— 268 —
لائحةُ اعتراضي على لائحة الادعاء
أيتها الهيئة الحاكمة.. أيها المدعي العام..
إن كلَّ مادَّةٍ سيقَت لاتهامي في لائحة الادعاء، قد أُجيب عنها في مدافعاتي المحرَّرة في ضبوطكم بدائرة الاستجواب، وأخص بالذكر المدافعة المؤلَّفةَ من خمسٍ وثلاثين صفحة، والمسمّاة: "مدافعتي الأخيرة"، فأقدِّمها إليكم بدلًا من الاعتراض، وأقول لألفِت نظر العدالة والإنصاف إلى هذه النقطة:
أيُّ إنصافٍ وأيُّ ضميرٍ يسمحان باتهامي بمحاولةِ الإخلال بالأمن الداخلي، مع أنه لم تَبدُ مني أيَّةُ أمارةٍ أو بادرةٍ للإضرار بالاستقرار الداخلي والأمن العام، فضلًا عن أني أعيش مظلومًا تحت المضايقات في ولاية "إسبارطة" منذ عشر سنين؟!
ولو فُسِّرتْ المادَّة القانونيَّة (١٦٣) بمثل ما طُبِّقتْ بحقِّنا لَلزم أن تَشمَل جميعَ الأئمة والخطباء والوعاظ، وفي مقدمتهم رئاسة الشؤون الدينيَّة، لأننا وإياهم سواءٌ في تعليم الحياة الدينيَّة؛ فإنْ زُعِم سُخفًا أن تعليم الدين يُخِلُّ بالأمن الداخلي بالضرورة، لشَمِل هذا الجميع.
نعم، بل إن لي جهةَ تفوُّقٍ على أولئك، ألا وهي إيضاح الحقائق الإيمانيَّة إيضاحًا قاطعًا لا شكَّ فيه ولا شبهة؛ وعلى هذا فلو فرضنا محالًا ورودَ اعتراضٍ على عموم أهل الدين، لكانت حالُنا هذه وسيلةَ نجاتنا من ذلك الاعتراض.
وإن مما لا يتناسب البتَّة مع نظرِ عدالة القضاء أن يُحتجَز عشرون شخصًا بريئًا لا ذنب لهم، فيُحرَموا من أهلِهم وأبنائهم وأعمالِهم، ويُزَجَّ بهم في غياهب السجن من أجل مادَّةٍ لم تثبُت بحقي إلى الآن رغم كلِّ هذه التحقيقات، ولو ثبتتْ لما شكَّلتْ جُرمًا في منظور العدالة الحقيقيَّة، ولو شكَّلتْ جرمًا لكنتُ وحديَ المسؤولَ عنها؛ فلقد تضرَّر ضررًا بالغًا - من جرَّاء هذا التوقيف - كثيرٌ من الأبرياء المساكين لمجرَّد أدنى صلةٍ لهم بي.
— 269 —
وأجيب عما تُشعِره لائحة الادعاء من أن نفيي إنما كان للاشتراك في حوادث الشرق:
إنه لا تحوم حولَ ملفِّي في سجلات الحكومة أيَّةُ شائبةٍ، ولقد ثبت لدى الحكومة أنني نُفيتُ احتياطًا لا غير، فقد كنتُ أعيشُ في ذلك الحين منزويًا كما أنا الآن، وبينما كنتُ أسكنُ وحدي مع خادمٍ لي في مغارةٍ بأحد الجبال، قبضوا عليَّ، وفرضوا عليَّ الإقامة الجبريَّة عشرَ سنين بلا مبرِّر، تسعٌ منها في إحدى القرى، وسنةٌ في "إسبارطة"، وفي النهاية أنزلوا بي هذه البَليَّة.
لائحة الادعاء الثالثة
وتفيد بأنه: "حين كان في "بارلا" أسَّس علاقاتٍ مع القريب والبعيد، وسعى للقيام بأنشطةٍ معتمدًا على مساعداتهم المادية والمعنوية، واستكتب جزءًا تلو الآخر من مؤلَّفاتِه التي أَطلق على مجموعها اسمَ "رسائل النور"، وعمِلَ على نَسخِها بمنتهى السِّرِّيةِ بوسائل مختلفةٍ في مناطق مثل "أنطاليا" و"آيدن" و"ميلاس" و"أغيردِر" و"دينار" و"وان"، ونشرَها وعمَّمها بواسطة رجاله، ووضعَ إشارة "خاص" و"شبه خاص" على الرسائل التي يمكن أن تُخِلَّ بالأمن الداخلي، وبذلك يكون قد أظهر الغاية التي كان يستهدفها وأقرَّ بها".
أجيبُ جوابًا واضحًا قطعيًّا على هذه الفقرة، فضلًا عن إجابتي التي سبقت في المدافعة المسمَّاة "مدافعتي الأخيرة"، والتي قدمتُها إليكم لائحةَ اعتراض، وحُرِّرَت سابقًا في ضبوطكم، فأقول:
حاشا ثم حاشا مئةَ ألفِ مرةٍ أن أجعل عِلمَ الإيمان أداةً لشيءٍ سوى الرضا الإلٰهي، بل ليس ذلك بمقدوري، بل لا يحقُّ ذلك لأحد.
لقد أُلِّفتْ مئةٌ وخمسٌ وعشرون رسالةً تحت عنوان "رسائل النور" خلال عشرين سنة؛ أما الرسائل التي قلنا عنها: إنها خاصة، فثلاثٌ منها وصفناها بالخصوصيَّة
— 270 —
لكيلا تكون مدعاةَ غرورٍ ورياءٍ لنا؛ وإني الآن أقول مضطرًا لكشفِ سَتر الخصوصيَّة عن جانبٍ من جوانبها: إن إحداها تتعلق بالكرامة الغوثيَّة، والأُخرى تتعلق بالكرامة العَلَويَّة، والثالثة تتعلق بسرِّ الإخلاص.
فأما الكرامتان فإشارتان من سيدِنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه والغوثِ الأعظم عبد القادر الگيلاني قُدِّس سرُّه بصورةِ تقدير لخدمتي القرآنية، وهما فوق حدي بمئةِ درجة؛ وأما الرسالةُ التي تدور حول سرِّ الإخلاص، وتنقِذُ من الرياء والغرور والأنانيَّة، فوُصِفتْ بالخصوصية لكونها مخصوصةً بأخصِّ إخواني؛ فما علاقة هذه الرسائل بالأمن الداخلي كي تكون مدار الاتهام؟!
أما القسم الآخَر من الرسائل الخاصَّة، فرسالةٌ أو رسالتان كتبتُهما في "دار الحكمة الإسلامية" وأُخرى كتبتُها قبل تسع سنوات، ردًّا على اعتراضات أوروبا وتهجُّمات الدكتور "عبد اللّٰه جودت" الكُفرية؛ وكذا رسالتان صغيرتان كتبتُهما بصورةِ شكوى ضدَّ التعدِّيات القاسية المتحاملة التي يمارسها بعض المسؤولين تجاهي، وقد ذكرتُهما في مدافعتي الأخيرة.
ثم إني بعد مُضيِّ زمنٍ على تأليف هذه الرسائل الأربع مَنعتُ نشرَها، لئلا تَمَسَّ بأيِّ شكلٍ من الأشكال القوانينَ التحرُّريَّة أو شؤونَ الحكومة، وقلتُ: "إنها رسائل خاصة"، فظلَّتْ مخصوصةً بواحدٍ أو اثنين من أخصِّ إخواني؛ ودليلي على هذا عدمُ العثور على أيٍّ من هذه الرسائل في أيِّ مكان رغم كل هذا التفتيش الدقيق، وإنما وقع بأيديكم فهرسُ عمومِ الرسائل، فلزِم بموجَبه توضيحُ هذه النقاط، وقد أجبت، وحُرِّر الجواب في ضبطِكم.
وتَرِدُ في لائحة ادعائكم أسماءُ مناطق متعدِّدة، وأني سعيتُ بواسطةِ بعض الرجال لنشرِ رسائل النور وتعميمِها؛ فأقول جوابًا: لقد أرسلت خواطر إيمانيَّةً إلى أربعةٍ أو خمسةٍ من أحبّائي على سبيل الذكرى، وذلك حين كنت أعيش في قريةٍ، وفي غربةٍ، وحيدًا تحت رقابةٍ صارمة، وأنا مع هذا لا أُحسِن الخط، ويُحجِم كلُّ شخصٍ
— 271 —
عن معاونتي؛ فما أبعده عن الحقيقة أن يُقال: "إنك بهذا تسعى للنشر والتعميم"!! لا بد أنكم تقدِّرون ذلك.
ولقد اشتغلتُ بالتدريس في "وان" مدةَ خمسَ عشرة سنة، وصرتُ مَظهَرَ توجُّه العامَّة بما يَفوق حدي كثيرًا، فكيف يقال إنْ بعثتُ برسالةٍ أو رسالتين إيمانيَّتَين إلى أحد أصدقائي: "إنك توزع منشورات"؟!
إنني بلا شكَّ لا أستطع القيام بالنشر، إذْ ليس لديَّ مطبعةٌ ولا كُتَّاب، وأنا فوق هذا رديءُ الخط، ما يعني أن لرسائل النور جاذبيةً تجعلها تنتشر من تلقاء نفسها؛ غير أن هنالك أمرًا، وهو أننا طبعنا "رسالة الحشر" المسمَّاةَ "الكلمة العاشرة" قبل ظهور الأحرف الجديدة اللاتينية، فوقعتْ بأيدي الولاة والنوَّاب وكبار المسؤولين في الحكومة، فلم يعترض عليها أحدٌ منهم؛ وانتشرت منها ثمانُمئة نسخة، وكان من آثار ذلك أنْ وصلتْ بشكلٍ عفويٍّ رسائلُ مثلُها أخرويَّةٌ إيمانيَّةٌ خالصةٌ إلى أيدي بعض الناس، ولا شك أني سُرِرتُ لهذا الانتشار الذي وقع عفويًّا دون اختيارنا، وكتبتُ تقديري هذا بأسلوبِ تحفيزٍ في بعض مراسلاتي الخاصة.
ثم إنهم وبعد ثلاثةِ أشهرٍ من حملات التفتيش الدقيق في بلدٍ مترامي الأطراف، لم يعثروا على شيءٍ من كتبي إلا في أيدي خمسة عشر أو عشرين رجلًا، أفإن وُجِدَتْ رسائلُ خاصةٌ لرجلٍ مثلي أمضى ثلاثين سنةً من عمره في التأليف والتدريس، بحوزةِ عشرين صديقًا من خواصِّ أصدقائه، أتُعَدُّ هذه منشورات؟! فبأيِّ صورةٍ تُعَدُّ كذلك؟! وكيف يمكن أن يُبتغى بهذه المنشورات هدفٌ ما؟!
أيها السادة..
لو كنتُ أسعى وراء مقصِدٍ دنيويٍّ أو سياسيٍّ، لظهرتْ خلال السنوات العشر هذه علاقاتٌ لي مع مئةِ ألف رجل، لا مع خمسةَ عشرَ أو عشرين؛ ومهما يكن من أمر، فإن في مدافعتي الأخيرة مزيدَ إيضاحٍ وتفصيلٍ حول هذه النقطة.
.......
— 272 —
كيف يمكن أن تُوظَّفَ ضدي في لائحة الادعاء حقيقةٌ وجوابٌ علميّان قطعيّان لا شبهة فيهما، موجودان منذ القديم في جميع التفاسير، ردًّا على اعتراضاتِ المدنيَّة حول آيتَي: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ؟!
ووردَ في لائحةِ الادعاء - نقلًا عن "الفهرست" أيضًا - انتقادٌ لمسألةِ أنَّ ترجمات الألفاظ القرآنية والأذكار لا تَحُلُّ محلَّ الأصل، وهذه مسألةٌ وقعتْ قبل ثماني سنوات، وهي حقيقةٌ علميَّةٌ لا تقبل الاعتراض، وقد أقرَّت الحكومةُ الترجمةَ بعد ذلك بزمنٍ طويل بناءً على بعضِ مقتضيات هذا الزمان، فبأيِّ صورةٍ يوظَّف هذا القرار الحكوميُّ ضدي؟!
وثمة رسالةٌ تتكون من أربع نقاطٍ أُلِّفَت بمناسبة إغلاق مسجدنا، وهي شكوى ضد مدير الناحية وبعض رفاقه شخصيًّا، وضد سوءِ استعمال صلاحياتهم إذْ ظلموني بشدة، لكن لم يُعثَر عليها لأنني لم أعطِها لأحد.
.......
ومن توافقات الكلمة العاشرة أن عدد سطورها يتوافق من جهةٍ مع تاريخ تأليفها، ويتوافق من جهةٍ أخرى مع تاريخ إعلان الجمهوريَّة اللادينيَّة التي تفصل الدين عن الدنيا، بحيث يكون ذلك الإعلان أمارةً على إنكار الحشر.
وتفسيرُ هذا: أنه ما دامت الجمهوريَّة تلتزم الحياد فلا تتعرَّض للدين ولا للإلحاد، فمن المحتمل أن يستفيد أهلُ الضلالة والإلحاد من حيادها فيُعلنوا إنكارَ الحشر؛ وإلا فليس هذا هجومًا على الحكومة، بل هو إشارةٌ إلى حيادها.
والحقُّ أن "الكلمة العاشرة" لما انتشرت منها ثمانُمئة نسخةٍ قبل تسع سنواتٍ من الآن، حصرَتْ إنكارَ الحشر في قلوب منكريه من أهل الضلالة، فلم تدع مجالًا لتصرِّح به ألسنتُهم، وسدَّت أفواههم، وأدخلتْ براهينَها الخارقة في أعينهم.
أجل، فهذه الرسالة التي تبيِّن ركنًا إيمانيًّا عظيمًا كالحشر أصبحت درعًا فولاذيًّا
— 273 —
يحيطُ بالإيمان، وأسكتتْ أهلَ الضلالة؛ ولا شك أن حكومة الجمهوريَّة قد سُرَّتْ بها حتى تناقلتْها أيدي النوَّاب والولاة وكبار المسؤولين بحريَّةٍ تامَّة.
وكذلك "رسالة الحجاب"، فهي جوابٌ علميٌّ مُسكِتٌ بغايةِ القوة، يرُدُّ الاعتراضَ الذي أُورِدَ على آية الحجاب باسمِ مدنيَّة أوروبا وفلسفتها، ولصالحِ سياسة الإفساد الإنكليزية؛ وإن جوابًا علميًّا كهذا شأنُه أن يقابَل بالتقدير في كل زمانٍ لا قبل خمس عشرة سنة فحسب، ولا شك أن هذه الحرية العلمية لا تحدُّها حكومةُ جمهوريةٍ ترفع لواء الحريَّة.
.......
أيَّتُها الهيئة الحاكمة.. لو كانت الدنيا هدفَ رسائل النور، أو لو أُريدَ بها مقصِدٌ دنيويٌّ، لوُجِد في رسائلها المئة والعشرين عشراتُ آلافِ النقاط التي تعدُّونها بنظركم محلَّ انتقاد؛ فهل يجوزُ أن يُحظَر بستانٌ مباركٌ أو يُساءَل صاحبُه لمجرَّد وجودِ خمسَ عشْرةَ ثمرةً بدتْ لكم مُرَّةً كالحنظل، بين مئةٍ وعشرين ألفِ ثمرةٍ طيبةٍ لذيذةٍ فيه؟! أُحيلُ هذا إلى ضميركم المتمسك بالعدالة.
ولقد بيَّنتُ في مدافعتي الأخيرة أنني رددتُ منذ ثلاثين سنةً على فلاسفة أوروبا، وعلى الملحدين الذين يعملون لصالحهم وصالح المخططات الأجنبيَّة في الداخل، وما زلتُ أردُّ عليهم معارِضًا؛ ويدرِك المطلعون على رسائلي أن هؤلاء هم أكثرُ مُخاطَبِيَّ بعد نفسي.
فأسألكم: لقد وجَّهتُ صفعةً علميَّةً شديدةً أَهويتُ بها على وجوه فلاسفة أوروبا، وعلى وجهِ كلِّ ملحِدٍ يعمل لصالحِ المؤامرات الأجنبية، فبأيِّ صورةٍ تُحوَّل هذه الصفعة لتُوجَّه ضدَّ الحكومة؟!
هذا أمرٌ لا تقبَله عقولُنا، بل ما كنا نتصوَّره، والمأمول من حكومة الجمهوريَّة التي تُعلي من قيمة الحرية، أن ترحِّب بهذه الصفعات العلميَّة المُحِقَّة، وتصفِّقَ لها باسم الحكومة نفسها ولصالح القانون بدلًا من مُساءلتِها.
— 274 —
اعتذار:
بُلِّغتْ لائحةُ الادعاء في مهلةٍ مقدارُها ثلاثة أيام، فقُرِئتْ بالكاد مساءَ اليوم الأول لوصولها متأخرةً، وتُرجِم مُعظَمُها في اليوم الثاني، ولم تتسنَّ لي فرصةٌ للردِّ عليها سوى خمسِ ساعاتٍ أو ستٍّ، فكتبتُ لائحةَ الاعتراض الطويلةَ هذه على عَجَل.
وأكرر ما قلتُ في مدافعاتي السابقة: إن لائحة الاعتراض ستكون بالتأكيد ناقصةً مشوَّشةً للغاية، فقد كُتِبتْ بطولِها في غضون أربع ساعاتٍ أو خمس، مع عدمِ معرفتي بالقوانين، خصوصًا المعاملات الرسميَّة الحاليَّة، ومع كوني ممنوعًا من الاختلاط منذ زمنٍ بعيد، فأرجو أن تنظروا إليها بعين المسامحة.
٭ ٭ ٭