السيرة الذاتية
— 274 —

المدافعة الأخيرة المقدَّمة إلى قاضي الجزاء

باسمه سبحانه
مدافعتي ردًّا على القسم المتعلِّق بشخصي، والبالغ اثنتي عشرة صفحة في لائحة القرار الاتهامية المؤلَّفة من بضعٍ وستين صفحة.
تحوي مدافعتي المحرَّرة في ضُبوط المحكمة الإجاباتِ القطعيَّة عن الموادِّ المذكورة ضدَّنا في لائحة القرار؛ وأُبرِزُ مدافعتي الأخيرة المؤلَّفة من تسعٍ وعشرين صفحة، ولائحةَ اعتراضي المؤلَّفةَ من تسعَ عشرة صفحة، ردًّا على لائحة الادعاء الموهومة التي لا أصل لها، والواردة فيما يسمى لائحة القرار هذه.
فهاتان المدافعتان تَرُدَّان وتُفنِّدان بصورةٍ قطعيةٍ جميعَ ما ورد في لائحةِ قرارِ قضاة التحقيق من نقاطِ مؤاخذةٍ وأسسِ اتهام، وتُظهِران بطلانها؛ على أني سأورِد هنا "خمس عُمَد" تُبيِّن مستند لائحة القرار هذه، ومن أين ضُلِّل الذين اتهموني، ومن أين اقتبسوا هذه المؤاخذة التي لا أصل لها.
— 275 —
الأولى: دعوى باطلةٌ لا أصل لها تتهمني وتتهم رسائلَ النور بمعارضة مبادئ الحكومة، ومناوئةِ النظام الحاكم، ومحاولةِ الإخلال بالأمن الداخلي، متذرِّعةً بخمس عشرةَ فقرةً وَرَدَتْ في جزأين أو ثلاثةٍ أو أربعةٍ من أجزاء رسائل النور المئة والعشرين.
وأنا أقول جوابًا على هذا: لقد دافعتُ دفاعًا علميًّا عن الحقائق القرآنية ردًّا على الجانب الضارِّ لا النافع من مدنيَّة أوروبا، فبأي صورةٍ يُعتبر دفاعي هذا معارَضةً لنظام الحكم ومبادئِ الحكومة، وحركةً مناهضةً لسياساتها الثوريَّة، لمجرَّد أن حكومةَ الجمهوريَّة أخذتْ ببعضِ قوانين هذه المدنيَّة بناءً على ضرورات هذا الزمان؟!
وهل ترضى حكومةُ الجمهوريَّة لنفسها أن تصبح محامي الدفاع عن معايب مدنيَّة أوروبا؟! وهل كانت القوانين المخالفة للإسلام لدى هذه المدنيَّة الناقصة هدفًا تسعى له الحكومة منذ القديم؟! ثم أين هذه المدافعةُ العلميةُ عن الحقائق القرآنية ردًّا على بعضِ قوانين المدنيَّة الناقصة، أين هي من اتخاذِ موقفِ المعارض للحكومة؟!
لقد كتبتُ مدافعاتي العلمية قبل ثلاثين سنة، ورددتُ بها على اعتراضاتِ فلاسفةِ أوروبا وتجاوزاتهم على الحقائق القدسية الواردة في الآيات مثل: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ، فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ وغيرها من آيات القرآن الحكيم القطعيَّة، وهي حقائق موجودةٌ في ملايين التفاسير منذ ألفٍ وثلاثمئة سنة، وفي التفاسير التي ما تزال تزخر بها المكتبات إلى يومنا هذا، وإن توظيف هذه المدافعات لاتهامي بالقول: "إنَّ له مقصِدَ معارَضةِ النظامِ الحاكم ومبادئِ الحكومة وثورتِها"، ليس إلا حقدًا ظاهرًا ووهمًا باطلًا، ولولا مَساسُه بهذه المحكمة العادلة لما كنت أراه لائقًا بالمدافعة والرد.
ثم بأيَّ صورةٍ يا تُرى تُعتَبَرُ مدافعتي العلميَّةُ موجَّهةً ضدَّ الحكومة، مع أنها إنما تتصدى للملحدين الذين يَبْذُرُون منذ القديم بذورَ الفساد والخلاف والإلحاد بواسطةِ جمعيَّات الروم والأرمن، ويعملون لصالحِ منظَّمات الكفر والإلحاد الأوروبية، بنيَّةِ الإضرار بهذا الوطن والأمة؟! أجل، وبأيِّ سببٍ تُفسَّر هذه المدافعة العلمية بأنها هجومٌ
— 276 —
على الحكومة؟! وبأيِّ إنصافٍ تُلبَس الحكومةُ ثوب الإلحاد ثم تُساق الاتهامات تبعًا لذلك؟!
ومع أن الأسس المتينة لحكومةِ الجمهورية هي ضدُّ أمثال هؤلاء الملحدين، إلا أن بعضَ مبادئها ألبِسَتْ ثوبَ الإلحاد، ثم جِيْءَ إلى مدافعاتي العلميَّة، التي انتصرتْ منذ عشرين سنةً للوطن والأمة والحكومة على هؤلاء المفسدين، ففُسِّرتْ بأنها "تتخذ الدين أداةً للسياسة، وتحرِّض على الحكومة"، فأيُّ إنصافٍ يقبَل هذا، وأيُّ ضميرٍ يرضاه؟!
نعم، إنني أعلن لا أمام هذه المحكمة فحسب، بل أمام العالَم أجمع، أنني دافعتُ وما زلت أدافع عن الحقائق القدسية الإيمانية في مواجهة فلاسفة أوروبا، خصوصًا الملحدين منهم، وبالأخص مَن يتخذون السياسة أداةً للكفر والإلحاد، ويُخِلُّون بالأمن معنويًّا.
إنني أعلَم أن حكومة الجمهوريَّة حكومةٌ مسلمة، لا تُفسِح المجال للتيارات الإلحادية التي تضرُّ الوطن والشعب، وإنما قَبِلتْ بعض القوانين المدنيَّة لضرورات الزمان.
لن أخاطب المحقِّقين الذين يؤدون وظيفتهم فيما يتعلق بلائحة الادعاء المسمَّاة لائحة القرار، وإنما أخاطب الظَّلَمة الملحدين، وأردُّ على مكائدهم وأوهامهم التي استند إليها المحقِّقون، فأقول:
إنكم تتهمونني بجعْلِ الدين أداةً للسياسة، وإنني أتهمكم مقابلَ هذه الفرية الشنيعة بأنكم تريدون جَعْل السياسة أداةً للإلحاد، وفضلًا عن هذا فإني أُثبِت بمئةِ دليلٍ قطعيٍّ أن اتهامكم هذا افتراءٌ ظاهرٌ وباطلٌ لا أصل له.
ولقد كان في زمانٍ ما ملكٌ ذو دهاءٍ ومكر، يرتكبُ بِنيَّةِ العدالةِ مظالمَ كثيرة، فقال له عالِمٌ محقِّق: أيها الحاكم، إنك تظلِم رعيَّتَك باسم العدالة؛ إذْ تَجمَعُ بنظرك الناقدِ المحتالِ مساوئَ متفرِّقةً في أزمنةٍ متباعدة، فتتصوَّرُها واقعةً في زمانٍ واحد، فتُنْزِل بصاحبها العقابَ الشديد.
— 277 —
وكذا تَجمَعُ في نظرِك الناقد المحتال مساوئَ صدرتْ من أفراد قومٍ متفرِّقين، فتُبغِض من جرَّاء ذلك جميعَ أولئك القوم، ويشتدُّ غضبُك عليهم، فتُنزِل بهم ضربتَك دون حق.
نعم، وإنك لو خرجَ منك في يومٍ واحدٍ ما بصقتَه في سنةٍ لغَمَرَك؛ ولو تعاطى بضعةُ أشخاصٍ في يومٍ واحدٍ ما تتعاطاه في أزمنةٍ متفرِّقةٍ من أدويةٍ مُرَّةٍ كالعلقم، لأمكنها أن تُهلِكَهم جميعًا.
وعلى هذا، فبينما كان يَلزمك أن تَستُر بالمحاسنِ مساوئَ وقعتْ بينها أحيانًا، إذا بك تَجمَعُ بنظرِك المحتالِ المساوئَ المتفرِّقة، دون أن تفكِّر بما يمحوها من المحاسن، فتُنزِلُ برعيَّتِك العذاب الأليم.
وقد وقعَ تنبيهُ هذا العالِم المحقِّق موقعَه، فأقلع الملِكُ عن ظُلمِه الذي كان يرتكِبُه باسم العدالة.

.......

إن ثمَّة قوةً سرِّيَّةً تريد أن أُدان بالالتزام، إذْ لم يتركوا ذريعةً إلا ركِبوها، ولا حيلةً إلا سلكوها، كمن يجمع الماء من ألفِ وادٍ، وأشعر أنه يُرادُ أنْ أُتَّهَم وأُدان بحُجَجٍ أغربَ من حجةِ الذئب مع الحَمَل.
فهم مثلًا يردِّدون منذ ثلاثةِ أشهرٍ عبارةَ: "إنَّ سعيدًا الكرديَّ يتخذ الدين أداةً للسياسة"، وإنني أُقسِم بكلِّ مقدَّساتي أنْ لو كانتْ لديَّ ألفُ سياسةٍ لجعلتُها فداءً للحقائق الإيمانيَّة؛ فأنَّى لي أن أجعلَ الحقائق الإيمانيَّة أداةً لسياسة الدنيا؟!
وعلى الرغم من أنني فنَّدتُ هذا الاتهام في مئةِ موضع، إلا أنهم يعيدون ترديده من جديدٍ معزوفةً سمِجةً، ويَسوقونه من غير طائل؛ ما يعني أنهم يتمنَّون لو أني وقعتُ تحت طائلة المسؤوليَّة بأيِّ صيغةٍ ولو بالالتزام.
وأنا بدوري أتهم هؤلاء الظَّلَمة الملحدين بأنهم يجعلون السياسةَ أداةً للإلحاد، ويخشون أن يُفتَضَحوا، ويسعَون جاهدين لسَتر هذا الأمر الرهيب الذي يضعهم موضعَ الاتِّهام، فيردِّدون تهمةَ: "إنَّ سعيدًا يجعلُ الدين أداةً للسياسة".
— 278 —
فما داموا يريدون إدانتي على أيَّةِ حالٍ، فإني أقول لأهل الدنيا: إني أربأ بنفسي عن التذلُّل لاستنقاذِ سنةٍ أو سنتَين من عُمرِ الشيخوخة هذا.

.......

العمدة الخامسة: وهي أربع نقاط:
النقطة الأولى: يجري التلاعب بالعبارات المقتبسة من الرسائل في لائحة القرار، إذْ يُستخرَج من معناها التعريضُ بالرغم من أنه غير مقصود؛ والحال أنه حتى لو وُجِد في كلماتِ رسائل النور تصريحٌ - لا تعريضٌ غيرُ مقصود - لاستحقَّ أن يُنظَر إليه بعين العفو والمسامحة، إذْ إن هدف رسائل النور مختلفٌ تمامًا؛ وهذا المثال مقياسٌ يوضِّح هذه النقطة:
فمثلًا: أذهب في طريقي راكضًا متوجِّهًا نحو مقصِدٍ لي، فإذا اصطدمتُ في أثناء ذلك برجلٍ كبيرٍ فوقعَ أرضًا، فقلتُ له: المعذرةَ يا سيدي، كنتُ ذاهبًا نحو وجهتي فاصطدمتُ بك دون قصد، فإنه لن يستاء من ذلك بل سيعفو بالتأكيد؛ أما إنْ لامستُ بإصبعي أذنَه عمدًا بصورةِ إزعاج، فسيَعُدُّه إهانةً ويستاء مني.

.......

فإنِ اصطدمتْ رسائل النور في أثناء حركتها العلميَّة والفكريَّة بسياسة أهل الدنيا، أو وُجِدَ فيها كلماتٌ شديدة اللّٰهجة، فاللائق بها العفو والمسامحة، إذْ إنَّ هدفَها الإيمانُ والآخرة، ونحن إنما نسير نحو هدفِنا وليس مقصِدُنا التعرُّضَ لكم.

.......

تعرَّضتُ لظلمٍ لم يُرَ مثلُه في الدنيا:
فبالرغم من أن مدافعتي الأخيرة ولوائحَ الاعتراض الثلاث، قد أثبتتْ بأدلةٍ قطعيَّةٍ من عشرين جهة أن المادَّة (١٦٣) لا تشملني مطلقًا، فقد أصرُّوا على إدانتي لمجرَّد أن خمسَ عشرةَ كلمة من بين مئات آلافِ الكلمات لم توافق بعضَ موادِّ القانون المدني، علمًا بأنه أُقِرَّ بعدها بزمنٍ طويل بناءً على ضرورات العصر.
— 279 —
وبالرغم من أن رسائلي المئة والعشرين التي أُلِّفَتْ خلال عشرين سنة تحوي اكتشافاتٍ معنويَّةً جليلة، إلا أنه صودِرتْ نُسَخُها المتداولةُ لمجرَّدِ احتوائها على بضعِ نقاطٍ محدودةٍ لا تبلغ عشرين كلمةً، هي عندهم محلُّ انتقاد.
وبالرغم من مدافعاتي العلميَّة الحقيقية التي تردُّ على الملحدين واللادينيين من تلاميذ فلاسفة أوروبا، وهي مدافعاتٌ قيِّمة نافعةٌ أخرويَّة كتبتُها في أوقاتٍ متفرِّقة حين كنتُ عضوًا في "دار الحكمة الإسلاميَّة" إلا أن جميعَ ادعاءاتي ومدافعاتي العلميَّة والمنطقيَّة والقانونيَّة رُفِضَتْ عند المحاكمة رفضًا غير مبرَّرٍ ولا قانونيٍّ، وبدون إبداء الأسباب الموجبة.
ولا بدَّ من تفسير المعنى الفضفاض الذي تتضمنه المادة القانونيَّة رقم (١٦٣) حين تتحدث عن "مثيري المشاعرِ الدينيَّة التي يمكن أن تُخِلَّ بالأمن"، كما لا بدَّ لهذه العبارة من قيودٍ احترازيَّة؛ وإلا فيمكنها بمعناها الواسع هذا أن تَشمَل جميع أهل الدين والوعَّاظ والأئمة، وفي مقدمتهم رئاسة الشؤون الدينيَّة، مثلما سبق أنْ شُمِلْتُ وأُدِنتُ بها شخصيًّا؛ وبالرغم من مدافعاتي القطعيَّة الحقيقيَّة التي تَنوفُ على مئةِ صحيفة، إلا أن هذه المادة تُفسَّر تفسيرًا يجعلني مشمولًا بحكمها، ما يعني أنه يمكن أن يقع تحت حُكمِها كلُّ شخصٍ يقیدِّم نصيحةً، بل كیلُّ مَن يُرشِید صديقَه إلى طريق الخير.
ينبغي أن يكون معنى هذه المادة القانونيَّة: "لمنعِ مَنْ يعيقون الرقيِّ الحضاري، ويعارضون الحكومة تحت ستار التعصُّب"؛ وقد أثبتْنا بدلائلَ قطعيَّةٍ كثيرة أن هذه المادة بهذا المعنى الذي ذكرناه لا يمكن أن تمسَّنا بأيِّ جهة.
نعم، لا يمكن لهذه المادة أن تكون فضفاضةَ المعنى بغير تفسيرٍ ولا قيودٍ احترازيَّة، بحيث تسمح لكل حاقدٍ أن يضرِب بها مَن شاء.
لقد جرتْ تدقيقاتٌ مفصَّلة وتحرياتٌ دقيقةٌ بشأني وبشأن مئةٍ وعشرين رسالةً ألَّفْتُها خلال عشرين سنة، وبقيتُ وما أزال تحت المراقبة والمتابعة منذ عشر سنين،
— 280 —
فلم يُعثَر في حصيلة هذا كلِّه على أيِّ أمارةٍ للإخلال بالأمن ولو بدرجةٍ جزئيَّة، سواءٌ لديَّ أو لدى قُرَّاء الرسائل؛ ولقد فَرَرْتُ من السياسة منذ ثلاث عشرةَ سنةً فراري من الشيطان، ولم أتدخَّل في شؤون الحكومة، ولم أتعرَّض لأمور الدنيا، وتحمَّلتُ صنوفًا من الأذى فوق ما يتحمَّلُه البشر، واتخذتُ خدمةَ الإيمان أعظمَ مقصِدٍ لي في هذه الدنيا، كما يشهَد لذلك معارفي المقرَّبون وكما أثبتُّه بعشرين وجهًا؛ وإن ملاحقتي بعد هذا كلِّه وشمولي بهذه المادة وإدانتي بها بالقول: "إنَّ سعيدًا يجعل الدين أداةً للسياسة، ويسعى للإخلال بالأمن"، إنما يمثل في اعتقادي سابقةً قضائيَّةً تنال من شرف المحاكم والقضاء، وهي سابقةٌ لم يُشاهَد مثلُها قطُّ على وجه البسيطة.
بلى، إن جُثُوَّ حُكَّامٍ عِظامٍ وقادةٍ أبطال في محاكم صغيرة، وإظهارَهم المطاوعةَ بكمال الانقياد، إنما يُثْبِتُ أن للمحكمة شرفًا ومقامًا لا يُخدَش بأيِّ جهة، وعليه فإنني أستند إلى هذه المكانة المعنوية الرفيعة التي تتمتع بها المحاكم لأدافعُ بحرِّيَّةٍ عن حقوقي.
فبينما يُسمَح بنشرِ مقالةٍ بعد أن تحذِف الرقابةُ منها بضعَ كلماتٍ تراها ضارَّة، يُؤتى بمئةٍ وعشرين رسالةً أُلِّفَتْ في أزمنةٍ متفرِّقة، فتُصادَرُ منها مئةٌ وخمسَ عشرةَ رسالة، رغم أنها مهمَّةٌ نافعةٌ لا تشوبُها شائبة، بل سبق أنْ تلقَّت مكتبةُ أنقرة بعضَها بكلِّ افتخارٍ، وما تزال موجودةً لديها، أجل؛ تُصادَر لمجرَّد وجود خمسَ عشرةَ كلمةً في رسالةٍ أو رسالتين منها يُتَوَهَّم بالنظر الحاليِّ أنها ضارَّة!! لا شك أن حكم المصادرة هذا يَمَسُّ شرف القضاء على وجه الأرض قاطبةً، وأُهيبُ بمحكمة التمييز أن تصون هذا الشرف والمقام.
ولقد كانت آيتا: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ أهمَّ المسائل الخمسِ أو العشرِ التي أثيرَ حولها انتقادٌ شديد، وترتَّب عليها ملاحقةُ عموم كتبي، كما كانتا في مقدمة المسائل التي أُدِنْتُ بها أنا وكتبي.
والحق أني كتبتُ قبل نحو أربعين سنةً الكثيرَ من الكتب بالعربية والتركية، وقد طُبِع بعضُها ولم يُطبَع البعض الآخَر، أثبتُّ فيها إعجازَ القرآن مقابل عجز المدنية،
— 281 —
ولا أعني بالمدنية هنا المدنيَّةَ الحقيقية النافعة، وإنما أعني المدنيَّةَ القاصرة الضارَّة التي ألفظها بغير ميم، وقد اتخذتُ القرآن أساسًا لي في هذه المؤلَّفات، ورميتُ إلى الحضيض كلَّ ما يخالفه من جوانب هذه المدنية الدَّنيَّة.
وكنت قد وازنتُ في ذلك الحين بين هاتين الآيتَين القرآنيتَين وبين ما يخالفهما من مواد القانون المدني الخاصة بالميراث، وأظهرتُ أدلةً تُلزِم فلاسفتَهم المعاندين، فكتبتُ هذه المسائل، ودافعتُ عنها في مواجهة المدنية والفلاسفة، وذلك قبل أن تُقِرّ حكومةُ الجمهوريَّة بعضَ موادِّ القانون المدني بناءً على ضروراتِ العصر، وبيَّنتُ أن القرآن الحكيم قد صان بغاية الاهتمام حقوقَ المرأة التي كانت ضائعةً في القرون الأولى والوسطى.
وأنا اليوم مُدانٌ بالمادة (١٦٣)، بحجةِ أن ما بيَّنتُه في هاتين المسألتَين يخالف قانون الحكومة الجمهورية، فأقول بدوري لمحكمة القضاء العليا:
لقد ذكرتُ نَصَّ آيتَين في ثلاثةٍ من كتبي - أحدها قبل خمسَ عشرة سنة، والآخر قبل عشرِ سنين، والثالث قبل تسع - لإظهارِ إعجازِ القرآن في مواجهة ملحدي أوروبا، احترامًا لأرواح أسلافنا، واستنادًا لأحكامِ أقدسِ وأحقِّ دستورٍ إلٰهيٍّ حقيقيٍّ معمولٍ به في الحياةِ الاجتماعية لثلاثِ مئةٍ وخمسين مليون إنسان في كل قرنٍ على مدى ألفٍ وثلاثِ مئةٍ وخمسين سنة، واستنادًا إلى تصديقاتِ ثلاثِمئةٍ وخمسينَ ألفِ تفسيرٍ يصدِّقون هذا الدستور الإلٰهي تصديقًا تامًّا؛ فحُكِم عليَّ بسجنٍ لا يمكنني العيش فيه في ظل الظروف الحاليَّة وأحوالي الصحيَّة، ما يعني أنه حُكِم عليَّ بطريقةٍ ما بالإعدام، وصدرَ القرارُ الجائر بإدانةِ مئةٍ وخمسَ عشرةَ رسالةً من رسائلي لأجل مسألةٍ أو مسألتَين كالتي أَوردتُ؛ فإن كان للعدالة وجودٌ على وجه الأرض، فلا جَرَمَ أنها سترفض هذا القرار وتنقض هذا الحكم.
وإن أكثر ما يوقعنا في اليأس والحيرة أنه بإزاء ما فعلوه بي في "إسبارطة" حين جعلوا من الحبَّةِ قبَّةً، وأصدروا القرار بحقي بناءً على تقارير وهواجس لا تستند إلى
— 282 —
حقيقة، تكرَّر قرارُ "إسبارطة" الموهوم نفسُه معزوفةً سَمِجةً في كلٍّ من لائحةِ قرارِ قضاةِ التحقيق، ولائحةِ ادعاء مقام الادعاء، والقرارِ الأخير للمحكمة التي أدانتْنا؛ ومع أني أثبتُّ أن هذا القانون لا يمسُّني بحال، ودافعتُ عن نفسي بدلائل منطقيَّةٍ قويَّةٍ في مئةٍ وعشرين صفحة، مضطرًا إلى قول الحق والصواب ولو على نفسي، إذِ الكذب غير جائزٍ في مذهبنا مطلقًا؛ إلا أنهم لم يُلقوا بالًا لإثباتي هذا ولا لمدافعتي تلك، بل خلطوا على سبيل المغالطة تواريخَ الاستنساخ بتاريخ التأليف، حتى لقد خلطوا به تواريخ مراسلتي لأحد الأشخاص، ونظروا إلى العمل الذي جرى في عشرين سنةً كأنه وقع في سنةٍ واحدة، فأدانونا دون النظر إلى مدافعتِنا المُحِقَّة بعين الاعتبار.
وإنني أنتظر بلهفةٍ من المحكمة التي هي أعلى مقامٍ للقضاء أن ترفع قبل كلِّ شيءٍ هذا الظلمَ الذي يرتعِد منه أهل الحق والحقيقة، وأن تعلن براءةَ رسائل النور، فإن فرضنا محالًا أن مقامَ القضاءِ الرفيعَ لم يُصْغِ إلى استغاثتي الشديدةِ المُحِقَّةِ هذه ولم يستجب لها، فسأقول من شدة يأسي:
أيها الظَّلَمَةُ الملحِدون.. يا مَن افتعلوا هذه الحادثة وساقوني إلى هذا البلاء.. ما دمتُم عزمْتُم على إعدامي ماديًّا ومعنويًّا على كلِّ حالٍ، فلِمَ تأخذون بيد القضاء إلى المكائد والمؤامرات، وتلطِّخون شرفَه العظيم وهو المحافِظ على حقوقِ عامَّةِ المظلومين والمساكين؟! كان عليكم أن تبرزوا أمامي برجولةٍ، وتقولوا بصراحةٍ دون موارَبة: لا نريدك في هذه الدنيا.
لقد عَمِدَتْ محكمةُ الجنايات إلى قضيَّةٍ انشغل بها قضاةُ التحقيق قرابة أربعةِ أشهرٍ استجوابًا وتحقيقًا مع مئةٍ وسبعةَ عشر رجلًا، فنظرتْ فيها في يومٍ ونصفٍ نظرًا سطحيًّا، غاضَّةً طَرْفَها عما فيها من النقص والأخطاء؛ واستعجلتْ إصدارَ الحكم مكتفيةً بالنظر السطحيّ، ولم تلتفت إلى الطعن والرد بالأسباب الموجبة لا سيما مدافعتي العلمية المتعلقة بالكشفيّات العلمية المهمة في رسائل النور، والتي ادعيتُ أني سأثبتها وأوضِّحها أمام هيئةٍ من الأكاديميين، وبناءً على هذا، وبالنظر إلى أنهم عشاق حقٍّ وعدالة، فلا بد من تدقيق هذا القرار الخطأ المخالف للقانون ونقضِه.
— 283 —
النتيجة: يتبين من النظر والتدقيق في أوراق الجلسة، خصوصًا رسائلي المصادَرةَ المطبوعةَ وغيرَ المطبوعة، أن جميعَ اعتراضاتي ومدافعاتي العلميَّة والمنطقيَّة والقانونيَّة لم تؤخَذ بعين الاعتبار، بل رُفِضَتْ من قِبَلِ قضاة التحقيق كما رُفِضَتْ من قِبَلِ المحكمة بناءً على آراءٍ شخصيَّة من غير دليلٍ ولا سندٍ قانونيٍّ، ومن غير إبداء الأسباب الموجِبة؛ وبناءً على هذا حُكِم عليَّ بعقابٍ بدنيٍّ لا يمكنني تحمُّله بالنظر لأحوالي الصحيَّة، وصودِرتْ رسائلي المحتويةُ على اكتشافاتٍ معنويَّةً، والكاشفةُ عن معمَّى طلسم الكائنات، والمدافِعة منذ ثلاثين سنةً عن حقوق التُّرك والمسلمين في مواجهة فلاسفة أوروبا والجانب المرذول من المدنيَّة.
وبناءً على الأسباب المذكورة أعلاه، بالإضافة إلى لائحة اعتراضي المقدَّمة ردًّا على لائحة الادعاء، وكذلك بناءً على لائحة اعتراضي الثانية التي قدَّمتُها تحريرًا والتي تحوي العُمَد الخمس المتعلِّقة بأساس الجلسة الأخيرة للمحكمة، وبناءً كذلك على الإيضاحات المفصَّلة والأسباب العلميَّة والقانونيَّة والنواقص القانونيَّة التي ستُصادَف عند التدقيق في مدافعتي الأخيرة؛ أقول: إنني أنتظر من هيئتكم إظهارَ العدالة، وذلك بنقضِ الحُكمِ الصادر عن محكمة التمييز، والمستلزِم لإدانتي بصورةٍ صريحةٍ واضحةٍ جدًا.
وألتجِئ إلى اللّٰه تعالى وأتوكل عليه قائلًا:
﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
وُثِّقَتْ لوائحُ مدافعاتي السبع البالغة مئةً وبضع صفحات في دفاتر ضبط المحاكم المتعدِّدة، إضافةً لقراءتها عدَّة مرَّاتٍ في المحكمة، أمّا لائحة التصحيح الآتية، فلم تُقرأ ولم تُوثَّق في الضبط، لأنَّ أوراق تمييزنا لم تأتِ بعدُ، ولا بد أنها سَتُوثَّق في الضبط عمَّا قريب.
٭ ٭ ٭
— 284 —
عريضةٌ مقدَّمةٌ إلى مجلس الوزراء لتصحيح الدعوى في حالِ صدَّقتْها محكمةُ التمييز ولم تنقضها
الشیكوى التي ستظهیر فيها هي شیكوى إلى الحكومة، أما الانتقادات فموجَّهةٌ للمتآمرين الذين يعملون على تضليلها
يا أهل الحل والعقد..
لقد تعرَّضتُ لظلمٍ قلَّ مثيلُه في الدنيا، ولما كان السكوت عن هذا الظلم استهانةً بالحق، أجِدُني مضطرًا للإفصاح عن حقيقةٍ في غاية الأهمية، فأقول:
أظهِروا في دائرة القانون جريمتي التي تستلزم إعدامي أو سجني مئة سنةٍ وسنة، أو أثبِتوا أنني مجنون جنونًا مُطبِقًا، أو أعطوا الحريَّة الكاملة لي ولرسائلي وأصحابي، وعوِّضوا أضرارنا وخسائرنا ممن تسبَّبوا بها.
(حاشية): كُتِبَتْ هذه اللائحة لتصحيح الدعوى المرفوعة ضدنا في حال صدَّقتها محكمةُ التمييز بدلًا من نقضِها، فتُقدَّم حينئذٍ هذه اللائحة إلى كلٍّ من مجلس الوزراء، ومجلس النوَّاب، ووزارة الداخلية، ووزارة العدل؛ فإن لم أستطع أن أُسمِع هذه الجهات مَظلمتي المُحِقَّة وحقِّيَ المهم، وجب عليَّ توديع هذه الحياة؛ لأنني إن سكتُّ ضاع حقي الشخصي وضاعت معه آلاف الحقوق المحترمة.
نعم، إن لكل حكومةٍ قانونَها وأصولَها، وإنما تنزل العقوبة وفقًا لذلك القانون؛ فإن لم يكن في قوانينِ حكومة الجمهوريَّة أسبابٌ توجِب إنزالَ أشدِّ العقوبات بي وبأصحابي، لزِم بلا شكٍّ منحُنا الحريَّةَ التامَّة مع التقدير والمكافأة والترضية؛ ذلك أنه لو كانت خدمتي القرآنية البالغةُ الأهميَّة، البارزةُ للعيان، موجَّهةً ضد الحكومة، لما جاز أن تكون عقوبتي سَجنَ سنةٍ واحدة، وعقوبةُ ثلةٍ من أصحابي سَجنَ ستةِ أشهر، بل كان يلزَم أن تنزلَ بي عقوبةٌ كالإعدام أو سَجن مئةِ سنةٍ وسنة، وتنزلَ أشدُّ العقوبات بمن ارتبطوا بي جِدِّيًّا في هذه الخدمة؛ أما إنْ لم تكن خدمتُنا موجَّهةً ضدَّ الحكومة، فاللازم حينئذٍ أن تُقابَل بالتقدير والمكافأة، لا بالعقوبة والسجن والاتهام.
— 285 —
أجل، فإن خدمةً جليلةً تنطق بلسانها مئةٌ وعشرون رسالة، ويُجابَه بها فلاسفةُ أوروبا فتَقلِب أساساتِهم رأسًا على عقب، لا بدَّ أن لها تأثيرًا بالغًا يجعلها تُفضي إلى نتيجةٍ رهيبةٍ في الداخل، أو تثمر ثمرةً علميَّةً عاليةً بغايةِ النفع؛ فلأجل ذلك ما ينبغي أن أُعاقَب بسَجنِ سنةٍ - كألاعيب الصِّغار - ذرًّا للرماد في العيون، وتضليلًا للرأي العام، وسترًا على مكائدِ الظَّلَمَة وأكاذيبهم بحقِّنا؛ وإنما شأن أمثالي إما أن يصعدوا إلى المشنقة مرفوعي الهامات فخرًا فيُعدَموا، أو يظلُّوا أحرارًا في المقام اللائق بهم.
نعم، إن اللصَّ الماهر الذي يَقدِر على سرقةِ ألماسٍ قيمتُه آلافُ الليرات، لا يعرِّض نفسَه لعقوبةِ سرقةِ الألماس بسرقةِ قطعةِ زجاجٍ ثمنُها عشرة قروش، لا يفعل هذا أيُّ لصٍّ في الدنيا، بل لا يفعلُه من له أدنى عقل، فهذا العمل المتناهي في البلاهة لا يرتكبه لصٌ بارع كهذا.
فيا أيها السادة.. افرِضوا أني كنتُ كهذا اللصِّ كما توهمتم وتوجَّستم، فلماذا أختار قريةً معزولةً بنواحي "إسبارطة"، حيث بقيت منزويًا فيها تسع سنين؟! ولماذا أخاطرُ بنفسي وبرسائلي التي هي غاية حياتي، فأُحرِّضُ على الحكومة خمسةَ أو عشرةَ بسطاءَ مساكين هم الآن محكومون معي بعقوبةٍ مخفَّفة؟! لماذا أقوم بذلك بينما كان بإمكاني أن أتبوَّأ منصبًا رفيعًا في إسطنبول أو في أنقرة كما كنتُ في السابق، فأوجِّهَ آلاف الناس نحو المقصِد الذي أبتغيه، وعندها يمكنني التدخُّل في شؤون السياسة والدنيا بعزةٍ تناسب مسلكي وخدمتي، لا بمحكوميَّةٍ ذليلةٍ كهذه!!
نعم، وأَذكر بعضًا من ريائي القديم وإعجابي بنفسي، لأبيِّن خطأ مَن يريدون إسقاطي إلى مرتبةٍ تافهةٍ عديمةِ الأهمية، لا يُستفاد من وجودي فيها، فأقول على سبيل الاضطرار، دون تمدُّحٍ ولا افتخار:
أرأيتم إلى رجلٍ أخضعَ بخُطبةٍ منه ثمانيَ كتائب عسكريَّةٍ أعلنت العصيان في حادثة "الحادي والثلاثين من مارت"، وهذا أمرٌ يُصدِّقه من اطلعَ على مدافعاتِه القديمةَ المسمَّاةَ "شهادةَ مدرستَي المصيبة"..
— 286 —
ووجَّه أفكار العلماء في إسطنبول ضدَّ الإنكليز بمقالةٍ له تُسمَّى "الخطوات الست"، وذلك في أثناء حرب الاستقلال، فأسدى بذلك خدمةً جليلةً للحركة الوطنيَّة كما ذكرت الصحف في ذلك الحين..
وألقى خطبتَه على مسامع الآلافِ في "أيا صوفيا".
واستُقبِل بالتصفيق الحارِّ في مجلس النواب بأنقرة، وجعل مئةً وثلاثةً وستين نائبًا يوافقون ويوقِّعون على تخصيص مبلغِ مئةٍ وخمسين ألف ليرةٍ لإنشاء جامعة..
ودعا رئيسَ الجمهوريَّة إلى الصلاة وهو في مكتبه، وواجَهَ حدَّته بكلِّ ثباتٍ دون تردُّدٍ أو وجَل..
(حاشية): يطلب سعيدٌ القديم المداخلة قائلًا: "لَم تتِحْ لي فرصةَ التحدُّث منذ ثلاثَ عشرة سنة، أمَّا وهُم ينظرون إليّ اليوم فيتهمونك ويتخوَّفون منك، فلا بدَّ لي أن أكلِّمهم؛ والحقيقة أن الأنانيَّة قبيحةٌ برأيي، لكن ينبغي إظهارها بصورةٍ مُحِقَّة ردًّا على الأنانيِّين المغرورين المعاندين، دفاعًا عن النفس وحفاظًا عليها ليس إلا، ولأجل ذلك لن يمكنني الحديث بلينٍ من القول وفناءٍ عن النفس كما يفعل سعيدٌ الجديد". وأنا بدوري أعطيتُه المجال ليتحدَّث، غير أني لا أشاركه أنانيَّتَه وتمدُّحَه.
وعُدَّ باتفاق حكومة الاتحاديين الشخص المُناسب في "دار الحكمة الإسلامية" للقيام بوظيفةِ إقناعِ حكماءِ أوروبا بالحكمة الإسلامة بصورةٍ مؤثِّرةٍ..
وأُشيدَ بجهاده في الحرب ببالغ التقدير، وسارع القائد العام "أنور باشا" لاستقباله باحترامٍ كما لم يفعل مع أحد، وأُعجِب بكتابِه "إشارات الإعجاز" الذي أُلِّفَ في جبهات الحرب وصودِر اليوم، وقدَّم الورق اللازم لطباعته بغية أن تكون له حصَّةٌ في شرف تلك الذكرى الحربيَّة وثوابِها.
أقول: إن رجلًا كهذا لا يمكن أن يتنزَّل فيورِّط نفسَه في أرذَل الجنايات كنشَّالٍ أو سارقِ بغلٍ أو خاطف فتاةٍ، ليُلحِق العارَ بعزَّتِه العلميَّة، وقدسيَّةِ خدمتِه، وسُمعةِ الآلاف من أصحابه الأعزاء، بحيث تعاملونه معاملةَ سارقِ نعجةٍ أو خروف، وتحكمون عليه بالسجن عامًا كاملًا.
— 287 —
فبعد عشر سنين من الإيذاء بالمراقبة الصارمة دون سبب، تحكمون عليه الآن بالسجن سنةً، وتضعونه تحت الإقامة الجبريَّة سنةً أخرى، ليقع تحت تحكُّم مُخبِرٍ حاقِدٍ أو شرطيٍّ بسيط، وهو الذي لم يحتمل تحكُّم السلطان!! ألا إنه يرى أن الحكم بإعدامه أولى.
ولو أن رجلًا كهذا تدخَّل في أمورِ الدنيا أو رغِب في التدخُّل فيها، وكانتْ خدمتُه القدسيَّة تسمح له بذلك، لتدخَّل على نحوٍ يفوقُ "حادثة مَنَمَنْ" و"واقعةَ الشيخ سعيد" بعشرات الأضعاف، ولكانَ تدخُّلًا مدويًّا هادرًا كهدير مدفعٍ تترامى أصداؤه إلى أنحاء الدنيا، لا كطنينِ ذبابةٍ خفيضٍ خافت!!
أجل، إنني ألفت نظر حكومة الجمهورية إلى ما يكشِف عن تدابير المنظمات السريَّة التي ساقتني إلى هذا البلاء، وما دبَّرتْه من المكائد والحملات المُغرِضة؛ فبسببِ تقارير المتآمرين العاملين على خداع الحكومة استمرَّت الاستجوابات والتحريات في كلِّ مكانٍ من الولايات الشرقية إلى الولايات الغربية، حتى إنه لم يتمكن أحدٌ من أصدقائي - مع أنهم يبلغون مئة ألف - أن يكتب لي رسالةً أو يبعث إليَّ سلامًا منذ ستة أشهر، وهذا دليلٌ على أنه قد وُجِّهتْ ضدَّنا حملاتٌ مُغرِضة ودُبِّرتْ مكيدةٌ وأُثيرتْ مخاوفُ على نحوٍ شامل لم يُشاهَد مثلُه في أيَّةِ حادثة.
إذًا، فالخُطة التي حاكها هؤلاء المتآمرون كانت ترمي إلى وقوع حادثةٍ تستوجب إنزال أقصى العقوبات بآلاف الرجال مثلي، والحال أن العقوبة التي صدرتْ تَصرِف الأذهان إلى حادثةٍ من قبيل قيامِ شخصٍ بسرقةٍ تافهة؛ إذْ عوقِب خمسة عشر رجلًا بريئًا - من أصل مئةٍ وخمسة عشر - بالسجن خمسةَ أو ستةَ أشهر.
فيا تُرى!! هل في الدنيا عاقلٌ يُسلِّط على نفسه أسدًا مفترسًا أو ثعبانًا عظيمًا بغمزِ ذيلِه، إنْ كان بيده سيفٌ ألماسيٌّ بتَّار؟! فلو كان قصدُه القتال أو حِفظَ نفسه لحوَّل السيف إلى موضعٍ آخر منه.
لقد اعتبرتموني بنظركم ووهمكم مثل ذلك الرجل، فحكمتم عليَّ وعاقبتموني على هذا النحو، فإن كنت أتصرَّف خلافًا للعقل والشعور إلى هذه الدرجة، لَكان يَلزَم
— 288 —
إرسالي كمجنونٍ إلى مشفى المجانين، بدلًا من نشرِ الرهبة في أنحاء البلاد وتأليب الرأي العام ضدي بالحملات المغرِضة؛ أما إن كنتُ شخصًا على ذلك القدر من الأهميَّة التي أوليتموها، لما كان هذا الشخص يمدُّ سيفه الحاد إلى ذيل ذلك الأسد أو الثعبان ليَستَعديَهما على نفسه، بل كان سيحمي نفسَه منهما بقدر الإمكان؛ وذلك ما فعلتُه إذِ اخترتُ الانزواءَ طوعًا مدة عشر سنين، متحمِّلًا من الشدائد ما يفوق طاقة البشر، ولم أتدخَّلْ بأيِّ شكلٍ في شؤون الحكومة ولم أرغب في ذلك، إذْ إنَّ خدمتي القدسية تمنعني من ذلك.
يا أهل الحَلِّ والعقد.. أرأيتم إلى رجلٍ استطاع أن يكسب ثلاثين ألف شخصٍ إلى صفِّه بمقالٍ واحدٍ كما ذكرت الصحف قبل عشرين سنة، ولَفَت نظرَ واهتمامَ "جيش الحركة الكبير"، وردَّ بستِّ كلماتٍ على أسئلةٍ طَلبَ رئيسُ أساقفةِ إنكلترة الإجابة عنها بستمئة كلمة، وكان يخطب في بداية عهد الحرية كأيِّ سياسيٍّ شهير، أمِن الممكن ألَّا توجد في رسائله المئة والعشرين إلا خمسَ عشرة كلمةً تهتم بالدنيا والسياسة؟!
وهل يقبل أيُّ عقلٍ أن يكون هذا الرجل متابعًا لأمور السياسة، وأن يكون مقصِدُه الدنيا والتعرُّضَ للحكومة؟! فلو كان فكرُه كذلك لأشعر بمقصِده تلميحًا أو تصريحًا في مئة موضعٍ من رسالةٍ واحدةٍ من رسائله!! ولو كان مقصِده النقدَ السياسي، أفما كان بإمكانه أن يجد أمرًا ينتقده سوى تشريعَي الميراث والحجاب المستمرَّين منذ القديم؟!
بلى، إن رجلًا يحمل فكرًا سياسيًّا يخالف نظامَ حكمٍ قام بانقلابٍ كبير، يمكنه أن يجد مئاتِ آلافِ القضايا لينتقدها، لا مجرَّد قضيَّةٍ أو قضيَّتَين معلومتَين، كأن الانقلابَ الذي قامتْ به الحكومة الجمهوريَّة عبارةٌ عن مسألةٍ أو مسألتَين صغيرتين!!
وعلى الرغم من أنه ليس لي أيُّ مقصِدٍ لانتقاد النظام الحاكم، إلا أنه قيل عني إنني أهاجمه وأهاجم انقلابَه، بناءً على كلمةٍ أو كلمتَين ذكرتُهما في رسالةٍ أو رسالتَين كتبتُهما في الماضي!!
— 289 —
وأنا بدوري أسأل: أيمكن لمادةٍ علميةٍ لا تستوجب أدنى عقوبة، أن تَشغَل اهتمام دولةٍ مترامية الأطراف، ويُتعاطى معها على نحوٍ يثير الرهبة والقلق؟!
إن إنزال هذه العقوبة البسيطة التافهة بي وبخمسةٍ أو عشرةٍ من أصحابي، في مقابل ما جرى من بثِّ حملةٍ مغرِضةٍ شديدةٍ ضدَّنا في أنحاء البلاد، ونشْرِ الخوف والقلق بين الناس لترهيبهم منا، والمجيءِ بوزيرِ الداخلية إلى "إسبارطة" بصحبةِ قوةٍ كبيرةٍ لتنفيذ مهمةٍ يستطيع أن يقوم بها جنديٌّ واحد، وذهابِ رئيسِ مجلس الوزراء "عصمت" إلى الولايات الشرقية لهذه المناسبة، ومنعي منعًا تامًا من الحديث في السجن مدة شهرين، وعدمِ إفساح المجال لأيِّ شخصٍ أن يبلِّغَني سلامًا أو يسألَ عن حالي في هذه الغربة والوحدة؛ إنما يُشبِه إيجادَ ثمرةٍ وحيدةٍ بحجمِ حبَّةِ حِمّصٍ من شجرةٍ عظيمةٍ كالجبل، ويَكشِف عن وضعٍ غيرِ قانونيٍّ لا معنى له ولا حكمة، بحيث لا يمكن أن تفعل ذلك حكومةٌ قانونيَّةٌ كحكومة الجمهوريَّة الأكثر حبًّا للقانون، بل لا يمكن أن تفعله أيَّةُ حكومةٍ في العالَم، وهي التي سُمِّيتْ حكومةً لمعنى تسيير الأمور بحكمة.
إنني أطالب بحقوقي في دائرة القانون، وأتَّهم مَن يوقِعون المظالم باسم القانون بأنهم يرتكبون جنايةً؛ وإني على أملٍ بأن قوانين حكومة الجمهورية لا بدَّ أن تردَّ تعسُّفات هؤلاء الجناة، وتُعيدَ إليَّ حقوقي.
في سجن أسكي شَهِر
في الحبس الانفرادي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭