَ مئة؛ ولا تهتم بمثل تلك الأمور الخارجية، ولكن كن على حيطةٍ وحذر.
وإن هذا الزمان زمان الغفلة والعطالة والانشغال بهموم العيش، وإن اليسير من العمل في هذا الزمان أمرٌ عظيمُ الأهمية، فلا تَوَقُّفَ ولا فَشَل ولا هزيمة، بل فتوحاتٌ مظفرةٌ لرسائل النور في كل جهة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. لا يمكن لرسائل النور أن تُتخَذَ وسيلةً للأمور الدنيوية ولا دِرْعًا لها، إذْ هي عبادةٌ تفكريةٌ جليلةُ الشأن، لا تُطلَب بها مطالبُ دنيويةٌ قصدًا، فإن طُلِبتْ فَسَدَ الإخلاص وتبدَّل شكلُ هذه العبادة التفكرية الجليلة.
وما ينبغي لرسائل النور أن تُتَّخَذَ تُرسًا في مواجهة الخصوم المعاندين، كما يفعل بعضُ الصبيان حين يَتَشاجرون، فيتترَّسون بالمصحف في عِراكهم، فتقع الضربةُ على المصحف لا الرأس.
نعم، صحيحٌ أن الصفعات تَنْهالُ على مَنْ يَتَعرَّضون لرسائل النور، وهذا أمرٌ تشهد له مئات الوقائع، إلا أنه لا يُصْفَع برسائل النور، ولا تتأتى الصفعات بالنية أو القصد، لأن ذلك منافٍ لسرِّ الإخلاص وسرِّ العبودية، ونحن إنما نُحيل من يظلمنا على ربنا سبحانه، فهو من يحمينا، وهو من يستعملنا في خدمة رسائل النور.
نعم، وتترتب على رسائل النور نتائجُ عظيمةٌ كثيرةٌ ذات صلةٍ بالدنيا، كما هي الحال في بعض الأوراد الجليلة، لكنها نتائجُ تُوهَب ولا تُطلَب، ولا يجوز أن تكون
— 350 —
علةَ الفعل، وإنما يمكن أن تكون فائدةً من فوائده، فإن طُلِبَتْ صارتْ علةً، فأفسدت الإخلاص، وأبطَلت قسمًا من تلك العبادة.
أجل، فما المقاومة المظفَّرةُ التي تحققتْ للرسائل في مواجهة المعاندين العتاة إلا من سرِّ الإخلاص، ومن عدم توظيفها أداةً لشيء، ومن عدم سعيها خلف مقصدٍ سوى الخدمة الإيمانية، ومن توجُّهِها المباشر نحو السعادة الأبدية، ومن عدم التفاتها إلى الكشف والكرامات التي يوليها بعضُ أهل الطريقة أهميةً، ومِن حصر وظيفتها في نشر أنوار الإيمان، وإنقاذِ إيمان أهل الإيمان بما ورثتْه من سرِّ النبوة، كما وَرِثَه الصحابةُ أصحابُ الولاية الكبرى رضي اللّٰه عنهم.
نعم، فالنتيجتان المحقَّقتان اللتان تمنحُهُما رسائلُ النور في هذا الزمان الرهيب هما أسمى من كل شيء، ولا تدعان حاجةً إلى المقامات ولا إلى أيِّ شيءٍ آخر.
فالنتيجة الأولى: أن الداخلين في دائرة رسائل النور بإخلاصٍ وقناعةٍ يُختم لهم بالإيمان؛ وهذا أمرٌ له أماراتٌ بغايةِ القوة.
والنتيجة الثانية: أن لكلِّ تلميذٍ حقيقيٍّ صادقٍ دعاءً واستغفارًا وعبادةً بآلاف الألسنة والقلوب، وله كبعض الملائكة تسبيحٌ بأربعين ألف لسان، وله مئةُ ألفِ يدٍ تتحرَّى الحقائق القدسية العلوية كحقيقة ليلة القدر في شهر رمضان المبارك؛ وما هذا إلا بمقتضى الشراكة المعنوية الأخروية التي تقرَّرتْ وتحققتْ في دائرة رسائل النور بغير اختيارنا.
فلأجل مثل هذه النتائج يُرجِّح تلاميذُ رسائل النور الخدمةَ النوريةَ على مقام الولاية، ولا يطلبون الكشف والكرامات، ولا يَسعَون لقطف ثمار الآخرة في الدنيا، ولا يتدخلون فيما هو خارجَ وظيفتهم من شؤونٍ إلٰهيةٍ خالصة، كالتوفيق والقبول بين الناس والرواج وتحقيق الغلبة ونيل السمعة والشهرة والأذواق والعنايات رغم استحقاقهم لها، ولا يبنون عملَهم على مثل هذه الأمور، وإنما يعملون خالصين مخلصين قائلين: "وظيفتنا الخدمة، وكفىٰ".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 351 —
باسمه سبحانه
بناءً على الشراكة المعنوية الأخروية القائمة بين تلاميذ رسائل النور، ينبغي لكلِّ واحدٍ منهم عند قوله: أجِرْنا.. اِرحمنا.. اِغفر لنا.. وأمثال هذه التعبيرات بصيغة الجمع، أن ينويَ جميعَ تلاميذ رسائل النور الصادقين، حتى يعمل كلُّ واحدٍ ويناجي باسم الجميع، كي نفوز بليلة القدر التي أُخْفِيتْ في شهر رمضان المبارك، والتي لها قيمةٌ تنوف على ثمانين سنة.
وإن أخاكم المسكين هذا لا يقدر إلا على القليل من العمل، وتُرجى منه خدمةٌ تفوق حدَّه بكثير، وهو يرجو مساعدتكم كما فعلتم في رمضان الماضي، لئلَّا تخيب فيه الظنون الحسنة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
استمعتُ قبل حوالي ثلاثة أيامٍ إلى "الكلمة الثانية والعشرين" حينَ كانت تُصَحَّح، فرأيتُ أنَّ فيها ذكرًا كُليًّا، وفكرًا واسعًا، وتهليلًا كثيرًا، ودرسًا إيمانيًّا قويًّا، وحضورًا بلا غفلة، وحكمةً قدسيةً، وعبادةً تفكريَّةً سامية، وأمثالَ ذلك من الأنوار، فعلمتُ الحكمةَ من كتابةِ بعض تلاميذِ الرسائلِ أو قراءتِهم إياها أو استماعهم إليها بنيَّةِ العبادة، وقلت: بارك اللّٰه بهم؛ وأيَّدتهم في ذلك.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 352 —
ثمرةٌ من ثمراتِ "قره داغ"
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. نُرسل إليكم هذه الثمرة بدلًا من الرسالة هذه المرة.
إن مرحلة ما بين عهد الحرية إلى الآن هي فردٌ من أفراد كُلِّيةِ المعنى الإشاريِّ لإحدى آيات القرآن الكريم؛ فبينما كنت أصعد مرةً إلى قمة "قره داغ" في الثلاثين من تشرين الثاني سنة ألفٍ وثلاثمئة وثمانية وخمسين إذْ خطر ببالي السؤال التالي:
منذ متى بدأتْ كوارثُ البشر وخساراتُهم المتوالية لا سيما المسلمين؟ وإلى متى؟ وإذ بالقرآن المُعجِزِ البيان الذي يَحُلُّ جميع مشكلاتي يُبرِزُ سورةَ العصر أمامي قائلًا: انظر.
نظرتُ، فإذا بآيةِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ التي تخاطب كلَّ عصر، وتتوجه مزيدَ توجُّهٍ إلى عصرنا هذا، تكشِف عن لمعةٍ من لمعاتِ إعجازها، إذ يساوي مقامُها الجِفْرِيُّ ألفًا وثلاثمئةٍ وأربعةً وعشرين، موافقًا تاريخَ خسارات الإنسانية والمصائب السماوية والأرضية، كتبدُّل السلطنة الذي بدأ بثورة الحرية، وحروبِ البلقان والطليان، وهزائم الحربِ العالمية الأولى ومعاهداتها، واضطرابِ الشعائر الإسلامية، والزلازلِ والحرائق التي أصابتْ هذه البلاد، وعواصفِ الحرب العالمية الثانية على وجه الأرض، وبذلك يُشخِّص حقيقةً من حقائق: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ في هذا العصر.
وتُحسَبُ التاء التي في آخر: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هاءً، وإذا حُسِبَتْ الشَّدَّة أظهر مقامُها الجِفْرِيُّ نفسَ تاريخ هذه السنة والسنة التي تليها، أي ١٣٥٨ و١٣٥٩، فكما بيَّنتْ أن الإيمان والعمل الصالح هو الحل الوحيد للنجاة من هذه الخسارات، لا سيما الخسارات المعنوية، فإنها تُبيِّن بمفهوم المخالفة أن السبب الوحيد لهذه الخسارات هو الكفر والكفران وعدم الشكر، أي عدم الإيمان والفسق والفجور.
— 353 —
فشَكَرنا اللّٰه تعالى موقنين بعظمة سورة العصر وقدسيتها، وبأنها برغم قِصَرها خزينةُ حقائقَ بغاية السَّعة والامتداد.
نعم، فكما أن الإيمان والعمل الصالح الآتيان من القرآن هما سبب نجاة العالم الإسلامي من الحرب العالمية الثانية الرهيبة التي هي خسارة هذا العصر، فإن سبب ما نزل بالفقراء من جوعٍ وقحطٍ هو عدم تذوُّقهم ما في الصيام من جوعٍ لذيذ، وسببُ ما أصاب الأغنياءَ من خسارةٍ وفقدِ أموالٍ هو قيامهم بالاحتكار بدلًا من دفع الزكاة.
وإن قناعات الآلاف من أهل الحقيقة والنباهة من تلاميذ رسائل النور، تُثبِتُ بأماراتٍ كثيرةٍ جدًّا أن رسائل النور لقَّنَتْ حقيقةَ الكلمةِ القدسية: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا درسًا تحقيقيًّا في قلوب مئاتِ الآلاف من الناس بصورةٍ فائقة، فكانت هي السببَ في عدم تحوُّل الأناضول ميدانًا للحرب.
٭ ٭ ٭