— 234 —
جزءٌ من دفاع بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ
في محكمة "أسكي شَهِر" عام
١٩٣٥م
تَبيَّنَ في محكمةِ "أسكي شَهِر" عدمُ اشتغالِ سعيد النُّورْسِيّ بالأمور السياسية، إلا أنه تقرر إنزال عقوبةٍ به لمجرَّد تأليفه رسالةً تفسِّر آيةً قرآنيَّةً كريمةً؛ ولا شكَّ أن هذه سابقةٌ قضائيَّةٌ خطيرة، إذْ لم تَشهَد أيُّ محكمةٍ في العالَم إنزال عقوبةٍ بمفسِّرٍ لتفسيره آيةً كريمة.
فقرة من الدفاع
هيئةَ المحكمة..
لقد اتهموني بأربع موادَّ أو خمس، فأوقفوني:
المادَّة الأولى:
أُخبِر عني بأنني أنوي القيام بأعمالٍ يمكن أن تؤدِّي للإخلال بالأمن العام، من خلال اتخاذ الدين أداةً للفكر الرجعيّ.
الجواب:
أوَّلًا: الإمكان شيء، والوقوع شيءٌ آخَر؛ فلدى كلِّ فردٍ إمكانيَّةُ قتلِ أناسٍ كثيرين، فهل يُحاكَم بهذا الاعتبار؟! ويمكن لأيِّ عودِ ثِقابٍ أن يُحرِق دارًا عظيمةً، فهل يُزال الكبريت من الوجود لوجود هذه الإمكانية فيه؟!
ثانيًا: حاشا ثم حاشا مئةَ ألفِ مرة أن تكون العلوم الإيمانيَّة التي نشتغل بها أداةً لشيءٍ سوى مرضاة اللّٰه تعالى.
— 235 —
أجل، فكما لا يمكن أن تكون الشمسُ تابعةً للقمر، كذلك لا يمكن للإيمان الذي هو المفتاحُ النورانيُّ القدسيُّ للسعادة الأبديَّة، وشمسُ الحياة الأخروية، أن يكون أداةً بِيَدِ الحياة السياسية.
أجل، فليس ثمة مسألةٌ كونيَّةٌ أهمَّ من سرِّ الإيمان الذي هو أعظم مسألةٍ في الكون، وأكبرُ لغزٍ في خلق العالَم، حتى يكونَ أداةً لها.
هيئةَ المحكمة.. ثِقوا أنه لو كان توقيفي الشاقُّ المُضني متعلِّقًا بشخصي وبحياتي الدنيوية فحسْب، لسكتُّ مرةً أخرى كما سكتُّ طَوالَ عشر سنين؛ لكنه لما كان متعلِّقًا بالحياة الأبديَّة لكثيرٍ من الناس، وبرسائلِ النور المفسِّرةِ لما يكشِف عن طِلسِم الكون العظيم، فإني لو كان لي مئةُ رأسٍ، يُقطَعُ كلَّ يومٍ واحدٌ منها، ما تخلَّيْتُ عن هذا الأمر العظيم؛ فلئن نجوتُ من قبضتكم فلا منجى لي - أنا الهرِم عند باب القبر - من براثن الأجل.
انظروا إلى مسألةٍ تعود إلى طِلْسِم الكون المدهِش، ذلك الطِّلْسِم الذي كان القرآنُ الحكيمُ كَشَّافَه، وكانت رسائلُ النور المفسِّرَ لذلك الكشاف العظيم تفسيرًا كأنما تُجَلِّيه أمام الأعين بما أَوْرَدَتْه من مئاتِ المسائل، إنها مسألةُ سرِّ الإيمان المتعلِّقِ بالأجل والقبر اللذَيْن سيصير إليهما كلُّ إنسان.
فهل يمكنُ يا تُرى أن تكون جميعُ مسائلِ العالَم السياسيةِ العظيمةِ أعظمَ من الموت والأجل عندَ مَن آمنَ به، حتى يَجعلَ منه أداةً لها؟!
ذلك أنَّ الأجلَ الذي يمكن أن يقطع الرأس في أيِّة لحظة، إذ ليس له وقتٌ معيَّن، هو إما إعدامٌ أبديٌّ، وإما جوازُ سفرٍ للذهاب إلى عالَمٍ أجمل؛ وأنَّ القبرَ الذي لا يُغلَق لحظةً، هو إما بابٌ لبئرِ العدم والظُّلمات الأبديَّة، وإما بابٌ لعالَمٍ أدوَمَ وأبقى وأنوَر.
فهكذا تُجلِّي رسائلُ النور بفيضِ الكشفيَّات القرآنيَّة القدسيَّة، وبقطعيَّةٍ كقطعيةِ أن (٢ ٭ ٢:٤)، وتكشِفُ عن حَلٍّ قطعيٍّ لا شبهةَ فيه، يُبدِّل الأجلَ من إعدامٍ أبديٍّ إلى جواز سفر، ويبدِّل القبرَ من بئرِ عدمٍ لا قرار لها إلى بابِ حديقةٍ غَنَّاء؛ فلو كان لي مُلْكُ الدنيا بأسرها ما ترددتُ في التضحية به لأجد هذا الحل؛ وهذا ما يفعله كلُّ ذي لُبّ.
— 236 —
فرسائل النور أيها السادة، كشفتْ عن مئاتِ المسائل الإيمانيَّة أمثالِ هذه المسألة ووضَّحتْها؛ فأيُّ إنصافٍ يَسمح، وأيُّ عقلٍ يَقبل، وأيُّ قانونٍ يقضي بأنْ يُنظَر إليها على أنها منشوراتٌ هدَّامة وكُتُبٌ مُغرِضة تُتَّخَذُ أداةً لتيَّاراتٍ سياسيَّة؟! حاشاها من ذلك ثم حاشاها مئةَ ألفِ مرَّة.
تُرى، ألن يتعرَّض الذين تسبَّبوا بهذه التُّهمة للمساءلة؟! ألن يُسائلَهم جيلُ المستقبل الآتي، وأهلُ الآخرة التي هي المستقبل الحقيقي، ألن يسألهم الحاكمُ ذو الجلال سبحانه؟!
ثم إنه ينبغي على مَن يحكمون هذا الشعب المتديِّن فطرةً في هذا الوطن المبارَك أن ينحازوا للتديُّن ويشجِّعوا عليه، فذلك ما تُمليه عليهم وظيفةُ الحُكم.
ثم ما دام من مبادئ الجمهوريَّة العلمانيَّة أن تقف على الحياد في شأن الدين، فلا تتعرَّضَ للملحدين واللادينيين، فلا بد أنه يلزمها بالمقابل ألّا تتعرَّض للمتديِّنين بأي ذريعة.
ثالثًا: قبل اثنتي عشرة سنة، دعاني رؤساءُ أنقرة لزيارتها تقديرًا لجهادي ضدَّ الإنكليز في كتابي المسمَّى "الخطوات الست"، فذهبت، فلم توافق توجُّهاتهم مشاعرَ شيخوختي؛ فقالوا لي: اعملْ معنا، فقلت: لا يمكن لی"سعيدٍ الجديد" أن يعمل معكم، فهو يريد العملَ للآخرة، غير أنه بالمقابل لا يتعرَّض لكم.
أجل، لم أتعرَّض لهم، ولم أشترك مع الذين تعرَّضوا لهم، لأنه بسبب هذا التعرُّض خسرنا الدهاءَ العسكريَّ الذي كان يمكن أن يخدُم قِيَمَ الأمة الإسلامية وثوابتها، فانقلبَ وسيلةً ضدَّها للأسف.
نعم، شعرتُ بدهاءٍ لدى رؤساء أنقرة، خصوصًا لدى رئيس الجمهورية، فقلت في نفسي: لا يجوز أن يُحوَّل هذا الدهاء ضدَّ قِيَمِ الأمة وثوابتها بإثارةِ مخاوف القوم وهواجسهم؛ ولهذا تجنَّبتُ دنياهم بكلِّ وسعي ولم أتدخل فيها، وانسحبتُ من السياسة منذ ثلاث عشرة سنة، حتى لقد مرَّ عليَّ في هذه الغربة قرابة عشرين عيدًا
— 237 —
أمضيتُها - عدا واحدًا أو اثنين منها - وحيدًا في غرفتي كالسجين، لئلا يتوهَّم متوهِّمٌ أنني أخوض في السياسة.
وإليكم الأدلةَ التي تُثبِت أني لم أتعرَّض لأعمال الحكومة ولم أرغب في التدخَّل بشؤونها:
الدليل الأوَّل: أنني لم أقرأ منذ ثلاثَ عشْرة سنةً شيئًا من الصُّحُف التي هي لسانُ السياسة، يعلَم هذا أصحابي في قرية "بارلا" التي لبِثتُ فيها تسعَ سنين، وأصحابي في "إسبارطة" التي أقمتُ بها تسعة أشهر؛ هذا باستثناء فقرةٍ من مقالٍ تناهتْ إلى سمعي عَرَضًا حين كنتُ في غرفة التوقيف بی"إسبارطة"، يشنُّ فيها صحفيٌّ متحاملٌ هجومًا يَنضَح بالكفر والإلحاد ضدَّ طلاب رسائل النور.
الدليل الثَّاني: أنه لم يُرَ مني - على مدى عشرِ سنوات أمضيتُها في ولاية "إسبارطة" - أيَّةُ أمارةٍ أو علامةٍ تَنُمُّ عن محاولةِ التدخل في السياسة أثناء التحوُّلات الكثيرة التي شَهِدها العالَم.
الدليل الثالث: اعترافُ كلٍّ من مكتب الوالي ومديرية الأمن العام بعدم العثور في كتبي على أيِّ محتوى أو مادَّةٍ تتعرَّضُ لسياسة الحكومة، وذلك بعد مداهمةِ مكان إقامتي بشكلٍ لا يخطر بالبال، وتفتيشِه تفتيشًا دقيقًا، ومصادرةِ أخصِّ أوراقي وكتبي التي كانت بحوزتي منذُ عشرِ سنين.
فيا ترى!! لو أن رجلًا مثلي نُفِيَ بدون سببٍ عشَرةَ أشهر لا عشرَ سنين، وتعرَّض لظلمٍ فادح، وقاسى صنوفًا من الاضطهاد والرقابة المقرونةِ بالأذى، ونُشِرَتْ أخصُّ أوراقِه الشخصية إلى العلن، أما كانت تَظهَر في هذه الأوراق عشرُ قضايا تُصفَع بها وجوهُ الظَّلَمة؟!
فإن قلتم: لقد وقفنا لك على أكثر من عشرين رسالةً راسَلتَ بها الآخرين؛ فإني أقول: لقد كُتِبتْ هذه الرسائل خلال سنين ممتدة، أفيُستَكثَرُ إن كَتبتُ إلى عشرةِ أصدقاء، خلال عشرِ سنين، عشرَ رسائل أو عشرين بل مئة؟! ألا ما دامت المراسلة مسموحًا بها ولم تَتعرَّض لدنياكم فليست جُرْمًا وإنْ بلغتْ ألفًا.
— 238 —
الدليل الرابع: أنكم تَرَون أن جميع كتبي المصادَرة قد ولَّتْ ظهرَها للسياسة، وتوجَّهت بكُلِّیيَّتِها نحو الإيمان والقرآن والآخرة، سوى رسالتَين أو ثلاثٍ خرجَ فيها "سعيدٌ القديم" عن صمته، وثارتْ ثائرتُه على اضطهاد بعض المسؤولين القُساة؛ فهو لم يعترض على الحكومة، بل على أولئك المسؤولين الذين أساؤوا استعمال وظيفتِهم، فكتب شكواه متظلِّمًا؛ ومع هذا اعتبرْتُ هذه الرسائلَ خصوصيةً فلم أسمح بنشرها، وبقيتْ محصورةً بأيدي بعض خواصِّ أصحابي؛ وإنما شأن الحكومة أن تَرْقُب الظاهرَ وتنظر إلى الأفعال، وليس من حقها أن تنظر إلى القلوب ولا إلى الشؤون الخاصة الخفيَّة، فلكلِّ إنسانٍ أن يفعل بقلبه وفي بيته ما يشاء، فيستاءَ من الحكام ويَذُمَّهم.
فمن ذلك أنني كتبتُ رسالةً مختصرةً ردًّا على محاولةِ بعضِ المسؤولين التدخُّلَ في شأن عمامتي وعبادتي الخاصة على المذهب الشافعي، وذلك قبل سبع سنوات وقبل ظهور الأذان الجديد، ثم ظهر الأذان الجديد، فقلتُ: إن هذه الرسالة خصوصية، ومَنعتُ نَشْرَها.
ومن ذلك أيضًا أنني حين كنتُ في "دار الحكمة الإسلاميَّة" كتبتُ جوابًا على اعتراضٍ آتٍ من أوروبا حول آيةِ الحجاب، ثم أَخفيتُ رسالةَ الحجاب الوجيزةَ هذه المسمَّاةَ "اللمعةَ الرابعة والعشرين"، وكانت أُخِذَتْ من الرسائل المطبوعة قديمًا، وسُجِّلتْ كإحدى مسائل "اللمعة السابعة عشرة"، أخفيتُها قبلَ سنةٍ من الآن لئلا تَمسَّ القوانين في المستقبل؛ إلا أنها أُرسلتْ على نحوٍ ما إلى إحدى الجهات بطريق الخطأ؛ هذا مع العلم أنها جوابٌ علميٌّ مُفحِم على اعتراضِ المدنيَّة على الآية القرآنيَّة، وما ينبغي بحالٍ أن تُقيَّد الحريَّة العلميَّة في عهد الجمهوريَّة.
الدليل الخامس: اختياري الانزواءَ بقريةٍ منذُ تسع سنوات، ورغبتي في التجرد من السياسة والحياة الاجتماعية، وعدمُ قيامي بأيِّ مراجعةٍ للجهات الرسمية في هذه السنوات العشر لئلا أتدخَّل في دنيا السياسة، وقد تحمَّلتُ في سبيل هذا جميعَ صنوف الاضطهاد والأذى المنهالَةِ عليَّ مراتٍ عديدةً كهذه المرَّة، ولو أنني راجعتُ هذه الجهات لأمكنني أن أقيم في إسطنبول بدلًا من "بارلا".
— 239 —
ولعلَّ سببَ توقيفي الجائر هذه المرَّة أن والي "إسبارطة" وبعضَ مسؤولي الحكومة ساءَهم وجرحَ كبرياءَهم عدمُ مراجعتي إياهم، فجعلوا من الحبَّة قبَّةً لحقدهم وقلةِ حيلتهم، وأثاروا هواجس وزارة الداخلية نحوي.
الحاصل: يعلم جميعُ أصحابي الذين يلازمونني أنَّ مجرَّد التَّفكير في السياسة - فضلًا عن التدخل فيها أو مباشرتها - يخالف مقصِدي الأساسي وأحوالي الروحيَّة وخدمتي الإيمانيَّة القدسيَّة، بل لا يناسبني؛ فلقد أُعطِيتُ نورًا ولم أُعْطَ هِراوة سياسة.
وإحدى حِكَم هذه الحالة قناعتي بأن اللّٰه تعالى جعل في قلبي مُجانبةً ونُفْرةً شديدةً من السياسة، لئلا يُحرَم من حقائق الإيمان كثيرٌ من المتلهفين إليها ممن دخلوا في سلك وظائف الدولة، أو يَنظروا إليها بعين الرِّيْبة والانتقاد.
.......
استُجوِب المُقدَّمُ المرحوم "عاصم بك"، فرأى أنه إنْ صَدَق لحِق الضررُ بأستاذه، وإنْ كذَب عزَّ ذلك على شرفه العسكري النزيه المستقيم الممتد أربعين سنة، فدعا ربَّه: "اللّٰهم اقبضني إليك"، فقُبضَتْ روحُه بعدها بدقائق، وأمسى شهيدَ الاستقامة، وراح ضحيَّةَ أخطاءٍ شنيعةٍ ارتكبها أناسٌ اعتبروا التعاونَ على الخير وموالاةَ أهله خطيئةً، مع أنه لا يُحاسِب عليهما أيُّ قانونٍ في الدنيا.
نعم، إن مَن تلقَّى الدرس التام من رسائل النور يَعُدُّ الموت جوازَ سفر، فيَحتسي كأسَ المنيَّة بسهولةٍ كأنما يشرب كأسًا من الماء، ولولا قلقي على إخواني الذين سيبقَون في الدنيا من بعدي واهتمامي بآلامهم، لقلتُ كما قال أخي العزيز "عاصم بك": "اللّٰهم فاقبِضْني إليك أيضًا".
ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ من أسباب اتهامي:
المادة الثالثة:
وهي أن رسائل النور، بانتشارِها دون إذنِ الحكومة، وتعزيزِها الشعورَ الإيماني، قد تقف في المستقبل عائقًا أمام المبادئ التحرريَّة للحكومة، وتُخِلُّ بالأمن العام.
— 240 —
فالجواب: إن رسائل النور نورٌ، ولا يتأتَّى من النور ضرر؛ وقد ألقَتْ هِراوةَ السياسة مِن يدها منذ البداية قبل ثلاث عشرة سنة، وعكفتْ على ترسيخ الحقائق القدسيَّة التي تُشكِّل حجر الأساس لحياةِ الشعب والوطن؛ وبمقدوري أن أُشهِدَ جميعَ الأفاضل الذين قرؤوها أو قرؤوا بعضَها على أنها نافعةٌ لتسعةٍ وتسعين بالمئة من أبناء هذا الشعب المبارك دون ضرر؛ فليَبرز أحدهم ولْيقُلْ: وجدتُ فيها ضررًا.
ثانيًا: ليس عندي مطبعةٌ ولا كَتَبَة، بل لا أستطيع أن أجد أحدهم إلا بصعوبة، ولستُ حَسَن الخط، بل أنا شِبهُ أُمِّي، لا أكاد أكتب بخطِّي المَشوبِ بالكثير من النقص صحيفةً واحدةً في ساعةٍ واحدةٍ.
ولقد ساعدني بعضُ الأكارم - كالمرحوم "عاصم بك" - بخطوطهم الجميلة التي كانت بمثابة تَذكارٍ لي، فدوَّنوا ذكرياتي في غربتي المفعمة بالحزن؛ ثم طلبَ بعضُ الأفاضل قراءةَ تلك الأنوارِ الإيمانيَّة، إذْ وجدوا فيها الدواء الناجع لدائهم، فلما قرؤوها رأوها بحقِّ اليقين ترياقَ حياتهم الأبدية، فاستنسخوها لأنفسهم.
ودونكم "رسالة الفهرست"، وهي بأيديكم وتحت نظر تدقيقكم، فإنها تُظهِر أنَّ كلَّ جزءٍ من رسائل النور يفسِّر حقيقةَ آيةٍ قرآنيَّة، خصوصًا الآياتِ المتعلقةَ بأركان الإيمان، فقد فسَّرتْها ووضَّحتْها أيَّما إيضاح، بحيث أفشلتْ مخططاتِ الهجوم على القرآن التي وضعَها فلاسفةُ أوروبا منذ ألف سنة وقوَّضتْ أُسُسَها.
وثمة برهانٌ واحدٌ من بين آلافِ البراهين الإيمانيَّة والتوحيديَّة في الرجاء الحادي عشر من "رسالة الشيوخ" التي بين أيديكم الآن، فطالعوه كعيِّنةٍ أو نموذج، ودقِّقوا فيه؛ سيتبين لكم حينئذٍ صحةُ دعواي من خطئها.
ثم إنني على يقينٍ من أنَّ كلَّ من يطالع بإنصافٍ نماذجَ من رسائل النور، كی"رسالة الاقتصاد"، و"رسالةِ المرضى" ذاتِ الخمسةِ والعشرين دواءً إيمانيًّا، و"رسالةِ الشيوخ" ذاتِ الثلاثة عشر رجاءً وسلوانًا إيمانيًّا للمُسنِّين، سيُقدِّر عظيمَ منفعتِها للوطن والشعب؛ إذْ هي كنزُ ثروةٍ ثمينٌ، وترياقٌ، وضياءٌ، لما يربو على نصف أبناء هذا الشعب المبارك من طوائف الفقراء والمرضى والمُسنِّين.
— 241 —
وأقول لمساعدتكم في مهمة التحقيق: إن "رسالة الفهرست" فهرسٌ لقسمٍ من رسائلي التي لها من العمر عشرون عامًا، وأصولُ بعضِها تبدأ من "دار الحكمة"؛ والأرقامُ التي في "الفهرست" ليست على ترتيب التأليف، فی"الكلمة الثانية والعشرون" مثلًا أُلِّفتْ قبل "الكلمة الأولى"، و"المكتوب الثاني والعشرون" كُتِبَ قبل "المكتوب الأول"، ومِثلُ هذا كثير.
ثالثًا: إنَّ أجزاء رسائل النُّور التي هي عبارةٌ عن عِلم الإيمان، تُحقِّق الأمن والاستقرار وتُرسيهما؛ أجل، فالإيمان الذي هو منشأ الأخلاق الحسنة ومنبع الخصال الحميدة، لا يُفسِد الأمنَ البتة، بل يُحقِّقه ويُعزِّزه، في حين أن انعدامَ الأخلاق الناجمَ عن عدمِ الإيمان هو ما يُخِلُّ بالأمن.
واعلموا أنني قرأتُ في صحيفةٍ قبل عشرين أو ثلاثين سنة كلمةً لأحدِ وزراء المستعمرات البريطانية يقول فيها: "لن نستطيع أن نُحكِم السيطرة على المسلمين ما دام هذا القرآنُ بأيديهم.. علينا أن نجتهد لانتزاعه من أيديهم، والتهوين من شأنه في نظرهم"، فحوَّلتْ كلمةُ هذا الكافرِ المعانِد نظري إلى فلاسفة أوروبا منذ ثلاثين سنة، فأنا أجاهدهم بعد جهادِ نفسي، ولا ألتفت كثيرًا إلى الأمور الداخلية، بل أقول: إن مساوئ الداخل هي مِن خطايا أوروبا وإفسادِها؛ فلهذا أشنُّ هجومي على فلاسفتها وأصبُّ عليهم جامَ غضبي؛ وحمدًا للّٰه أن رسائل النور قد أفحمت الفلاسفةَ الماديين والطبائعيين، وحطَّمتْ أمنياتِ ذلك الكافر المعاند.
فليس في العالَم حكومةٌ مهما كان شكلُها تمنع نِتاج بلدها المباركَ، ومعدِنَ قوَّتِها المعنويَّة التي لا تتزعزع، أو تُدِين ناشرَها؛ وإن الحريَّة التي يتمتع بها الرهبان في أوروبا تُبيِّن أنْ ليس ثمةَ قانونٌ يتعرَّض لمن عزفوا عن الدنيا وفرَّغوا أنفسهم لإيمانهم وآخرتهم.
الحاصل: إنَّني على يقينٍ أنَّه لا يوجد في العالَم قانونٌ يمنع أو يستطيع أن يمنع رجلًا طاعنًا في السن، محكومًا بالنفي دون سبب منذ عشر سنوات، ممنوعًا في الغربة من التواصل والمخالطة، أن يكتب خواطرَه العلميَّة المتعلِّقة بإيمانه الذي هو مفتاح
— 242 —
السعادة الأبديَّة؛ وإنَّ عدمَ انتقاد تلك الخواطر من قِبَلِ أيِّ عالِمٍ حتى الآن لَيُثبِت أنَّها عينُ الحقِّ ومحضُ الحقيقة.
ومن الأسباب المعلَنة لاتهامي وتوقيفي:
المادة الرابعة:
أُخبِر عني أنني أعطي دروسًا لها علاقةٌ بالطُّرُق الصوفية الممنوعة من قِبل الدولة.
الجواب:
أولًا: جميعُ كتبي التي بين أيديكم شهودٌ على أنني منشغلٌ بالحقائق الإيمانيَّة؛ ثم إنَّني كتبتُ في رسائل عدَّة مُبيِّنًا أنَّ «الزمان ليس زمانَ الطريقة، بل هو زمانُ إنقاذ الإيمان، فالداخلون إلى الجنَّة بدون الطريقة كثيرون، لكنْ لا أحد يدخلُها بغير إيمان، ولهذا فالزمانُ زمانُ العمل للإيمان».
ثانيًا: أنا في ولاية "إسبارطة" منذ عشر سنوات، فليبرُز أحدٌ من أبنائها ولْيقُل: لقد أعطاني درسًا في الطريقة؛ نعم؛ إنني باعتباري عالِمًا علَّمتُ بعضَ الخواصِّ من إخوان الآخرة دروسًا في العلوم الإيمانيَّة والحقائق العالية، وليس هذا تعليمَ طريقةٍ بل هو تدريسُ حقيقة.
على أنَّ ثمة أمرًا آخر، وهو أنني شافعيُّ المذهب، وتختلف تسبيحاتي بعد الصلاة عن تسبيحات الحنفيَّة بعضَ الشيء؛ ثم إنني أنشغل من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وقبلَ الفجر بأمورٍ كالاستغفار وتلاوة القرآن، فلا أستقبل أحدًا، وأظنُّ أنْ ليس في الدنيا قانونٌ يمكنه أن يمنع هذا.
وبمناسبة مسألة الطريقة هذه، فإنني أُسأل من قِبَل موظَّفي الحكومة والمحكمة: بِمَ تعيش إذًا؟
والجواب: إنني أعيشُ معظم الأيام بمئةِ بارةٍ يوميًّا، بل أعيش أحيانًا بمصروفٍ أقلَّ من ذلك كما يعلم أصحابي الذين يلازمونني، وما هذا إلا ببركاتِ شدة الاقتصاد، وبخزينةِ القناعة التامة، حتى إنني على مدى سبعِ سنين تدبَّرتُ حاجاتٍ لي كاللباس
— 243 —
والحذاء ونحوها بسبعِ ورقاتٍ نقديَّةٍ فقط، وهذا أمرٌ يعرفه أهل "بارلا" التي أقمتُ بها تسع سنين.
ثم إنني بشهادةِ سيرتي التي بين أيديكم، تعفَّفتُ طَوالَ حياتي عن هدايا الناس وصدقاتهم، وردَدتُ هدايا خُلَّصِ أصدقائي كاسرًا خواطرهم، ويعلَم أصحابي الذين يعاونونني أنني إنِ أُحرِجتُ لقبول هديَّةٍ قبِلتُها على شرط المكافأة.
وقد أنفقتُ معظمَ رواتبي التي أخذتُها من "دار الحكمة الإسلاميَّة" على طباعةِ الكتب التي ألَّفتُها في ذلك الحين، وادَّخرْتُ البعضَ اليسير منها للذهاب إلى الحج، فكفاني ذلك المالُ القليل عشرَ سنين ببركة الاقتصاد والقناعة، فلم يُرَقْ ماءُ وجهي، وما تزال ثمةَ بقيَّةٌ من ذلك المال المبارك.
هيئةَ المحكمة..
ما ينبغي أن يُمَلَّ من سماعِ إفادتي الطويلة هذه؛ فلقد أُرفِق بأوراقِ مذكِّرةِ توقيفي عشرون أو ثلاثون كتابًا من كتبي، وإن هذه الإفادة الطويلة تُعَدُّ قصيرةً بلا شكٍّ في مقابل هذا المقدار من أوراق اتهامي.
أنا لا أعرف القوانين، إذْ لم أتدخَّل في شؤون الدنيا منذ ثلاث عشرة سنة؛ وسيرتي شاهدةٌ على أنني أترفع عن ممارسة الخديعة والتضليل للدفاع عن نفسي، فلقد بيَّنتُ حقيقة الحال كما هي؛ وإن لكم ضميرًا ووجدانًا، وتعرفون وجوه تطبيق القوانين دون عَسْف، فأصدِروا حُكمكم بحقِّي.
واعلموا أيضًا أنَّ بعض الموظَّفين عديمي الكفاءة نظروا في أمري نظرةَ تضخيمٍ ومبالغة، فجعلوا الحبَّة قبَّة، وذلك لقلَّةِ حيلتهم، أو لشدة هواجسهم، أو بسببِ مزاعمَ مختلَقةٍ يُتَذَرَّعُ بها كما هي ذريعةُ الذئب مع الحَمَل، أو لنيلِ مرتبة، أو حيلةً منهم لتهيئةِ الأرضيَّة لتطبيق قوانين التحرر الجديدة، ليتزلَّفوا بذلك إلى الحكومة؛ وأملُنا فيكم أن تُظهروا بكفاءتكم قُبَّةَ أوهامهم حبَّةً، أي أن تَقلِبوا منظارَهم فتنظروا بعكسِ ما نظروا.
— 244 —
ثمَّ إنَّ لي رجاءً، وهو أنْ تعيدوا إليَّ كتبي المصادَرة التي لا تُقدَّر عندي بمال؛ وكانت مكتبة أنقرة تلقَّتْ قسمًا مهمًا منها قبلَ اثنتي عشرة سنةً بامتنانٍ وشكر، وأعلنَ قيِّمُ المكتبة ذلك في الصُّحف.
وأطلبُ - بالإذن من هيئتكم المخوَّلة بالحكم في هذه القضية المصيرية - أن تَرفعَ نسخةً من إفادتي هذه إلى المدعي العام، ليقيم دعوى على مَن ألحقوا الضرر بي، ونسخةً إلى وزارة الداخليَّة، ونسخةً ثالثةً إلى مجلس النوَّاب.
التتمة الأولى لدفاعي السابق
أَلفِتُ نظرَ المحقِّق والهيئةِ الحاكمة إلى أنني أُضيفُ ثلاثَ موادَّ إلى إفادتي السابقة.
المادَّة الأولى: يسألوننا بإصرارٍ يثير استغرابَنا ودهشتَنا، ويُشعرنا بوجود مكيدةٍ مدبَّرةٍ للتذرُّع بالاتهام، فيقولون لنا وكأننا تجمُّعٌ أو تنظيم: من أيِّ جهةٍ تقبضون المال لعملِ هذا التنظيم؟
الجواب:
أولًا: وأنا بدوري أسأل هؤلاء: ألديكم وثيقةٌ أو أمارةٌ على وجودِ تجمُّعٍ سياسيٍّ من قِبَلِنا؟ وهل عثرتم على حجَّةٍ أو دليلٍ يفيد أننا أسَّسنا تنظيمًا بالمال حتى تسألوا هذا السؤال بكلِّ إلحاح؟!
فأنا تحت الرقابة المشددة بولاية "إسبارطة" منذ عشرِ سنين؛ وإنَّ رجلًا يعيش غريبًا وحيدًا، ولا يَرى من الناس أحدًا سوى واحدٍ أو اثنين يقومان على شؤونه، وسوى ضيفٍ أو ضيفين كلَّ عشرةِ أيام، قد سئِم الدنيا، ونَفَر من السياسة أشدَّ النفور، وشهِد عدة مراتٍ ما لحِق التجمعاتِ والتنظيماتِ السياسيَّةَ القويَّةَ المعارِضةَ من عظيم الضَّرر والعُقْم بانقلاب نتائج عملها إلى ضدِّ مبتغاها، ورفَضَ التيَّاراتِ والتجمُّعات السياسيَّة فلم يشارك فيها عندما سنحتْ له أهمُّ فرصةٍ بين قومه والآلافِ من مُواليه،
— 245 —
واعتبر خدمةَ الإيمانِ التحقيقيِّ أمرًا في غايةِ القدسيَّة، لا يجوز أن تشوبها أيُّ شائبةٍ، فضلًا عن إفسادِها في أغراضٍ سياسيَّةٍ الذي هو جنايةٌ عظمى، ففرَّ من السياسة فرارَه من الشيطان، متَّخذًا لنفسه دستورًا منذ عشر سنين: أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة، وأنَّ الحيلةَ في عدم الحيلة، وكان مع هذا عصبيَّ المزاج يُفشي أسراره بلا تحفُّظ، ولم يُشعِر بهذا التنظيم موظَّفي ولاية "إسبارطةِ" الواسعةِ من الجواسيس والمخبرين مدَّة عشرِ سنين؛ أقول: إن رجلًا هذه حالُه، يأتيه مَن يقول له بعد هذا كلِّه: "إنَّ ثمة تنظيمًا تقف خلفه وتدير أنشطتَه"، ستُقابَل افتراءاتُه هذه بالمقت والازدراء لا مني فحسْب، بل من ولاية "إسبارطة" وجميعِ معارِفي، بل حتى من جميع أهل العقل والوجدان، وسيقولون له: إنك تتهمه بناءً على مخطَّطاتٍ مغرِضة.
ثانيًا: إنَّ قضيتَنا هي الإيمان، وإن لنا بأُخوَّةِ الإيمان رابطةً مع تسعةٍ وتسعين بالمئة من أهالي "إسبارطة" وأبناءِ الوطن؛ أما التنظيم فهو اتفاقُ أقليَّةٍ من بين أكثريَّة، فوجودُ ما نسبتُه تسعةٌ وتسعون في مقابل واحدٍ لا يُعدُّ تنظيمًا؛ وواقعُ الحالِ أن المُلحِد الجائر المتحامل يظن أن كلَّ الناس مُلحدون مثلَه، فيُشيع ذلك لإهانةِ هذا الشعب المتديِّن المبارك.
ثالثًا: إنَّ إنسانًا مثلي أحبَّ أمة التُّرْك صادقَ المحبَّة، وقدَّرَها بالِغَ التقدير، لِما حَظِيَتْ به من ثناءِ القرآن، ووالى هذه الأمة التي حملت لواء القرآن وواجهتِ الدنيا بأسرها منذ ستمئة سنة، وخدمَها خدمةً فعليَّةً تعدِل خدمةَ ألفِ تركيٍّ قوميٍّ بشهادةِ ألفٍ من أبنائها، واختار هذه الغربة لتفضيله ثلاثين أو أربعين شابًّا من شباب التُّرْك على ثلاثين ألفًا من أبناء بلده وقومه من تاركي الصلاة، وحافظَ على العزة العِلميَّة لمقامِ أهل العلم، ودرَّسَ الحقائقَ الإيمانيَّة بأوضح صورة؛ أفإنِ ارتبط به عشراتٌ أو مئاتٌ بل آلافٌ من تلاميذه - في غضون عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين - بخالصِ رِباطِ الإيمان والحقيقة والآخرة، ارتباطَ تضحيةٍ وفداء، أو أصبحوا إخوانَ الآخرة، أيُستَكثَر هذا بحقِّه أو يُعَدُّ ضارًّا؟! أم يُجيز أحدٌ من أهل الضمير والإنصاف أن يكونوا محلَّ نقد؟! أم يمكن أنْ يُنظَر إليهم على أنهم تنظيمٌ سياسي؟!
— 246 —
رابعًا: كم بَعُدَ عن الإنصاف مَن وجَّهوا سؤالَ: "مِن أين تأخذ المال لتعيش وتؤسِّس المنظَّمات؟" لرجلٍ تدبَّر أمورَه طَوالَ عشرِ سنين بمئةِ ورقةٍ نقديَّة، وربما أنفق في اليوم أربعين بارةً فحسْب، ولَبِس عباءةً مرقَّعةً سبعين رقعةً على مدى سبع سنين!! يدري ذلك أهلُ الإنصاف.
المادَّة الثانية: أرادوا افتعال حادثةٍ مدبَّرةٍ على غِرار حادثة "مَنَمَنْ"، بإرهاب الناس وخداع الحكومة بخدعةِ تسهيلِ تطبيقِ القوانين التحرريَّة، فجاؤوا بي من "بارلا" إلى "إسبارطة" بالقوة، متذرعين بذريعةِ تسهيل تقبُّل القوانين التحرُّريَّة للحكومة، فلما تبيَّن لهم أنني لا يمكن أن أكون أداةً لمثل هذه الفتن، وليس لديَّ أيُّ ميلٍ لمثل هذه المشاريع العقيمة التي تُلحِق الضرر بالوطن والشعب والدين من جميعِ الجهات، غَيَّروا مخطَّطاتهم، ولجؤوا إلى مكائد لا تخطر بالبال ولا بالخيال، مستفيدين من شهرتي الزائفة التي لا تعجبني، فألبسوني حادثةً مُفْتَعَلةً على غِرار حادثةِ "مَنَمَنْ" المظلومة، وجاؤوا بي من "إسبارطة" إلى "أسكي شَهِر"، مُلحقين عظيمَ الأذى بالشعب والحكومة وكثيرٍ من الموقوفين الأبرياء؛ فلما انكشف كذبهم للعِيان اليوم، اختلقوا مزاعم كمزاعمِ الذئب للحَمَل، يريدون بها التلبيسَ على رجال القضاء؛ وإنني من جهةِ حقي المدنيِّ في الدفاع أذكِّر رجالَ القضاء بحاجتهم إلى التيقُّظ والحذر تجاه هذه المسائل.
والحقُّ أن أولئك هم مَن ينبغي أن يُتَّهَموا، فقد سبق أنْ تزلَّفوا لبعض رجال الحكومة، وافتعلوا بالحيلة حادثةً صغيرةً هيِّجوا بها بعضَ السذَّج الأبرياء المساكين، وورَّطوهم خلف قناع تنظيمٍ وهميٍّ، ثم ضلَّلوا الحكومة فجعلوا الحبَّة قبَّةً كما يفعل الشياطين، وتسبَّبوا بسحقِ كثيرٍ من الأبرياء، وألحقوا بالبلاد عظيمَ الأضرار، وحمَّلوا غيرَهم الأوزار، فقضيَّتُنا كهذه تمامًا.
المادة الثالثة: لا بدَّ أن تكون المحكمةُ أكثرَ دوائرِ الحكومةِ محافَظةً على استقلاليَّتها، وأَولى مَن يُكلَّف بالنظر بحياديَّةٍ وتجرُّدٍ عن المشاعر تجاه المؤثِّرات الخارجية؛ واستنادًا إلى هذه الاستقلالية فإن لي حقَّ الدفاع بحرِّيَّةٍ عن حقوق حريَّتي.
— 247 —
أجل، ففي جميع المحاكم قضايا تتعلق بالأموال والأرواح، ولو أن قاضيًا غضِب من قاتلٍ ما، فأمَر لأجل ذلك بإعدامه، لأصبح هو الآخَر قاتلًا؛ ومعنى هذا أنه إنْ لم يتحرَّر موظَّفو القضاء ويتجرَّدوا تمامًا عن جميع المشاعر والمؤثرات الخارجية، فقد يرتكبون آثامًا مروِّعةً ضمن عدالةٍ صُوْريَّة.
ثم إن للجُناة والمعارضين ومَن لا وكيل لهم حقوقًا، وهم يطلبون لتحصيلها مرجعًا يكون بغايةِ الحياد.
وإن ثمة تعبيرًا يُوجَّه إليَّ، وهو من منظور العدالة يوحي بالتحيُّز، ويحوِّل ماهيَّة العدل إلى ظلم، وهو أنهم يخاطبونني أثناء بعض الاستجوابات هنا وفي "إسبارطة" في كلِّ مرةٍ بی"سعيد الكردي"، أو: "هذا الكردي"، مع أنَّ اسمي سعيد النُّورْسِيّ؛ وهم بذلك يثيرون النعرة القوميَّة لدى أصحابي من إخوان الآخرة، ويهيجون المشاعر ضدي، ويُحوِّلون مجرى المحكمة وماهيَّةَ عدالتها إلى ضدِّه ونقيضِه بالكامل.
نعم، ومع وجودِ حوادثَ تاريخيَّةٍ كثيرةٍ تُبيِّن أن الشرط الأول للعدالة هو أن تنظر المحكمة والقاضي في القضايا بغايةِ الحِياد بدون أيِّ شائبةِ التحيُّز، كجلوسِ سيِّدِنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه زمنَ خلافته في المحكمةِ سويًّا مع يهوديٍّ، وتقاضي كثيرٍ من الأمراء مع أفرادٍ من عامَّة الناس في محاكم العدل، فإنني أقول لمن يريدون تضليل نظر العدالة وإثارة المشاعر تجاهي بكوني أجنبيًّا غريبًا:
أيُّها السادة.. أنا مسلمٌ قبل كلِّ شيءٍ، ولدتُ في "كردستان"، لكني خدمت الأتراك، وإليهم توجَّهتْ تسعٌ وتسعون بالمئة من خدماتي النافعة، وبينهم قضيتُ معظمَ حياتي، ومنهم كان أصدقُ إخواني وأخلصُهم.
وإنني أستطيع أن أُشهِد ألفًا من الشباب التركيِّ الحقيقيِّ الشَّهم على أنّني خدمتُ الأمَّة التركية أكثر مما خدمَها ألفٌ ممن يتظاهرون بأنهم عُشَّاقُ القوميَّة التركية ويصفونني بالكرديّ، فلقد أحببتُ الأتراك ومِلتُ إليهم أكثرَ من غيرهم، وذلك بمقتضى خدمتي القدسيَّة ومسلكي القرآني؛ إذْ كان التُّرْك أكثرَ جيوشِ الإسلام بطولةً.
— 248 —
كما أُشهِد على دعواي هذه ثلاثين بل أربعين كتابًا من كتبي الموجودة بأيدي هيئة المحكمة، خصوصًا رسائل "الاقتصاد" و"الشيوخ" و"المرضى"، التي تخدُم فئاتٍ من أهل المصائب الفقراء والمرضى والمتديِّنين الأتقياء الذين يشكِّلون أربعةَ أخماس الشعب التركي، خدمةً تعدِل خدمةَ ألفٍ من دعاة القوميَّة التركية، فهذه الكتب ليست بأيدي الأكراد، بل بأيدي الشباب التركي.
وأستأذن هيئة المحكمة لأقول لأولئك الملحدين الظلمة الذين أقحمونا في هذه المصيبة، واستغفلوا أشخاصًا رفيعي المستوى من رجال الحكومة، وحاكوا المؤامرات بذريعة القومية:
أيها السادة.. أمِنَ القوميَّة أن تَزجُّوا في هذه المصيبة أكثرَ من أربعين شخصًا هم من خيرةِ شبابِ التُّرك ومن أجَلِّ شيوخهم - كأنَّهم ارتكبوا جريمةً كبرى - بسببِ مادةٍ لم تَثبتْ بحقي، ولو ثبتت لم تكنْ جرمًا، ولو كانتْ جرمًا كنتُ وحديَ المسؤولَ عنها؟!
نعم، يوجد بين مَن طالَهم هذا التوقيف المتعسِّف الجائر رجالٌ أفاضل هم مَبعثُ فخرٍ للشباب التركي، (حاشية): بعد أن قاسى هؤلاء شهرين من التوقيف الشاق المُضْني، أُخلي سبيلهم بناءً على قرارٍ بمنع المحاكمة. أفيكون من القوميَّة أن يُعتَقَلوا من بين أهلهم وأبنائهم، ويُساقوا كالمجرمين، ويُزَجَّ بهم في هذه البَلِيّة، لمجرَّد أنني عرفتُ قَدْرَهم من غير أن ألقاهم، فبلَّغتُهم سلامًا أو بعثتُ إليهم برسالةٍ إيمانيَّةٍ؟!
إنني أقول - وأنا الذي أُعَدُّ في نظركم من أمَّةٍ غير متحضِّرة یی: يوجد بين هؤلاء الموقوفين من شبابِ الترك الأماجد وشيوخِهم الموقَّرين مَن لا أستبدل بالواحد منهم مئةً من بني قومي؛ وإنَّ فيهم مَن لأجله تركتُ الدعاء منذ خمس سنين على المسؤولين الذين ما فتِئوا يظلمونني منذ عشر سنين؛ وإنَّ فيهم من الأصحاب الأكارم مَن رأيتُ فيهم بكمالِ التقدير والإعجاب أطهرَ نماذج السجايا العالية، وعرفتُ من خلالهم سرَّ تفوُّق الشعب التركي.
— 249 —
وإنني لأؤكد متعهِّدًا بوجداني وبأماراتٍ كثيرةٍ أنْ لو كانتْ لي أبدانٌ بعددِ أولئك الموقوفين الأبرياء الأفاضل، أو لو استطعتُ أن أتلقى جميعَ أنواع المشاقِّ النازلة بهم، لطلبتُ - واللّٰهِ - أن أتحمَّلها بدلًا منهم بكل فخر.
وما كان شعوري هذا تجاههم إلا لقيمتهم الذاتية، لا لمنفعةٍ تنالني منهم؛ فبعضُهم أراهم الآن لأول مرة، وربما انتفع بعضُهم بي وتضرَّرتُ بسببه، لكني لو تضرَّرتُ بسبب هؤلاء آلاف الأضرار، ما نزلتْ قيمتُهم في نظري.
فيا أيها الملحدون الظَّلمة أدعياءُ القوميَّة.. أَمِنَ القوميَّة إهانةُ وإذلالُ هؤلاء الأكارم الذين هم مَبعَث فخرِ الشعب التركي استنادًا إلى مزاعم تافهةٍ مكرَّرة بسببِ كرديٍّ مثلي حسَبَ تعبيركم؟! أهذه هي القوميَّة التركية؟! أهذه هي الوطنيَّة؟! هيا.. أُحيل هذا إلى ضميركم عديمِ الإنصاف.
لقد أخْلتِ المحكمةُ العادلة سبيلَ أكثرهم عندما علِمتْ براءتَهم، فإن كان ثمة جُرْمٌ فهو جُرْمي، أما هم فكلُّ ما فعلوه - لكريمِ أخلاقهم - أنهم قدَّموا خدماتٍ صغيرةً لشيخٍ غريبٍ طاعنٍ في السن مثلي، فأوقَدوا له المدفأة، وجلبوا له الماء، وأعَدُّوا له الطعام، وبيَّضوا بعض رسائله الخاصة، وما فعلوا كلَّ ذلك إلا ابتغاءَ وجه اللّٰه وحدَه؛ وذيَّلوا بتواقيعهم على سبيل الذكرى رسالتَين من رسائلي - هما عندي بمثابةِ دفتر مذكِّراتٍ - ليَسُرُّوا خاطري؛ فهل في الدنيا قانونٌ يا تُرى أو أصولٌ أو مصلحةٌ تؤاخِذُ أمثالَ هؤلاء بمثل هذه الذرائع الباطلة؟!
التتمة الثانية لدفاعي
هيئةَ المحكمة..
لعلَّكم تجدون في بياناتي التالية أمورًا لا لزوم لها من منظورِ وظيفتِكم، إلا أنها مسائل تتعلَّق بعموم البلاد، بل بالعالَم أجمع، فلستُم وحدَكم مَن يستمع، بل أولئك أيضًا يستمعون معنًى.
— 250 —
ثم إنكم سترون في بياناتي شيئًا من عدم الترتيب، والسببُ أنني مُنِعتُ حقًّا مهمًّا من حقوقي، ذلك أني لطالما رجوتُ منهم - لرداءة خطي - أنْ يعيِّنوا لي كاتبًا أستطيع أن أُمْلي عليه استدعاءً للدفاع عن حقي في هذه المسألة التي هي مسألةُ حياةٍ أو موت، فلم يفعلوا، بل منعوني الكلامَ منعًا باتًّا مدَّةَ شهرين ظلمًا وجَورًا؛ فلأجل هذا لم أستطع أن أكتب بخطي الرديء المشوَّش كتابةً منتظمة.
وهذا آخر بياناتي:
لو فرضنا جدلًا أن رسائل النور - كما جاء في تقارير المخبِرين والمفسدين - تُعارض بعضَ سياسات الحكومة وقوانينِها ولا توافقها، وأنها تحمل قناعاتٍ سياسيةً مغايرة وأفكارًا معارِضة، وأنها بعمومها لا تتحدث عن الإيمان بل عن السياسة؛ فإني أقول جوابًا على هذا الادعاء الظاهر افتراؤه:
ما دامت الجمهوريَّةُ أوسعَ أشكال الحرية، وما دامت الحكومةُ قد قَبِلَتْ أكثرَ أشكال الجمهوريَّة تحرُّرًا، فليس لحريَّةِ الجمهوريَّة أن تُجرِّمَ الحريَّةَ العلميَّةَ بحال، أو تضعَ أفكارها الصائبة وقناعاتها العلميَّة الحقيقيَّة القطعيَّة التي لا تُرَدّ تحت وصاية الاستبداد ما دامتْ لا تُخِلُّ بالأمن؛ أجل، وهل في العالَم حكومةٌ يكون الجميعُ منها على قناعةٍ سياسيَّةٍ واحدة؟!
ولنفرض جدلًا أنني كتبتُ قناعاتي السياسيةَ خُفيةً لنفسي، وأطلعتُ عليها بعضَ خواصِّ أصحابي، فإني لم أسمع بقوانينَ تقول: إن في هذا جُرْمًا؛ والحالُ أن رسائل النور إنما تبحثُ في الإيمان، ولم تَسقُط في ظلمة السياسة، بل لا تتنزَّل إليها أصلًا.
ولو فرضنا أن ملحدًا جاهلًا بماهيَّةِ الجمهورية العلمانية قال: "إن رسائلَك تشكِّل تيارًا دينيًّا قويًّا، وتعارض مبادئ الجمهوريَّة اللادينيَّة".
فالجواب: نحن نعلم أن الجمهوريَّة العلمانيَّة تعني فصل الدين عن الدنيا، أما أن تعني ما لا يخطر بالبال من رفضِ الدين، وأن تكون بغير دينٍ مطلقًا، فهذا أمرٌ لا يَقبله إلا ملحدٌ في غاية الحماقة.
— 251 —
أجل، فكما لم تعشْ أمةٌ في الدنيا بلا دين، فقد تميزت أُمَّة الترك عبر العصور بأنها كانت مسلمةً حيثما وُجِدتْ في أقطار العالَم، بينما يوجد في سائر الشعوب الإسلاميَّة الأخرى مهما صغُرتْ فريقٌ غير مسلم.
فهذه أمةٌ مباركةٌ نصبتْ مفاخرَها على وجه البسيطة بملايين المصادر الدينيَّة أمةً متديِّنةً تديُّنًا حقيقيًّا صادقًا، وخَطَّتْ تلك المفاخرَ بسيوفها جيشًا بطلًا للدين الحقِّ ألفَ سنة، فحين يتَّهمها الكذَبَة ممن لا دين لهم ولا انتماء بأنها ترفض الدين أو أنها لادينيَّة، إنما يرتكبون جريمةً كبرى يَستحقُّون أن يَلقَوا جزاءَها في أسفل سافلي جهنَّم.
والحال أنَّ رسائل النور لا تتحدث عن دائرة الدين الواسعةِ التي تشمل حتى قوانين الحياة الاجتماعيَّة، وإنما أصلُ موضوعها وهدفُها الذي تتحدث عنه أركانُ الإيمان العظيمة التي هي أخصُّ وأسمى أقسام الدين.
ثم إنَّ أكثر مخاطَبِيَّ - بعد نفسي أولًا - هم فلاسفةُ أوروبا؛ وما دامت هذه المسائل القدسية صحيحة، فإني لا أتصوَّر أحدًا يمكنه أن يتوهَّم منها الضررَ سوى الشياطين.
وإنما كانت هنالك ثلاثُ أو أربع رسائل وُجِّهتْ إلى بعض المسؤولين بصورةِ شكوى ناقدة، غير أنها لم تكن لانتقاد الحكومة أو مناوأتِها، بل كانت ضدَّ بعض المسؤولين الذين ظلموني وأساؤوا استعمال وظيفتهم؛ وقد اعتبرتُها رسائلَ خصوصيَّةً ومنعتُ نشرَها لكيلا تكون مبعثًا لسوء الفهم.
وقد أُلِّفتْ أكثرُ الرسائل الأخرى قبل أربع أو خمسِ سنواتٍ، وأُلِّف بعضُها قبل ثماني سنوات، وأُلِّف بعضُها الآخر قبل ثلاث عشرة سنة، أما رسائل "الاقتصاد" و"الشيوخ" و"المرضى" فألِّفتْ في السنة الماضية؛ ومع هذا فكلُّ مَن له ذرَّةٌ من عقل إنْ دقق في الرسائل بحياد، سَلَّمَ أنها لا تعارض قوانين الحكومة، وليس فيها إخلالٌ بالأمن ولا إضلالٌ للشعب، بل ينبغي - على العكس من ذلك - أن تُقابَل بالتقدير من قِبَل الحكومة.
ولو فرضْنا جدلًا أن الكثير من نقاطها يعارض وجهة نظرِ الحكومة، فإنني بموجب قانون العفو المنشور مؤخَّرًا، والذي يعفو عن هذا النوع من الجرائم الواقعة
— 252 —
قبل تاريخ ٢٨ تموز/يوليو ١٩٣٣م، أدَّعي بأنه لم يعُد ثمة داعٍ لملاحقة هذه الرسائل، وأطالب بإعادتها وبرفع الظلم عنا على الفور.
فإنْ قال سِكِّيرٌ فاقدُ التمييز عديمُ الوجدان، يرى الماهيَّةَ الإنسانيَّة في أحطِّ درجات الحيوانيَّة وأشقاها، ويتوهَّم الدنيا دائمةً لا تزول، ويتخيَّل الإنسان باقيًا لا يموت: "إن جميع رسائلك تعطي دروسًا إيمانيَّةً شديدة القوة، فتُفتِّر الاندفاعَ نحو الدنيا، وتحوِّل النظر نحو الآخرة، والحال أننا لا يمكننا أن نعيش في هذا الزمان إلا متوجِّهين إلى الحياة الدنيا بكلِّ قوَّتنا واهتمامنا وعقولنا، لأن الحفاظ على الوجود والاحتراس من الأعداء بات أمرًا شديدَ الصعوبة في هذه الأيام".
فالجواب: صحيحٌ أنَّ دروس الإيمان التحقيقي تُوجِّه النَّظر نحو الآخرة، إلا أنها بإظهارها الدنيا مزرعةً للآخرة وسوقًا ومصنعًا لها، تدفع لمزيدٍ من العمل للحياة الدنيا.
ثمَّ إنَّها تورِث القوةَ المعنويَّةَ بشكلٍ متين، وهي قوةٌ تنهار انهيارًا مُريعًا متى عُدِم الإيمان؛ ثم إنها تنتشل مَن سقطوا في العطالة والتفلُّت نتيجةَ اليأس، وتدفعُهم للسعي والهمة والحماس، فهل يَقبل يا تُرى الذين يريدون الحياة الدنيا وجودَ قانونٍ يَحظُر دروسَ الإيمان التحقيقيِّ المُثبَتِ بدلائل لا تقبل الاعتراض، وهو الذي يُحفِّز على السعي لِلذَّةِ الحياة الدنيويَّة من جهة، ويؤمِّن من جهةٍ أخرى القوةَ المعنويَّة التي هي ركيزة الصمود أمام المصائب اللامحدودة؟! أيُمكن وجودُ قانونٍ كهذا؟!
فإن قال جاهلٌ يدَّعي الغَيرة على الوطن، ولا يدري شيئًا عن الأسس الحقيقيَّة لإدارةِ الشعب وأمنِ البلاد: إنك ربما عارضتَ النظام الحاكم من غير تحفُّظٍ ولا احتياط، فتقعُ بالبلاد فتنةٌ عظيمةٌ لقوةِ تأثير رسائلك، فضلًا عن أن هذه الرسائل نفسَها يمكن أن تُتَّخَذَ مستندًا لمن يعارضون النظام الحالي ويسعون لضرب الأمن والاستقرار؛ فنحن لهذه الأسباب نعترض سبيلك.
فالجواب: إنَّ مَن تلقَّى الدرس من رسائل النور لا يدخلُ مطلقًا في فتنٍ تَهدِر دماءَ الأبرياء وتُضيِّع حقوقَهم، ولا يدنو بحالٍ من الفتن التي ظلَّتْ عقيمةً ضارَّةً كما أثبتت التجارب باستمرار.
— 253 —
ولقد وقعتْ عشرُ فتنٍ خلال السنوات العشرِ الفائتة، فلم يشترك فيها واحدٌ بالعشرة من تلاميذِ رسائل النور، بل لم يشترك فيها واحدٌ منهم أصلًا، وهذا يبيِّن أن الرسائل ضدُّ هذه الفتن، وأنها ركيزةٌ لتحقيق الأمن والاستقرار.
فيا تُرى، أيُّما أسهلُ من حيث الإدارةُ والمحافظةُ على الأمن: ألفُ مؤمن؟ أم عشرةُ فوضويين أراذل لا دين لهم؟
أجل، فالإيمان إذْ يثمر السجايا الحسنة، يَهَب مشاعرَ الرحمة، ويُوْرثُ الحذَر من الإضرار بالآخَرين.
أما مسألة عدم احتياطي وتحفُّظي، فهذه البلاد تعلَم أني منذ ثلاث عشرة سنة أبذل ما بوسعي لكيلا أثير انتباه الحكومة أو أنشغل بها أو أتدخَّل في شؤونها، ومعلومٌ لولايةِ "إسبارطة" أنني أعيش متجنِّبًا السياسة، منزويًا متحاشيًا مشفِقًا بصورةٍ عجيبة.
فيا أيها الظَّلَمة الذين زجُّوا بي في هذه البَليَّة.. يبدو أنكم حَنِقتُم عليَّ وثارتْ حفيظتكم تجاهي لعدم تصرُّفي بما يُخِلُّ بالأمن والاستقرار، فأوقفتموني بدافعٍ من معاداتكم للأمن والاستقرار.
نعم، إن الذين يبغون الإخلالَ بالأمن ونشرَ الفوضى هم مَن يقِفون وراء توقيفي، بعد أنْ ضلَّلوا الحكومة بشأني، وأشغلوا القضاء بغير طائل؛ وينبغي على الهيئة الحاكمة وعلى رأسها المدعي العام أن ترفع بحقهم دعوى، لا باسمنا فحسب، بل باسم الدولة جميعًا.
فإن قيل: أنت غير موظَّف، وليس لك أن تدرِّس الدين كالموظفين الرسميين فتحظى باحترام الناس؛ ثم إنه توجد دائرةٌ رسميَّةٌ تدرِّس الدين لا بدَّ من الحصول على موافقتها.
فالجواب:
أوَّلًا: ليس لديَّ مطبعةٌ ولا كُتَّاب ليقوموا بوظيفة النشر، وأما درسُنا فخصوصي، ودستور حريَّة المعتقد الديني يكفل حريَّة الأمور الخاصة، لا سيما إن كانت إيمانيَّةً أو اعتقادية.
— 254 —
ثانيًا: إن اتفاق حكومة الاتحاد والترقي على توظيفي في "دار الحكمة الإسلاميَّة" وتكليفي بمهمة نشر العلم، وإثباتِ الحقائق الإسلاميَّة في مواجهة أوروبا، وتعييني واعظًا في "وان" من قِبَل رئاسة الشؤون الدينيَّة، وتداولَ ما يزيد على مئةٍ من رسائلي بأيدي العلماء حتى الآن من غير انتقاد، يُثبِت أن لي الحق في تدريس الناس وتعليمهم.
ثالثًا: لو أن باب القبر أُغلِق، وبقي الإنسان خالدًا في الدنيا لا يموت، لأصبحت الوظائف حينئذٍ عسكريَّةً وإداريَّةً ورسميَّةً فحسْب؛ لكن ما دام يوجد في كلِّ يومٍ ثلاثون ألف شاهدٍ على الأقل، يوقِّعون بجنائزهم على الدعوى القائلة: الموتُ حق، فلا بدَّ أنه توجد وظائفُ إيمانيَّةٌ أهمُّ من الوظائف المتعلِّقة بالدنيا؛ وها هي رسائل النور تؤدِّي هذه الوظائف بأمرِ القرآن.
وما دام القرآن - وهو آمرُ رسائلِ النور وحاكمُها - يَحكم بقيادته ثلاثمئةٍ وخمسين مليونًا ويُدرِّبهم، ويرفع أيدي أربعةِ أخماسهم إلى باب الحضرة الإلٰهية خمسَ مراتٍ في اليوم على الأقل، ويُقرِئُهم أوامرَه القدسيَّةَ السماويَّةَ باحترامٍ في جميعِ المساجد والجماعات والصلوات، فلا بد أنَّ رسائل النور - وهي تفسيرُه الحقيقي، ونورٌ من شمسِه، وأحدُ موظَّفيه - ستقوم بتلك الوظيفة الإيمانيَّة دون أن تُعرِّضها للصدمات بإذن اللّٰه؛ وما دام الأمر كذلك، فإنَّ أهل الدنيا وأهل السياسة بحاجةٍ ماسَّةٍ للاستفادة منها لا التصدي لها.
نعم، لرسائل النور أجزاءٌ كثيرةٌ، كی"الكلمة التاسعة والعشرين" التي كشفتْ مغاليق طلسمِ الكون، وفتحتْ طلسمَ الموجودات: من أين؟ وإلى أين؟ وما مصيرها الذي سَتَؤُول إليه؟ وكی"الكلمة الثلاثين" التي كشفتْ مُعَمَّى تحوُّلات الذَّرَّات؛ وكی"المكتوب الرابع والعشرين" الذي كشَفَ وحلَّ الطلسمَ العجيب للفعاليَّة والخلَّاقيَّة العموميَّة الكامنَ في الزوال والفناء الجارِيَيْن في الكائنات على الدوام؛ وكی"المكتوب العشرين" الذي أثبتَ أن حشر البشر سهلٌ سهولةَ إحياءِ ذبابة، ووضَّحَ أهمَّ مُعَمَّياتِ التوحيد وأعمقَها، وكشَفَها وحلَّها؛ وكی"اللمعة الثالثة والعشرين" المسمَّاةِ "رسالة الطبيعة" التي أبطلتْ الفكرَ الكُفريَّ لدى عُبَّاد الطبيعة ودمَّرته من أساسه.
— 255 —
وإنَّ مَن يُطالعون هذه الرسائل بدقَّةٍ وإمعانٍ يُقِرُّون بأنَّه لو كان لدى أيَّةِ حكومةٍ عالِمٌ أو أديبٌ أو أستاذٌ جامعيٌّ يكشفُ مُعمًّى واحدًا فحسْب مما في رسالةٍ من تلك الرسائل، لمُنِح المكافأة والتكريم بكلِّ تقدير.
لا ينبغي النظر إلى بياناتي هذه كتفاصيل خارجةٍ عما نحن بصدده؛ لأنه صارت أكثرُ من مئةِ رسالةٍ من رسائل النور بمثابةِ أوراق توقيفي، فباتت الهيئة الحاكمة مكلَّفةً بالاطلاع عليها والتدقيق فيها، وبتُّ مُلزَمًا بالتوضيح وتقديم الإجابة لعلاقةِ الرسائل بالقرآن والعالَم الإسلامي والمستقبل؛ ولما كان إيضاحُ مسألةٍ ما تمامَ الإيضاح لا يكون إلا ببيانِ جميعِ الاحتمالات القريبة والبعيدة، فإن ثمة حاجةً لبيانِ احتمالٍ بعيدٍ متعلِّقٍ بمسألتِنا، وهو كما يلي:
لو أن فريقًا من الأشقياء الذين يتخذون الكفرَ والإلحادَ مسلكًا لهم، اندسُّوا في بعض مناصب الحكومة تحت ستارِ مقصِدٍ سياسي فضلَّلوها، أو انخرطوا في سلك الوظائف، وقالوا بغيةَ القضاءِ على رسائل النور بالدسائس، وإسكاتي بتهديداتهم:
"لقد مضى زمن التعصُّب، ولا يناسبنا أن تعلِّم دروسًا دينيَّةً وإيمانيَّةً قويَّةً بصورةٍ رجعيَّةٍ، في وقتٍ يلزمنا فيه نسيان الماضي والتوجُّه بكل طاقتنا إلى المستقبل".
فالجواب:
أوَّلًا: إن الزمن الذي يُظَنُّ أنه ذلك الماضي قد أصبح مستقبلًا، فهو المستقبل الحقيقي، ونحن إليه ذاهبون.
ثانيًا: لقد ارتبطت رسائل النور بالقرآن الحكيم باعتبارها تفسيرًا له؛ والقرآنُ إنما هو حقيقةٌ جاذبةٌ كالجاذبيَّة العموميَّة تربط الكرة الأرضيَّة بالعرش؛ وليس بمقدور حكام آسيا مواجهةُ تفاسيرِ القرآن - ومنها رسائل النور - وإنما شأنهم أن يكونوا سِلْمًا لها، يستفيدون منها ويحمونها.
أما إسكاتي، فإنه إنْ ضُحِّيَ برؤوسِ كثيرٍ من أهل العزة في سبيلِ اكتشافٍ بسيط، أو فكرٍ سياسيٍّ تافه، أو مكانةٍ دنيويَّة؛ فإنني لو كانت لي رؤوسٌ بعددِ ذرَّاتِ كياني،
— 256 —
ولزِم أن أُضحِّي بها في سبيلِ ثروةٍ تكون ثمنًا للجنة العظيمة، وماءِ حياةٍ يُنيل الحياة الأبديَّة، وكشفيَّاتٍ تُدهِش الفلاسفة، لضحَّيتُ بها حتمًا بدون تردُّد.
ثمَّ إنَّ إسكاتي بالتَّهديد أو بالقضاء عليَّ سيدفع ألفَ لسانٍ للتكلُّم بدلًا من لسانٍ واحد؛ ورجائي من الرحيم ذي الجلال أن يُنطِق - برسائل النور التي عَمَرَتِ الأرواحَ منذ عشرين سنة - آلافَ الألسنة بدلًا من لساني الواحد الصامت.
مسألةٌ تافهةٌ سُئلت عنها كأنها جُرْمٌ خطير
يقولون: "إنَّك لا ترتدي القبَّعة الإفرنجية، ولا تَحسِر عن رأسك في دوائر رسميَّةٍ كثيرةٍ كالمحكمة، وبالتالي فإنك ترفض هذه القوانين، مما يرتب عليك عقوبةً شديدة".
الجواب: إنَّ رفض القانون شيءٌ، وعدمَ العمل به شيءٌ آخر تمامًا؛ فإذا كان جزاءُ الأولِ الإعدام، فجزاءُ الآخَر إما حبسُ يومٍ، وإما دفعُ غرامةٍ مقدارُها ليرة، وإما إنذارٌ أو توبيخ.
فأنا لا أعمل بتلك القوانين، بل لا يمكن أن أكون مُكلَّفًا بها، لأنني أعيش منزويًا، ولا تسري هذه القوانين على المنازل والبيوت.
إخطار: بالرغم من أن محكمتَي "إسبارطة" و"أسكي شَهِر" ووزارةَ الداخليَّة صادرتْ قبل شهرين كتبي الشخصية ورسائلي الخاصة المتجمعة لديَّ خلال عشر سنوات، وفتَّشتْها بغايةِ التمحيص والتدقيق، ومع اعترافها بعدم وجودِ أيَّةِ مادةٍ تكون سببَ اتهامٍ كتشكيلِ منظَّمةٍ أو تنظيمٍ سرِّي، إلا أنها ما زالت مستمرَّةً في التحقيق؛ وإني أقول:
أيها السادة.. لا ترهقوا أنفسَكم عبثًا؛ فإنْ كان ما تبحثون عنه موجودًا، ولم تعثروا له على أثرٍ طَوالَ هذه المدة، فاعلموا إذًا أن وراءَه دهاءً فَذًّا عجيبًا لا يُغلَب ولا
— 257 —
يواجَه، ولا حلَّ سوى التصالُحِ معه؛ وإلا فكفاكم إضرارًا وإيذاءً لكلِّ هؤلاء الأبرياء، فإنَّ المساس بغَيرةِ اللّٰه سببٌ لنزول البلاء كالقحط والغلاء والوباء.
والحال أنه لا يمكن أن تُسنَد تهمةُ تأسيس تنظيمٍ لا سبيل لاكتشافه، إلى شخصٍ مثلي عصبيِّ المزاج، يفشي أخفى أسراره إلى الغرباء دون تحفُّظ، وقد سبق أنْ أدلى أمام المحكمة العسكريَّة العرفيَّة بدفاعٍ شهيرٍ يفيض رجولةً وإقدامًا، واضطر في زمان الشيخوخة إلى مزيدٍ من اجتناب المغامرات الخطيرة مجهولة العواقب وفقًا لمسلكه؛ فليس إسناد هذه التهمة إليه إلا سذاجةً تبلغ درجة البلاهة، أو هو مكيدةٌ مدبَّرة.
أطالب هيئة المحكمة بحقي، فكتبي التي صودرت مني لا تُقدَّر عندي بمال، وقد تَسلَّمتْ مكتبةُ أنقرة بعضها قبل اثنتي عشرة سنةً بشكرٍ وافتخار، ولها مكانةٌ أثيرةٌ في نفسي، لا سيما ما كان منها إيمانيًّا وأُخرويًّا صِرفًا، أعني "المكتوب التاسع عشر" و"الكلمة التاسعة والعشرين"، فهما ثروتي المعنويَّة وثمرةُ حياتي، ولهما قيمةٌ استثنائيَّة لأنهما أظهرا للعِيان جَلوةَ قسمٍ من أقسام إعجاز القرآن العشَرة، فضلًا عن أنني استكتبتُهما لنفسي خاصةً بزخرفةٍ مذهَّبةٍ؛ هذا بالإضافة إلى نسخةٍ واحدةٍ من ثلاثِ نسخٍ أو أربعٍ كنتُ استكْتبْتُها من "رسالة الشيوخ" التي تدور حول ذكرياتِ شيخوختي الحزينة.
فما دامت هذه الرسائل خاليةً من أيِّ موضوعٍ دنيويٍّ يستوجب مُساءلتي، فإنني أطالب من صميمِ قلبي بإعادتها إليَّ مع رسائلي العربية، فكتبي هذه هي أصدقائي ومؤنسي في الغربات الخمس الأليمة الحزينة التي ألقتْها على كاهلي هذه الدنيا الغريبة، بل هي أصدقائي ومؤنسي حتى وإنْ كنتُ في السجن أو في القبر، وإنني بحرماني منها أوشِك أن أقع في غربةٍ سادسةٍ لا تطاق، فإياكم وزفراتِ عذابِ هذه الغربة المُضْنِية.
٭ ٭ ٭
— 258 —
أطالب رئيسَ المحكمة وأعضاءَها بحقٍّ مهمٍّ من حقوقي
وهو أني لستُ وحدي موضوعَ البحث في هذه القضيَّة حتى تُحَلَّ بتبرئتكم إياي بعد اطِّلاعِكم على حقيقة الحال؛ فلقد أصبح أهلُ العلم وأهلُ التقوى بشخصهم المعنويُّ موضعَ اتهامٍ بنظر الشعب في هذه القضيَّة، وأصبحت الحكومة تنظر إليهم نظر الشكِّ والرِّيبة، وبات لزامًا عليهم أن يعرفوا كيف يتجنَّبون المخططات الضارَّةَ المُهلِكة.
ولهذا، فإنني أطلب أن يُطبَع القسمُ الأخير من دفاعي الذي كتبتُه بنفسي، ويُنشَر بالحروفِ الجديدة اللاتينية؛ لكيلا يَنجرَّ أهلُ العلم والتقوى إلى فخ المؤامرات التي تُرسَم لهم، وليجتنبوا الوقوع في مثل هذه المخططات الضارَّة المُهلِكة، ولِتتخلَّصَ الحكومة بشخصها المعنوي من الاتهام بنظر الشعب، وتعودَ إلى ثقتها بأهل العلم، ويرتفعَ سوء الفهم هذا، ولكيلا يتكرر وقوعُ الخلاف أو وقوعُ أمثالِ هذه الحوادث التي تُلحِق عظيمَ الضرر بالحكومة والشعب والوطن.
.......
والحقُّ أن "الكلمة العاشرة" لما انتشرت منها ثمانُمئة نسخةٍ قبل تسع سنواتٍ من الآن، حصرَتْ إنكارَ الحشر في قلوب منكريه من أهل الضلالة، فلم تدع مجالًا لتصرِّح به ألسنتُهم، وسدَّت أفواههم، وأدخلتْ براهينَها الخارقة في أعينهم.
أجل، فهذه الرسالة التي تبيِّن ركنًا إيمانيًّا عظيمًا كالحشر أصبحت درعًا فولاذيًّا يحيطُ بالإيمان، وأسكتتْ أهلَ الضلالة؛ ولا شك أن حكومة الجمهوريَّة قد سُرَّتْ بها حتى تناقلتْها أيدي النوَّاب والولاة وكبار المسؤولين بحريَّةٍ تامَّة.
.......
وقد أوردتُ في لائحة الاعتراض حكايةً تُصوِّر حالي وأنا غريبٌ وحيدٌ، أواجه منذ أربعة شهورٍ قضيَّةً مصيريةً مآلها الموت أو الحياة، يُمنَع فيها السؤالُ أو الاطمئنان
— 259 —
عن حالتي الأليمة ولو برسالةٍ من أيَّةِ جهةٍ كانت، ويُشهَّرُ بي بصورةٍ تُنفِّر الناسَ مني وتجلِب مقتَهم عليَّ، وأُحرَمُ من جميع أنواع العون والتسهيل.
والحكايةُ أن ملِكًا في سالِف الزمان ابتُلي بداءٍ لا دواء له إلا دمُ طفلٍ، فقدَّم أحدُ الآباء طفلَه للملِك مقابلَ مبلغٍ من المال بعد أن سوَّغَ له القاضي ذلك، فطفِق الطفل يضحَك في المجلس بدلًا من أن يبكي أو يشتكي، فسألوه: لِمَ لا تستغيث أو تشكو، بل تضحك؟! فأجابهم: إن الإنسان إذا ألمَّتْ به مصيبةٌ لجأ أولًا إلى أبيه، ثم إلى القاضي، ثم إلى الملِك؛ أما أنا فيبيعني أبي لأُذبَح، ويُصدِر القاضي قرارًا يسلبني حياتي، ويَطلُب الملكُ دمي، فأحرى بهذه الحالةِ الغريبةِ البشعةِ التي لم يُرَ مثلُها قطُّ أن تُقابَل بالضحك.
فيا سيد "شكري قايا"، لقد صرنا نحن أيضًا في حكم ذلك الطفل، فبينما كان مقتضى الأمر أن نراجع أولًا الواليَ الذي يمثِّل الحكومة محلِّيًّا، ثم عدالةَ المحكمة، ثم وزارةَ الداخلية، فنَعرِضَ عليهم مَظلمتَنا، ونُبيِّنَ الحَيفَ الذي لحِق بنا، كي نتخلص من الظَّلَمة، إذا بنا نرى وزير الداخلية - وهو آخر من يصغي لشكوانا - قد انساق خلف هواجسه وأوهامه الباطلة بشأننا، فأسبغ عليها لونًا من الحقيقة، وتغافَل عن أن إصرارَه على خطئه بغيةَ سَترِه خطأٌ أعظم، فراحَ يبغي الإيقاعَ بنا بذرائع باطلة، ويطلُب دمَنا دواءً لداء الغرور الذي ابتُلي به؛ ونحن بدورنا نشكو "شكري قايا" بصفته الشخصيَّة إلى السيد "شكري قايا" بصفتِه وزيرًا للداخليَّة.
(حاشية): والدليل على أن "شكري قايا" قد انساق بعيدًا وراء هواجس وأوهامٍ لا أصل لها، وبلغ منه الحقد مبلغَه، حضورُه بنفسه من أنقرة يرافقه مئةُ عنصرٍ من الدَّرَك، ونحوُ عشرين عنصرًا من الشرطة، وكأن قوة الدَّرَك وفرقة الجيش التي في "إسبارطة" لا تفي بالغرض؛ كلُّ هذا لأجل أن يقِّدموا إلى المحكمة رجلًا وحيدًا مثلي مع ثلاثةٍ أو أربعةٍ من رفاقي المساكين، بعد نشر أجواء الذعر والرهبة بين الناس.
لقد ألحق هذا العمل خسارةً بأموال الشعب قدرُها ألفان أو ثلاثة آلاف ليرة، لأجل مهمَّةٍ كان يمكن أن يقوم بها عنصرٌ من الشرطة وآخرُ من الدَّرَك، وحُمِّلتْ نفقةُ النقل من "إسبارطة" إلى "أسكي شَهِر" البالغةُ خمسَ مئة ليرةٍ على كاهل أولئك الأبرياء المساكين الذين أخلي سبيلهم فيما بعد، فضلًا عن آلاف الأضرار التي لحقت بهم، وزعزعة مكانتهم الاجتماعيَّة، وجَعْلِها عرضةً للقدح!!
فكم تكشف أمثالُ هذه التصرفات والإجراءات عن حجم الضرر الفادح الذي لحق بتسيير شؤون وزارة الداخلية، وتحقيق الأمن والاستقرار، ورعاية مصالح هذا الشعب المسكين المحتاج للعمل في أجواء من الثقة والراحة؟!
بلى، يُستنتَج من هذه الوقائع اختلاقُ حادثةٍ من لا شيء، وتضخيمها لغرضٍ ما، وجعلُ الحَبَّة مئةَ قبَّة؛ ونحن ندَّعي أن القيام بأعمالٍ غير قانونيَّة باسم القانون، وافتعالَ أوضاعٍ تزعزع الاستقرار في كل جهةٍ، في وقتٍ تحتاج فيه الداخليَّة إلى تعزيز أقصى درجات الهدوء والاستقرار، إنما يُعَدُّ جُرمًا كبيرًا في نظر القانون، وعليه فإننا نشكو "شكري قايا" بصفته الشخصيَّة إلى السيد "شكري قايا" بصفتِه وزيرًا للداخلية.
— 260 —
ولو علمتُ أنَّ رجال هذه المحكمة الذين يسعون للحفاظ التامِّ على الحرية، ولا يرضخون للضغوط أيًّا كانت، ويَحكُمون بحِسِّ العدالة الذي في ضمائرهم.. لو علِمتُ أنهم سيُصغون إلينا بخصوص شخص السيد "شكري قايا"، لكنا أولَ مَن يقيم الدعوى ضدَّ شخصِه؛ فهو منذ سنةٍ يطلُب التقارير بحقِّنا بشكلٍ دوريٍّ كلَّ يومٍ أو كلَّ أسبوع، يَلفِتُ بذلك انتباه الجواسيس ورجال الأمن ضدَّنا، ويُعِدُّنا للذبح كالأضاحي.
ومع أن واجب المحكمة يحتِّم عليها ألا تنشغل بشيءٍ سوى العدالة، ومع أن رجالها مرتبطون حقيقةً بالعدالة ارتباطًا تامًّا، إلا أنهم لعدم قدرتهم على مقاومة ضغوطِ شخصٍ رفيع المنصب كی"شكري قايا"، لم يستطيعوا أن يُخلوا سبيلَنا، بل تركونا رهنَ المعاناة.
أما والي "إسبارطة" ورجالُ الأمن فيها وهم الحكومة المحلِّيَّة، فبينما كانت وظيفتهم الوجدانيَّة تستلزم أن يُعنَوا أكثر من غيرهم بحمايتنا وحماية أبناء مدينتهم الأبرياء المساكين الموقوفين، ويسعوا في تخليصهم، فإنهم على العكس من ذلك منعوا عنهم مخصَّصاتهم وأرزاقهم، لا سيما الفقراء والمحتاجين منهم، وتذرَّعوا لذلك بذرائع كثيرةٍ تافهةٍ باطلةٍ، وسعَوا في إذلالهم كي يُسقطوهم بالتجويع في حضيض البؤس.
ولسنا نقابل هذه الحالَ المريرة بالشكوى، بل نقابلها - كما فعل ذلك الطفل - بالضحك، رغم أنها تثير منتهى درجات البكاء، ونُحيل قضيَّتَنا إلى العزيز الجبار متوكِّلين عليه.
— 261 —
فقرةٌ كتبتُها لإخواني الأبرياء حين مُنِعتُ من التحدُّث إليهم، لتكون سُلوانًا من حالة اليأس التي أصابتْهم جرَّاء إهمال استغاثات قهرهم.
أُضِيفتْ لمناسبتها هذا المقام
انظروا إلى حفظِ الحفيظ ذي الجلال وحمايته؛ فبرغمِ استجواب ما يربو على مئةٍ وعشرين طالبًا من طلاب رسائل النور - يتوافق عددهم بالمناسبة مع عدد رسائل النور یی، وبرغم التدقيق في أوراقهم الخاصة، لم يُعثَر على أيَّة مادَّةٍ تثبِتُ صلةَ أحدٍ منهم بأيِّ تنظيمٍ من التنظيمات العديدة المنتشرة، المدعومة بمؤامرات الأجانب وحِيَل المنظَّمات المعارِضة، وليس هذا إلا حمايةً ربَّانيَّةً ظاهرةً ساطعة؛ وهو كذلك محافظةٌ إلٰهيَّة، وعنايةٌ رحمانيَّةٌ تؤيِّدُ بقوَّةٍ ما تحظى به رسائل النور من كراماتٍ غيبيَّةٍ للإمام عليٍّ رضي اللّٰه عنه والغوث الأعظم قُدِّس سرُّه.
وإنَّ أياديَ اثنين وأربعين من إخوتنا الأبرياء المظلومين المبسوطة بباب الحضرة الإلٰهيَّة قد صدَّتْ قذيفةً من عيارِ اثنين وأربعين، وردَّتْها من حيثُ أتتْ، وفجَّرتْها معنًى فوق رؤوسِ مُطلِقيها، فلم تُصبْنا سوى جِراحٍ خفيفةٍ نُثاب عليها؛ وإن النجاةَ بأضرارٍ يسيرةٍ من قذيفةٍ كانت تُحشى منذ سنةٍ لَتُعدُّ من الخوارق، وحقُّ نعمةٍ عظيمةٍ كهذه أن تُقابَل بالشكر والفرح والسرور.
إن حياتنا بعد اليوم لا يمكن أن تكون مُلكًا لنا، فقد كان يُراد لها أن تُمحى نهائيًّا بحسَب مخطَّطات المفسدين، فينبغي إذًا أن نجعلها من الآن فصاعدًا وَقْفًا لا على أنفسنا بل على الحقِّ والحقيقة؛ ويلزمنا أن نَجِدَّ ونجتهد لا أن نشكو، كي نشاهد أثرَ الرحمة ووجهَها ولُبابَها، مما يدفعُنا إلى الشكر.
٭ ٭ ٭
— 262 —
أُخطِر ببالي فجأةً خاطرةٌ في اليوم الثالث من مرض الزُّكام الغريب الذي اشتدتْ وطأتُه عليَّ، حتى لم أتمكن من تناول شيءٍ سوى كوبٍ من اللبن وآخر من الحليب طَوالَ ثلاثة أيَّامٍ، فكتبتُها مقدِّمةً لدفاعي في المحكمة على سبيل التبرُّك، فإن كان فيها شدةٌ أو قصور فلِمَرضي.
أجل، لقد بذلت ما بوسعي لبيان الحقيقة كما هي على الوجه الصحيح، في وقتٍ أعاني فيه من إرهاقٍ ذهنيٍّ، وأحوالٍ شديدة الوطأة، وأوضاعٍ يُرثى لها، إذِ اضطُرِرتُ لأنْ أدافع بمفردي عن حقيقةٍ كان ينبغي أن يدافعَ عنها مئةُ رجل.
٭ ٭ ٭
مقدِّمةٌ أُلحِقتْ مؤخَّرًا بالمدافعة الأخيرة لحكمةٍ
يكشف أسلوب إفادتي في جميع صفحات مدافعتي عن حالةِ مجابهةٍ ضدَّ منظَّمةٍ سريَّةٍ رهيبةٍ، ومقصِدي من هذا ما يلي:
مثلما قبِلتْ حكومةُ الجمهورية مبدأ "فصل الدين عن الدنيا، والبقاء على الحياد"، فلم تتعرَّض للملحدين بسبب إلحادهم، فإن من موجبات هذا المبدأ ألا تتعرَّض كذلك للمتديِّنين بسبب تديُّنهم.
وإنني أريد كذلك لحكومة الجمهوريَّة التي يَلزَم أن تكون حياديَّةً متمسِّكةً بالحريَّة، أن تبقى بعيدةً عن المنظَّمات السِّريَّة الهدَّامة التي تدعم الإلحاد، وتحيك المؤامرات، وتُضلِّل موظَّفي الحكومة.
فأنا إنما أُجابِه أولئك المتآمرين الذين يتسلَّلون من تلك المنظَّمات إلى وظائف الحكومة، حاملين بأيديهم تُهمتين ملفَّقتَين كأنهما خُطَّافتان، يتصيَّدون بهما المتديِّنين الصادقين بكل حقد، ويعملون على استغفال الحكومة وتضليلها.
— 263 —
فإحدى هاتين التهمتَين: «الرجعيَّة» ، ويقصدون بها عدم المَيل إلى إلحادهم ولادينيَّتهم؛ والأخرى: "اتخاذ الدين أداةً للسياسة"، وهم يريدون بهذه التهمة تشويه سُیمعتِنا، لأننا لم نقبل أنْ تكون اللادينيَّةُ سياسیةَ هیذه الحكومة المسلمة، حاشاهیا من ذلك.
(حاشية): أي إن هؤلاء الملحدين يتوهمون أن الحكومة ما دامت لا تَتْبع سياسةً معيَّنة، فإن سياستَها إذًا هي الإلحاد - حاشا ثم حاشا یی، فينظرون إلى خدمة الحقائق الإيمانيَّة التي أؤديها برسائل النور المترشِّحة من نصوص القرآن الحكيم القطعيَّة، فيعتبرونها عملًا سياسيًّا معارِضًا يتخذ الدين أداةً للسياسة، وهم بهذا يفتَرون أشنع افتراءٍ في الدنيا.
نعم، لا بد لحكومة الجمهوريَّة أن تحترز من ترويج أفكار أولئك المفسدين المتخفِّين الضارَّة بالوطن والشعب، وألا تنحاز إليها بحال، بل إنَّ مَنْعَ هؤلاء هو من مقتضيات قوانين الجمهوريَّة، كما أن الانحياز إلى أمثالهم يُصادِم المبادئَ الأساسية للجمهوريَّة، فلتأخذ الحكومة موقف الحَكَم بيننا وبينهم، ولتُصدر حُكمَها على الظالم المعتدي منا، ولتُجرِ حُكمَها من موقع الحاكميَّة.
أجل، لا سبيل لإنكارِ أن التديُّن والإلحاد جاريان في الكون منذ عهد آدم، وأنهما ماضيان إلى يوم القيامة؛ وكلُّ مَن وقف على كُنْهِ قضيتنا يدرك أنَّ هذا الهجوم السَّافر علينا ليس إلا تَعَدِّيًا صارخًا من الإلحاد على التديُّن.
إن بروز أكثرِ الفلاسفة في أوروبا والغرب، وظهورَ أغلَب الأنبياء في آسيا والشرق، إنما هو إشارةٌ من القَدَر الأزليِّ ورمزٌ منه إلى أن الحاكمَ في آسيا والغالبَ فيها تيَّارُ الدِّين؛ ولا شكَّ أن حكومة الجمهوريَّة التي هي قائدُ آسيا المقدام، ستستفيدُ من خاصيَّة آسيا الفطريَّة، فتُراعي في مبادئها المحايدة جهةَ التديُّن لا الإلحاد.
المادة الثانية: قد يُطرَح موضوعٌ آخر يقول: "إن في أجزاء رسائل النور مسائل تعارِض الموادَّ القانونيَّة"، وهذا أمرٌ يعود للمحكمة، إلا أن الرسائل نفسَها مؤلَّفاتٌ تحوي مئةَ اكتشافٍ معنوي، وعملًا بقانون حِفظِ حقوق المكتشِف، يجب ألا يتعرَّضَ أيُّ اكتشافٍ منها للضياع.
— 264 —
إن للاكتشافات قيمتَها العظيمةَ وأهميَّتَها البالغة بين أهل الحقيقة وأهل العلم والأدب، وليس لأحدٍ أن يسطو على اكتشافات غيرِه، فإنْ فَعَل لوحِقَ قضائيًّا كما هو القانون المعمول به في جميع الدول.
وإن رسائل النور عبارةٌ عن أكثر من مئةِ رسالةٍ تحوي آلاف الحقائق، وتُظهِر مئةَ اكتشافٍ معنوي، وقد اجتهدتُ في اكتشافها وتأليفها منذ عشرين أو ثلاثين سنة، وكتبتُها نتيجةً لجهودي وتحريَّاتي في مصادر مختلفة، وثمرةً لمجاهداتي الفكريَّة وتدقيقاتي المستمرَّة منذ خمسين سنة، وأردتُ نشرَها في المستقبل بعد الحصول على موافقةِ الحكومة، لكن بما أن وضعَها موضعَ الاتهام - لعدمِ موافقةِ خمسَ عشرةَ نقطةً منها بعضَ القوانين الصادرة لاحقًا - يهيِّئ الأرضيةَ لانتحالِها وسرقتِها وادِّعاء ملكيَّتِها من قِبَل الآخَرين، فضلًا عن كونه موجِبًا لضياع هذه الحقائق وضياعِ حقوقي المتعلِّقةِ بها، فإنَّ أول جهةٍ ستنظر فيها محكمتُكم العادلة هي المحافظة على حقي باسم الحقيقة ولصالح الحقوق أولًا وأكثر من أيِّ شيء.
ولما كان من اللازم أن توجد بين يديَّ الحقائقُ التي تضمَّنتْها رسائلي التي صودِرتْ لتوهُّم أنها أداة جُرْم، إذْ هي وسيلة إثباتي في مواجهة أهل العلوم والفلسفة والمحققين الأكاديميين، فإنني أطالِب برَدِّها إليَّ لأقرِّر جاهزيَّتي في هذه الاكتشافات والمناظرات العلميَّة؛ فلا يمكن أن تُدان الرسائل حتى وإن أدنتموني؛ يجب أن تكون رفيقي في السجن.
وإني أربأ بمحكمة العدالة أن تتنزَّل إلى مستوى الانجرار وراء حمَلات المغرِضين والحاقدين، إذْ هو مما يُضادُّ مكانةَ المحاكم ودورَها في إحقاق الحق، ويُلحِق العار بشرفها، ولا شك أنها ستجعل مكائدَهم عقيمة.
وإن المحكمة التي لا تَعرف لوظيفتها مقامًا أعظمَ من العدالة وإحقاق الحق، والتي ستقوم بوظيفتِها متحرِّرةً من جميع أنواع التأثيرات استنادًا إلى ما يقتضيه أساس العدالة، عليها أن تعلِن الآن وفورًا رفْعَ الحظر عن رسائل النور لا باسمي الشخصي،
— 265 —
بل باسمِ حقيقةٍ ساميةٍ ارتبطَ بها كثيرٌ من الحقائقِ والحقوقِ البريئة، فترفعَ ما علِق بها من الأوهام الباطلة.
المادة الثالثة: أما الجُرم الموهوم المُسنَد إلينا، فواضحٌ أنه أُريدَ أن تشملنا المادةُ (١٦٣) من قانون العقوبات بظاهرها وعمومِها، وبصيغةٍ عامَّةٍ دون النظر إلى القيود الاحترازيَّة، ليترتَّب على ذلك وجوبُ إدانتي.
وبالرغم من أن مرافعاتي المحرَّرة في ضُبُوطكم تتضمَّن الإجابات القطعيَّة والحقيقيَّة عن بعض الموادِّ المسنَدةِ إلينا، إلا أنه بدلًا من أن تُقابَل رسائلُ النور بالتقدير والمكافأة، وهي المؤلَّفةُ من أكثر من مئة جزء، والمحتويةُ على مئةِ اكتشافٍ معنويٍّ، والجامعةُ لمئاتِ الحقائق المهمَّة، قوبِلتْ بالانتقاد والعقوبة من أجل عشرِ نقاطٍ أو خمسَ عشرةَ نقطة.
إن مطالبتي محكمتَكم بحقي هذا وبحقِّ الحريَّة لرسائل النور هو حقٌّ عظيمٌ من حقوقي، وإن حلَّ هذا الموضوع وفصلَه أمرٌ ضروريٌّ لا بدَّ منه.
المادة الرابعة: يتبيَّن من الحقد الدفين والمساعي المُغرِضة لأولئك الذين ما زالوا يهاجموننا ويحرِّضون الحكومة علينا أنهم لم يتركوا سبيلًا للنَّيل إلا سلكوه.
فقد اتهمونا أولًا بأننا طريقةٌ صوفيَّة، ثم لما لم يعثروا على شيء اتهمونا بأننا منظمة، ثم اتهمونا ثالثًا بأننا سياسيون، وبأننا حركةٌ مناوئةٌ للنظام الثوريِّ الحاكم، وبأننا تنظيمٌ معارِض، وأصحابُ منشوراتٍ غيرِ مرخَّصة، وأمثالِ هذا من الاتهامات الكثيرة.
والحال أنهم حين لم يجدوا أيَّةَ أمارةٍ يستمسكون بها على الرغم من جهودهم لاتهامنا والنَّيل منا، استفادوا في نهاية المطاف من مادَّةٍ قانونيَّةٍ أخذوا بظاهرها وعمومها غيرَ ملتفتين إلى قيودِها الاحترازيَّة، وأرادوا بذلك اتهامنا وإدانتَنا بمسألةٍ لا تُخوِّلهم ذلك، بل لا يقبلها ذو عقل.
أجل، إن المسألة التي سنتناولُها بالبحث، والتي لا يعدُّها أيُّ ذي عقلٍ في الدنيا حقيقةً، والتي سيقول عنها مَن له ذرَّةُ إنصافٍ: إنها محضُ افتراء، هي قولُهم:
— 266 —
"إن سعيدًا الكردي يتخذُ الدين أداةً للسياسة"؛ فإليكم دليلًا واحدًا من بين ما يزيد على عشرين دليلًا وردتْ في نحوِ عشرٍ من مرافعاتي المحرَّرة في ضبوطكم، يدحَضُ ما في قولهم ذاك من الاتهام.
فحالي التي سأبيِّنها، والتي أنا على استعدادٍ لإثباتها بشهادةِ مئاتِ الشهود، تنقُض ذلك الاتهام من أساسه، وهي أنه ثابتٌ بمشاهدةِ أهالي قرية "بارلا" التي أقمتُ بها تسع سنين، وبشهادات أصحابي في "إسبارطة" التي أقمتُ بها تسعة أشهر، وبإشهادِ أصحابي الذين يعرفونني عن قرب، أنني لم أقرأ صحيفةً منذُ ثلاثَ عشرةَ سنةً، ولم أستمع إليها، بل لم أطلبها - وهي لسانُ السياسة - حتى إنه لم تتولَّد لديَّ رغبةٌ في قراءة الصحف التي تناولتْ حوادثَ يُظَنُّ أن لها علاقةً بشخصي وأثارتْ فضول الجميع، فلم أقرأها ولم أستقرئها.
أفيُقال: إن سعيدًا يَعمِد إلى رسائل النور، وهي التي تَبيَّن بالتدقيقات العميقة للحكومة أن جميع مسائلها - باستثناء خمسَ عشرة مادة - متوجِّهةٌ إلى آخرتي وإيماني وإلى الحقيقة، فيَجعلُ الدينَ بواسطتها أداةً للسياسة؟! أي: يعمِد إلى الدينِ الحقَّ والإيمانَ التحقيقي الذي هو أقدسُ وأسمى حقيقةٍ قدسيَّةٍ عرَفها في الكائنات، فيجعلُه أداةً لمقصِدٍ دنيءٍ عقيمٍ أثيمٍ متقلِّبٍ مهلِكٍ يتسبَّب بضياعِ كثيرٍ من الحقوق كالسياسة!!
ألا يعي القائلون بهذا كم اشتطُّوا في الحكم وبَعُدوا عن دائرةِ العقل والإنصاف والضمير؟!
لا شك أنَّ محكمةَ العدالة ستدفع هذه الأوهام والتُّهَم الباطلة فتُحِقُّ الحقَّ بشأننا.
ومع أن الجهل بالقوانين ليس عذرًا عند الأكثريَّة، إلا أنَّ مَن كان مضيَّقًا عليه بالمراقبة الدائمة، ومُرغَمًا على الإعراض عن الدنيا، ومنفيًّا ظلمًا إلى مكانٍ غريب، ومراقَبًا تحت إقامةٍ جبريَّة في قريةٍ نائيةٍ معزولةٍ، لا شك أن جهله بالقوانين عذرٌ عند أهل الإنصاف.
— 267 —
فأنا ذلكم الرجل، لم أكن أعلم أيَّةَ مادَّةٍ من الموادِّ القانونيَّة التي أخَذوني بها بناءً على توجُّسٍ خاطئ، بل لم أكن أستطيع التوقيع بالحروف اللاتينية الجديدة، وربَّما لم أقابل كلَّ عشرةِ أيامٍ أحدًا سوى شخصٍ يقوم على شؤوني، فالجميع يفرُّون من معاونتي، كما أنه ليس بمقدوري توكيلُ محامٍ، فاتخذتُ الحقَّ والحقيقةَ والصدقَ والصوابَ أساسًا في جميع مدافعاتي، إذْ كان دستوري في جميعِ حياتي: "أنفعُ الحِيَل وأحسنُها تركُ الحيلة"، وبناءً على هذه الحقيقة فإن من مقتضيات العدالة وموجَباتها أن يُنظَر بعين المسامحة إلى إفادتي التي لا تتوافق مع قوانين الوقت الحاضر وأصولِه الرسميَّة، سواءٌ في مدافعاتي أو بشكلٍ نادرٍ في رسالةٍ أو رسالتَين من رسائلي.
وإن النقاط التي ظلَّتْ مُجمَلةً في مدافعاتي موجودةٌ في لائحة اعتراضي المكتوبة ردًّا على لائحةِ الادعاء، وكذا النقاطُ التي ظلَّتْ مُجمَلةً في لائحة الاعتراض قد وُضِّحتْ في مدافعاتي، فكلٌّ منهما يُكمِّل الآخر.
وبناءً على المعنى الذي تضمَّنتْه المادة (١٦٣)، بالإضافة إلى القيود الاحترازيَّة، والمقصِدِ الذي ابتغاه واضعُ القانون منها، وهو عدم التسبب بالإخلال بالأمن؛ ومع إثباتي أنه لم يُرَ مني ولا من رسائل النور أيَّةُ أمارةٍ أو بادِرةٍ تشير أو تدلُّ على الإخلال بالأمن، وإثباتي عشرين مرةً بصورةٍ قطعيَّةٍ في مدافعاتي المحرَّرة في ضبطكم أنه لا علاقة لقضيَّتنا بهذا القانون، وأنه لا توجد فيها قطعًا أيَّة جهةٍ تستلزم العقوبة؛ ولأنه لا يليق بمقامِ العدالة بأيِّ وجهٍ تقديمُ المادة المذكورة كي نؤاخَذَ بها من حيث لا ندري بتأثيرِ المخاوف والهواجس المذكورة في مستهل المحاكمة، فإن كلمتي الأخيرة التي أقولها مطالِبًا ببراءتي:
﴿ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
٭ ٭ ٭