السيرة الذاتية
— 231 —

القسم الثالث

حياته في أسكي شَهِر
حين رأى أعداءُ الدين العاملون في الخفاء أن رسائل النور آخذةٌ بالظهور، وأن الإسلام والإيمان قد أخذ يشتدُّ عودُهما، رفعوا في العام ١٩٣٥م دعوى إلى محكمة الجنايات في "أسكي شَهِر" تقوم على اتهاماتٍ ملفَّقةٍ مضلِّلةٍ للحكومة، تقول: "إنَّ بديع الزمان يؤسِّس منظَّمةً سرِّيَّة، ويناوئ النظام الحاكم، ويعمل على تقويض أساساته" إلى غير ذلك من الاتهامات، وكان غرضهم من هذه الدعوى الكاذبة أن يستصدروا قرارًا يُدِينُه إدانةً قاطعة، ويُفضي إلى إعدامه.
وبناءً على هذا توجَّه إلى "إسبارطة" كلٌّ من وزير الداخلية وقائدِ الشرطة العسكرية يرافقهما حشدٌ من الدَّرَك كاملُ العتاد، ونَشروا على طول الطريق بينها وبين مدينة "أفيون" جنودًا خيَّالة، ووُضعتْ ولاية "إسبارطة" وما حولها تحت سيطرة الوحَدات العسكريَّة؛ إلى أن جِيءَ ذاتَ صباحٍ إلى المكان الذي يختلي فيه بديعُ الزمان، فأُخرِج منه هذا المظلومُ البريء، وسِيقَ مع طُلابه في الشاحنات مُكبَّلين إلى "أسكي شَهِر".
وفي الطريق تعاطَفَ قائد العناصر "روحي بك" مع بديع الزمان وطُلابه، فأمر بحلِّ قيودهم، فتابعوا الطريق مؤدِّين صلاتَهم على وقتها دون فوات، وأصبح "روحي بك"صديقًا لبديع الزمان وطُلابه بعد أن أدرك حقيقةَ أمرهم وعَرَف براءتَهم.
— 232 —
زُجَّ بسعيدٍ النُّورْسِيّ ومئةٍ وعشرين من طُلابه في سجن "أسكي شَهِر"، ووُضِعَ وحدَه في زنزانةٍ منفرِدة، وتوالتْ عليهم صنوفٌ من العسْف والإساءة والأذى، إلا أنه برغمِ ذلك كله ألَّفَ "اللمعةَ الثلاثين"، والشعاعَين الأولَ والثاني؛ كما صلَحَتْ حالُ كثيرٍ من نزلاء السجن مُذْ دَخَله بديعُ الزمان وتمسَّكوا بالدين.
وكان الملاحدة المتخفُّون يَبثُّون إشاعاتٍ وأراجيفَ تقول: "إن بديعَ الزَّمان وطلابَه سيُنفَّذ فيهم قريبًا حكمُ الإعدام" (حاشية): نعم، تتجلَّى نهايةُ الظلم هلاكًا للظَلَمة، وقد تجلَّتْ حقًا، فها هم الذين مكروا ذلك المكر محكومون اليوم بالإعدام الأبدي للموت، يهوون إلى أسفل سافلي جهنم، ويقضون عمرًا ذليلًا وقد انكسرت شوكتهم في هزيمةٍ ماحقةٍ وعذابٍ أشد من عذاب جهنم؛ أما بديع الزمان فما زال يحيا موفور العزَّةِ الإسلامية والشهامة الإيمانية، خادمًا بطلًا للإسلام والإيمان، يحقق للشعب التركي المسلم والعالَم الإسلامي أعيادًا معنويَّة بانتصاراته الإسلامية وبإدامته خدمة الإيمان والقرآن. بغيةَ نشرِ الخوف والرهبة في "إسبارطة" وما حولَها، بينما كان رئيس حكومة عصرِ الاستبداد والطغيان يقوم بجولةٍ في الولايات الشرقية تحسُّبًا من نشوبِ حركةِ عصيانٍ محتَملةٍ جَرَّاء إلقاء بديع الزمان في السجن.
والحال أن بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيّ كان قد اتخذ من العمل الإيجابيِّ البنَّاء دستورًا له مدى حياته، معلِنًا أنه: "لا يجوز أن تُجعَل أخطاءُ بضعةِ أفرادٍ سببًا للإضرار بمئاتِ الناس"، ولهذا لم يُؤْثَرْ وقوعُ حادثةٍ واحدةٍ في أثناء تلك المظالم المروِّعة، بل كان بديع الزمان دائمًا ما يوصي طلابه بالصبر والتحمُّل، وبالعمل لأجل الإسلام والإيمان فحسْب، وقد أدرك الجميعُ أن بثَّ مثل هذه المخاوف والإشاعات، والدفع باتجاه الانجراف في الأعمال التخريبية، إنما يصب في مصلحة الملاحدة وأعداء الدين.
أُحيلَ بديع الزمان مع مئةٍ وعشرين من طلابه على محكمةِ جنايات "أسكي شَهِر" في العام ١٩٣٥م، وصادرتِ المحكمةُ المذكورة جميعَ رسائله ومراسلاته إثر عمليَّاتِ الدَّهم والتفتيش، إلا أنها لم تجد فيها دليلًا واحدًا يُدينُهم، فأصدرت في النهاية قرارًا تعسفيًّا بناءً على رأيٍ شخصيٍّ يقضي بسَجنِ بديع الزمان أحدَ عشرَ شهرًا، وبسَجنِ خمسةَ عشرَ ممن معه ستةَ أشهر، بينما برَّأتِ المئة والخمسة الباقين.
— 233 —
هذا مع العلم بأنه لو ثبت الجُرْم المُسنَد إليهم حقًّا لحُكِم على سعيد النُّورْسِيّ بالإعدام، ولحُكِم على الآخَرين ممن معه بالسجن مع الأشغال الشاقة على الأقل؛ ولهذا اعترض بديع الزمان على هذا القرار الذي لا أساس له، وبيَّنَ أن مثل هذا الحكم إنما يليق إنزالُه بمن يسرق بغلًا أو يخطف فتاةً، وأصرَّ على أنْ يكون قرار المحكمة منطقيًّا رصينًا، فإما أن يُحكَم ببراءته، أو يُحكَم بإعدامه أو سجنه مئةَ سنةٍ وسنة.
ولا يمكننا أن نمرَّ هنا دون أن ننقل حادثةً عجيبة، وهي أنه لما كان بديع الزمان في السجن، رآه يومًا المدعي العامُّ لی"أسكي شَهِر" في السوق، فجاء إلى مدير السجن تعتريه الدهشة والحيرة، وهدَّده بالفصل من الوظيفة قائلًا: لماذا تركتم بديع الزمان يخرج إلى السوق؟! لقد رأيتُه هناك للتوِّ!!
فأجابَه المدير: كلا يا سيدي، إن بديع الزمان في السجن، بل في زنزانته الانفرادية، تفضَّل وانظر.
فذهبا ونظرا فإذا الأستاذ في مكانه؛ وشاعتْ هذه الواقعة العجيبة في قصر العدل، وتناقلَها القضاة فيما بينهم قائلين: لا تستطيع عقولنا استيعاب هذا.
(حاشية): حدثت واقعةٌ أخرى كهذه حين كان بديع الزمان في سجن "دَنِزْلي"، فقد رآه الناس أكثر من مرة في مساجد مختلفة في صلاة الفجر، وسمع بذلك المدعي العام، فقال لمدير السجن غاضبًا: بلغني أنكم سمحتم لبديع الزمان بالخروج لصلاة الفجر في المسجد! فحقَّق المدير في الأمر وأكَّد أن الأستاذ لم يُخرَج من السجن على الإطلاق.
وفي حادثةٍ أخرى كذلك، بينما كان مدير سجن "أسكي شَهِر" جالسًا مع كاتبه في يوم جمعةٍ، إذْ سمع صوتًا يناديه: سيادةَ المدير.. سيادةَ المدير، فنظر فإذا بديعُ الزمان يقول له بصوتٍ مرتفع: لا بد أن أحضر اليوم في "جامع آق"، فأجابه المدير: حسنًا سيدي، ثم عاد إلى مكتبه وهو يتمتم قائلًا: يبدو أن فضيلته لا يدري أنه في السجن ولا يمكنه الخروج.
ولما حان وقت الظهر ذهب مدير السجن إلى غرفة الأستاذ ليطيِّب خاطره، فنظر من النافذة، فلم يجده، فسأل الحارس، فأجابه: كان في الداخل، ثم إن الباب مُقْفَل، فهبَّ مسرِعًا إلى المسجد، ليشاهد بديعَ الزمان يؤدي الصلاة في الجهة اليمنى من الصف الأول، ولما شارفت الصلاة على الانتهاء لم يجد بديعَ الزمان في موضعه، فعاد من فورِه إلى السجن، ليجده بدهشةٍ يهوي إلى السجود قائلًا: اللّٰه أكبر؛ وقد روى هذه الحادثةَ مدير السجن نفسُه.