— 290 —
المكتوب السادس عشر
﴿ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
لقد صار هذا المكتوب مَظهَرًا لسرِّ: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فلم يُكتَب بلهجةٍ شديدة.
وهو جوابٌ على سؤالٍ يَرِد من كثيرين صراحةً أو ضمنًا؛ ولستُ أرغب في تقديم هذا الجواب ولا أُسَرُّ بذلك، فقد فوضتُ جميع أموري إلى اللّٰه متوكِّلًا عليه؛ إلا أنهم لما لم يتركوني وشأني، ولم يدَعوني أرتاح في عالمي، وحوَّلوا وجهي نحو الدنيا، فإنني مضطرٌ لأن أبيِّن بلسان "سعيدٍ القديم" لا الجديد خمسَ نقاط عن حقيقة الحال، أبيِّنها لأصحابي من جهةٍ، ولأهل الدنيا وأهل الحُكمِ من جهةٍ أخرى، لا لأنقذ شخصي، بل لأنقذ أصحابي ورسائلي من هواجس أهل الدنيا وأذاهم.
النقطة الأولى: قيل: لِم انسحبتَ من السياسة فلم تَعُد تَقرَبُها؟
الجواب: إنَّ "سعيدًا القديم" الذي كان موجودًا قبل نحو عشر سنوات قد خاض غمارَ السياسة بقدرٍ ما قائلًا: "لَعلِّي أخدِم الدين والعلم بواسطتها"؛ إلا أنه أُرهِق منها دون طائل، ورأى أن هذا الطريق مشكوكٌ فيه، محفوفٌ بالمشاكل والمخاطر، وأنه بالنسبة إليه اشتغالٌ بالفضول ومانعٌ من الخدمة الألزم، وأن أكثره كذب، وفيه احتمالٌ لأن يكون المرء أداةً لأصابع أجنبية دون أن يدري.
— 291 —
ثم إنَّ الخائض في السياسة إما أن يكون مؤيِّدًا وإما أن يكون معارضًا؛ فإن كُنتُ مؤيدًا، ولم أكن مع هذا مسؤولًا ولا نائبًا في البرلمان، فالاشتغال بالسياسة في تلك الحال فضولٌ لا يعنيني، ولا يُحتاج إليَّ لأتدخل دون جدوى.
أمَّا إن خضتُ في السياسة المعارِضة، فسوف أتدخل إما بالفكر وإما بالقوة؛ فإن كان بالفكر فلا يُحتاج إليَّ، لأن المسائل واضحة، والكل يعرفها مثلي، فلا معنى للثرثرة بغير طائل.
وإن عارضتُ بالقوة وبإثارة الحوادث، فهناك احتمالُ الوقوع في آلافِ الأوزار من أجل مقصِدٍ يُشَكُّ في حصوله، إذ يقع الكثيرون في البلايا والمصائب بسببِ شخصٍ واحد؛ ثم إن وجداني لا يقبل الدخول في الآثام وإيقاع الأبرياء فيها بناءً على احتمالٍ أو احتمالين من عشرة احتمالات؛ فلأجل ذلك ترك "سعيدٌ القديم" الجرائد والسياسة والمجالس الدنيوية السياسية مع تركه السيجارة.
والشاهد القطعي على هذا أنني منذ ذلك الحين - أي منذ ثماني سنوات - ما قرأت صحيفةً ولا استمعت إليها، فليَبْرز أحدهم وليقل إني قرأت أو استمعت؛ هذا مع أن "سعيدًا القديم" كان قبل ثماني سنوات يقرأ حوالي ثماني جرائد في اليوم الواحد.
ثم إنني مراقَبٌ مراقبةً صارمةً منذ خمس سنين، فليتكلم من رأى مني أيَّةَ بادرةٍ تومئ إلى السياسة؛ والحال أن إنسانًا مثلي عصبيَّ المزاج، ولا يهاب أحدًا، ولا تربطه علاقةٌ بأحد، ويرى أن أعظم حيلةٍ: تركُ الحيلة، أخذًا بالدستور القائل: "إنما الحيلة في ترك الحِيَل"، لا يبقى له رأيٌ مستترٌ ثمانية أيام فضلًا عن ثمانية أعوام، فلو كان له أَرَبٌ في السياسة أو رغبةٌ فيها، لدوَّى صداه كهدير مدفع، دون أن يَدَعَ حاجةً للتحريات والتدقيقات.
النقطة الثانية: لماذا يَجتنِب "سعيدٌ الجديد" السياسةَ كلَّ هذا الاجتناب؟
الجواب: لكيلا يُضحِّي بسعيه لحياةٍ أبديَّةٍ تزيد على مليارات السنين، ولكيلا يُفرِّط بفوزه بها لأجلِ تدخُّلٍ فضوليٍّ غيرِ لازمٍ في سنةٍ أو سنتين من حياةٍ دنيويةٍ مشكوكٍ فيها.
— 292 —
وهو كذلك يفرُّ من السياسة أشدَّ الفرار من أجل خدمة القرآن والإيمان التي هي الأهم والألزم والأصفى والأحق.
ذلك أنه يقول: إنني أتقدَّم في السن، ولا أدري كم سنةً سأعيش بعد هذا العمر، إذًا فيلزم أن يكون أهمُّ عملٍ لي السعيَ للحياة الأبدية؛ وليس سوى الإيمان وسيلةٌ للفوز بالحياة الأبدية ومفتاحٌ للسعادة الأبدية، فيلزم السعي له.
ولكنني أيضًا أريد أن أخدِم الناس وأُسْدِيَ لهم النفع، لأنني مكلفٌ بذلك شرعًا لكوني عالِمًا؛ إلا أن هذه الخدمة إما أن تكون عائدةً إلى الحياة الدنيوية والاجتماعية، وإما تكون عائدةً إلى الحياة الأخروية والإيمانية، فأما الأُولى فليس بوسعي القيام بها، فضلًا عن أنه لا يتأتى أداءُ خدمةٍ سليمةٍ في زمانٍ عاصفٍ مضطرب؛ لذا تركت هذه الجهة، واخترتُ عليها جهةَ خدمةِ الإيمان، وهي الأهمُّ والألزم والأسلَم.
وإنني أترك الباب مفتوحًا لتصل إلى أيدي الناس الحقائقُ الإيمانية التي كسِبتُها لنفسي، والأدويةُ المعنويَّةُ التي جربتُها بنفسي، لعل اللّٰه سبحانه يقبل هذه الخدمة، ويكفِّرَ ما سلف من ذنبي.
وليس من حقِّ أحد أن يقف في وجه هذه الخدمة، مؤمنًا كان أو كافرًا، صِدِّيقًا كان أو زنديقًا، حاشا الشيطانَ الرجيم؛ ذلك أن عدم الإيمان لا يشبه شيئًا آخر، إذْ يمكن أن يكون في الظلم والفسق والكبائر لذائذ شيطانية منحوسة، أما عدم الإيمان فليس فيه أيَّةُ جهةٍ من اللذة، بل هو ألمٌ في ألم، وظُلمةٌ في ظلمة، وعذابٌ في عذاب.
فهل يُعقَل يا تُرى في حقِّ إنسانٍ مثلي يعيش وحيدًا، ولا تربطه علاقةٌ بأحد، ويبحث باضطرارٍ عن كفارةٍ لما سَلَف من ذنبه، أن يَترك السعيَ لحياةٍ أبديةٍ، ويتركَ خدمةَ نورٍ قدسيٍّ كالإيمان، ليَزُجَّ بنفسه وقتَ الشيخوخة في ألاعيب السياسة الخطرة غير اللازمة؟! ألا إنه لَأمرٌ يبلغُ من مجافاة العقل والحكمة، بل من الجنون، مبلغًا لا يخفى حتى على المجانين.
— 293 —
أما إن قلت: لماذا تمنعك خدمة القرآن والإيمان من السياسة؟
فإني أقول: إنَّ كلَّ حقيقةٍ من الحقائق الإيمانية والقرآنية هي كالألماس، وإني إنْ كنت مشتغلًا بالسياسة لقال العوام البسطاء عما في يدي من الألماس: أليست هذه دعايةً سياسيةً لكسب المؤيدين؟! وربما نظروا إلى ذلك الألماس نظرتَهم إلى خزفٍ زهيد الثمن، فأَكون بذلك قد ظلمتُ الألماس، وتكون مباشرتي للسياسة بَخسًا لقيمته؛ فيا أهل الدنيا لِمَ تنشغلون بي؟ لِمَ لا تدعونني وشأني؟
فإن قلتم: إن المشايخ يتدخلون في أمورنا أحيانًا؟ والناس يسمونك شيخًا في بعض الأحيان.
فإني أقول: أيها السادة، لست شيخًا..أنا عالم، والدليل على هذا أنني هنا منذ أربع سنوات، فإن كنتُ أعطيتُ أحدًا الطريقةَ لكان من حقكم أن تشتبهوا؛ ولكنني قلت لكل من أتاني: الإيمان لازم، الإسلام لازم، ليس الزمانُ زمانَ الطريقة.
فإن قلتم: يسمّونك "سعيدًا الكردي"، فلعلك تحمل فكر العنصرية، وهذا لا يناسبنا.
فإني أقول: أيها السادة، إن ما كتبه "سعيدٌ القديم" و"سعيدٌ الجديد" في متناول أيدي الجميع، وإنني أبرزه شاهدًا على أنني - بناءً على البلاغ القطعي بأن الإسلام قد جَبَّ العصبية الجاهلية - نظرتُ منذ زمنٍ بعيدٍ إلى القومية السلبية والدعوة إلى العنصرية على أنها سمٌّ قاتل، إذْ هي علةٌ إفرنجية من علل أوروبا، ألقتْ بهذا الداء بين المسلمين ليتفرقوا ويتمزقوا فيَسهُلَ ابتلاعهم؛ ويعلم طلابي ومن لهم صلةٌ بي أنني اجتهدت منذ القديم في معالجة هذه العلة الإفرنجية.
فما دام الأمر كذلك أيها السادة، فلِمَ تتخذونَ كلَّ حادثةٍ ذريعةً للتضييق عليَّ يا ترى؟ بأيِّ قانونٍ تضيِّقون عليَّ في كل حادثةٍ دنيوية، تضييقًا من قبيل أن يخطئ جنديٌ في الشرق فيعاقَب جنديٌّ في الغرب ويشدَّد عليه لمجرد كونه جنديًّا، أو يُسجَن حانوتيٌّ في بغداد بجنايةِ حانوتيٍّ في إسطنبول لمجرد كونه حانوتيًّا؟! أيُّ ضميرٍ يحكم بهذا؟! أم أيُّ مصلحةٍ تقتضي ذلك؟!
— 294 —
النقطة الثالثة: يتساءل أصحابي المهتمون بشأني وبراحتي، المستغربون من سكوتي بصبرٍ إزاء كلِّ مصيبة: كيف تتحمل ما ينزل بك من ضيقٍ وشدائد، وقد كنتَ في الماضي شديد الحِدَّة، شديد الاعتزاز، لا تتحمل أدنى إهانة؟!
فالجواب: استمِعوا إلى حادثتين وحكايتين صغيرتين، وخذوا منهما الجواب.
الحكاية الأولى: قبل سنتين تفوَّه أحد المدراء بكلامٍ مِلْؤه الإهانةُ والازدراءُ لي، وكان ذلك في غيابي وبغير سبب، ثم أُخبِرتُ بالأمر، فبقيت متأثرًا من ذلك ساعةً من الوقت بمشاعرِ "سعيدٍ القديم"، ثم وَرَد على قلبي - برحمة اللّٰه تعالى - حقيقةٌ أزالت ما بي من الضيق، وحملتْني على مسامحة ذلك الشخص، وهي أنني قلت لنفسي:
إنْ كان ما صدر عنه من تحقيرٍ وانتقاصٍ عائدًا إلى شخصي ونفسي فجزاه اللّٰه خيرًا، إذْ أَخبَر عن عيوب نفسي، فإن كان صادقًا فيما أَخبر دفعني إلى تربية نفسي وأعانني على التخلص من الغرور، وإن كان كاذبًا أعانني على التخلص من الرياء ومن الشهرة الكاذبة التي هي أساس الرياء.
نعم، فأنا لستُ راضيًا عن نفسي، لأنني لم أُربِّها، وإنه إنْ كانت على عنقي أو في حِجْري عقرب فنبَّهني إليها أحدهم أو أراني إياها، لَزِم أن أَدين له بالفضل لا أن أَحنَق عليه.
أما إنْ كانت الإهانة الصادرة عن ذلك الشخص عائدةً إلى صفتي باعتباري خادمًا للإيمان والقرآن، فهي غير عائدةٍ إليَّ، وإنني أُحيل هذا الشخص إلى صاحب القرآن الذي يستخدمني، فهو عزيزٌ حكيم.
وإنْ كانت من قبيل مجرد شتمي وتحقيري والحطِّ من شأني فتلك أيضًا غير عائدةٍ إليَّ، وإنما تعود على من يراقبني من حكام هذه القرية، ثم الناحية، ثم الولاية، فقد حللْتُ ضيفًا عليها، وإني ما دمت منفيًّا وأسيرًا وغريبًا ومقيَّدًا، فلا يقع على عاتقي الدفاع عن كرامتي بنفسي، إذْ إنَّ إهانة أسيرٍ ما إنما تعود على صاحبه، فهو من يدافع عنه.
ولما علمتُ أن هذه هي الحقيقة استراح قلبي، وقلتُ: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ،
— 295 —
واعتبرتُ الحادثة كأنها لم تكن، ونسيتُها، ولكن - للأسف - تبيَّن فيما بعد أن القرآن لم يسامحه.
الحكاية الثانية: وهي أنني سمعتُ في هذه السنة أن حادثةً وقعتْ، فإذا بي ألقى معاملةً كما لو كنت وثيق الصلة بهذه الحادثة، مع أني لم أسمع بها إلا على نحوٍ مجمل، فضلًا عن أني لم أكن أراسل أحدًا أصلًا، فإن فعلتُ ذلك، ونادرًا ما كنتُ أفعل، فإنما كنت أكتب إلى صديقٍ مسألةً إيمانية؛ حتى إنني خلال أربع سنوات لم أكتب إلى شقيقي سوى رسالةٍ واحدة.
ولقد كنتُ أمنع نفسي من مخالطة الناس، ويمنعني منها أهل الدنيا كذلك، فلم يكن بمقدوري مقابلةُ سوى واحدٍ أو اثنين من الأحباب مرةً في الأسبوع؛ أما الضيوف القادمون إلى القرية فكان يلتقي بي في الشهر واحدٌ أو اثنان منهم مدةَ دقيقةٍ أو دقيقتين لأجل مسألةٍ تتعلق بالآخرة.
ولقد مُنِعتُ في هذه الغربة من كل شيءٍ ومن كل الناس، مع أني غريبٌ وحيدٌ لا قريب لي، وفي قريةٍ لا تناسب أمثالي للسعي لكسب المعيشة؛ ولقد رمَّمتُ قبل أربع سنين مسجدًا متهدِّمًا، وتوليتُ الإمامة فيه طَوالَ السنوات الأربع - أسأل اللّٰه القبول - نظرًا لكوني أحمل الشهادة في الإمامة والوعظ في بلدي، ولكني مع هذا لم أستطع الذهاب إلى المسجد في شهر رمضان المبارك الماضي، فصلَّيتُ منفردًا في بعض الأحيان، وحُرِمت من خيرِ صلاة الجماعة وثوابها البالغ خمسة وعشرين ضعفًا.
لقد أبديتُ الصبر والتحمل إزاء هاتين الحادثتين اللتين نزلتا بي مثلما فعلتُ إزاء معاملةِ ذلك المسؤول قبل سنتين، وسأستمر على ذلك إن شاء اللّٰه؛ وإنني أتأمل في هذا فأقول:
إنْ كان هذا الأذى والتشديد والتضييق الذي يُنزِلُه بي أهلُ الدنيا لأجل نفسي ذات العيوب والنقائص فإني أسامحهم، فلعله يكون بهذا صلاحُ حالها وكفارةُ ذنوبها، فلقد لقيتُ الكثير من صفاءِ دارِ ضيافة الدنيا، فإنْ ألْقَ يسيرًا من جفائها أشكر اللّٰه كذلك.
— 296 —
وإن كانوا يضيِّقون عليَّ لكوني خادمًا للإيمان والقرآن، فالدفاع عن هذا لا يُناط بي، وإنما أحيله إلى العزيز الجبَّار .
أما إن كان مرادهم صرفَ توجه العامة عني للقضاء على شهرةٍ كاذبةٍ زائفةٍ تُفسِد الإخلاص وتسبب الرياء، فأسأل اللّٰه لهم الرحمة، فإني أعتقد أن نيل توجه العامة وكسب الشهرة في أنظار الناس ضارٌّ بأمثالي.
ويعلم من هم على صلةٍ بي أنني لا أطلب الاحترام الشخصي، بل أكره ذلك، حتى إني زجرتُ أحد أصحابي الأعزَّاء ربما خمسين مرة لمبالغته في احترامي.
وأما إن كان مرادهم من الحطِّ من شأني لدى الرأي العام عائدًا على الحقائق الإيمانية والقرآنية التي أبلِّغها، فذلك منهم سعيٌ بغير طائل، لأن نجوم القرآن لا تُحجَب، ومن يغمض عينيه يحجب عن نفسه الرؤية فحسب، ولا يستطيع أن يجعل نهارَ غيرِه ليلًا.
النقطة الرابعة: جوابٌ عن بضعة أسئلةٍ تنُمُّ عن توجُّسٍ وارتياب:
السؤال الأول: يقول أهل الدنيا: بِمَ تعيش؟ وكيف تَعُوْل نفسَك من غير عمل؟ نحن لا نريد في بلادنا القاعدين كسلًا ومَن يقتاتون على سعي الآخرين.
الجواب: أعيش بالاقتصاد والبركة، ولستُ أقبلُ منَّةَ أحدٍ سوى رزَّاقي جلَّ جلاله.
أجل، إنَّ من يعيش بمئة بارةٍ في اليوم، بل بأربعين بارة، لا يقبل منَّة أحد، ولم أكن أرغب مطلقًا إيضاح هذه المسألة، ولا أُسَرُّ ببيانها، إذ لعلها تُشعر بالغرور والأنانية، لكن ما دام أهل الدنيا يسألون عن ذلك بصورةٍ تثير الأوهام والهواجس فإنني أقول:
إن أحدَ دساتير حياتي التي أخذتُ بها منذ صباي: عدمُ قبول أموال الناس ولو كانت زكاة، وعدمُ قبول الراتب، إلا ما اضطررتُ إلى قبوله لمدة سنة أو سنتين في "دار الحكمة الاسلامية" بإصرارٍ من أصدقائي، وعدمُ الدخول تحت مِنَّة أحدٍ لأجل المعيشة الدنيوية؛ وهذا أمرٌ يعلَمه أهل بلدي وسواهم ممن يعرفونني من أماكن أخرى،
— 297 —
ولقد حاول كثير من الأصدقاء في أثناء سنوات النفي الخمس هذه أن يحملوني على قبول هداياهم فلم أفعل.
فإن قيل: فكيف تدير أمورك إذن؟
أقول: إنني أعيش بالبركة والإكرام الإلٰهيين؛ فإنّ نفسي وإنْ كانت تستحق كلَّ إهانةٍ وتحقير، إلا أنني كرامةً لخدمة القرآن أغدو مَظهرَ البركة التي هي إكرامٌ إلٰهيٌّ بخصوص الرزق.
وإنني بسرِّ قوله سبحانه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ أذكر على سبيل الشكر المعنوي عدةَ نماذج من الإحسانات التي أولانيها اللّٰه تبارك وتعالى، ومع أنه شكرٌ معنوي إلا أنني أخشى أن أشعر بالرياء والغرور فتنقطعَ تلك البركة المباركة؛ ذلك أن إظهار البركة الخفية على سبيل الافتخار سببٌ لانقطاعها؛ ولكن ما الحيلة؟ لقد اضطُرِرتُ لذكرها.
فأولها: أنه كَفَتْني كَيلةُ قمحٍ واحدةٌ - وهي تساوي ستةً وثلاثين رغيفًا - طَوالَ هذه الشهور الستة، وما تزال موجودةً لم تنفَد، ولا أدري إلامَ ستكفيني؟ (حاشية): وقد استمرت سنة.
وثانيها: أنه لم يأتني طعامٌ خلال شهر رمضان المبارك سوى من بيتين، وكِلاهما أمرضاني، ففهمت أنني ممنوعٌ من أكل طعام الآخرين؛ ولقد كفاني فيما بقي من رمضان ثلاثةُ أرغفة وأُوقِيَّةُ أَرُزٍّ بإخبارٍ وشهادةٍ من الصديق الصادق القائم على تدبير شؤوني "عبد اللّٰه چاويش" صاحب المنزل المبارك، حتى إن ذلك الأَرُزَّ لم ينفَد إلا بعد خمسة عشر يومًا من رمضان.
وثالثها: أنه كفتْني أنا وضيوفي بالجبل أُوقِيَّةٌ من الزُّبْد نأكل منها كلَّ يوم بالخبز ثلاثةَ أشهر، حتى إنه كان لي ضيفٌ مباركٌ اسمه "سليمان"، وكان رغيفانا على وشك النفاد، فقلت له - وكان يومَ أربعاء یی: اذهب فائتِ بالخبز، فليس على مسيرةِ ساعتين من هنا أحدٌ يُبتاع منه الخبز.
— 298 —
فقال: إنني أرغب في مشاركتك الدعاء على الجبل ليلةَ الجمعة.
فقلت: توكلنا على اللّٰه، اِبق؛ ثم صعدنا سيرًا على الأقدام دون أن يكون لذلك أي داعٍ أو مناسبةٍ حتى بلغنا قمةً في الجبل، وكان في الإبريق قليل من الماء ومعنا يسيرٌ من السكر والشاي، فقلت له: اصنع لنا شيئًا من الشاي يا أخي، فأخذ يُعِدُّه بينما جلستُ تحت شجرة أَرْزٍ تطل على وادٍ عميق، وفكرتُ بأسف قائلًا: ليس معنا سوى قطعة خبزٍ بائت لا تكاد تكفي كلَينا لهذا المساء، فماذا سنفعل في اليومين التاليين؟ وماذا سأقول لهذا الرجل الصافي القلب؟ وبينما كنتُ أفكر في ذلك إذ حوَّلتُ وجهي - كما لو أن أحدًا يُحوِّله - فرأيتُ بين أغصان شجرةِ الأَرْزِ رغيفًا فوقها ينظر إلينا.
فقلت: سليمان.. أبشر!! لقد ساق اللّٰه إلينا رزقًا!! وأخذنا الرغيف، ونظرنا فإذا به لم يمسَّه طيرٌ ولا وحش، ولم يكن صعِدَ إلى تلك القمة إنسان منذ عشرين أو ثلاثين يومًا، فكفانا ذلك الرغيف يومين، وبينما كنا مرةً نأكل، وقد أوشك الخبز على النفاد، إذ طلع علينا صديقٌ صادقٌ مضى على معرفته أربع سنوات، هو سليمان المستقيم( حاملًا معه الخبز.
رابعها: أنني ما زلتُ أرتدي هذا المِعطف منذ سبع سنين، وقد اشتريتُه حينَها مستعمَلًا، واكتفيتُ على مدى خمس سنين بمبلغ أربع ليراتٍ ونصف لتأمين لوازمي من ثيابٍ وحذاءٍ وجوارب، فكفتني البركة والاقتصاد والرحمة الإلٰهية.
وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ كهذه، وللبركة الإلٰهية جهاتٌ عدة، وأهل هذه القرية يعرفون الكثير منها؛ ولكن إياكم أن تظنوا أنني أذكر هذه الأمثلة افتخارًا، بل ما ذكرتها إلا اضطرارًا؛ ولا تحسبوا أنها علامة على صلاحي، فهذه البركات هي إما إحسانٌ لأصحابي الخُلَّص الذين يأتونني، أو هي إكرامٌ للخدمة القرآنية، أو هي فائدةٌ مباركةٌ من فوائد الاقتصاد، أو هي أرزاق الهررة الأربع التي عندي، والتي تذكر اللّٰه بی"يا رحيم، يا رحيم" بحيث تأتي أرزاقها على صورة بركةٍ فأستفيد منها.
نعم إن أصغيتَ جيدًا إلى هريرها الحزين وعيتَ أنها تذكر: "يا رحيم، يا رحيم".
— 299 —
وهذا الحديث عن الهررة يذكِّر بالدجاج، فقد كان لي دجاجة، وكانت في كلِّ يومٍ من فصل الشتاء هذا تأتيني ببيضةٍ من خزينة الرحمة كأنها ماكينة بيض، ولم تكن تنقطع عن ذلك إلا نادرًا؛ وذات يوم وضعتْ بيضتين، فتعجبت، وسألتُ أصحابي: أيحدث مثل هذا؟! فقالوا: لعله إحسانٌ إلٰهي.
ثم إنه كان لهذه الدجاجة فرخةٌ صغيرةٌ أفرختْها في الصيف، فأخذتْ تضع البيض مع أول شهر رمضان المبارك، حتى لقد استمرت على ذلك أربعين يومًا، فقد شَرَعَتْ في وضع البيض حالما انقطعت أمُّها عنه، فلم تحرمني منه.
فلم تَبق لديَّ شبهةٌ ولا لدى من يقومون على شؤوني في أن حالتها المباركة هذه، سواءٌ وَضعُها البيض وهي صغيرة، أو وضعُ البيض في الشتاء أو في رمضان، ليس سوى إكرامٍ رباني.
السؤال المتوجِّس الثاني: يقول أهل الدنيا: كيف نأمَن جانبَك ونطمئن إلى أنك لن تتدخل في دنيانا؟ فلعلَّك إن أطلقنا سراحك تدخَّلت!
ثم كيف نعلم أنك لا تخادع، فلعلك تُظهِر نفسك بمظهر التارك للدنيا، المتعفِّف ظاهرًا عن أموال الناس، بينما تتلقاها في السر؛ كيف نعلم أن هذا ليس مخادعة؟
الجواب: إن حالي ووضعي قبل عهد الحرية وفي المحكمة العسكرية قبل عشرين سنة، وهي معلومةٌ لكثيرين، وكذا مدافعتي المسماة: "شهادة مدرستَي المصيبة" التي أدليتُ بها في المحكمة العسكرية، تُظهِر بشكل قطعي أنني أمضيت حياتي مترفِّعًا عن ممارسة أدنى حيلةٍ، فضلًا عن سلوكِ سبيلِ المخادعة.
فإنْ كان ثمة مجالٌ للحيلة لوجدتم مني خلال هذه السنين الخمس مراجعةً لكم بتملقٍ وتزلف؛ فإنَّ مَن كان صاحبَ حيلةٍ تودَّد إلى الناس ولم يعتزلهم، وسعى أبدًا في خداعهم واستغفالهم، والحال أني ترفَّعتُ عن التذلل في مواجهة الهجمات والانتقادات الشديدة ضدي، بل أعرضتُ عن أهل الدنيا ووليتهم ظهري قائلًا: توكلت على اللّٰه.
— 300 —
ثم إن من عرف الآخرة، وكشف حقيقة الدنيا، لا يندم على تركِها، ولا يعود للانشغال بها ثانيةً إن كان له عقل.
وإن مَن يعيش بعد الخمسين من عمره وحيدًا لا تربطه علاقةٌ بأحد، لا يضحي بحياته الأبدية من أجل سنةٍ أو سنتين من ثرثرة الدنيا وألاعيبها، فإن ضحَّى بها لم يكن صاحب حيلة، بل كان مجنونًا أبله، وماذا عسى أن يَصدر عن مجنونٍ أبله حتى يُهتم بأمره؟!
أما شبهةُ أني تاركٌ للدنيا ظاهرًا طالبٌ لها باطنًا، فإنني بمقتضى الآية: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ لستُ أبرئ نفسي، فهي تطلب كل سوء، ولكن ليس من شأن أهل العقل أن يُفسِدوا حياتهم الأبدية الدائمة وسعادتَهم الأبدية لأجل لذةٍ يسيرةٍ في زمان الشيخوخة من عمرٍ قصيرٍ في دار الضيافة المؤقتة لهذه الدنيا الفانية؛ وبما أن ذلك ليس من شأن أهل العقل وذوي الشعور، فقد تبِعتْ نفسي الأمارةُ العقل راغِمة.
السؤال المتوجِّس الثالث: يقول أهل الدنيا: هل تحبنا؟ وهل يُعجبك أمرُنا؟ فإنْ كنتَ تحبنا فلماذا تُقاطعنا ولا تخالطنا؟ وإن كان لا يُعجبك أمرُنا فأنت إذن معارضٌ لنا، ونحن نسحق معارضينا.
الجواب: لو كنت أحب دنياكم - فضلًا عن أن أحبكم - لما انسحبتُ من الدنيا، فلستُ معجبًا بكم ولا بدنياكم، غير أني لا أتدخل في شؤونكم، لأنني في مقصِدٍ آخر، ولقد شغلتْ قلبي أمورٌ أخرى فلم تدع مجالًا للتفكير بغيرها.
وإنما وظيفتكم النظر إلى اليد لا إلى القلب، ذلك أنكم تريدون أمنكم وإدارة شؤونكم، فإن لم تتعرض لكم اليدُ فبأي حقٍّ تتعرضون للقلب فتطلبوا منه أن يحبكم وأنتم لستم أهلًا للمحبة أصلًا؟!
نعم، فكما أتمنى الربيع وأتوق إليه وأنا في فصل الشتاء هذا، لكن لا أقدر عليه ولا أستطيع الإتيان به، فكذلك أتمنى صلاح حال العالَم وأسأل اللّٰه ذلك، وأتوق إلى
— 301 —
إصلاح أهل الدنيا، لكن لا أقدر عليه لأنه ليس بوسعي، ولا يمكنني فعلُه، لأنه ليس من وظيفتي ولا بمقدوري.
السؤال الرابع المثير للشبهات: يقول أهل الدنيا: لقد لقينا الكثير من المشاكل فلم نعد نثق بأحد، فكيف يمكننا الاطمئنان إلى أنك لن تتدخل على النحو الذي تصبو إليه متى سنحت لك الفرصة؟
الجواب: إن النقاط آنفةَ الذكر تُطمئنكم؛ ثم إني لم أتدخل في دنياكم حين كنتُ في بلدي، بين أهلي وطلابي وبين من يأخذون بقولي، وفي خضم الأحداث المثيرة؛ فكيف أتدخُّل فيها وأنا اليوم أعيش غريبًا وحيدًا في ديار الغربة، وأنا فوق هذا ضعيفٌ عاجزٌ متوجِّهٌ إلى الآخرة بكل قوَّتي، ممنوعٌ من مخالطة الناس والاتصال بهم، ولا أجد أصدقاء سوى بعض أهل الآخرة أصادقهم برباط الإيمان والآخرة عن بُعد، ويراني كلُّ شخصٍ أجنبيًّا وأرى الكلَّ أجنبيًّا كذلك؟! إن امرءًا هذه حالُه يتدخَّل في دنياكم الخطيرة العقيمة لا يمكن إلا أن يكون مجنونًا جنونًا مضاعفًا.
النقطة الخامسة: تدور حول خمس مسائل صغيرة.
الأولى:
يقول أهل الدنيا: لماذا لا تطبِّق على نفسك أصولَ مدنيَّتنا وأسلوبَ حياتنا وهيئةَ لباسنا؟ إنك إذًا معارضٌ لنا.
أقول: أيها السادة، لقد فرضتم عليَّ إقامةً جبريةً في قريةٍ خمسَ سنين ظلمًا، ومنعتموني من مخالطة الناس والتواصل معهم كأنني مجرَّدٌ من الحقوق المدنية، بأي حقٍّ تطالبونني بأصول مدنيَّتكم؟!
ولقد سمحتم للمنفيين بالعيش في المدن مع أهلهم وأصحابهم، ثم منحتموهم وثيقةً تسمح بعودتهم، بينما عزلتموني عن الناس بغير سبب، فلم تسمحوا لي بمقابلة أحدٍ من أهل بلدي سوى واحدٍ أو اثنين!! هذا يعني أنكم لا تعدونني واحدًا من أفراد الشعب والرعية، فكيف تكلفونني بتطبيق قانون مدنيَّتكم؟!
— 302 —
لقد جعلتم الدنيا لي سجنًا، ولا يكلَّف بمثل هذه الأمور مَن كان في السجن؛ ولقد أغلقتم دوني باب الدنيا، فقرعتُ باب الآخرة، ففتحتْه الرحمة الإلٰهية، فكيف يُكلَّف بأصول الدنيا وعاداتها المتغيِّرة المتقلِّبة مَن كان على باب الآخرة؟!
إنكم متى أطلقتم سراحي، وأعدتموني إلى بلدي، وأعطيتموني حقوقي، أمكنكم حينئذٍ أن تطالبوني بتطبيق مبادئكم.
المسألة الثانية:
يقول أهل الدنيا: إن لدينا دائرتَنا الرسمية التي تُعلِّم الأحكام الدينية والحقائق الإسلامية، فبأيِّ صلاحيةٍ تنشر أنت منشوراتٍ دينية؟! ثم إنك ما دمتَ محكومًا بالنفي فليس لك حقٌّ في مزاولة هذه الأعمال.
الجواب: إن الحق والحقيقة لا يُحصران بجهةٍ معينة، فكيف يمكن للإيمان والقرآن أن يُحصرا بجهةٍ ما؟! يمكنكم فعل هذا بأصول دنياكم وقوانينها، أما الحقائق الإيمانية والأساسات القرآنية فلا يمكن أن تُقَولَب في شكلٍ رسمي وفي معاملةٍ دنيويةٍ مقابل أجرةٍ ما.
إن تلك الأسرار موهبةٌ إلٰهية، ولا يمكن أن تأتي تلك الفيوضات إلا بالنية الخالصة والتجرد عن الدنيا والحظوظ النفسية.
ثم إن دائرتكم الرسمية تلك قبلتني وعيَّنتني واعظًا عندما كنت في بلدي، ولقد قبلتُ وظيفة الوعظ هذه وتركتُ مُرَتَّبها؛ فإجازتي في الوعظ والإمامة موجودةٌ لديَّ، ويمكنني العمل بموجَبها في كلِّ مكان، لأن نفيي كان بغير حق.
ثم ما دام المنفيون قد أعيدوا إلى بلادهم، فإجازاتي القديمة إذن ساريةُ المفعول.
ثانيًا: إن الحقائق الإيمانية التي كتبتُها خاطبتُ بها نفسي مباشرة، ولستُ أدعو إليها كلَّ أحد، بل إنما يبحث عن تلك الأدوية القرآنية فيجدُها من كانت أرواحهم محتاجة وقلوبُهم مجروحة.
— 303 —
غير أني طبعتُ رسالةً لي عن الحشر قبل ظهور الأحرف الجديدة اللاتينية لتأمين معيشتي، وقد اطَّلعَ عليها الوالي القديم الذي كان متعسفًا بحقي، فلم يستطع أن يتعرض لها بشيء، إذْ لم يجد فيها شيئًا يثير الانتقاد.
المسألة الثالثة:
إن بعض أصحابي يتبرؤون مني ظاهرًا، بل ربما انتقدوني، لينالوا استحسان أهل الدنيا الناظرين إليَّ نظرةَ شكٍّ وارتياب، والحال أن أهل الدنيا - وهم أرباب حِيَل - لا يرَون في تبرُّؤِ هؤلاء مني واجتنابِهم إياي موالاةً لهم، بل يعدونه نوعًا من المراءاة وانعدام الضمير، فينظرون إلى أصحابي هؤلاء نظرة سوء.
وإني أقول: يا رفاق الآخرة.. لا تفِرُّوا متبرِّئين من كوني خادمًا للقرآن، فليس يصيبكم مني ضررٌ بإذن اللّٰه؛ بل حتى لو حلَّتْ بنا مصيبةٌ أو أصابتْني مَظْلمة، لم يمكنكم أن تنجوا بالتبرؤ مني، بل تكونون عندئذٍ مستحقين لمزيدٍ من المصائب والصفعات؛ ثم ماذا في الأمر حتى تساوركم المخاوف؟
المسألة الرابعة:
أُلاحِظُ خلال مدة نفيي هذا بعضَ المغترِّين بأنفسهم ممن سقطوا في مستنقع السياسة ينظرون إليَّ على أنني متحزّبٌ منافس، وكأنني مثلُهم على علاقةٍ بما في العالم من تيارات.
ألا أيها السادة.. أنا في تيار الإيمان، وفي مواجهتي تيار الإلحاد، لا علاقة لي بأيِّ تياراتٍ أخرى، ولربما يرى نفسَه معذورًا بعضَ الشيء مَن يعمل مِن هؤلاء في هذه التيارات مقابل أجرة، إلا أن النظر إليَّ كأنني متحزِّبٌ منافس، والتعرض لي وإيذائي حميَّةً من غير أُجرة ليس سوى خطأ شنيع، لأني كما أثبتُّ سابقًا ليس لي علاقة بما في العالَم من سياسة، فلقد حصرتُ جميع وقتي ووقفت جميع حياتي على الحقائق الإيمانية والقرآنية.
فما دام الأمر كذلك فلْيَعلم مَن يؤذيني ويتعرض لي متخذًا موقف المنافس أنه بمعاملته هذه يغدو بمثابة من يتعرض للإيمان باسم الزندقة والإلحاد.
— 304 —
المسألة الخامسة:
بما أن الدنيا فانية، والعمر قصير، والواجبات كثيرة، وبما أن الحياة الأبدية تُنال هنا، وبما أن الدنيا ليست بغير مالك، بل إن لدارِ ضيافةِ الدنيا هذه مدبِّرًا حكيمًا غاية الحكمة كريمًا غاية الكرم، وبما أنه لا تبقى حسنةٌ ولا سيئةٌ بغير جزاء، وبما أنه لا تكليف بما لا يطاق، بسرِّ: لَا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وبما أن الطريق الخالي من الضرر مرجَّحٌ على الطريق ذي الضرر، وبما أن أمدَ رفاق الدنيا وما فيها من الرُّتَب بابُ القبر.. فلا بد أن يكون الأسعدَ مَن لم ينسَ الآخرة لأجل الدنيا، ولم يُضحِّ بآخرته في سبيل الدنيا، ولم يُفسِد الحياة الأبدية لأجل الحياة الدنيوية، ولم يُبدد عمره فيما لا يعنيه، ومَنْ عدَّ نفسه ضيفًا فتصرف وفقًا لأوامر صاحب دار الضيافة، فتح باب القبر بسلامة، ودخل دار السعادة.
(حاشية): بناء على هذه المقدمات المصدَّرة بی "بما أن.." فإني لا أُبالي بما نالني من عسفٍ وظلم، ولستُ أعيره أيَّة أهمية، بل أقول: "إنه لا يستحق الاهتمام"، وأُعرِض عن أمور الدنيا.
٭ ٭ ٭
ذيل المكتوب السادس عشر
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
فرض عليَّ أهلُ الدنيا قيودًا مشددةً تحسُّبًا بغير مبرِّر، متوهِّمين أن رجلًا عاجزًا غريبًا مثلي له من القوة ما لآلاف الرجال، ولم يسمحوا لي بالبقاء ليلةً أو ليلتين في أحد جبال "بارلا" ولا في "بَدرة" الواقعةِ على مقربةٍ منها؛ ولقد سمعتهم يقولون: إن سعيدًا بقوة خمسين ألف جندي، فلهذا لا ندعُه حرًّا طليقًا.
وأنا أقول: يا أهل الدنيا التعساء.. إنكم تعملون بكل قوتكم لأجل الدنيا، فلماذا لا تعلَمون شؤونها حتى صرتم تحكمون كالمجانين، ألا إنه إنْ كان خوفكم
— 305 —
من شخصي فإنَّ جنديًّا واحدًا - لا خمسين ألفًا - يمكنه أن يتكفَّل بالأمر أكثر مني بخمسين مرة، أي يمكنه أن يقف بباب غرفتي فيقول لي: لن تخرج.
أما إن كان خوفكم من مسلكي ومن كوني دلَّالًا للقرآن ومن القوة الإيمانية المعنوية فأنتم مخطئون.. ألا فاعلموا أنني من حيث المسلك بقوة خمسين مليونًا لا خمسين ألفًا، إذ إنني أبارز بقوَّةِ القرآن الحكيم جميعَ أوروبا ومعها مُلحِدوكم، ولقد أتيتُ إلى قلاعهم المُحكَمة المسماةِ الطبيعةَ والعلومَ المادية فجعلت عاليَها سافلَها بما نشرتُ من الأنوار الإيمانية، وأسقطتُ أكبر فلاسفتهم الملحدين إلى ما دون منزلة الحيوان.
فلو اجتمعت عليَّ جميع أوروبا ومعها مُلحِدوكم ما استطاعوا أن يصرفوني عن مسألةٍ واحدة من مسائل مسلكي بتوفيق اللّٰه، وما استطاعوا أن يغلبوني بإذن اللّٰه؛ وما دام الأمر كذلك فلستُ متدخِّلًا بدنياكم، فلا تتدخلوا بآخرتي، فإن فعلتم كان ذلك بغير طائل.
فقیوَّة السیواعید لا تیرُدُّ قیدَرَ اللّٰه
والشمعةُ التي أشعلها المولى لا تُطفِئُها الأفواه
وإن أهل الدنيا تساورهم بشأني على نحوٍ خاصٍّ هواجسُ كثيرة ويتوجسون مني خيفةً، إذ يتخيَّلون أمورًا لا وجود لها عندي، بل حتى لو وُجِدَتْ ما كانت لتشكِّلَ جرمًا سياسيًّا أو تكونَ مدار اتهام؛ فمنها المشيخة والعَظَمة والحسَب، وأنني صاحب عشيرة ونفوذ، وأنني كثير الأتباع، وأنني أجتمع بأبناء البلد، وأنني على صلةٍ وثيقة بأحوال العالم، بل لقد توهموا دخولي في السياسة بل في المعارضة ونحو ذلك مما ليس عندي، حتى استولت عليهم المخاوف والهواجس من جرَّاء ذلك، لدرجة أنهم لما ناقشوا موضوع العفو عن أشخاصٍ داخل السجن وخارج البلاد، وهم أشخاصٌ لم يكونوا يستحقون العفو بنظرهم، منعوني من كل شيء.
ولقد قال يومًا رجلٌ سيئٌ فانٍ كلامًا حسنًا باقيًا، قال:
— 306 —
إنْ كان للظلم مدفعٌ وقذيفة وقلعة
فللحق ذراعٌ لا ينثني ورأسٌ لا ينحني
وأنا أقول:
إنْ كان لأهل الدنيا حكمٌ وشوكةٌ وقوة
فلِخادمِ القرآن بفيضه علمٌ لا يَضِل..
وكلماتٌ لا تصمت..
وقلبٌ لا يزيغ..
ونورٌ لا ينطفئ.
ولقد سألني مِرارًا كثيرٌ من الأصحاب وكذا ضابطٌ يقوم بمراقبتي: لِمَ لا تراجع الجهات المعنيَّة وتتقدم بطلبٍ للحصول على وثيقةِ العودة؟
فالجواب: إنني لا أراجعهم، ولا يمكنني أن أراجعهم لخمسةِ أسبابٍ أو ستة:
الأول: أنا لم أتدخل في دنيا أهل الدنيا حتى أنزل على حكمهم فأراجعَهم، أنا محكومٌ للقدر الإلٰهي، ومُقصِّرٌ تجاهه، فإيّاه أراجع.
الثاني: لقد عَلِمتُ وآمنتُ يقينًا أن هذه الدنيا دار ضيافةٍ سريعةُ التبدُّل، فليستْ إذًا وطنًا حقيقيًّا، بل كل الأماكن سواء؛ فما دمتُ لن أبقى مخلَّدًا في بلدي، فلا فائدة من الذهاب إليه، ولا جدوى من السعي لأجل ذلك.
وما دام كل مكانٍ دارَ ضيافة، فإنه إنْ صَحِبتْك رحمةُ المُضِيف رحَّب بك كلُّ مكان، وكان صديقًا لك كلُّ إنسان، وإن جانبتْك رحمتُه ضاق القلب بكلِّ مكان، وانقلب عدوًّا كلُّ إنسان.
الثالث: أن المراجعة إنما تكون في إطار القانون، وواقعُ الحال أنَّ المعاملة التي عُومِلت بها طَوالَ هذه السنين الست كانت مزاجيَّةً تخالف القانون، فلم أُعامَل وفق قانون المنفيين، بل نظروا إليَّ باعتباري مجرَّدًا من الحقوق المدنية، بل ومن الحقوق الدنيوية أيضًا، فأيُّ معنى لأن أُراجِع باسم القانون أُناسًا يعاملونني معاملةً تخالف القانون؟!
— 307 —
الرابع: أن مدير المنطقة قدَّم في هذه السنة طلبًا باسمي كي أمكث بضعةَ أيامٍ على سبيل التفسُّح في قرية "بَدرة" التي تُعدُّ حيًّا من أحياء "بارلا"، فلم يسمحوا بذلك، فمن كان يرفض تلبيةَ حاجةٍ تافهةٍ من حاجاتي كهذه كيف يُراجَع؟! ألا إنَّه إنْ تمتْ مراجعتهم لم تكن إلَّا مهانةً وتذلُّلًا لا يجدي نفعًا.
الخامس: إنَّ طلبَ الحق ممن يناصرون الباطل ويعدُّونه حقًّا، ومراجعتَهم، ليست إلا ظلمًا للحق وامتهانًا له، وأنا لا أريد أن أرتكب هذا الظلم والامتهان للحق؛ والسلام.
السبب السادس: إن تشديد أهل الدنيا الخِناقَ عليَّ ليس مردُّه السياسة، فهم يعلمون أنني لا أتدخل فيها، بل أفرُّ منها، إنهم يفعلون ذلك - سواءٌ علموا أن هذا لصالح الزندقة أو جهلوه - لتمسكي بالدين؛ وبناءً على هذا فإن مراجعتَهم تعني إظهارَ الندامة على التمسك بالدين ومداهنة مسلك الزندقة.
ثم إنني كلما راجعتُهم ولجأتُ إليهم عذَّبَني القدر الإلٰهي العادل بأيديهم الظالمة، ذلك أنهم يُضيِّقون عليَّ لتمسكي بالدين، والقدرُ يضيق عليَّ لتقصيري في الدين والإخلاص، ولمراءاتي أهلَ الدنيا أحيانًا، وما دام الأمر كذلك فلا خلاص من هذا التضييق، فإن راجعتُ أهل الدنيا قال لي القدر: أيها المرائي.. ذُقْ جزاءَ مراجعتك هذه؛ وإن لم أُراجعهم قال أهل الدنيا: أنت لاتعترف بنا.. فلتبقَ إذن في شدةٍ وضيق.
السبب السابع: من المعلوم أن وظيفة أيِّ موظَّفٍ تتمثل في دعم من ينفع المجتمع، وفي عدم إفساح المجال لمن يُلحِق الضرر به؛ وواقع الحال أنني بينما كنت ذاتَ مرةٍ أوضِّح لضيفٍ عجوزٍ قد شارف على باب القبر ذوقًا لطيفًا من أذواق الإيمان في حكمةِ "لا إلٰه إلا اللّٰه"، إذْ أتى الموظف الذي يراقبني وكأنه قبض عليَّ بالجرم المشهود مع أنه لم يأتِني منذ زمن بعيد، فَحَرَمَ ذلك المسكينَ الذي كان يصغي إليَّ بإخلاص، وأثار حفيظتي؛ هذا في الوقت الذي كان هنا أشخاصٌ تافهون لا يعيرهم أهمية، فلمَّا صدرتْ منهم تصرُّفاتٌ تُنافي الأدب وتُسمِّم الحياة الاجتماعية في القرية أخذ يوليهم الاهتمام والتقدير!!
— 308 —
ومعلومٌ كذلك أنه لو كان في السجن رجلٌ ارتكب مئةَ جريمة، لم يكن في هذا ما يمنعه من اللقاء في أيِّ وقتٍ بالموظَّفَ المكلَّف بحراسته ضابطًا كان أو جنديًّا، والحال أنه خِلال عامٍ كاملٍ مرَّ بجوار غرفةِ توقيفي على نحوٍ متكررٍ ضابطٌ رفيع المستوى، وموظفان من ذوي الشأن في الحكومة الوطنية، فما التقَوا بي مرةً، ولا سألوا عن حالي قط، وكنت أولَ الأمر أظن أنهم يجتنبونني عداوةً، ثم تبين لي فيما بعد أن المخاوف قد استولت عليهم، فهم يَفِرُّون مني كأنما سأبتلعهم!! ألا إنه ليس من العقل الاعترافُ بحكومةٍ ومراجعتُها وفيها موظَّفون وأعضاء أمثال هؤلاء، فما مراجعتُهم إلا ذِلَّةٌ لا جدوى منها؛ ولو كان "سعيدٌ القديم" موجودًا لقال مثلما قال عنترة:
ماءُ الحياةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمٍ وجَهَنَّمٌ بالعِزِّ أفخرُ منزلِ
ولكن "سعيدًا القديم" غير موجود، أما "سعيد الجديد" فيرى أنه لا معنى للحديث مع أهل الدنيا، بل يقول: تبًّا لدنياهم.. فليفعلوا ما يشاؤون.. سنتحاكم في المحكمة الكبرى؛ ويَصمُت.
السبب الثامن من أسباب عدم مراجعتي إياهم: أن القدر الإلٰهي العادل يُعذبني بالأيدي الظالمة لأهل الدنيا، وفقًا للقاعدة القائلة: "نتيجةُ المحبة غيرِ المشروعة عداوةٌ جائرة"؛ فإني كنتُ مِلْتُ إليهم مع أنهم ليسوا أهلًا لأن يميل المرء إليهم، فأنا مستحقٌّ لهذا العذاب، ولهذا ألتزم الصمت.
ذلك أني انخرطت في الحرب العالمية الأولى، وحاربتُ فيها مدة سنتين بوصفي قائدًا لفرقةٍ من المتطوعين، وفقدتُ فيها طلابي وأصحابي الأعزاء، ونِلتُ التقدير من قائد الجبهة ومن القائد العام للجيش "أنور باشا"، وأصابتْني فيها جراحٌ فوقعت أسيرًا، ثم بعد أن عدتُ من الأسر ألقيت بنفسي في المخاطر بما ألَّفتُ من كتبٍ، ككتاب "الخطوات الست" الذي أهويتُ به على رؤوس الإنكليز إبَّان احتلالهم لإسطنبول، وقدَّمتُ العون لأُناسٍ كافؤوني عليه فيما بعد بأن زجُّوا بي في هذا الأسر المرير دون سبب، فجرَّعني هؤلاء الأصدقاء من الشدائد والأذى في ثلاثة أشهر ما تجرعتُه في ثلاث سنين من الأسر في روسيا.
— 309 —
ومع أن الروس كانوا ينظرون إليّ على أنني ذلك الرجل الباطش الذي قطع رقاب القوزاق والأسرى بصفته قائدَ المتطوعين الأكراد، إلا أنهم لم يمنعوني من إلقاء الدروس، فكنت أُدرِّس معظم الضباط الأسرى البالغ عددهم تسعين ضابطًا، وذات مرةٍ جاء القائد الروسي فاستمع إلى الدرس، فظنَّه لجهلِه بالتركية درسًا سياسيًّا، فمنعني منه مرةً واحدة، ثم سمح به.
بل لقد اتخذنا إحدى الغرف في تلك الثُّكْنة مسجدًا، وكنت أقوم بالإمامة هناك، فلم يتدخل القوم في شيءٍ من ذلك، ولم يمنعوني من مخالطة الناس، ولم يحولوا دون اتصالي بهم، في حين أن أصدقائي هؤلاء - وهم أبناء وطني وديني، وهم مَن كابدتُ ما كابدتُ من أجل منفعتهم الإيمانية - منعوني من مخالطة الناس، وألقَوا بي من غير سببٍ في أسرٍ شديدِ الوطأة ستَّ سنين بدلًا من ثلاث، مع علمهم بأني قطعتُ علاقتي بالسياسة والدنيا، ومنعوني من إلقاء الدروس، بل منعوني حتى من أن ألقي دروسًا خاصة في غرفتي مع أن لدي إجازةً بذلك، وحالوا بيني وبين التواصل مع الناس، بل لقد منعوني من مسجدي الذي رمَّمتُه بنفسي وأَمَمْتُ فيه الناسَ أربع سنين مع أنني أحمل إجازةً تُخوِّلني ذلك، وهم اليوم لا يقبلون أن أؤمَّ ثلاثة أشخاصٍ هم جماعتي الدائمة وإخواني في الآخرة، حرمانًا لي من ثواب الجماعة.
ثم إنه إنْ وصفني امرؤٌ بأنني إنسانٌ فاضل - مع أنني لا أرغب بذلك - ثارتْ حفيظةُ الموظف الذي يراقبني حسدًا، واتخذ بحقي تدابير جائرةً بدعوى أنه يكسر نفوذي، وضيّقَ عليَّ لينال استحسان رؤسائه.
أرأيت إنسانًا هذه حالُه يراجع غير اللّٰه جلَّ جلالُه؟! وكيف تُرفع الشكوى إلى قاضٍ صار هو المدعي؟!
فتعال وقُل في هذه الحال ما شئتَ أن تقول، أما أنا فأقول: إن بين معارفي هؤلاء كثيرًا من المنافقين، والمنافق أشدُّ من الكافر، فلهذا أذاقني هؤلاء ما لم يُذقني إياه الروس الكفار.
— 310 —
ألا ماذا فعلتُ أيها الأشقياء؟! ما الذي أفعله بحقكم؟! أنا إنما أقوم بهذه الخدمة لإنقاذ إيمانكم وسعادتكم الأبدية.. إذًا لم تكن خدمتي خالصةً للّٰه فعادت بعكس المراد؛ وأنتم في المقابل تُلحقون بي الأذى كلما سنحت لكم الفرصة، فلا جَرَم أننا سنلتقي في المحكمة الكبرى، فأقول:
﴿ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭